**الباب الثامن: في الإمامة
وفيه مسألتان:
- المسألة الأولى: في إثبات إمامة الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم
والدليل على إمامة جميعهم من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن كل واحد منهم جمع شروط الإمامة على الكمال.
والآخر: أن كل واحد منهم أجمع المسلمون في زمانه على بيعته والدخول تحت طاعته، والإجماع حجة.
والثالث: ما سبق لكل واحد منهم من الصحبة والهجرة والمناقب الجليلة وثناء الله عليهم وشهادة الصادق صلى الله عليه وسلم لهم بالجنة.
ثم إن أبا بكر وعمر أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلافتهما وأمر بالإقتداء بهما، وقدم أبا بكر على حجة الوداع وعلى الصلاة بالناس في مرض موته، وذلك دليل على استخلافه. ثم استخلف أبو بكر عمر. ثم جعل عمر الأمر شورى بين ستة، واتفقوا على تقديم عثمان إلى أن قتل مظلوماً بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ووعده له بالجنة على ذلك. ثم كان أحق الناس بها بعده علي لرتبته الشريفة وفضائله المنيفة.
وأما ما شجر بين علي ومعاوية ومن كان مع كل منهما من الصحابة فالأولى الإمساك عن ذكره وأن يذكروا بأحسن الذكر ، ويلتمس لهم أحسن التأويل، فإن الأمر كان في محل الاجتهاد، فأما علي ومن كان معه فكانوا على الحق، لأنهم اجتهدوا فأصابوا فهم مأجورون، وأما معاوية ومن كان معه فاجتهدوا فأخطئوا فهم معذورون .
وينبغي توقيرهم وتوقير سائر الصحابة ومحبتهم لما ورد في القرآن من الثناء عليهم ولصحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد قال صلى الله عليه وسلم: “الله الله في أصحابي، لا تجعلوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله”.
- المسألة الثانية: في شروط الإمامة
وهي ثمانية: الإسلام والبلوغ والعقل والذكورة والعدول والعلم والكفاءة، وأن يكون نسبه من قريش، وفي هذا خلاف.
فإن اجتمع الناس على من لم تجتمع الشروط فيه جاز خوفاً من إيقاع الفتنة. ولا يجوز الخروج على الولاة وإن جاروا حتى يظهر منهم الكفر الصراح. وتجب طاعتهم فيما أحب الإنسان وكره إلا أن أمروا بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
الباب التاسع: في الإيمان والإسلام
وفيه مسألتان:
- المسألة الأولى: في معناهما
أما الإسلام فمعناه في اللغة: الانقياد مطلقاً. ومعناه في الشريعة: الانقياد لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم بالنطق باللسان والعمل بالجوارح. وأما الإيمان فمعناه في اللغة: التصديق مطلقاً. ومعناه في الشريعة: التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . فالإسلام والإيمان على هذا متباينان، وعلى ذلك قوله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا}.
وقد يستعملان مترادفين كقوله: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين}.
وقد يستعملان متداخلين بالعموم والخصوص فيكون الإسلام أعم إذا كان الانقياد باللسان والقلب والجوارح، لأن الإيمان خاص بالقلب، ويكون الإيمان أعم إذا قلنا أنه قول اللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح، وهو قول كثير من السلف وإذا قلنا أن الإسلام باللسان والجوارح خاصة.
- المسألة الثانية: في أحكامهما
وفي ذلك أربع صور:
الأولى: أن يجمع بينهما، وهو أن يكون العبد مؤمناً بقلبه منقاداً بجوارحه، فهذا مخلص عند الله.
الثانية: عكسهما، وهو أن يعدم الوصفين، فهذا كافر مخلد في النار.
الثالثة: الانقياد بالجوارح دون الإيمان بالقلب، فهذا مخلد في النار وهو الذي كان يسمى في زمن النبوءة منافقاً وسمي بعد ذلك زنديقاً.
الرابعة: عكسها، وهي الإيمان بالقلب دون النطق والعمل، فإذا كان ذلك لإكراه ولضيق الوقت كمن أسلم ثم مات بأثر ذلك قبل أن يسعه نطق ولا عمل فهو معذور مخلص عند الله، وإن كان لغير ذلك فاختلف فيه.**