طريق الايمان — موضوع مستورد

6. إعــادة الحيــاه

**إنَّ الروح هي سِرُّ الحياة، كما أنَّ لها مظاهر وآثاراً تدل عليها، ومن مظاهر الروح: الفقه والعقل والإستماع والإبصار والحركة الإرادية، فلا توجد إلآ بوجود الروح، فإذا نزعت الروح فقدت كل تلك الآثار والمظاهر وانعدمت الحياة، وفي النَّوم يتوفى الله الأنفس ويقبض الأرواح، لذلك فالنائم يفقد مظاهر الروح من الفهم والإدراك والإبصار والإستماع والحركة الإرادية، قال تعالى : (﴿اللهُ يَتَوَفَى الأنْفُسَ حينَ مَوْتِها وَالتي لَمْ تَمُتْ في نَوْمِها فيمسِكُ التي قضى عَليها المَوْت وَيُرْسِل الأخرى إلى أجَلٍ مُسَمى﴾)[1 ]

وحادثة “أصحاب الكهف والرَّقيم” هي من الشّواهد الدّالة على قدرته تعالى، حين أوقف حياة هؤلاء الفتية وقبض أرواحهم ـ إلى أجل مُسَمى ـ فأستغرقوا في سّبات عميق لمدة قرون عدة، ثُمَّ أعاد إليهم الحياة ليكونوا آية دالة على عظمته وقدرته تعالى.

وليست تلك الحادثة هي فريدة نوعها، إذ يورد لنا النَّص القرآني حادثة مشابهة جرى فيها إعادة الحياة، تلك الحادثة يسوقها النص القرآني في “سورة البقرة” في معرض الحديث عن سرّ الحياة والموت والخلق والبعث، ومن ضمن الآيات العديدة التي يركز فيها القرآن على الجانب العقائدي لإنشاء التصورالصحيح لحقائق هذا الوجود، ليدرك المسلم حقائق عقيدته من خلال رؤية واعية عميقة ومستنيرة، تلك الرؤية القائمة على الأدلة والشواهد المؤدية إلى الجذم واليقين الثابت المطمئن، ليؤدي للتصور الشامل لحقيقة هذا الوجود وارتباطه بخالقه، ومن ثم إلى إدراك الإنسان لصلته بالله الخالق إدراكاً يقينياً ثابتاً، بحيث يوجد لدى الإنسان ايماناً أي تصديقاً جاذماً مطابقاً لهذا الواقع الذي أحسه وأدركه عن دليل عقلي ثابت، يبعد عن الظّن والوهم والشك ونظريات الإحتمال. فإلى النّص القرآني: (﴿أوْ كَالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَة على عُروشِها قالَ أنى يُحْيِ هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأماتَهُ اللهُ مائَةَ عامٍٍ ثُمَّ بَعّثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أوْ بَعْضُ يَوْمٍ ٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَهْ وَانْظُرْ إلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلناسِ وَانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسوها لَحْمًا فَلَما تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أعْلَمُ أنَّ اللهُ عَلى كُلِ شَئٍ قّديرٌ﴾)[2 ]

لم يعلمنا النّص القرآني من هوالرجل المارعلى القرية، كما لم يعلمنا من تلك القرية الخاوية على عروشها، ولو شاء لأعلمنا، ولو كانت حكمة النّص لا تتحقق إلآ بهذا الإفصاح ما أهمل القرآن ذكره. والذي يعنينا من ذكر تلك القصة هو عظمة الحدث وجلاله، والعِبَر التي نستخلصها من الحدث، والدلائل التي يدل عليها، بغض النظر عن اسم الشخص الذي حدثت معه، وبغض النظر عن اسم القرية.

ولأنَّ النَص القرآني لم يذكر الأسماء وتجاهلها، فقد إختُلِفَ فيها، إذ قال عكرمة وقتادة والربيع بن أنس والضحاك والسّدي: أنّ المار هو “عزير بن شرحيا”. وقال وهب بن منبه وآخرون: هو “أرمياء بن خلفياء”[3 ]. أمّا القرية التي مرّ عليها، فقال عكرمة ووهب وقتاده: هي “بيت المقدس”. وقال الضحاك: هي “الأرض المقدسة”. وقال السدي: هي “سلماباد”. وقال الكلبي: هي “دير ساير”. وقيل: هي “دير هرقل”. وقيل: هي “قرية العنب”[4 ] على بعد فرسخين من بيت المقدس.

لقد ذهب أغلب المؤرخين إلى أنّ المار بالقرية هو “العزير”، واشتهرت القصة بينهم بإسمه، وهي كما يرويها إبن كثير عن إسحق بن بشر بإسناده: [إنَّ عُزيراً كان عبدٌ صالحاً حكيماً في بني إسرائيل ممن تعلم التوراة وحفظها، خرج ذات يوم إلى ضيعة له يتعاهدها، فلما انصرف أتى إلى قرية خالية خاوية على عروشها حين قامت الظهيرة وأصابه الحر، فدخل القرية الخربة وهو على حماره، ونزل عن حماره ومعه سلّة تين وأخرى فيها عنب، فنزل في ظلِّ تلك الخربة وأخرج قصعة معه فاعتصر من العنب الذي كان معه في القصعة، ثم أخرج خبزاً يابساً معه فألقاه في القصعة ليبتل في العصير ليأكله، ثم اسـتلقى على قفاه، وأسند رجليه إلى الحائط، فنظر سقف تلك البيوت ورأى ما فيها وهي قائمة على عروشها، وقد باد أهلها، ورأى عظاماً بالية نخرة، فقال: “أنى يحي هذه الله بعد موتها”. والقول هنا ليس قول المتشكك المنكر للبعث والإحياء، بل هو قول ينطوي على التعجب. فبعث الله ملك الموت فقبض روحه، وأماته مائة عام.

فلما أتت عليه مائة عام، وكان فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمور وأحداث. قال: فبعث الله إلى عزير ملكاً فخلق قلبه ليعقل، وعينيه لينظر بهما فيعقل كيف يحي الله الموتى، ثم ركّب حَلقَهُ وهو ينظر، ثم كسى عظامه باللحم والشعر والجلد، ثم نفخ فيه الروح، كل ذلك وهو يرى ويعقل فاستوى جالسأ. فقال له المَلَك: كم لبثتَ؟. قال: لبثتُ يوماً أو بعض يوم، وذلك أنه كان لبث صدر النهار عند الظهيرة، وبعث في آخر النهار والشمس لم تغب، فقال أو بعض يوم ولم يتم لي يوم. فقال له المَلَك: بل لبثتَ مائة عام، فانظر إلى طعامك وشرابك، يعني بالطعام الخبز اليابس، وشرابه العصير الذي اعتصره في القصعة، فإذا بهما لم يتغير حالهما، فذلك قوله تعالى “لم يتسنه” يعني لم يتغير، وكذلك التين والعنب غض لم يتغير شئ من حالهما. فكأنّه أنكر في نفسه في قلبه فقال له المَلَكَ: أنكرت ما قلت لك؟ أُنظر إلى حمارك، فنظر إلى حماره قد بليت عظامه وصارت نخرة، فنادى المَلَكُ عظام الحمار فأجابت وأقبلت من كل ناحية حتى رَكَبَّهُ المَلَكَ وعزير ينظر إليه، ثم ألبسها العروق والعصب، ثم كساها اللحم، ثم أنبت الجلد والشعر، ثم نفخ فيه الروح، فقام الحمار رافعاً رأسه وأُذنيه إلى السَّماء ناهقاً. فذلك قوله تعالى: (وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية ، وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً) يعني: وانظر إلى عظام حمارك كيف يركب بعضها بعضاً في أوصالها حتى إذا صارت عظاماً مصوراً بلا لحم، ثم انظر كيف نكسوها لحماً. (فلما تبين له قال أعلم أنّ الله على كل شئ قدير ) أي من إحياء الموتى.][ 5]

ولرب سائل يتساءل: هل هذا الرجل المار على تلك القرية الخربة المحطمة على قواعدها كان ملحد كافر بالخلق والبعث بعد موت فألقى جملته "أنى يحي هذه الله بعد موتها "إنكارأ وجحوداً؟. وعلى هذا التساؤل يجيب صاحب الظلال:

[إنَّ القائل ليعرف أنّ الله هناك، ولكن مشهد البلى والخواء ووقعه العنيف في حسه يجعله يحار: كيف يحي هذه الله بعد موتها؟ وهذا أقصى ما يبلغه مشهد من العنف والعمق في الإيحاء… وهكذا يلقي التعبير القرآني ظلاله وايحاءاته، فيرسم المشهد كأنّما هو اللحظة شاخص تجاه الأبصار والمشاعر. "أنى يحي الله هذه بعد موتها!! كيف تدبُّ الحياة في هذا الموات؟ "فأماته الله مائة عام، ثُمَّ بعثه. لم يقل له كيف، إنَّما أراه في عالم الواقع كيف!!! فالمشاعر والتأثرات تكون أحياناً من العنف والعمق بحيث لا تُعالَجُ بالبرهان العقلي، وحتى بالمنطق الوجداني، ولا تعالج كذلك بالواقع العام الذي يراه العيان… إنّما يكون بالتّجربة الشخصية الذاتية المباشرة، التي يمتلئ فيها الحس، ويطمئن بها القلب، دون كلام!.. (﴿قال كم لبِثْتَ قال لبثتُ يوماً أو بعض يوم﴾). وما يُدريه كم لبثَ، والإحساس بالزمن لا يكون إلآ مع الحياة والوعي؟ على أنَّ الحس الإنساني ليس المقياس الوحيد للحقيقة، فهو يُخدَعُ وَيَضِل فيرى الزمن المديد قصيراً لملابسة طارئة، كما يرى اللحظة الصغيرة دهراً طويلاً لملابسة طارئة كذلك!: ﴿(قالَ لبثتُ مائة عام﴾).

وتبعاً لطبيعة التجربة، وكونها تجربة حسّية واقعية، نتصور أنَّهُ لا بُدَّ كانت هُناك آثار محسوسة تصور فعل مائة عام… وهذه الآثار المحسوسة لم تكن في طعامه وشرابه، فلم يكونا آسنين متعفنين: (﴿فأنظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنّه﴾) وإذأ فلا بد أنّ هذه الآثار المحسوسة كانت ممثلة في شخصه أو في حماره: (﴿وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً﴾)… أية عظام؟ عظامه هوَ؟. لو كان الأمر كذلك ـ كما يقول بعض المفسّرين أنّ عظامه هي التي تعرت من اللحم ـ للفتَ هذا نظره عندما استيقظ، ووخز حسه كذلك، وَلمَا كانت إجابته: (﴿لَبِثتُ يوماً أو بعض يوم﴾).

لذك نُرَجِحُ أنَّ الحمار هو الذي تعَرَّت عظامه وتفسّخت، ثمَّ كانت الآية هي ضَمُ هذه العظام بعضها إلى بعض وكُسْوَتها باللحم وردها إلى الحَياة، على مرأى من صاحبه الذي لم يمسه البلى، ولم يصب طعامه ولا شرابه العفن، ليكون هذا التباين في المصائر والجميع في مكان واحد، مُعَرَّضونَ لِمُؤثرات جوية وبيئية واحده، آية أُخرى على القدرة التي لا يُعْجِزها شئ، والتي تتصرف مطلقة من كل قيد، وليدرك الرجل كيف يحي هذه الله بعد موتها!!!][6 ]

نعــــم، إنَّ ظلال النَّص القرآني توحي إلينا بخطأ ما ذهب إليه إبن كثير وغيره من رواية “بشر بن إسحق” السابقة من تعري عظام صاحب العظام وإعادة كسوتها باللحم، فالآية كانت فيه (﴿ولِنجعلك آية للناس﴾)، وذلك يعني أنّه لم تُبلى عظامه في حين بليت عظام حماره.

كانت تلك قصّة من القصص العديدة، التي أتى بها القرآن الكريم لِلَفت إنتباه الإنسان إلى قدرة الله المطلقة في الخلق والإنشاء والإماتة وإعادة البَعْث، لتكون برهانأ آخر يُضاف إلى البراهين العديدة في طريق الإيمان، وهكذا قالَ الرَّجُل الذي مرّت به التجربة شخصياً ولم تُنْقَلُ إليه نقلاً أو روايَةً، بل شاهدها بعينيه وأحسها ولمسها بنفسه: ﴿(أعْلَمُ أنّ الله على كل شئ قدير﴾)… قدير على الخلق من عَدَم… وقدير على قبض الروح ونزع الحياة متى شاء… وقدير على إعادة الحياة وبعث الإنسان من جديد.

… …

1- الزمر (42)

2- البقرة (259)

3- قالوا أنّ " آرمياء بن خلفياء " هو الخضر عليه السلام.

4- أي مدينة " الخليل" من اعمال فلسطين.

5- ابن كثير،قصص القرآن، الصفحات 0631-632) .كذلك: ابن كثير، البداية والنهاية، مجلد (1)، الصفحات (43-46).

6- سيد قطب، في ظلال القرآن، مجلد (1)، جزء(3)، الصفحات (229-300)**

[5 - أصحاب الكهف والرّقيم

**قال تعالى: (﴿اللهُ يَتَوَفى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالتي لمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ التي قضى عَليْها المَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخرى إلى أجَلٍ مُسَمىً إنَّ في ذلِكَ لآياتٍ لِقوْمٍ يَتفكرونَ﴾)[1 ]

إنَّ قصة الفتية الذين فروا بدينهم من بطش وجبروت الطغاة، هي قصة تتكرر كل يوم وفي كل مكان، وفي كل الأمم والشعوب والأقوام. (إنَ أصحاب المبادئ والمعتقدات الصحيحة في كرب وشدّة وبلاء دائم، منذ أن خلقَ اللهُ الخلقَ إلى يومنا هذا، وذلك أنّه ما من أمة أو شعب أو قوم إلآ ولهم عقائد يعتنقونها، وأفكار يحملونها، وأحكام ينظمون بها أمورهم، إرتضوا لأنفسهم هذه العقائد والأفكار والأحكام وألفوها على مرور الزمن، واستعدوا للدفاع عنها، وذلك أنها غدت جزءاً من حياتهم، وهذه سنة الله في خلقه لم تتخلف في الأمم والشعوب والأقوام، لــــذا فإنّه ما من نبي أو رسول جاء لقومه بعقائد وأفكار وأحكام جديدة مغايرة لما هم عليه إلا ورفضوه وما يدعوهم إليه، وكذبوه وآذوه، فنال كل نبي أو رسول من صنوف الأذى وألوان العذاب ما نجده في كتاب الله تعالى:

(﴿وَلقدْ كذِبَتْ رُسُلٌ مِنْ قبْلِكَ فصَبَروا عَلى ما كذِبوا وأوذوا حَتى أتاهُمْ نصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكلِماتِ اللهِ وَلقدْ جاءَكَ مِنْ نبَإى المُرْسَلينَ﴾)[2 ]

وحيث أنَّ أتباع الأنبياء والرُّسُل يحملون الدعوات من بعدهم، فهم كذلك يتعرضون للأذى والتعذيب)[ 3] قال تعالى:

(﴿وَالسَمآءِ ذاتِ البُروجِ  وَاليَوْمِ المَوْعودِ  وَشاهِدٍ وَمَشْهودٍ  قتِلَ أصْحابُ الأُخدودِ  النّارِ ذاتِ الوُقودِ  إذ هُمْ عَليْها قعودٌ  وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلونَ بالمؤمنينَ شُهودٌ  وَما نقموا مِنْهُمْ إلآ أنْ يُؤمِنوا بِاللهِ العَزيزِ الحَميدِ  الذي لَهُ مُلكُ السَمَواتِ والأرْضِ واللهُ على كُلِ شَئٍ شَهيدٌ  إنَّ الذينَ فتنوا المؤمِنينَ والمُؤمِناتِ ثمَّ لمْ يَتوبوا فلهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلهُمْ عَذابَ الحَريقَ﴾ )[4 ] (ولما جاء في الحديث الشريف عن خباب بن الأرت : (… قال: كان الرجل قبلكم يُحفر له في الأرض، ويجعل فيه فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق بإثنتين، وما يصدّه ذلك عن دينه، ويمشّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه… )[5 ] فحامل المبدأ الصحيح مشعل هداية للناس من رسل وأنبياء أو من أتباعهم ومن إهتدى بهديهم وسار على نهجهم، فإنه لا يهادن ولا ينافق، ولا يخضع لضغوط الإمتحان والفتنة.)[6 ]

(وقد نال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونال أصحابه من أذى قريش وقبائل العرب ماهو معروف ومشهور، لكنّ الأنبياء والرُّسُل وكذلك أتباعهم من بعدهم ما كانوا ليتركوا حمل الدّعوة وتليغ الشَّرائع والأحكام خضوعاَ للعذاب والأذى، بل كانوا يصبرون ويصبرون على ما يلاقونه حتى يحكم الله بينهم وبين أقوامهم، وما عُرفَ أنّ نبياً أو رسولاً أو أتباع نبي أو رسول تركوا حمل الدّعوة وتخلوا عن حمل الأمانة خضوعاً للإمتحان والتعذيب، فالصبر على العذاب والأذى سنة لا تتخلف في كل من يحمل الدّعوة الحق من أنبياء ورسل واتباعٌ على مر العصور والدّهور).[7 ]

(إنَّ حمل الدّعوة يعني بالتأكيد ضرب العقائد والأفكار والأحكام المألوفة لدى الناس، واستبدال عقائد وأفكار وأحكام أخرى بها، كما يعني التعرض للأذى والعقاب والإمتحان والفتنة، وما يجب حياله من التحلي بالصبر وتحمل المكاره، وانتظار الفرج من رب العالمين. فالبلاء والعذاب أمران لا بد من حصولهما أثناء حمل الدّعوة، كما أنّ الصبر والتحمل أمران لا بد من وجودهما لدى حامل الدّعوة، وعندما تعرض الرسول صلى الله عليه وسلم للتعذيب من أهل الطائف توجه إلى ربه داعياً مبتهلاً، كما روى محمد بن كعب القرظي):[ 8]

(اللهم إليك أشكوا ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين: أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى قريب يتهجمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل علي غضبك..)[9 ]

(إنّ الفتنة والإمتحان التي يتعرض لها حملة الدّعوة كانت وتكررت وستكون وتتكرر، فما دام تعاقب الليل والنهار فسيكون هناك جلادون ومن يجلدون، وحامل الدّعوة يتحدى ولا بد الجلادين العُتاه، يتحدى المجتمع “وقادته والناس كافة” بعقائده وأفكاره ومفاهيمه وأحكامه وأعرافه وتقاليده، كما يتحدى الحكام والجلادين، ثابتاً على المبدأ، مسفهاً العقائد والأفكار والأحكام والمفاهيم والعادات والأعراف، صابراً على الأذى والعذاب والبلاء الذي سيتعرض له نتيجة ثباته على المبدأ. لذا فقد صنفه الرسول صلى الله عليه وسلم في صف واحد مع سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، مصداقاً لقوله تعالى: (﴿كُلُ نَفسٍ ذائِقةُ المَوْتِ وَإنّما توَفونَ أُجورَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ فمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَاُدْخِلَ الجَنَّةَ فقدْ فازَ وَما الحَياةُ الدنيا إلآ مَتاعُ الغُرورِ﴾)[ 10]

وحتى يتم أمر الله تعالى فإنّ الأعداء يفتحون السجون والمعتقلات، ويشهرون العصي والسياط، ويحاربون حملة الدعوة بقطع الأرزاق وحتى بقطع الأعناق، يعلنون الحرب على حملة الدعوة في كل المجالات، ليحولوا بينهم وبين حمل الدعوة والثبات عليه والإستمرار فيه ، فَمَنْ فتِنَ ومن ترك حمل الدعوة استجابة للضغوط فقد سقط، وحقق المفتون والساقط لأعداء الدعوة وأعداء الله ما يصبون إليه ويطمحون فيه.)[ 11]

(وكما ثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم على الدعوة وعلى حملها، فقد ثبت صحابته رضوان الله عليهم ثباتاً لا نظير له، والأمثلة على ذلك كثيرةً ومعروفة ومشهورة، وما قصة تعذيب بلال في بطحاء مكة وثباته على الحق، وما قصة آل ياسر وتعذيبهم برمضاء مكة وصبرهم بخافية على أحد، وكتب السيرة تقص علينا قصص ثباتهم على حمل الدعوة، كما تقص علينا أساليب التعذيب التي استعملها طغاة مكة مع الرسول صلى الله عليه وسلم ومع صحابته من بعده.)[ 12]

وكما ثبت الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته على المبدأ فلم يهنوا ولم يضعفوا، فكان منهم بلال وآل ياسر وسمية وخبيب وغيرهم صابرين محتسبين، فقد ثبت قبلهم فتية الأخدود كما أعلمنا الله في سورة البروج، الذين صبروا على العذاب وثبتوا على المبدأ حتى فاضت أرواحهم الطاهرة إلى بارئها مستبشرة بلقائه، وقد أعطانا الرسول صلى الله عليه وسلم نماذج صادقة من الثبات على الحق، وهم أصحاب عيسى بن مريم عليه وعليهم السلام الذين نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب، فلم يهنوا ولم يُفتنوا، بل صبروا وثبتوا.

كما أن ممن ثبت على المبدأ أخوة لنا عذبوا حتى الموت فلو يهنوا ولم يضعفوا، لا بل صبروا وصمدوا محتسبين حتى فاضت أرواحهم الطاهرة الزكية إلى بارئها مستبشرة بلقائه، كما حصل مع العلامة “سيد قطب” ومن سبقه من قتلى الثبات على المبدأ الحق ومن لحقهم بعد ذلك من إخوانهم الذين استشهدوا على يد عبد الناصر وخلفائه من حكام مصر. وكما حصل مع قتيل الثبات على المبدأ الحق “عبد الغني الملاح” الذي استشهد عام 1963 في بغداد تحت تعذيب حكام البعث له. وكذلك “ناصر سريس وبديع حسن بدر” ورفاقهم من شهداء الثبات على المبدأ الذين قتلهم وسحلهم في الشوارع طاغية ليبيا معمر القذافي. والمهندس “ماهر الشهبندر” ورفاقه من الشهداء الذين قتلهم طاغية العراق صدام حسين.. كل هؤلاء وغيرهم كثير ممن سبقهم ومن أتى بعدهم، لقوا ربهم وهم على عهدهم لم يتزعزع لهم إيمان، ولم تلن لهم قناة، ولم يحنوا هاماتهم للطغاة، لم يُفتنوا بل اختاروا الثبات على المبدأ والتحدي به. اليست كل نفس ذائقة الموت؟ أليس لكل أجل كتاب؟

كما أنّ اخواناً لنا كانوا ولا يزالوا متعرضين للفتنة والإمتحان، يلاقون كل أصناف الفتن والعذاب في سجون الطغاة في اوزباكستان، وفي سجون رعاة البقر الأمريكان في معتقلات غوانتنامو في كوبا، وفي كل مكان، فمنهم من قضى نحبه شهيداً صابراً محتسباً، ومنهم من ينتظر ثابتاً على المبدأ متحدياً الطغاة. وأخيراً إخواننا الملتجئون للكهوف والمغر في أفغانستان الصابرة، والحرب الصليبية الغاشمة التي تصب عليهم حمم الموت والعذاب والإبادة، صابرين محتسبين غير مفتونين متحدون أصحاب الفيل وحلفائهم من شرار الناس، لم يخضعوا ولم تلن لهم قناة. قال تعالى: (﴿مِنَ المُؤمنونَ رِجالٌ صَدَقوا ما عاهَدوا الله عَليْه فمِنْهُمْ مَن قضى نحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتظِرُ وَما بَدّلوا تبْديلاً﴾)[13 ]

لقد إلتجأ نفر من الصحابة حملة المبدأ رضوان الله عليهم إلى الحبشة فراراً بدينهم وعقيدتهم، وهرباً من ظلم الطغاة وفتنتهم، وحديثا هرب فتية آمنوا بربهم من المسلمين إلى الكهوف في أفغانستان هرباً من ظلم وجبروت الطغاة الصليبيين الكفرة وأحلافهم الشيطانية. وقصة الفتية الذين التجئوا للكهف هي قصة المؤمن صاحب العقيدة الذي فر بدينه وعقيدته من الطغاة ثابتاً على المبدأ، فاراً من الفتنة والظلم والطغيان، قال تعالى: (﴿نَحْنُ نقصُّ عَليْكَ نبَأهُمْ بالحَق إنَّهُمْ فِتيَة آمَنوا برَبهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً  وَرَبَطنا عَلى قلوبِهِمْ إذ قاموا فقالوا رَبُنا رَبُّ السَمَواتِ وَالأرْضِ لنْ نَدْعوا مِنْ دونِهِ إلهاً لقدْ قلنا إذاً شططاً  هَؤلآءِ قوْمُنا إتَخذوا مِنْ دونِهِ آلِهَةً لّوْلا يَأتونَ عَليْهِمْ بسُلطانٍ بَيَِنٍ فمَنْ أظلَمُ مِمَنْ إفترى عَلى اللهِ كَذِباً  وإذ اعْتزَلتُموهُمْ وَما يَعْبُدونَ إلآ اللهَ فأوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَئ لكُمْ مِنْ أمْركُمْ مِرْفقا﴾ )[ 14]

إلتجأ الفتية إلى الكهف ليضرب الله عليهم النعاس، فيستغرقون في نومهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا.

(﴿وَتَرى الشَّمْسَ إذا طلعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمينِ وَإذا غَرَبَتْ تَقرِضُهُمْ ذاتَ الشِمالِ وَهُمْ في فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ اللهُ فهُوَ المُهْتَدِ وَمَنْ يُضلِلْ فلنْ تَجِدَ لهُ وَلِياً مُرْشِداً  وَتحْسَبُهًمْ أيْقاظاً وَهُمْ رُقودٌ وَنُقلِبُهُمْ ذاتَ اليَمينِ وذاتَ الشِمالِ وَكَلبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بالوَصيدِ لَوْ إطَلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ﴾)[15 ]

وهنا معجزة أخرى من معجزات الخلق، الدالة على قدرة الله الخالق، تلك المعجزة التي ساقها النص القرآني لتخاطب العقول التائهة والباحثة عن الحقيقة على حد السواء، إذ فجأة تدب فيهم الحياة بعد ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً من النوم: (﴿وَكَذلِكَ بَعَثناهُمْ لِيَتَسائَلوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثتُمْ قالوا لَبتنا يَوْماً أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فابْعَثوا أحَدَكُمْ بوَرِقِكُمْ هذِهِ إلى المَدينَةِ فليَنْظُرْ أيُها أزكى طًعاماً فليَأتِكُمْ برِزقٍ مِنْهُ وَيَتلطَفَ وَلا يُشْعِرَنَّ بكُمْ أحَداً  إنَهُمْ إنْ يَظهَروا عَلَيْكُمْ يَرْجُموكُمْ أوْ يُعيدوكُمْ في مِلَتِهِمْ وَلَنْ تفلِحوا إذاً أبَد﴾اً )[ 16]

إنّهُم لم يعرفوا كم لبثوا في نومهم هذا فها هم يتناجون فيما بينهم حذرين خائفين على دينهم وعقيدتهم من فتنة وجبروت الطغاة الكفرة، لايدركون أنّ مئات الأعوام قد مرت، وأنَ أجيالاً قد تعاقبت، وأنّ مدينتهم التي شهدت طفولتهم وشبابهم والتي فارقوها ونزحوا عنها فراراً بدينهم وخوفاً من الإمتحان قد تغيرت معالمها، وأنّ الظلمة الطغاة المتسلطين قد دالت دولتهم، وأنّ خبرهم كفتية فروا بدينهم وعقيدتهم في عهد الملك الظالم قد أصبحت تاريخاً يرويه الخلف عن السّلف، وأنّ الأقاويل والروايات قد تباينت حولهم وحول عقيدتهم، وحول الفترة التي مضت منذ هربهم وانقطاع أخبارهم… ولنا أن نتصور ضخامة المفاجئة التي اعترت الفتية بعد تيقن زميلهم طول الزمن وبعده منذ فارقوا مدينتهم هرباً بدينهم، وتبدل أحوال الدنيا حولهم، حيث لم يعد في مدينتهم شئ من الباطل الذي أنكروه وقاوموه وهجروا مدينتهم فراراً منه، وأنهم بالتالي من جيل مضت عليه السنين والقرون ، وأنهم بالتالي أعجوبة في نظر الناس، وآية من معجزات الله تعالى القائل: (﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقيم كانوا مِنْ آياتِنا عَجَباً  إذ أوَى الفِتْيَةُ إلَى الكَهْفِ فقالوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَئ لنا مِنْ أمْرِنا رَشَداً  فَضَرَبْنا عَلّى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنينَ عَدَداً  ثُمَّ بَعَثناهُمْ لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزبَينِ أحْصى لِما لَبثوا أمَداً  نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأهُمْ إنَّهُمْ فِتيَةٌ آمَنوا برَبِّهِمْ وَزِدْناهُم هُدى ﴾)[ 17]

والكهف: هو الغار الواسع في الجبل. أما الرَّقيم: فقد قال أبن عباس: هي قرية خرجوا منها. وقال مجاهد: الرّقيم واد. وقال السّدي: الصخرة التي كانت على الكهف. وقال ابن زيد: كتاب. وقال آخرون: كتاب في لوح من نحاس. وقال ابن عباس: بل من رصاص. ولإبن عباس أيضاً: الرّقيم كتاب مرقوم عندهم فيه الشرع الذي تمسكوا به.

لقد إختلف المؤرخون في مكان الكهف، فقال كثيرون بأرض ايلة، وقال آخرون: نينوى . وقيل في البلقاء، وقيل في بلاد الشام، وقيل في بلاد الروم.

ويذهب “عطية زاهده” إلى أنّ الكهف هو في خربة (قمران) بجانب البحر الميت إلى الشمال من الفشخة في فلسطين، حيث يقول: (وعلى أيَة حال فإنَّ أحداً من الناس لم يسبق له أن أشار إلى علاقة أهل الكهف بمخطوطات البحر الميت، وكان مؤلف الكتاب هو من أول من بَيَّنَ أنَّ أصحاب الكهف والرّقيم كانوا في قمران قرب البحر الميت، والوثائق الرّسمية التي في حوزته، علاوة على على المصادر العلمية تثبت ذلك…)[18 ]

إنّ قصة أصحاب الكهف والرقيم هي آيـة أُخرى من آيات الله، آيات الخلق الشاهدة على قدرة الله تعالى، لذا رأيت أن يفـرد لها هذا الجزء لرؤيتي علاقتها الأكيدة بالخلق وقدرة الله تعالى على الخلق والبعث، استئناسأ بقوله تعالى: (﴿وَضَـرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خلقَهُ قالَ مَنْ يُحْي العِظامَ وَهِيَ رَميـمٌ  قُلْ يُحْييهـا الذي أنشَـأها أوَلَ مَرَةٍ وَهُوَ بكُلِّ خلقٍ عَليمُ  الذي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخضَرِ ناراً فَإذا أنْتُمْ مِئْهُ توقدونَ  أوَ لَيْسَ الذي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأرْضَ بِقادِرٍ على أنْ يَخلُقَ مِثلَهُمْ بَلى وَهُوَ الخَلآقُ العَظيمُ  فَسُبْحنَ الذي بِيَدِهِ مَلّكوتُ كُلِ شّئٍ وَإلَيْهِ تُرْجَعونَ ﴾)[ 19]**


1- الزمر (42)

2- الأنعام (34)

3- عويضه - محمود عبد اللطيف، حمل الدعوة واجبات وصفات، الصفحات (100-101 ) بتصرف

4- البروج ( 1-10)

5- رواه البخاري وأحمد وأبو داوود.

6- عويضه - محمود عبد اللطيف، حمل الدعوة واجبات وصفات، الصفحات (100-101 ) بتصرف

7- عويضه - محمود عبد اللطيف، حمل الدعوة واجبات وصفات، الصفحات (102-106 ) بتصرف

8- عويضه - محمود عبد اللطيف، حمل الدعوة واجبات وصفات، الصفحات (102-106 ) بتصرف

9- رواه ابن هشام في السيره،ورواه البغوي في التفسير، ورواه الطبراني في المعجم الكبير، عن طريق عبد الله بن جعفر.

10- آل عمران (185)

11- عويضه - محمود عبد اللطيف، حمل الدعوة واجبات وصفات، الصفحات (109) بتصرف

12- المصدر السابق ، صفحة (113)، بتصرف.

13- الأحزاب(23)

14- الكهف (13-16)

15- الكهف (17-18)

16- الكهف(19-20)

17- الكهف(9-13)

18- زاهده - عطيه عبد المعطي، أصحاب الكهف والرقيم، صفحة (1)

19- يسن (78-83)

4. مولد عيسى بن مريم

**لقد جعل الله تعالى سنته في الخلق والميلاد قائمة على قانون الزوجيّة، فشاءت قدرته تعالى الا يولد إنسان إلا بإختلاط مائي الرّجل والمرأة، ومرور هذا الإختلاط بالأطوار اللازمة لِتَكوُّنَ المخلوق في حَمْلٍ تحمله إمرأة، ثُمّ تَكوّن الجنين في رحمها بتزاوج وتلقيح.



هذه هي السُّنَة التي سَنَّها الله تعالى قانوناً وناموساً لازِماً في خلق الإنسان ? كل إنسان ? لا ولن يتخلف عن ذلك ولم يسبق تخلف حالة واحدة، فلا يمكن أن يوجَدَ إنسان إلا بتلك الطريقة. إلا أنَّ مشيئة الله وقدرته إقتضت أن يُخلقَ آدَمُ أوّلَ البشر مِنْ تُرابٍ أمْراً مُخالِفاً لِتِلْك القاعدةِ، وَانْ تُخلقَ حَواء مِنْ ضِلع آدَمَ الأيْسَرَ أمْراً آخَرَ مُخالِفاً لِذلكَ الناموس. وَإسْتَمَرَّ تَكوّنُ وايجاد الجِنس الإنساني بطريقة المُعاشَرَة والتزاوج بين ذكر وانثى، ليتم اختلاط المائين معاً،ً والتلقيح في رحم الأنثى التي تحمل في أحشائها ذلك الجنين الذي كان ثمرة إتصال جنسي بين ذكر وأنثى، لتحمله قدَراً مَعلوماً، يخرج بعدها بعملية ولادة بشراً سوياً.



إلآ أنَّ ميلاد نبي الله عيسى عليه السّلام، قد تم بطريقة خالفت تلك القاعدة وشذت عنها، فلم تتم بقانون الخلق وناموسه، إذ سبقت إرادته وحكمته تعالى أن يأتي هذا المولود إلى الدنيا بطريقة خارقة للقاعدة والقانون، ليخالف ميلاده الشريف ميلاد جميع من أتى قبله وجميع من سيأتي بعده مستقبلاً من البشر، أي بمعجزة تكون آية أخرى من آيات الله لتدلل على قدرته في الخلق، فكان ميلا د عيسى عليه السّلام بعملية "ولادة بدون أب Partheno senis" إذ أتى ميلاده الشريف المبارك من أم حملت به بدون أي إتصال جنسي مع رجل، فكان الحمل والميلاد من أم عذراء[ 1] بتول[2 ] لم يمسسها بشر مطلقاً، فلم يمتزج ماؤها بماء رجل بتاتاً، لِيُذكرّ الله تعالى الناس جميعاً: أنَّ مَنْ خَلقَ عيسى قد خلق من قبلِهِ آدَمَ بدون أم ولا أب. وفي ذلك قوله تعالى: (إنّ مثل عيسى عِنْد الله كمثل آدم، خلقه من تراب ثم قالّ كن فيكون)[3 ]



وإذا تجاوز البشر حادث خلق الإنسان أصلاً وإنشاءه على هذه الصورة، فإنَّ ميلاد عيسى عليه السلام يكون أعجب ما شهدته البشرية في تاريخها الطويل. إذ هو حادث لم تعهده البشرية لا من قبل ولا من بعد، والإنسان لم يشهد خلق نفسه، وبالتالي لم يشهد خلق أول إنسان من غير أبوين، واعتاد البشر على مر التاريخ، ومن خلال تعاقب الدّهور والأيام أن يروا الخلق والتكوين يأتي مشاهداً بالسُّنَة المعهودة والطريقة الثابتة، فلم يعهدوا أن يأتي إنسان كائنا من كان إلى هذه الحياة الدنيا بلا اتصال جنسي بين رجل وامرأة، أي بين ذكر وأنثى. فأتت المعجزة الإلهية تبرز العجيبة الثانية في مولد عيسى بن مريم من غير أب ..... من أم عذراء بتول لم تمارس الجنس مطلقاَ ولم يمسسها بشر ، وذلك مخالف وخارق للعادة التي جرت منذ وُجِدَ الإنسان نفسه على هذه الإرض ، ليشهدها البشر ، ثم لتظل عالقة بإذهانهم مُذكرة الناس جميعا بمقدرة الله ، ولافتة النظر إلى المعجزة الأولى ميلاد آدم.



لقد جرت السُّنَة في الخلق واستمرار الحياة أن يكون ذلك بالتناسل والتكاثر الآتي من اتصال جنسي بين ذكر وانثى، جرت هذه السُّنَة أحقاباً طويلة، حتى استقر في تصور البشر أنّ تلك هي الطريقة الوحيدة والناموس الأوحد. ونسوا حادث وجود النوع الإنساني أصلاً، ذلك الحادث الذي لم يشاهده بشر، فشاءت إرادة الله وقدرته أن يَضرب لهم مثلاً يُشاهدونه بِأعينهم وهو ميلاد عيسى بن مريم ليذكرهم بقدرة الله المطلقة التي لا تخضع ولا تحتاج لقوانين ولا لنواميس ولا لقواعد، إذ أنّه إذا أراد شيئاً فإنّما يقول له كن فيكون.

يقص علينا القرآن الكريم قصة ميلاد عيسى بن مريم عليه السلام :

(واذكرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذ انتبَذتْ مِنْ أهْلها مَكاناً شَرْقِياً  فاتخذت مِن دونِهمْ حِجابا فأرْسَلنا إليها روحَنا فتمثلَ لها بَشرا سَويا  قالت إني أعوذ بِالرَّحْمن مِنكَ إنْ كنتَ تقيا  قالَ إنّما أنا رَسُولُ رَبكِ لأهَبَ لكِ غلاما زَكيا  قالت أنّى يَكونُ لي غلامٌ وَلمْ يَمْسَسني َبشَرٌ وَلمْ اكُ بَغيا  قالَ كذلكِ قالَ رَبكِ هُوَ عَليَ هَيْنٌ وَلِنَجْعَلهُ آيَة للناسِ وَرَحْمَة مِنا وَكانَِ أمْرًا مَقضيا  فَحَمَلتهُ فانتبَذتْ بِهِ مَكاناً قصِيا  فأجاءَها المَخاضُ إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مِت قبلَ هذا وَكنتُ نَسْيا مَنسيا  فناداها مِن تحْتِها ألا تحزني قدْ جَعَلَ رَبكِ تَحتكِ سَريا )[4 ]

ممن وُلدَ المسيح؟ من فتاةٍ عذراء بتول طاهرة نقية تقية، نذرت نفسها لعبادة الله ربها، لم يُعرَف عنها وعن أسرتها إلآ التُقى والصلاح والنقاء والطهارة، كانت معروفة لقومها أنها مِثال الطهارة والعفة، حتى أنها تنتسب إلى هارون أبي سدنة المعبد اليهودي المتطهرين… أنها عذراء بتول، لم تقترف الزنا والفاحشة، ولم تمارس الإتصال الجنسي لا حلالاً ولا حراماً. يؤكد ذلك شهادة قومها: “يا أخت هارون”[ 5] وبصريح النص القرآني الذي يؤكد أن الميلاد كان من عذراء بتول تقية نقية طاهرة، لا بل مثال للطهارة والعفة، أحصنت فرجها ولم تقترف الزنا والسفاح والآثام، ذات التربية الصالحة والمنبت الطيب الأصل من سلالة الأتقياء الأطهار: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ التي أحْصَنَتْ فَرْجَها فنفخنا فيهِ مِن روحِنا وَصَدَّقتْ بِكلِماتِ رَبِّها وَكتبِهِ وَكانتْ مِنَ القانتينَ)[ 6]

وضعت مريم حملها آتية بالمعجزة لبني إسرائيل "ولنجعله آية"، تحمل لهؤلاء القوم المشهورين بالعصيان والتمرد والتشكك حتى من الآيات البينات والحقائق المعلومة بالدليل الباتر، صورة أخرى من صور أيات الله ومعجزاته علهم يتفكرون، قال تعالى:

(فأتت بِهِ قوْمَها تحمِلهُ قالوا يا مَرْيَمُ لقد جئتِ شيئا فرياً  يا أختَ هارونَ ما كانَ أبوكِ امرأَ سوءٍ وَما كانت أُمُّك بَغِيا  فأشارَت إليهِ قالوا كيْفَ نكلمٌ مَن كانَ بالمَهدِ صَبيًا  قالَ إني عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الكِتابَ وَجَعَلنِي نَبياً  وَجَعَلني مُبارَكاً أيْنَ ما كنتُ وَأوصاني بالصَّلاةِ والصِيام ما دمتُ حَياً  وَبَراً بوالِدَتي وَلمْ يَجْعلنِي جَباراَ شقِياً  وَالسَّلامُ عَليَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أموتُ وَيَوْمِ أبْعَثُ حَياً  ذلكَ عيسى بنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِِ الذي فيهِ يَمْترونَ  ما كانَ لِلهِ أنْ يَتخذَ وَلداً سُبْحانَهُ إذا قضى أمْراً فإنّما يَقولُ له كنْ فيَكونَ )[ 7]

لقد حملت مريم إبنة عمران العذراء البتول حملها الشريف الطاهر، ووضعته غلاماً زكياً، حملت هذا المولود وأتت به أهلها. فدُهِش القوم وهم يرون إبنتهم الطاهرة العذراء المنقطعة للعبادة، تحمل لهم طفلاً وضعته لا يعرفون له أب!!! فانطلقوا يُقرِّعونها ويوبخونها بإتيانها هذا الفِعل الفظيع المُستَنكر... طفقوا يذكرونها بتقواها وصلاحها المشهود "يا أُخت هارون". كيف لا وهي من تلك الذرية المشهود لهم بالتقى والصلاح!!! كيف تأتي بذلك الفعل الشنيع الفاحش المستهجن المستقبح وهي سليلة الصالحين الأتقياء العباد القانتين المخلصين!!!. إنّ معلوماتهم الموثقة أنه لا يمكن أن يأتي مولود إلى هذه الدنيا مطلقاً إلآ بإتصال جنسي بين ذكر وأنثى "مشروع أو غير مشروع"، فلا يمكن أن يكون حمل وولادة إلا بطريقة الزوجية المشروعة، أو بالسِفاح غير المشروع. وكلاهما تزاوج واتصال جنسي بين ذكر وأنثى يُنتج تلقيح وحمل وولادة، والسِّفاح هو تزاوج غير مشروع، لـــذا فهو مستقبح ومستهجن، خاصة إن أتى من مريم إبنة عمران، التي هي كما هوعلمهم ومعرفتهم العذراء التقية المنقطعة للعبادة، إبنة كرام الناس الأعلام الأبرار. وبما أنّها أتتهم تحمل مولوداً بلا زواج، فالقاعدة أنها ما دامت عذراء لم تتزوج بعد، فمنطقهم يقول بأنها قد حملت بمولودها سفاحاً ولا بد.



وجواباً لتساؤلاتهم وشكوكهم فقد أشارت للمولود أن يسألوه ليأخذوا الرد منه وقد نذرت الصوم عن الكلام عبادة لله وامتثالاً، مما أثار استنكارهم لذلك قائلين "كيف نكلم من كان في المهد صبياً؟". فكانت المعجزة الأخرى الخارقة العجيبة، إذ تكلم المولود في مهده على غير المألوف المعهود، معجزة أخرى من معجزات الله تعالى، فتكلم المولود في المهد على غير المعهود المألوف آية أخرى من آيات الله الدالة على قدرته، ونفي لأي إرتياب أو شك قد يعلق في الأذهان بشأن طهارة أمه الوالدة، وهو بالتأكيد دليل دامغ على أنّ في ولادة المولود سرٌ جديدٌ من أسرار الخلق. هذا الخلق المعجزة. والمعجزات هي أمور خارقة للعادة للتدليل على نبوة نبي أو رسالة رسول.  إذاً فإنّ خلق عيسى عليه السلام بهذه الصورة الخارقة للعادة هي أيضاً من علائم النّبوة التي تنبئنا به النّصوص القرآنية به. 

(وإذ قالتِ المَلائِكةُ يا مَرْيَمُ إنّ اللهَ إصْطفاكِ وَطهرَكِ وَاصْطفاكِ عَلى نِساءِ العالمينَ  يا مَرْيَمُ اقنُتي لِرَبِكِ واسجُدي واركعي مَعَ الراكعينَ  ذلكَ مِنْ أنْباءِ الغَيْبِ نوحيهِ إليْكَ وما كنتَ لدَيْهِم إذْ يُلقونَ أقْلامَهُمْ أيُهُمْ يَكفلُ مَرْيَمَ وما كنْتَ لدَيْهِمْ إذ هُمْ يَختصِمونَ  إذ قالتِ المَلائِكةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ يُبَشِرُكِ بِكلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ المَسيحُ عيسى ابْنُ مَرْيَمَ وَجيهاً في الدُّنيا والآخِرَةِ وَمِنَ المُقرَّبينَ  وَيُكلِمُ الناسَ في المَهْدِ وَكهْلاً وَمِنَ الصالِحينَ  قالتْ رَبِّ أنَّى يَكونُ لي وَلدٌ وَلم يَمْسَسْني بَشَرٌ قالَ كذلِكِ اللهُ يَخلُقُ ما يَشاءُ إذا قضى أمْراً فَإنَما يَقولُ لهُ كنْ فيَكونُ  وَيُعلِمُهٌ الكِتابَ وَالحِكمَةَ والتَّوْراةّ وَالإنْجيلَ  وَرَسولاً إلى بَني إسْرائيلَ إني جِئْتُكمْ بآيَةٍ مِنْ رَبكمْ أنّي أخلقُ لكمْ مِنْ الطينِ كهَيْئةِ الطير فَأنفخ فيهِ فَيَكونُ طيْراً بإذنِ اللهِ وَأبْرئُ الأكمَة والأبْرَصَ وَأحي المَوتى بِإذْنِ اللهِ وَأُنْبِئُكمْ بِما تَأكلونَ وَما تَدَّخِرونَ في بُيوتِكمْ إنَّ في ذلِكَ لكمْ إنْ كنْتمْ مؤمِنينَ  وَمُصَدِّقا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوْراةِ وَلأُحِلَّ لكمْ بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَليكمْ وَجِئْتُكمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبكمْ فاتقوا اللهَ وأطيعونِ  إنَّ اللهَ رَبي وربُّكمْ فَاعْبُدوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقيمٌ )[8 ]

إنَّ ولادة عيسى بن مريم عليه السّلام، بكل ما رافقها من خرق للقوانين والنواميس المعروفة لدى الناس، كانت آية من آيات الله، تُعلن قدرة الله تعالى وأنّه سبحانه وتعالى لا يتقيد ولا يلتزم ـمتى شاءـ في خلقه للأشياء بقانون الأسباب والمسببات الذي يَسيرُ العالم عليها مُجْبَراً بِأمر الله. وقد إتخذ البعض من ولادة عيسى عليه السلام بدون أب حجة على ألوهيته، كما اتخذ البعض الآخر ذلك منفذاً للطعن في أُمه أو للتشكيك في وجود المسيح، وهؤلاء جميعاً يخاطبهم الله تعالى في القرآن الكريم: (إنَّ مثل عيسى كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين.)[ 9] فتعالى الله الأحد الصمد عما يدعون (قل هو الله أحد  الله الصمد  لم يلد ولم يولد  ولم يكن له كفواً أحد )[ 10] 



حملت مريم بالمسيح عليهما السلام بمجرد نفخ الرّوح، وطبيعي أنها مرَّت بجميع أدوار الحمل إلى أن وضعت حملها وأتت بمولودها، والنّص القرآني لم يذكر لنا شيئاً عن تلك الأدوار. يقول البيضاوي في تفسيره: (وكانت مدة حملها سبعة أشهر، وقيل ستة، وقيل ثمانية، ولم يعش مولود وضع لثمانية غيره، وقيل ساعة). ولما أذن الله تعالى أن يكون وضع وميلاد، ألجأها المخاض إلى جذع نخلة في موضع في مدينة "بيت لحم" من أعمال فلسطين. يقول البيضاوي: (إنَّ الزَّمن كان شتاء والنخلة يابسة، وإنّما  كان مجيئها لتستتر أو لتعتمد عليها). أما إبن كثير فيقول: (ثم الظاهر أنها حملت به تسعة أشهر كما تحمل النساء ويضعن لميقات أجلهن ووضعهن، إذ لو كان خلاف لذكر)[ 11]    

وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من شهد أن لا إله إلآ الله وحده لآ شريك له، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وأنّ عيسى عبده ورسوله، وكلمة ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)[ 12]

إنَّ مدة الحمل التي ذكرنا من روايات المفسرين ليس لها سند من دليل قطعي، فالنّص القرآني لم يتعرض له، كما لم يرد في الحديث الشريف أي ذكر لذلك الحمل الشريف كيف تمَّ وكم كانت مدته، ولم يذكر لنا هل كان حملاً عادياً كحمل بقية النساء أم غير ذلك، إذ إقتصر الإخبار بنفخ الروح والحمل والميلاد فقط. قال تعالى:

(والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين)[13 ]

(ومريم إبنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين)[14 ]

نعم يعلمنا الله تعالى في محكم التنزيل بنفخ الروح، ثم يعرج ليقص لنا كيف تم الميلاد : (فَحَمَلتْهُ فإنْتبَذتْ بِهِ مَكاناً قصِياً  فأجاءَها المَخاضُ إلى جذع النخلةِ قالتْ يا ليتني مِتُّ قبلَ هذا وَكنتُ نَسْياً مَنسِياً )[15 ]

إنَّ الحمل المعهود يتم بتلقيح بويضة المرأة من نطفة الرجل، فتبدأ النطفة الأمشاج “الملقحة” في النشاط والنمو في أطوار معروفة، إذ تكون علقة فمضغة، ثم تكسى العظام باللحم بعد أن ينشز اللحم، إلى أن يستكمل الجنين أيامه المعهودة.[16 ]

ونعود إلى حمل مريم بعيسى عليهما السلام، فهل تمت مراحل هذا الحمل بعد نفخ الروح؟ أم هل تولد الجنين بعد نفخ الروح مختصراً المراحل المعهودة فأتى الوضع والميلاد بعد نفخ الروح مختصراً المراحل المعهودة فأتى الوضع والميلاد رأساً بعد نفخ الروح، فكان حملاً خفيفاً في مدة مختصرة؟. إنَّ أياً من تلك الإحتمالات لم نجد له جواباً شافياً لها، بل لم يتعرض له النص القرآني. وبما أنّ الموضوع من متعلقات العقيدة، والعقيدة لا تُأخذ إعتقاداً إلآ بالنص القطعي من قرآن أو حديث متواتر، لــــــذا فنقتصر في ذلك على ما ورد به النص، وليس لنا الإجتهاد أو التخمين في ذلك، والله تعالى أعلم.



يعلمنا النص القرآني أنَّ مريم بعد أن حملت حملها انتبذت من أهلها مكاناً نائياَ قصياً بعيداَ عن الأنظار، لتواجه المخاض الذي ألجأها إلى جذع النخلة، لتضع حملها الطاهر، ولتواجه المجتمع والناس كافة بالآية المعجزة. 



هذه هي قصة ميلاد رسول الله عيسى بن مريم عليه السَلام، كما أتت في محكم التنزيل، مكذبة كل الإدعاءأت والروايات المختلقة الملفقة، عبد الله ورسوله، بشر كباقي البشر، أتى بحمل وميلاد من أنثى حاضرة شاهدة معروفة، تعيش بينهم، تأكل مما يأكلون وتشرب مما يشربون، فهو ليس ابن الله ولا ثالث ثلاثة، إنسان بشر ليس إله ولا رب ولا أبن رب، ولا ملاك، استعرضناها في بحثنا كصورة فريدة ومميزة من صورخلق وميلاد الإنسان.

(ذلِكَ عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترونَ  ما كانّ لِله أن يَتّخِذَ وَلداً سُبْحانهُ إذا قضى أمْراً فَإنَّما يَقولُ لهُ كنْ فيَكونَ )[ 17]

إنّه عيسى بن مريم الإنسان، عبد الله ورسوله. الشريف الطاهر المبارك، المرسل رحمة إلى بني إسرائيل العصاة المكابرين، ليعيد الضالين منهم إلى عقيدة التوحيد، مصدقاً للتوراة كتاب الله المنزل على نبي الله موسى، ومرسلاً بكتاب الله "الإنجيل" المتضمن رسالته إليهم بشرائع وأحكام جديدة، بعضها مثبتاً لما أتت به التوراة، والبعض الآخر مبدلاً ومخالفاً لما أتت به التوراة، أتاهم بشواهد ومعجزات تدلل على رسالته، معجزة في مولده، ومعجزة في تكلمه في مهده، ومعجزة إحياءه الموتى وشفاءه للمرضى، ومبشراً برسول يأتي من بعده أسمه أحمد. 



إن عيسى عليه السلام الوليد الناطق في المهد، عبد الله ورسوله، ليس ابن الله وليس رباً ولا إلهاً ولا ثالث ثلاثة، كما يلحد إليه المشركون الكافرون... هذه هي حقيقته في مولده وفي نشأته، لقد أنكر المولود كل تلك الإتهامات إذ تكلم في المهد على غير عادة المواليد، خارقاً النواميس في مهده تماماً كما خرقها في ميلاده. 

(قالَ إني عَبْدُ اللهِ آتاني الكِتابَ وَجَعَلني نَبِياً  وَجَعَلني مُباركاً أيْنَ ما كنْتُ وَأوْصاني بِالصَلاةِ والزَكاةِ ما دُمْتُ حَيا  وَبَراً بِوالِدَتي وَلمْ يَجعَلني جَباراً شقِياً  وَالسَّلامُ عَليَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أموتُ وَيَوْمَ أبْعَثُ حَياً )[18 ] **


العذراء: هي التي لم تلد، ولم يسبق لها الزواج أو الوطء، ولم تفضَّ بكارتها.

البتول: هي العذراء المنقطعة عن الزواج إلى العبادة.

آل عمران: ( 59 ).

مريم: ( 16 ? 24 ).

“يا أخت هارون” عبارة درج يهود في ذلك الوقت إطلاقها على الفتيات المشهود لهم بمنتهى العفة والطهارة والتقى والصفاء والنقاء، وإحصان الفرج وغض الطرف. ? مما يعني شهادة من قومها في معرض التعجب والاستهجان على فعلها الظانين به إثماً.

التحريم : ( 12 ) .

مريم: ( 27 ? 35 ).

آل عمران: ( 42 ? 51 ).

آل عمران: ( 59 ).

الإخلاص: ( 1 ? 4 ).

ابن كثير، البداية والنهاية، جزء ( 2 )، صفحه ( 65 ).

رواه الشيخان.

الأنبياء: ( 91 ).

التحريم: ( 12 ).

مريم: ( 22 ? 23 ).

وذلك ما سنتعرض له بالتفصيل في " الباب الرابع " من هذا الكتاب، إن شاء الله.

مريم: ( 34 ? 34 ).

مريم: ( 30 ? 33 ).

**3. خلق الزوجة (حواء) **

**قال تعالى: (وَمِنْ آياتِهِ أنْ خلقَ لكُم مِنْ أنْفُسِكُم أزواجاً لِتَسْكُنوا إلَيْها، وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً، إنَّ في ذلِكَ *لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكرون)[1 ] وَقالَ تَعالى : (هُوَ الذي خَلَقَكُم مِن نَفسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيها)[ 2] وقالَ رَسول الله صلى الله عليه وسلّم: (خلقت المرأة من ضلعِ أعوج فإن تنقمها تكسرها وإن تتركها تستمع بها على عوجها)



قال المفسرون: (لمّا أسكنَ الله تعالى آدم الجنّة كان يمشي بها وَحْشِياً،[4 ] لم يكن له من يجالسه ويؤانسه، فألقى الله عليه النّوم، فأخذ ضِلعاً من أضلاعِه من شِقِهِ الأيسَرَ يقال له "القيصري" فخلق منه حواء من غير أن يحسَّ آدم بذلك ولا وجد ألماً، ثم ألبسها من لباس الجنَّة وزيّنها بأنواع الزّينة، وأجلسها عند رأسه، فلما هبَّ من نومه رآها قاعدة عند رأسه، فسألته الملائكة يمتحنون علمه: ماهذه ياآدم؟ فقال : إمرأه، ولما سألوه عن اسمها قال: حوّاء. ولما سألوه: لمن خلقها الله؟ قال: لتسكن إلي وأسكن إليها...)[5 ] 



إن الله تعالى قد خلق "حواء" لتكون "زوجَة" لآدم، يسكن إليها وتسكن إليه. وبالتالي ليبدأ الفصل الثاني من نظام الخلق الذي سنَّهُ الله تعالى، الآ وهو التزاوج والتناسل، الذي فَرَضَهُ الله تعالى القانون الوحيد الذي يتم به وحده خلق الإنسان بعد خلق آدم وحواء، ولم يُخرج عن هذا القانون إلا "عيسى بن مريم عليه السَّلام" لحكمة أرادها الله تعالى.



لقد خلق الله الإنسان "الرَّجل والمرأة" في فطرةٍ معينةٍ تمتاز عن الحيوان، فكلاهما إنسان لا يختلف أحدهما عن الآخر في الإنسانية بشيْ، ولا يمتاز أيّ منهما بأيِّ إمتياز من إمتيازات الإنسانية مطلقاً، لذا فقد هيأهما الله سوية لخوض معترك الإنسانية في مجتمع واحد وجعل بقاء النَّوع الإنساني متوقفاً على إجتماع الرّجل والمرأة في مجتمع واحد، وقد خلق الله في كلِ منهما طاقات حيوية هي نفس الطاقات الموجودة في الأخر، وأودع في نفس كل منهما الرّغبة لإشباع جوعات وثورات تلك الطاقات، كما أودع في نفس كل منهما القابلية لإثارة تلك الطاقات لتتطلب الإشباع، وأياً كان نوع تلك الطاقات فقد أودعها الله في كليهما.



والطاقات الكامنة في نفس الإنسان نوعان، تبعاً لنوعية الإثارة ـ من داخلية وخارجية ـ وتبعاً لحتمية ألإشباع من عدمه حين تتطلبه، وتبعاً لما ينتج في حالة عدم الإشباع إثر تطلبه وهي نوعان : 
  1. الحاجات العضوية: مثل الجوع والعطش وقضاء الحاجة.

  2. الغرائز: التي تقسم بدورها إلى ثلاث أنواع : [غريزة التدين. غريزة النوع. غريزة حب البقاء]

    والغرائز جميعها هي كامنة في كليهما، فهي موجودة في المرأة كما هي موجودة في الرّجل، وبنفس الصفة والنوعية، كما أنّ في كليهما القدرة على التفكير بنفس القوة، فالعقل الموجود في أيٍ منهما هو نفس العقل الموجود في الآخر.

    إلآ أنَّ “بقاء النوع الإنساني” الذي هو من الأهداف العليا لصيانة المجتمع التي حافظ عليها الإسلام، قد حُصِرَ في إجتماع الرّجل والمرأة؛ فغريزة النوع وإن أمكن أن يشبعها ذكر من ذكر “لواطاً” أو أنثى من أنثى "سحاقاً، إلا أنّ مثل هذا الإشباع ـ وإن تَمَّ ـ لا يمكن مطلقاً أن يؤدي الغاية التي من أجلها وُجِدّت تلك الغريزة في الإنسان، إلا في حالة واحدة هي أن يشبعها الذكر من الأنثى وأن تشبعها الأنثى من الذكر.

    لــــذا فإنّ صلة الزوجية من الناحية الجنسية هي الصلة الطبيعية التي لا غرابة فيها ، والتي تمت حكمة الله تعالى أن تكون قانون وجود النوع الإنساني، فهي الصلة الأصلية التي بها وحدها يتحقق الغرض من ايجاد الغريزة، ألا وهو بقاء النوع الإنساني. فإذا وقعت بينهما هذه الصلة على شكل الإجتماع الجنسي كان ذلك بديهياً ومنطقياً وطبيعياً وبعيداً عن الغرابة، بل كان مثل هذا الإجتماع أمراً حتمياً ولازماً لتحقق بقاء النوع الإنساني، إلا أنّ إطلاق هذه الغريزة هو أمر مضر للإنسان وحياته الإجتماعية.

    ونظرة الإسلام إلى الغرض من وجود الغريزة أنَّه: “النّسْل لبقاء النوع الإنساني”، لذا فقد وَجَّهَ الإنسان لجعل نظرته لتلك الغريزة منصبَّة عل الغرض الذي وُجِدَت من أجله في الإنسان، وشدد على حصر النظرة بهدف بقاء النوع الإنساني لدى كل من الرجل والمرأة، بغض النظر عن اللذة والإستمتاع الحاصلتين طبيعياً وحتمياً نتيجة الإشباع.

    وبما أنّ الإسلام يعتبر أن لا صلاح لأي جماعة إلآ بتعاون أفرادها - ذكوراً وإناثاً ? بإعتبارهما أخوَين مُتضامِنَيْن تضامن مودة ورحمة، لذا فقد أكّدَ الإسلام على ضرورة ايجاد مفهومٌ عند الناس ? ذكوراً وأناثاً ? عن كيفية إشباع غريزة النوع وعن الغاية من وجودها، فأنشأ لهم نظاماً إجتماعياً متميزاً، يُزيل تسلط مفاهيم الإجتماع الجنسي، بجعلها أمراً طبيعياً وحتمياً للإشباع لأجل تحقق النسل والتكاثر، كما يزيل مفهوم حصر تلك الصلة باللذة والإستمتاع، وبالتالي يجعلها نظرة تستهدف مصلحة الجماعة بالتناسل والتوالد.[6 ]

    وباستعراض بعض النصوص القرآنية التي تناولت الموضوع، نرى أنها أتت منصبة على “الزوجيّة” مما يثبت أن خلق الغريزة وايداعها في الإنسان ذكره وأنثاه كان أصلاً لأجل هدف سام هو: الزوجية للنسل والتكاثر بهدف بقاء النوع الإنساني. قال تعالى:

(هُوَ الذي خلَقَكم مِنْ نَفْسِ واحدةٍ، وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكنَ إلَيها، فَلمّا تَغَشاها حَمَلتْ حَمْلاً خفيفاَ فَمَرَت بِهِ، فَلمّا أثقلت دَّعَوا اللهَ رَبَهما لئِن آتَيْتَنا صالِحاً لنَكونَنَّ مِنَ الصّالحينّ)[7 ]

(يا أيُها النّاس اتقوا رَبَكُم الذي خَلقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثيراً وَنِساءً واتقوا اللهَ الذي تّسآءَلونَ بِهِ وَالأرْحامَ إنَ اللهَ كانَ عَليْكمْ رَقيباً)[ 8]

(وَلَقَدْ أرْسَلنا رُسُلاً مِنْ قَبلِكَ وَجَعَلنا لهُمْ وَذُرِيَةً)[ 9]

(وَاللهُ جَعَلَ لكمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ أزواجاً، وَجَعَلَ لكمْ مِنْ أزواجِكمْ بَنينَ وَحَفَدَةً)[ 10]

(وَمِنْ آياتِهِ أنْ خلقكم مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إذا أنتمْ بَشَراً تَنْتَشِرونَ  وَمِنْ آياتِهِ أنْ خلقَ لكمْ مِنْ أنفسِكمْ أزْواجاً لِتَسْكنوا إليْها وَجَعَلَ بَيْنَكمْ مَوَدَةَ وَرَحْمَةً إنَّ في ذلِكَ لآياتٍ لِقوْمٍ يتفكرونَ)[11 ]

(فاطِرُ السَّمَواتِ والأرْضِ جَعَلَ لكمْ مِنْ أنْفُسِكمْ أزْواجاً وَمِنَ الإنْعام أزْواجاً)[ 12]

(وَانَّهُ خلق الزَوْجَينِ الذكرَ والأنثى  مِنْ نُّطْفَةٍ إذا تَمَنّى )[13 ]

إنَّ الله تعالى قد سلط الخلق على الزوجين الذكر والأنثى من ناحية الزّوجيّة، وحصر التوالد والتكاثر بين البشر بها، هذا هو قانون الخلق الوحيد الذي به وحده يخلق ويوجد أي إنسان، وهو المفهوم الوحيد الذي غرسه في أذهان البشر، وكرر ذلك حتى يظل المفهوم والنظرة إلى الصلات بين الذكر والأنثى منصبة على الزوجيّة أي على النّسل لبقاء النوع الإنساني، نفياً ومبطلاً أي نظرة أو مفهوم يخالف ذلك.



وبدراستنا لواقع العيش في المجتمع الجاهلي في الجاهليّة الأولى، وهي الفترة التي سبقت الإسلام، وأحوال المرأة بالذات، نجد واقعها أنها كانت متاعاً أو كالمتاع، لاتملك من أمر نفسها شيئاً، ولا يُعْتَرَفُ لها برأيٍ أو إرادةٍ أو مشورةٍ حتى في شؤونها الخاصة، وقد كانت نظرة الزراية بها والهضم لحقوقها والنفي لشخصيتها تسود العالَمَ أجمع، وليس عند العرب فقط، فكانوا يكرهون أن يرزقوا الإناث. قال تعالى: 

(وَإذا بُشِّرَ أحَدُهُمْ بِالأُنثى ظلّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كظيمٌ  يَتَوارى مِنَ القوم مِنْ سوءِ ما بُشِّرَ بهِ أيُمْسِكهُ على هَوْنٍ أمْ يَدَسُّهُ في التُرابِ ألا ساءَ ما يَحْكمونَ )[14 ]

إنَّ الإسلام قد نظر إلى الإنسان "رجلاً كان أم إمرأة" أنّهُ إنسان فيه الغرائز والميول وفيه العقل والإدراك أيضاً، وأباح وهيأ ومكن الإنسان التمتع بلذائذ الحياة، ولكن على وجه يحفظ الجماعة والمجتمع، ويؤدي إلى تمكين الإنسان من السّير قدماً لتحقيق سعادة وهناء الإنسان داخل مجتمع متوازن تسوده الطمأنينة وتحكمه السنن والقوانين والضوابط الموافقة للفطرة التي اودعت بالإنسان. وبما أنّ حفظ النوع الإنساني من أهداف الإسلام العليا لصيانة المجتمع، ولأجل تحقق تلك الأهداف والغايات أتت ضرورة وحتمية الحفاظ على النَّسب، وبناء عليه فقد حصر الإسلام صلة الجنس بالزواج أو ملك اليمين. وللحفاظ على النسب وللحيلولة دون اختلاطه، فقد سَنَّ الأنظمة والأحكام التي تكفل المجتمع من اختلاط النّسب وتلك التي تكفل الحفاظ عليه، بجعل كل صلة أو علاقة تخالف ذلك وتخرج عنه جريمة تستوجب أقصى أنواع العقوبات الرادعة، ولبشاعة تلك الجرائم وخطورتها على المجتمع وحتى تكون العقوبات زاجرة رادعة، فقد سُنت ضمن الحدود التوقيفية التي لا يجتهد في مضمونها، محذراًَ من الرأفة والرَّحمة لمرتكبوا تلك الجرائم، قال تعالى: 

(الزانية والزاني فاجلدوا كلَّ واحِدٍ منهما مائَةَ جَلدَةٍ ولا تَأخذكم بهما رّأفَة في دين الله إنْ كنتم تُؤمنونَ باللهِ وَاليَوْمَ الإخِرَ وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين)[ 15]

من هنا يتبين مدى الفرق الشاسع بين نظرة الإسلام للإتصال الجنسي المنبثق عن نظرته لطبيعة الغريزة الكامنة في الإنسان ذكره وانثاه ولطرق اشباعها، ونظرته للمرأة نفسها وللناحية الزوجية التي تقتضيها وتفرضها طبيعة وجودها مع الرجل في مجتمع واحد؛ وبين نظرة الجاهلية الحديثة، فإنَّ كل وجهات نظر الجاهلية الحديثة ومفاهيمها: مسلطة على الناحية الجنسية وكيف نستمتع بها، بل وكيف نكثر من إنتهال المتعة واللذة. وبناء على تسليطهم على الناحية الجنسية فقط كوسيلة للمتعة واللذة وكهدف وغاية ، فمن الطبيعي أن يترتب على ذلك نظرة للمرأة أنها بوتقة لإشباع الرّغبات الجنسية، لا بل وسيلة من وسائل الإثارة والايقاع واشباع الشهوات الجنسية، صاحب ذلك اعتبارهم أنَّ عدم إشباع الغريزة بالجنس المطلق بلا ضوابط، وعدم اطلاق العنان لممارسته يشكل خطر على الصحه والعقل، وكبتٌ للغريزة التي لا بد من اطلاقها، وبما أنهم فهموا أنَّ وظيفة المرأة في ذلك هو الإستمتاع بها والإثارة، كان الحل الوحيد في نظرهم للمشكلة هو ايجاد المناخ المناسب للإثارة لدى كل من الرجل والمرأة بكل الوسائل المتاحة.



وبما أنّ عقولهم قد قصرت وعجزت عن إدراك السّبب الذي من أجله خلقت الغريزة في الإنسان وهو بقاء النوع الإنساني، بالعلاوة على اعتقادهم بحيوانية الإنسان، فإنهم بالتالي قد فهموا العلاقة بين الرجل والمرأة من ناحية جنسية في شكلها البدائي الحيواني، لذا فلا مانع عندهم لا بل من الطبيعي والبديهي والمنطقي  ? ما دام الجنس وممارسته قد أصبحا لديهم هدفاً يُسعى إليه لتحقيق اللذة والنشوة والإستمتاع ? أن يُمارَسَ الجنس بصورة حيوانية منحطة، ما دام يفي بالمطلوب ويحقق الغاية ويوصل للإشباع، فمن الطبيعي أن يُمارَسَ الجنس بصورةٍ شاذة، كأن يمارسه رجل مع رجل، أو أن تمارسه انثى مع انثى، أو إتيان المرأة في غير موضع الحَرْث "موضع الحمل والتناسل".



  لقد أثبتوا بذلك نظرية التطور!!! إذ طوروا الإنسان رجعياً، فحتى الحيوان البهيم الغير عاقل، والذي تطور الإنسان بزعمهم من نسله، لم ينحط إلى درجة الشذوذ بأن يواقع الذكر منه الذكر، أو أن تواقع الأنثى منه الأنثى، أو أن يواقع الذكر منه أنثاه في غير موضع التناسل، إلا في حالات نادرة.

قال تعالى :

(وَيَسْئَلونَكَ عَنِ المَحيضِ قلْ هُوَ أذىً فَاعَتَزِلوا النِساءَ في المَحيضِ ولا تَقرَبوهُنَّ حَتّى يَطهُرْنّ فَإذا تَطهَرْنَ فَأتوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكمُ اللهُ إنَّ اللهَ يُحِبُّ التوابينَ وَيُحِبُّ المتَطهرينَ  نِساؤكمْ حَرْث لكم فَأتوا حَرْثكم أنى شِئْتُم وَأتْقوا اللهَ وَاعلموا أنكم ملاقوهُ وَبَشِّرِ المؤمنين)[16 ]

لقد كان خلق حواء الزوجة كما فهمه أدم عليه السلام، وكما علمه الله تعالى، لتسكن إليه ويسكن إليها، أي للزوجية التي تعني السّكن والمودة والرحمة، كما تعني التلاقح والتزاوج، والإشباع الصحيح لجوعات الغرائز وثوراتها، والمنتجة للنسل والذرية والنسب، ولايجاد النسل الإنساني، وللمحافظه على بقاء النوع الإنساني واستمرار وجوده، هذا النوع الذي سيحمل الأمانة والإستخلاف في الأرض، ولينتظم في موكب الكون السائر في طاعة الله وعبادته. وليقضي الله أمراً كان مفعولاً.**

** الروم: ( 21 ).

الأعراف: ( 189 ).

العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، مجلد ( 9: 252 ).

  • تفسير القرطبي ( 1: 302 ).

أي استوحش وحنَّ إلى الرفيق.

القصة مقتبسة بتصرف من: النيسابوري، قصص الأنبياء، الصفحات ( 29 ? 35 ).

  • ابن كثير، البداية والنهاية، ( 1: 74 ).

  • القرطبي، تفسير القرطبي، ( 1: 301، 302 ).

هذا البحث منقول بتصرف عن كتاب “النظام الاجتماعي في الإسلام” للعلامة تقي الدين النبهاني، الصفحات ( 18 ? 21 ).

الأعراف: ( 189 ).

النساء: ( 1 ).

الرعد: ( 38 ).

النحل: ( 72 ).

الروم: ( 20 ? 21 ).

الشورى: ( 11 ).

النجم: ( 45 ).

النحل: ( 58 ? 59 ).

النور: ( 2 ).

[16+] البقرة: ( 222 ? 223 ).**

**2. إبليس ومعركته مع الإنسان

سأل الله تعالى إبليس عن سبب امتناعه عن السجود لآدم، وقد أمره الله بذلك، فكان تعليل إبليس لذلك يتضمن الغطرسة والكِبَرَ والغرور والجموح، معللاً تمرده وعصيانه وخروجه من موكب الكون الحق السائر بطاعة الله والإنقياد له أنّ أصل نشأته خير من أصل نشأة آدم، فإبليس قد خُلق من نار، في حين أنّ آدم قد خُلِقَ من مادة الطين، والنّار أعلى مرتبة من الطين، فكان تعليله لِلأمرتعليلاً مادِيّا بحتاً، فقد تعرض في تعليله لبحث المادة التي تّمَّ منها الخلق، غاضّاً الطرف عن أنّ أيٍٍ منهم لم يقم بخلق نفسه، ولم يكن له الرأي أصلاً في إختيار المادة التي خلق منها، ودون النظر في تكريم الله لِلإنسان بإختصاصه فيما لا يدخل في مجال الجسد ـ أي العقل والإدراك والتمييز والعِلم ـ وذلك كافٍ لتفضيله على الملائكة وسائر المخلوقات.

إنّ عدم انصياع إبليس لأوامر الله الخالق المدبر، هو عصيان وتمرد على الذّات الإلهيّة، وصلف وتكبر وغطرسة وجرأة، وحقّ للعاصي الظالِم نفسه أن ينال عقوبة ما أثمت يداه، فأتى العقاب رهيباً على قدر حجم المعصية، إذ أوعِدَ النار والخروج من الجنة، لأنّ الجنة ونعيمها لا يكون للمستكبرين العصاة المتردين.

طلب إبليس من ربه إمهاله إلى يوم البعث والحساب، متوعداً ذريّة آدم ـ التي بسبب أبيهم لحقه ما لحق من غضب الله ـ متوعداً إياهم بالسّعي الدائب لغوايتهم وإضلالهم بالتزيين لهم بعصيان الله وعدم حمده وشكره وتسبيحه، فأنْظَرَهُ الله تعالى متوعداً إياه ومن تبعه من ذرية آدم بعذاب يوم عظيم.

خرج إبليس من الجّنَة حقيراً ذليلاً صاغراً مطروداً من رحمة الله، متوعداً آدم وذريته بقيادتهم للمعاصي والآثام، مزيناً لهم سوء الأعمال، مبعداً إياهم ما استطاع لذلك سبيلاً عن طاعة الله، صارفاً إياهم للشرك والإلحاد والكفر والضلال.

ويتوعد الله تعالى إبليس ومن إتبعه بالعصيان من ذرية آدم: إستخف وأبعد عن الصواب من استطعت، وأفرغ جهدك بكل ما استطعت من أنواع الإغراء… شاركهم في كسب الأموال الحرام وفي صرفها في المعاصي والمنكرات.. ساعدهم وأنسالهم على الكفر، إغرهم وزين لهم الفساد والإفساد، زين لهم النفاق والكذب والفجور، قدهم إلى كل باطل وضلال، أبعدهم عن الحق ما استطعت، ويحذر رب العزّة محذراً البشر من ذرية آدم أنّه ما يعدهم الشيطان إلاّ الغرور والكذب والضلال . أمّا من أخلص من عباد الله المؤمنين فليس للشيطان عليهم من سبيل ، فلا سلطة ولا قدرة له على إغوائهم وإضلالهم إن أخلصوا النية وأخلصوا العمل وتوكلوا على الله خالقهم ومصورهم، وكفى بالله نصيراً.

أسكن الله آدم وزوجه حواء الجنّة، مبيحاً لهما أن يتمتعا بكل النّعم فيها، يأكلان ويشربان كل ما تشتهي أنفسهما من ثمراتها وخيراتها، إلاّ شجرة واحدة أمرهما ألا يقرباها، وألا يتذوقا ثمرها، إذ هي محرمة عليهم. وإن فعلا خلاف ذلك يكونا قد ظالمي نفسيهما بعصيانهما أمر ربهما إذا خالفا أمره، أي أنهما قد وضعا أمام إمتحانٍ يترتب عليه تقرير مصيرهما، مما يترتب عليهما في حالة المخالفة والعصيان جزاء وعقاب.

(لم يخبرنا النّص القرآني ما نوع تلك الشّجرة، فقال بعضهم: الحنطة “القمح” وقال آخرون: شجرة التفاح. وقيل: هي الكرمة، لـذا حُرّمَ علينا الخمر. وقيل هي السّنبلة وقيل هي شجرة التين. وقال إبن عطية: وليس في شيْ من هذا التعيين ما يَعْضُدُهُ خبَر، وإنّما الصّواب أنْ يُعْتَقد أنّ الله تعالى نهى آدم عن شَجَرَةٍ فخالَفَ هو إليها وعصى في الأكل منها.)[ 1] وما دام القرآن لم يعلمنا ماهي تلك الشجرة الممنوعة، فليس لنا محاولة التَكهن عن ماهيتها، ولا يعنينا من أمرها شيْ. والله تعالى أعلم.

لقد كان موضوع الشجرة المحرمة على آدم وزوجه هي أول منفذٍ لإبليس ينفذ منه إلى إغواء آدم وزوجه قبل أن يبدأ في إغواء نسلهما مستقبلاً، لذا فقد سٌرَّ إبليس به واغتنمها فرصة إشفاء غليله بغواية عدوه آدم وزوجه ولينتقم منهما، فأخذ يُفْرِغ جهده بالتّزيين لهما، والتّزلف لكليهما، بإقناعهما بالأكل من تلك الشّجرة المحرمة عليهما.

كان من ضمن الوسائل التي توسل بها الشيطان لهما لحثهما على العصيان وسيلة الإغراءات بأنّ تلك الشجرة هي شَجَرَة الخلد والنّعيم المقيم الذي لا يفنى، وأنّ منع الله لهما من الأكل منها كان لئلا يصبحا مَلَكَين، ولئلا يخلدا في الجنة ذات الخيرات والنعم الكثيرة، ولكي يصدقاه فقد أقسم على أقواله بمختلف الأيمان المغلظة، مُقْسِماً على أنّه لهما النَاصح الأمين.

ومن كثرة إلحاح الشيطان عليهما، وحتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، فقد نسي آدم وحواء أنّ إبليس هو في حقيقته عدوهما اللدود الحاقد إلى يوم البعث والحساب، وأنّه لا يمكن بحالٍ من الأحوال أن يكون لهما النّاصح الأمين، فوقعا في مكائد الشيطان عدوهما، وعصيا أمر ربهما بأكلهما من الشّجرة المحرمة عليهما. ولمّا تذوقا طعمها تكشفت لهما عورات أنفسهما، فطفقا يجمعان من أوراق الجنّة ليواريا عوراتهما، فناداهما ربهما مؤنباً وزاجراً لهما عصيانهما: (ألم أنهكما عن تلكما الشّجَرَةِ وَأقُلْ لكما أنّ الشَيْطان لكما عدوٌ مُبين)[ 2] عندها أحَسّا بحجم مَعصِيَتِهما وسوءَ ما قَدْ فَعَلا، وَشَعَرا حجم معصيتهما بمخالفة أمر ربهما، فأخذهما النّدَم الشَّديد، وتوجها تائبين مبتهلين متضرعين إلى الله ربهما أن يتوب عليهما ويرحمهما ويغفر لهما مخالفتهما وعصيانهما: (قالا ربنا إنّا ظلمنا أنفسنا وإنْ لّمْ تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)[3 ]

قَبِلَ الله التّواب الرّحيم تَوْبَة آدم وحواء فغفر لهما: (فَتَلقى آدم من ربه كلمات فَتاب عَليه)[4 ] والإنسان خَطاء، وللخطأ والعصيان ـ حتى الإسراف بهما وحتى الكفر ـ علاج هو التّوْبَة. فالتوبة تغسل المعصية، والعاصي التائب مغفور الذّنب، فالإنسان لم يخلق آثِماً، ولم يلاحقه إثم ما صنع أبَواه، فَأبَواهُ قَدْ تابَ اللهُ عليهما، غَفَر لهما ذنبهما، ولن يأخذ الله الأبناء بذنب الآباء أبداً. قال رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم: (كُلّ بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)[5 ] وذلك مطابق لقوله تعالى: (قل يا عِبادِيَ الذينَ أسْرَفوا على أنْفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إنّ الله يَغفِرُ الذّنوب جميعاً، إنّهُ هُوَ الغفور الرّحيم)[ 6]

بعد أن تاب الله على آدم أنزله وزوجه حواء من الجنة إلى الأرض، وأخبرهما أنّهُ سَيَكون بين نسلهما عداء لبعضهم البعض، وأنّ سكناهم منذ اليوم سيكون الأرض يعمرونها ويتمتعون بها مُسْتَخلفين فيها، ومُسّخرة ومن بها ومن عليها ولذرياتهم من بعدهم، إلآ أنّ تلك السُّكنى في الأرض سَتَكون إلى حين من الزّمَن، أي أنّها سَتَكون سُكنى عابِرَة لحين إنتهاء أعمارهم المقدرة عليهم، وأنّ الله سَيُزَوِدَهُم بِالهُدى والرَشاد، فمن سار على الدّرب القويم وهُدى الله تعالى فلن يقع في المآثِم والذُنوب ولن يشقى بها، وسيحيون ويموتون فيها، ومنها سَيُبعَثون يوم الحساب، حيث سيجزى كل منهم جزاء ما قدّمت يداه، خيراً كان أم شَراً. وسنستعرض إن شاء الله بعض النّص القرآني لتلك الحادثة:

  1. من سورة البقرة.

( وَقلنـا يا آدَمُ إسْكُنْ أنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذهِ الشَّـجَرّةَ فَتَكونا مِنَ الظالمين  فَأزَلَهُمـا الشّـَيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مما كانا فيهِ وَقُلنا إهبطـوا بَعْضُكُم لِبَعضٍ عَدُوٌ وَلَكُـمْ في الأرضِ َمُسْتَقَرٌ وَمَتاعٌ إلى حينْ  فَتَلقى آدَمُ مِنْ رَبّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْـهِ إنّهُ هُوَ التَّوابُ الرَّحيمُ  قُلنا إهْبِطوا مِنْها جَميعاً فَإمّا يَأتِيَنّكُم مِني هُدىً فَمَـن تَبِعَ هُدايَ فلا خَوفٌ عَليْهِم ولا هُمْ يَحْزَنونَ )[7 ]

  1. من سورة الأعراف .

(قالَ ما مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنْهُ خلقْتَني مِنْ نارٍ وَخلقْتَهُ مِنْ طين  قالَ فَاهْبِط مِنْها فَما يَكونُ لَكَ أنْ تَتَكَبّرَ فيها فَاخْرُج إنّكَ مِنَ الصّاغِرينَ  قالَ أنْظِرني إلى يَوْمِ يُبْعَثونَ  قالَ إنّكَ مِنَ المُنْظَرينّ  قالَ فَبِما أغوَيْتَنيَ لأقعُدَنَّ لَهُم صِراطَكَ المُسْتَقيم  ثُمَّ لآتِيَنَهُم مِن بَيْنِ أيْدِيَهُمْ وَمِنْ خلفِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أكْثَرَهُمْ شاكِرينَ  قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذموماً مَدْخوراً لَمَنْ تَبَعَكَ مِنْهُمْ لأمْلًئَنَّ جَهَنَمَ مِنكُمْ أجْمَعينَ  وَيا آدَمُ اسْكُن أنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ قَتَكونا مِنَ الظالِمينَ  فَوَسْوَسَ لهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لهُما ما وورِيَ مِنْ سَوْءاتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُكُما عَنْ هذه الشَّجَرّةِ إلآ أنْ تَكونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكونا مِنَ الخالِدينَ  وَقاسَمَهُما إنّي لَكُمْ لَمِنَ النّاصِحينَ  فَدَلاهُما بِغُرورٍ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْءاتُهُما وَطَفَقا يَخصِفانِ عَليْهما مِنْ وّرَقِ الجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهّكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ وَأقُلْ لَكُما إنَّ الشَيْطانَ لَكُما عَدُوٌ مُبينٌ  قالا رَبّنا ظّلَمْنا أنْفُسَنا وَإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمَنا لَنَكونّنَّ مِنَ الخاسِرينَ  قالَ اهْبِطوا مِنها بَعْضٌكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ وَلَكُمْ في الأرْضِ مَتاعٌ وّمُسْتَقَرٌ إلى حين  قالَ فيها تَحْيونَ وَفيها تَموتونَ وَمِنْها تَخرُجونَ )[ 8]

  1. من سورة الكهف.

(وَإذْ قُلنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجدوا لآدَمَ فَسَجَدوا إلآ إبْليسَ كانَ مِنَ الجِنِِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبّـهُ أفَتَتَخِدونَهُ وَذُرِيَتَـهُ أوْلِياءَ مِنْ دوني وَهُمْ لكُمْ عَدُوٌ بِئْسَ لِلْظالِمينَ بَدَلاً  ما أشْـهَدْتُهُمْ خلقَ السَمَوات والأرْضِ ولا خلقَ أنْفُسِهِمْ وما كُنْتُ مُتّخِذَ المُضليـنَ عَضُداً )[ 9]

  1. من سورة “ص”

( قالَ يا ابليسُ ما مَنّعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ إسْتَكبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالينَ  قالَ أنا خَيْرٌ مِنْهُ خَلقْتَني مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طينٍ  قالَ فَاخْرُجْ فَإنَّكَ رَجيمْ  وَإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيَ إلى يَوْمِ الدّينِ  قالَ رَبِّ فَأنْظِرْني إلى يَوْمِ يُبْعَثونَ  قالَ فَإنَكَ مِنَ المُنْظَرينَ  إلى يَوْم الوَقْتِ المَعلومِ  قالَ فَبِعِزَتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أجْمَعينَ  إلآ عِبادَكَ مِنْهُمُ المُخلَصينَ)[10 ]

  1. من سورة الإسراء.

(وَإذْ قُلنا لِلمَلائِكَةِ إسْجُدوا لآدَمَ فَسَجَدوا إلآ إبْليسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَنْ خلَقْتَ طيناً  قالَ أرأيْتَكَ هذا الذي كَرَّمْتَ عَليَّ لَئِنْ أخَرْتَنِِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لأّحْتَنِكَنَّ ذرِّيَتَهُ إلآ قَليلاً  قالَ إذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤكُمْ جَزاءً مَوْفوراً  وَاسْتَفْزِزْ مَنِ أسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَاجْلِبْ عَليْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجْلِكَ وَشارِكْهُمْ في الأمْوالِ والأوْلادِ وَعِدْهُمْ وما يَعِدُهُمً الشَيْطانِ إلآ غُروراً  إنَّ عِبادي ليسَ لّكّ عَليْهِم مِن سُلطانٌ وكفى بِرَبِكَ وَكيلاً)[ 11]

  1. من سورة طه.

(وَلقَد عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبلُ فَنَسِيَ وَلم نَجِد لهُ عَزماَ  وّإذ قُلنا لِلملائِكَةِ اسجُدوا لآدَمَ فَسَجَدوا إلآ إبليسَ أبى  فَقُلنا يا آدّمُ إنَّ هذا عَدُوٌ لَكّ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخرِجَنَّكَ مِنَ الجَنَّةَ فَتَشْقى  إنَّ لَكَ ألآ تَجوعَ فيها وَلا تَعْرى  وَأنَّكَ لا تَظْمؤا فيها وًلا تَضْحى  فَوَسْوَسَ إليهِ الشَّيطانُ قالَ يا آدَمُ هَل أدُلُكَ عَلى شَجِرَةِ الخُلدِ وَمُلكٍ لا يَبْلى  فَأكلا مِنها فَبَدَتْ لهُما سَوءاتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى  ثُمَّ إجتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى  قالَ إهْبِطا مِنْها جَميعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ فَإمّا يَأتِيَنَّكُمْ مِني هُدىً فَمَنْ إتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى)[12 ]

استعرضنا فيما مرّ قصّة آدم عليه السّّلام ومعركته مع إبليس، كما قصّها علينا رب العزة في محكم التّنزيل، إنها قصّة الإغواء ونوازغ الوسوسة، إبتدأها إبليس مع أول البشر وأبيهم ، وإستمرّ بها ولا زال مع ذريته، بدءاً بقابيل وهابيل إبني آدم، وسيستمر بها إلى يوم القيامة، يبين لنا النّص القرآني وقائع الحدث بتسلسل جميل، لا لنضيف إلى علمنا معلومة جديدة، ولا لنزيد قصصنا قصة أخرى مشوقة، بل ساقها إلينا لنتذكر فنعتبر، فإبليس يعمل جاهداً لغواية البشرية ما استطاع لذلك سبيلاً، وجنود إبليس دائبون جاهدون بهمة لا تفتر ونشاط مستمر في إغواء البشر وإضلالهم وصرفهم عن السير في موكب الكون الحق السائر في طاعة الله وتسبيحه… فقد كذَبَ الناس الرُّسُل، وعصوا الله ربهم، والحد وكفر بالله وأنعمه عليهم أناس، وادعى النبوة والإلوهية آخرون، وآخرون أنكروا الخلق رغم شواهده الماثلة أمام أعينهم، وآخرون عللوا وجود أنفسهم والمخلوقات جميعاً بالصّدفة العشوائية، وعللوا النّمو والتكاثر بالتطورالمادي… كل هؤلاء واولئك هم أتباع إبليس وجنوده، كما أنّ من أتباعه الكاذب والمنافق والزاني وآكل الرّبا وموكله والعلماء المفتون بجوازه… ومشايخ السّلطان الذين يقولون على الله الكذب… وأول أتباعه وجنوده وأصفقهم وجهاً من أنكر وجود الله تعالى وأنكر الخلق وكذّب الرُّسُل.

ولا أرى موجباً في هذا البحث المحدد الهدف أن نتناول بالتَّفصيل والإسهاب شرح هذه الآيات الكريمات، فقد أوفت كتب التّفسير كل آيات القرآن الكريم حقها من التّفسير، فعلى من رغب الإستزادة والتّفصيل العودة إلى كتب التّفسير وهي كثيرة وفي متناول يد الجميع.


تفسير القرطبي، المجلد الأول، صفحه ( 305 ).

الأعراف: ( 22 ).

الأعراف: ( 23 ).

البقرة: ( 37 ).

] سنن الترمذي: ( 2499 ).

الزمر: ( 53 ).

البقرة: ( 35 ? 38 ).

الأعراف: ( 12 ? 25 ).

الكهف: ( 50 ? 51 ).

" ص ": ( 75 ? 83 ).

الإسراء: ( 61 ? 65 ).

طه: ( 115 ? 123 ).**

**2

إنَّ قصَّة خَلق آدم وما رافقها من وقائع وأحداث، قد وردت مفصلة في القرآن الكريم في عدة مواضع، شارحة ومفصلة، معلمة إيانا، مبينة لنا وقائعها الحقيقية، طالبة منا الإعتقاد الجاذم بها، فإلى النُّصوص القرآنيّة التي تقص علينا ذلك، قال تعالى:

  1. من سورة البقره .

(وَإذْ قالَ رَبُكَ للمَلائِكَةِ إنيّ جاعِلٌ في الأرْضِ خَليفَةً قالوا أتَجْعَلَ فيها مًنْ يُفْسِدُ وَيَسْفِكَ الدِماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمونَ  وَعَلَمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلُها ثُمَّ عَرَضَهُم عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ أنبِؤني بِأسْماء هؤلاءِ إنْ كُنْتُم صادقين  قالوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَليمُ الحَكيم  قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهُم بِأسْمائِهِم فَلَمّا أنْبَأهُم بِأسْمائِهِم قالَ ألَم أقُلْ لَكُمْ أنّي أعْلَمُ غَيْبَ السَمَواتِ والأرْضِ وَاعْلَمُ ما تُبْدونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمون  وَإذْ قُلْنا لِلمَلائِكَةِ أسْجُدوا لآدَمَ فَسَجَدوا إلآ إبْليسَ أبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الكافرين )[1 ]

  1. من سورة الأعراف.

(وَلَقَدْ مَكَناكُمْ في الأرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فيها مَعايِشَ قَليلاً ما تَشْكُرونَ  وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ أسْجُدوا لآدَمَ فَسَجَدوا إلآ إبليسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدينَ)[2 ]

جاء في الظلال: (إنّ الخَلق قد يكون معناه: الإنشاء والتّصوير، وقد يكون معناه: إعطاء الصورة والخصائص... وهما مرتبتان في النشأة لا مرحلتان... فإنّ "ثُمّ" قد لا تكون للترتيب الزمني ولكن للترقي المعنوي، والتّصوير أرقى مرتبة من مجرد الوجود فالوجود يكون للمادة الخامة، ولكن التّصويرـ بمعنى إعطاء الصورة الإنسانية والخصائص ـ يكون درجة أعلى من من درجات الوجود. فكأنّه قال: إننا نمنحكم مجرد الوجود، ولكن جعلناه وجوداً ذا خصائص راقية، وذلك كقوله تعالى: (الذي أعطى كُلَّ شَيٍْ خَلْقَهُ ثم هدى)[ 3] وعلى أية حال فإنّ مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أنّ إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة كان مصاحباً لخلقه. وأنّ الترقي في تاريخ الإنسان كان ترقياً في بروز الخصائص ونموها وتوزيعها واكتسابها الخبرة العالية. ولكن لم يكن ترقياً في وجود الإنسان  من تطور حتى انتهت إلى الإنسانيّة كما تقول الداروينية.



ووجود أطوار مترقية من الحيوان تتبع ترتيباً زمنياً ـ بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والإرتقاء ـ هو مجرد نظرية ظنية وليست يقينية، لأنّ تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض لا يتم إلا ظناً!! أي مجرد فرضٍ كتقدير أعمار النجوم من اشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تُعَدِلها أو تُغيرها أو تنسفها نَسْفاً. على أنّه ـ على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور ـ ليس هناك ما يمنع من وجود أنواع من الحيوان في أزمان متوالية بعضها أرقى من بعض... ثم انقراض بعضها.. ولكن هذا لا يحتم أن يكون  بعضها متطور من بعض... لاتستطيع أن تثبت في يقين مقطوع به أنّ هذا النوع تطور تطوراً عضوياً من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية ـ وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها ـ ولكنها تثبت أنّ هناك نوعاً أرقى من النوع الذي قبله زمنياً... وعندئذٍ تكون نشأة النوع الإنساني نشأة مستقلة، في الزمن الذي علم الله أنّ ظروف الأرض تسمح بالحياة والنمو والترقي لهذا النوع، وهذا ما ترجحه النصوص القرآنية في نشأة البشرية، وتفرد الإنسان من الناحية البيولوجية والفسيولوجية والعقلية والروحية. هذا التفرد الذي اضطر الداروينيون المحدثون "وفيهم الملاحدة بالله كلية" للإعتراف به، دليل مرجح على تفرد النشأة البشرية، وعدم تداخلها مع الأنواع الأخرى في تطور عضوي.)[4 ]



وقال إبن كثير : ( وذلك انه تعالى لمّا خلق آدم عليه السّلام بيده من طين لازب ، وصَوَّرَهُ بشراً سوياً ونفخ فيه من روحه ،  أمر الملائكة بالسـّجود له تعظيماً لشأن الله تعالى وجلاله، فسمعوا كلهم وأطاعوا إلآ إبليس لم يكن من الساجدين، وهذا الذي قررناه هو إختيار "إبن جرير" أنّ المراد بذلك كله آدم عليه السلام. وقال سفيان الثوري عن الأعمش بن عمرو عن سعيد بن جبير عن إبن عباس "ولقد خلقناكم ثم صورناكم" قال: خلقوا في أصلاب الرجال وصوروا في أرحام النساء... ونقل إبن جرير عن بعض السّلَف أيضاً أنّ المراد بخلقناكم ثم صورناكم: الذُّرِيَة.)[5 ] 



وقال الأستاذ عبد الوهاب النّجار: (خلقنا أصلكم الذي نسلكم وكنتم من أبنائه ، فَخَلْقُنا لَهُ خَلْقٌ لَكُمْ.)[ 6]
  1. من سورة الحجر.

(ولقد خَلَقْنا الإنسانَ مِنْ صَلْصالِ مِنْ حَمَإِ مَسْنونٍ  والجانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمومِ  وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إني خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنون  فَإذا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ فيهِ مِنْ روحي فَقَعوا لَهُ ساجِدْين  فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُهُمْ أجْمَعونَ  إلاّ إبليسَ أبى أنْ يَكونَ مَِعَ السّاجِدينَ)[7 ]

الصَلصال: هو المنتن من الطين. الحمأ: هو الطين الأسود المنتن. المسنون: هو المتغير. وجاء في "لسان العرب": (الصلصال من الطين ما لم يُجعل خزفاً، وكل ما جَفَّ من طينٍ أو فخار. والمسنون هو المُصَوَرَ وهو المتغير المنتن. والحمأ هو الطين الأسود المنتن. من حمأ مسنون أي متغير منتن)[8 ]

امّا أبوبكر الرازي فيقول: (الصلصال هو الطين الحر خُلِطَ بِالرّمل فصار يتصلصل إذا جف، فإذا طبخ بالنّار فهو الفخار، والحمأ هو الطين الأسود، والحمأ المسنون هو المتغير المنتن)[ 9]



قال الدكتورمحمد البهي: (الصلصال هو الطين اليابس الذي له رنين وصوت، والحمأ هو الطين الأسود المتغيّر، والمسنون هو المصوّر والمصبوب، أي صورنا هيكل هذا المخلوق المعهود من طين يابس طال اختلاطه بالماء حتى تغير واسود لونه)[ 10]



كما ورد في تفسير إبن كثير: (من سلالة من طين وهو آدم عليه السلام، خلقه الله من صلصال من حمأ مسنون، وقال قتاده: إستلّ آدم من الطين، فإنّ آدم عليه السلام خُلق من طين لازب وهو الصلصال من الحمأ المسنون، وذلك مخلوق من التراب كما قال تعالى: [ومن آياته أن خلقكم من تراب ثمّ إذا أنتم بَشَرٌ تنتشرون][ 11])[12 ]
  1. من سورة الكهف.

(وَإذ قلنا لِلْمَلائِكَةِ إسْجُدوا لآدَمَ فَسَجَدوا إلاّ إبْليسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبّهِ أفَتَتْخِذونَهُ وَذرِيَتَهُ أولياءّ مِنْ دوني وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِئْسَ لِلظالِمينَ بَدَلاً)[ 13]

  1. من سورة “ص”:

(وَإذ قالَ رَبُّكَ لِلمَلائِكَةِ إنّي خالقٌ بَشَراً مِنْ طينٍ  فَإذا سَوَيْتُهُ وَنَفَختُ فيهِ مِنْ روحي فَقَعوا لَهُ ساجِدينَ  فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلهم أجْمَعونَ  إلاّ إبْليسَ اسْتَكبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرينَ)[14 ]

  1. من سورة المؤمنون.

(وَلَقَدْ خَلَقنا الإنسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طين )[ 15]

وفيما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال :

(إنّ الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأسود والأبيض وما بين ذلك، ومنهم الخرق والسهل وبين ذلك، وإنّما سمي آدم لأنه من أديم الأرض.)[16 ]

____________________________\

البقرة: ( 30 ? 34 ).

الأعراف: ( 10 ? 11 ).

طه: ( 50 ).

قطب ? سيد قطب، في ظلال القرآن، المجلد الثالث، الصفحات ( 1264 ? 1265 ).

ويمكن الرجوع إلى فصل “حقيقة الحياة” في القسم الثاني من كتاب “خصائص التطور الإسلامي ومقوماته”.

تفسير ابن كثير، المجلد الثاني، الصفحات ( 202 ? 203 ).

النجار ? عبد الوهاب، قصص الأنبياء، صفحه ( 2 ).

الحجر: ( 26 ? 31 ).

ابن منظور، لسان العرب، مجلد ( 11 )، صفحه ( 382 ).

الرازي: أبو بكر، تفسير الصحاح، الصفحات: ( 153 ) و ( 368 ).

البهي ? الدكتور محمد، تفسير سورة الحجر، صفحه ( 19 ).

الروم: ( 20 ).

تفسير ابن كثير، المجلد ( 2 )، صفحه ( 551 ).

الكهف: ( 50 ).

ص: ( 71 ? 74 ).

المؤمنون ( 12 ).

رواه مسلم في صحيحه.

**خَلْقُ الإنسان في نصوص القرآن****إنّ القرآن الكريم ـ وهو المصدر الأول من مصادر التشريع الإسلامي ـ قد تناول قصّة خَلْق الإنسان، إبتداءاً من خلق جد البشرية آدم عليه السلام، وهو أول البشر على الإطلاق، مروراً بمن خُلِقَ بعده من البشر، وصولاً إلى محمد عليه الصلاة والسّلام وأمته الكريمة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإلى أن تكف الشمس والقمر عن الدوران، فألقى ظلالاً من نور ينير ظلام قلوب النّاس.

وفيما يلي من بحثنا سننعم في هذا الفصل إن شاء الله بدراسة بعض تلك النصوص الكريمة، والتّمعن فيها حتى تتضح الصورة، ويزهق الحق الباطل، فأمّا الزبد فيذهب هباءاً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.
  1. خلق آدم عليه السّلام

    تبدأ قصة خلق آدم عليه السّلام، أو واقعة خلق الإنسان الأول أبي البشر، بمحاورة بين الله تعالى وملائكته، ومن هنا تبدأ أول قصّة البشريّة وخلق الإنسان. تبدأ بإعلان ميلاد الإنسان وخلقه خَلْقا مباشِراً ومتقصداً، لا وجودَ للصدفة العشوائية ولا للتطور من البهيميّة إلى البشريّة، كما أنّه ليس طفرة من طفرات الطبيعة، واحتفالاً بمولد الإنسان، وتعظيماً لقدرة الخالق المبدع الذي صوره، فقد أمر الله تعالى ملائكته بالسجود لأول البشر، وقد سجدوا جميعاً إلا إبليس لم يكن من الساجدين.

    ومن هنا يرى بعض الفقهاء ، أنّ الإنسان ليس أفضل من كل الموجودات فقط، بل هو أفضل من الملائكة أيضاً.[1 ] إذ هو متميز عنهم في الخَلق، فأمرهم بالطاعة والخضوع له حين أمرهم بالسجود له.

    لقد استخلف الله الإنسان في الأرض، وحتى يتحقق له هذا الإستخلاف فلا بُدّ له من أن يُمَكّّنَ من استعمال الوسائل الماديّة التي تحقق له هذا الأمر، فقد سُخِرَت لَهُ الموجودات الكونية جميعها، وَهُيِأت لَهُ الأرض وَذُلِلَت لتكون طوع تصرف الإنسان: يزرعها لتنتج له ما يأكل، ويبني عليها بيت سكنه، ويسير في شِعابها وتلالها لمعاشِه ومباشرة أعماله، وّسُخِرَ لَهُ البَحْرَ: يركبه بالفلك والسُّفن والقوارب، ومنه يأكل طعامه، كما سُخّرت النباتات والأنعام له ولمعاشه.

    ولولا تمكين الله تعالى للإنسان، واعطاؤه السّيطرة بتسخير كل تلك الموجودات له، لما استطاع العيش في هذه الحَياة الدنيا، وبالرغم من كل هذه النِّعَم التي مَنَّ الله عليه بها ـ وهي كثيرة لا تُعَدُّ ولا تُحصى ـ فإنّا نراهُ قليلاً ما يكون لله المُنعم الرازق المتفضل حامداً أو شاكراً، بل كثيراً ما نراه ضالاً شاطاً، كافراً بأنعم الله، جاحِداً فضله،[2 ] متبعاً خطوات الشيطان وجنده من دعاة الماديّة والوثنية والإلحادية والعصبية القبلية والقومية، كافراً بأنعم الله طوراً ومُشركاً به أطواراً، عاصياً أوامره مُسْتَحِلاً حرماته، متمرداً على كل النواميس والسُّنن التي سنها لهم الخالق المنعم المدبر.

    يُعلمنا القرآن الكريم أنّ قصة خَلق البشرية قد بدأت بآدم عليه السَّلام، وَسَبَقَ ذلك مُحاوَرَةً بين الله تعالى وبين ملائكته، مُخْبِراً إياهم بأنّهُ سيستخلفُ في الأرضِ خَليفَة وهو الإنسان متمثلاً بادئ الأمر بآدم، وأنّه سيمكن لهم في الأرض بإعطائهم السُّلطان عليها.

    تعجب الملائكة ووجلت قلوبهم، لقد رأى الملائكة في أنفسهم أنهم أحق بخلافة الأرض من ذلك المخلوق المُنْتَظَر، إذ هم يسبحون بحمد الله ويقدسونه ولا يعصونه ما أمرهم، فلماذا يستخلف فيها من إذا تمكن فيها عصاه وأفسد فيها وبطش وسفك الدماء؟ فأجابهم العالِم العليم أنّه يعلم ما لا يعلمون.

    وهنا يعرض القرآن الكريم تكريم آدم الإنسان، فهو علاوة على استخلافة في الأرض، قد أكرمه الله بالعقل والإدراك والتفكير، وفضَّله على الملائكة بِالعِلم، فقد علمه الله تعالى أسماء الموجودات جميعاً، ولمّا سأل الملائكة أجابوا: (سُبْحانَكَ لا عِلْم َ لَنا إلا ما عَلَمْتَنا)[ 3] فالله تعالى وحده هو عالِم كل شئ، ذو الحكمة والعِلم، وليس لأحد كان أن يعلَم إلا ما علمه الله.

    عندها طلب من آدم أن ينبئهم الأسماء، فلما طلب منه ذلك أخبرهم آدم بجميع الأسماء، وذلك ما يُظْهِرُ فضل آدم عليهم بزيادة علمه عنهم، وهنا يذكرهم الله أنّه يعلَم ما لا يعلمون، وأنّ له حكمة أرادها في خلق الإنسان واستخلافه في الأرض، فالله تعالى عليم بكل الخفايا والأسرار وبواطن الأمور، عليم بما يُظهرون بالقول والفعل، وبما قد يكتمونه في أنفسهم.

    إنَّ تعليم آدم الأسماء لا يقتصر على المسميات نفسها، بل هو تَعليمٌ وَتَثْقيفٌ عام بكل المخلوقات والموجودات وكيفيّة الإستفادة منها، وَتَعْليمٌ بِصِفات الأشْياء وَخًواصِها وطرق الإستفادة منها حيث هي مسخرة له، فهو عِلْمٌ عام شامِلٌ يحوى الأسماء وصفاتها.[5 ] في ذلك يقول العلامة تقي الدين النبهاني: وأمّا قوله تعالى [وعلم آدم الأسماء كلها][ 4] فإنّ المراد منه مسميات الأشياء لا اللغات، أي علمه حقائق الأشياء وخواصها، أي أعطاه المعلومات التي يستعملها للحكم على الأشياء)[ 6]

وهنا لا بد لنا من معرفة أنّ الإنسان يختلف عن غيره من المخلوقات بالعقل أي القدرة على التفكير، والتفكير حكم على ماهية شئ أو حكم على واقع، وحتى يتم هذا التفكير بصورة تعطي الحكم الصادق الصحيح لَزم أن يستكمل هذا التفكير الشـروط اللازمة له، فعمليـة التفكير تجري بنقل الواقع المحسوس إلى الدِّماغ بواسطة إحدى الحواس مع ضرورة وجود معلومات سابقة عند الإنسان المُفَكر تفسر ذلك الواقع، فإذا إنعدمت إحدى تلك الأساسيات لا يتم الحكم على الواقع أو على الشئ بالصورة الصحيحة، وعناصر التفكير أربعة:

  1. دماغ صالح.

  2. واقع محسوس.

  3. حواس.

  4. معلومات سابقة.

    وبما أنّ الله تعالى قد وَهَبَ آدم الدّماغ الصالح والحواس، وَأوْجَدَهُ في واقع معيّن، لذا لزم أن يُزَوِدَهُ الله تعالى بالمعلومات “الأسماء وصفاتها وخواصها” حتى تتم عمليّة التفكير للحكم على الأشياء والوقائع. لذا فقد علّم الله آدم كلها.

!(http://t3.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcQyc85zWYhDiGzHmj8JblqhdUhrf_o6lbMtGcPiVMs0vhPj6gOrDA [)


النبهاني ? الشيخ تقي الدين، التفكير، صفحه ( 5 ).

  • سابق ? سيد سابق، العقائد الإسلامية، صفحه ( 111 ).

  • القرطبي ? محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )، صفحه ( 294 ).

حتى بلغ الكفر والصفاقة والوقاحة فيه أن تبجح الصليبي " ريجان " الرئيس السابق للولايات المتحدة، على ما تناقلت وسائل الأعلام، بعد الحرب الصليبية التي شنوها على العراق، بالإدعاء بأنهم هم الذين يتحكمون بالقدر !!!

البقرة: ( 32 ).

تفسير ابن كثير، المجلد الأول، صفحه ( 74 ). بتصرف.

البقره: ( 31 ).

النبهاني ? الشيخ تقي الدين، الشخصية الإسلامية، الجزء الثالث، صفحه ( 117 ).**

**4

لقد خلق الله الإنسان وميزه عن الحيوان، إذ وهبه عَقْلٌ يفكر به، ويحكم به على الواقع، وجعله يستطيع تصور الواقع الماثل أمامه، وحتى الواقع الذي لم يقع عليه حسه، إذ يمكن أن نتصور وببساطة متناهية كيف يصلي الناس في المسجد الحرام ويطوفون بالبيت العتيق ويسعون بين الصفا والمروة علماً بأنّ أجسامنا هنا، كما يمكننا أن نتصور الهلع والفزع والفوضى والتخبط الذي استولى على حكام الولايات المتحدة قبل العوام من شعبهم إثر حادث الحادي عشر من أيلول في نيويورك وواشنطن، كاشفين البرقع الشفاف من الجبروت الزائف الذي يخفي جبن الكفار وحرصهم على الحياة، كما يمكننا أن نتصور واقع الحرب الصليبية الحاقدة التي شنها الكفار على المسلمين في أفغانستان، بكل غل وحقد وخسة ونذالة، وصمود المسلمين هناك أمام حرب الإبادة الغاشمة التي شنها عليهم أصحاب الفيل من الكفار الصليبيين، وأحلافهم من حكام المسلمين ومن بقية دول الشرك والكفـر الحاقدين على المسلمين واسلامهم. وقبلها حصار القوات الصليبية الغازية للعراق ومسلسل القهر والإذلال والتجويع والإبادة الذي أعقبه، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، والحصار الإقتصادي والإذلالي على المسلمين بالعراق وليبيا والسودان تحت ستار الشرعية الدولية الصليبية، ونحن هنا لم نشاهد ذلك ولم نراه، كما نتصور وحشية ونذالة وخسة المجازر المتتالية التي نفذها الصليبيون واتباعهم المدوعوون “تحالف الشمال” في أهل البلاد بعد أن استتب لهم الوضع هناك وبالأخص المجازر التي نفذت في الأسرى العزل خلافاً لكل الأنظمة والمواثيق، وسكوت العالم أجمع على ذلك بما فيهم حكام المسلمين، ونحن هنا لم نشاهد ذلك ولم نراه. كما يمكننا وببساطة متناهية أن ندرك الموقف الجهادي البطولي الذي وقفه الرجال المجاهدون في مخيم جنين المنكوب بالتصدي وبامكاناتهم المحدودة لجيش الغزاة في نيسان الأسود معطلا دخولهم المخيم ما يزيد على عشرة أيام، موقعا بهم الخسائر، وأن نتصور الرعب الذي استولى على جند الكفر اليهود الجبناء المزود بأعتى وأفتك الأسلحة، مصداقا لقوله تعالى: (لأنتم أشدّ رَهبَةً في صٌدورهم من الله

ذلك بأنهم قومٌ لا يفقهون لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من ورآء جٌدٌر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون)

لـــذا يمكننا أن ندرك وببساطة متناهية واقع فساد تعريف الإنسان أنّه حيوان عاقل!!! وأن يترجم حسب ما يقصده الكفرة على أنّه حيوان ذو دماغ ـ أي مراكز ذاكرة وإحساس ـ لقد كرّم الله الإنسان فلم يسمه حيواناً لأنه ليس بحيوان، ولكن الكافرين لا يعقلون، ولو كانوا يعقلون لما ألصقوا بأنفسهم صفة الحيوانية، علماً بأنّ مجرد تسميته بأنّه حيوان يعني زوال الكرامة الإنسانية، ومن هنا أتى حكم الشّرع ـ كما فهمه الفقهاء المسلمين ـ عنيفاً على من ينادي غيره بقوله: يا حمار، يا حيوان، يا قرد، ياكلب …ألخ سواء بسواء كمن ينادي غيره: يا كافر، يا مرتد، يامشرك… باعتبار كل من الحالتين معصية.


الحشر: 13 ? 14 حيث أهدى هؤلاء المجاهدون الأبطال بطولتهم إلى كافة قادة وحكام وجنرالات المسلمين، والرويبضات من مثقفونا المدعون بعدم استطاعة تلك الدول وجيوشها على نزال وقتال اليهود الجبناء رغم الترسانة الضخمة من الأسلحة المكدسة في مخازنهم ورغم الجيوش الجرارة التي في بلاد المسلمين. وليثبتوا للعالم أجمع أن دويلة يهود هي أوهى من بيت العنكبوت، وأن مصير جميع الدويلات والإمبراطوريات القائمة في العالم صغيرها وكبيرها بما فيها إمبراطورية الشر أمريكا قريبا إلى زوال بهمة الرجال وقوة إيمانهم، ولكن ذلك لن يتحقق إلا بالجهاد يعقد راياته خليفة المسلمين.

التطور والإنسان، صفحه ( 151 ).**

**(3)

[ وذلك أنّ الله تعالى الخالق الحق قد مَيَّزَ الإنسان بأن حَباهُ العقل، فهو بالعقل قد تَفَرّدَ عن سائر المخلوقات، وهذا التّفرد لم يخلقه الله عبثاً ولا باطـلاً ولا عشوائياً بلا قصد، وإنّما خلقه بالحق لأمرٍ عظيم وجليل، وهو تهيئة الإنسان لتلقي التّكليف الإلهي دون مخلوقات الله جميعاً، وجعل العقل مناط التّكليف، وجعله قادراً على إدراك هذا التكليف، والقيام بتبعاته، سيما وأنّ في هذا العقل صفة الإعتزاز بالذّات، ولهذا فإنّه عندما عُرِضَ عليه التّكليف كما عُرِضَ على سائر المخلوقات لم يَتَوانَ في القبول منطلقاً من إعتزازه وثقته بنفسه وقدرته، فَقَبِلَ التّكليف، واستعدَّ لتحمل تبعاته، لقوله تعالى:

(إنّا عرضنا الأمانَةَ على السمواتِ والأرضِ والجبالِ فأبَيْنَ أن يَحْمِلْنَها وَأشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَها الإنسان إنَّهٌ كانَ ظَلوماً جَهولاً)

ولولا إعتزاز الإنسان بعقله وثقته بنفسه وبقدرته لأحجم عن القبول، ولأدخَلَ نفسه في موكب الكون السائر بطاعة الله والإنقياد له دون هذا التكليف، ولكن الله علاّم الغيوب، وقد خلق العقل وخلق قدراته شاء له أن يقبل هذا التكليف، فقد خلقه في حالة تمكنه من حمل هذا العبْ إن هو أراد فانطلق من قاعدة الإنقياد والطاعة لله، فإن هو فعلَ ذلك بقي في موكب الحق، بل واستحق أن يتسنّم الذروة فيه، وإلا خرج عنه إلى غضب الله وعقابه.

إنّ عقل الإنسان انطلق من قاعدة الإنقياد والطاعة لله، فعندما عُرِضَ عليه الإسلام قَبِلَهُ واستسلم لخالقه بالطاعة، فكان عقلاً مُسْتَنيراً واعياً مُدْرِكاً لِمَسْؤلِياتِه، ناهِضاً لتحمل تبعات ما قَبِلَهُ، هذا العقل هو عقل الإنسان المُسْلِم، وهو بهذا القبول قد بقي ضمن موكب الكون الحق، بل كان رائِداً فيه.

ومن العقل من أعماه الإعتزاز والثقة بالنفس وبقدرته فلم ينطلق من قاعدة الإنقياد لله والطاعة له، وإنّما استكبر وتطاول وجمح به الغرور، وهذا العقل هو عقل الإنسان الكافر، فأتعس هذا العقل صاحبه، وأورده موارد التهلكة، فخرج هذا الكافر باستكباره وتطاوله وجموحه على موكب الكون إلى غضب الله وعقابه، إذ أن الأرض ومن فيها وما عليها، والشمس وضوءها، والقمر ونورة، وسائر الأجرام التي نعرفها وندركها وتلك التي قصرت عقولنا عن معرفتها وإدراكها كلها بلا استثناء تسير معاً في موكب كوني خاضع مطيع، يسـبح الله ويسجد له وينقاد إليه ويطيعه، في مقدمة هذا الموكب الإنسان المسلم وعقله، ولم يتخلف عنه سوى الإنسان الكافر وعقله، فهو وحده هو النّشاز في هذا النّسَقَ الكوني البديع، يصاحبه ويرافقه إبليس والكفار من الجن، قال تعالى:

(ألَم تَرَ أنَ الله يَسـْجُدُ لَهُ مَنْ في ألسـَمَواتِ وَمَنْ في الأرْضِ، وَالشَمْسُ وَالقَمَرُ والدَّوابَُ والنُّجومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُ وَكَثيرٌ مِنَ النّاسِ وَكَثيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إنَّ الله يَفْعَلُ ما يشاء)

إنّ مفارقـة الكفار لهذا الموكـب الكونـي، هذه المفارقـة والمباينـة وصفهـا رب العـزة الخالق تعالـى بأقبـح وصـف وأرذلـه بقوله تعالـى: (إنّما المُشْرِكونَ نَجَسٌ) وَلَم يـَرِدُ في الآيـات القرآنية ذكر النجاسة إلا مرّة واحدة فحسب هي هذه المرّة، أطلقها الله سبحانـه وتعالى على المشركيـن، وحيـث أنّ الكون مخلوق على الطهارة، فإنّ وصـف الكفـار بالنّجاسة إبلغ رد على مغايرتهـم لما عليه الكون، وخروجهم على خطه ومنهاجـه مما يسـتوجب

نبذهم تماماً كما تنبـذ النجـاسات، فالكفـار من الإنـس والجن هم حالة النشوز في هذا الكون.

لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يفاضل بين مخلوقاته، فقد فَضَّلَ الإنسان على سائر المخلوقات، بل أنّهُ قد جعل مخلوقاته في الأرض والسموات مُسَخَّرَة لهذا الإنسان الكريم، فالموكب الكوني الحق تسير فيه مخلوقات الله بالحق ما عدا الكفار من الإنس والجان، في مقدمة هذا الموكب وعلى قمته الإنسان المسلم المؤمن بالله الخالق.]

[ وليس معنى تكريم الله للإنسان رفعه عن مستواه، كما أنّه لا يخفضه عن مكانته الصحيحة، فالإسلام يقرر مكانة الإنسان على الأرض داخل هذا الموكب الكوني، ويؤكد حق استخلافه وأمانته، ومسؤوليته الفردية مما يستوجب البعث والجزاء، لذا فقد وقف الإسلام إزاء الإنسان موقفاً مخالفاَ لكل الفلسفات والعقائد الأخرى، وأقام مفهومه على أساس تكريم الإنسان صاحب العقل المستنير الذي آمن بربه خالقاً لهذا الكون، هذا الإنسان الداخِل في موكب الكون السائر بطاعة الله والإنقياد له، إذ قد قبل تكليف الله تعالى له بحمل الأمانة والإستخلاف في الأرض، فنظر الإسلام له بوصفه مخلوقاً مزيناً بالعقل والإدراك سائراً في طاعة الله، أي بوصفه كياناً متكاملاً متميزاً.]


الأحزاب: ( 72 ).

الحج: ( 18 ).

التوبة: ( 28 ).

ومع هذا نرى أحد من يدعي العلم من أصحاب العمائم والزي المميز، والعلم منه براء، يعلن في إحدى الفضائيات العربية عن تورعه عن إطلاق لفظ الكفر على اليهود والنصارى الكفار بنص القرآن في عدة مواضع منه، مدعياً أن إطلاق لفظ الكفر عليهم لم يرد في القرآن الكريم إلا مرة واحدة !! نفاقاً وولاء للكفار. اللهم أنا نبرأ إليك مما فعل ويفعل السفهاء منا.

عويضه ? محمود عبد اللطيف، حمل الدعوة الإسلامية واجبات وصفات، صفحه ( 8 ? 10 ) بتصرف.

الجندي - أنور، شبهات التغريب في غزو العالم الإسلامي، صفحه ( 321 ). بتصرف .

**(

(2)

لقد مَنّ الله على الإنسان إذ وهبه العقل، كما وهبه السّمع والبصر والفؤاد فهداه النّجدين وعلمه وأدبه وأرشده محسناً تعليمه وتأديبه وإرشاده، لذا فقد هيأه الله لحمل الأمانة وللخِلافة في الأرض، فهو عنصر فعال في الأرض، وهو كيان متميّز، مُزَيّنٌ بالعقل والحس والإدراك، وليس مجرّد مادة تافهة وُجِدَت صُدْفَة تتحكم بها عناصر الطبيعة وتعصف بها حتمياتها، تُحَرِكه الصدف ويعبث به تعاقب الليل والنهار، قال تعالى:

(وَعَلّمَ آدَمَ الأسْمآءَ كُلّها) (واللهُ أخْرَجَكُم من بُطونِ أمهاتِكُم لا تَعْلَمونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ والأفْئِدّةَ لَعَلّكُم تَشْكُرون)

وبناء على ما حباه الله من نعمة العقل والإدراك والتمييز، وبما أنّه أرفع المخلوقات شأناً عند خالقها، وبعد أن دعاه الله إلى أن يُنْعِمَ النّظَرَ والتّدقيقَ في الموجودات جَميعاً وما حولها وما يتعلق بها من سُنَنٍ وقَوانينَ وأمورَ حياة، لِيَسْتَدِلّ بها على وجود الله تعالى كخالِق ومدبر لهذا الكَوْن، فلا بُدَّ أن يَحْصل من إمعان النََّظَر والتَّأمُل والتّفَكُرَ في المَوْجودات والقوانين إيمانٌ راسِخٌ هو إيمان المُسْتَنير المُتَيَقِنَ الذي نَظَرَ وَنَظَرَ وَفَكّرَ وَفَكّرَ بِعُمْقٍ واستنارَةٍ ثُمَّ وَصَلَ نتيجَةَ النّظَرَ والتَفْكير إلى القَطْع وَاليَقين بِالله جَلّت قُدْرَتُهُ، فَكانَ ذلِكَ إعتِقاداً جاذِماً لا يُخالِطَهُ أدنى شَك أو ارتياب، فالإسلام قَدْ أعطاه البَراهين الدامغَة مَصحوبَة بالأجْوِبَة المُقْنِعَة لِكُلِ استفساراته، فَعَمَدَ إلى حَل عُقْدَة الإيمان عِنْدَهُ حَلاً يُوافِق الفِطرَة، يملأ العَقْلَ اقتناعاً والقَلب طَمَأنينة، وبما أنّ الإنسان قد توصل بالدَليل العقلي أنّه مخلوق لِخالِق، وأنّ هذا الخالِق هو موجِبُ الوُجودِ وَمُدَبِره، وبما أنّه أرفع المخلوقات شَأناً عند خالقها، وَجَبَ أن يُكَلّفَ هذا الرّفيع الشأن بالمًهِمّة الشاقة:

(إنّا عَرَضْنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبينَ أن يحمِلنها وأشْفَقْنَ منها وحملها الإنسان إنّهُ كان ظلوماً جهولا)

وبناء على حمل الأمانة، وحتى يتمكّن الإنسان من الإستمرار في ذلك والنّجاح فيه، فقد سَخَّرَ الله تعالى كل المخلوقات له من جمادٍ وحيوان:

(الله الذي سَخَّرَ لكم البَحْرَ لتجري الفلك بِأمْرِهِ، ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون، وَسَخَّرَ لكم ما في السموات والأرض جميعاً منه، إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)


  • التين: ( 4 ).

أنور الجندي، مفاهيم العلوم الاجتماعية، بتصرف.

طفرة: وثبة.

التين: ( 4 ).

ص: ( 71 ? 72 ).

الإسراء: ( 71 ).

التغابن: ( 7 ).

الحجر: ( 26 ).

المرسلات: ( 20 ).

محمد قطب، جاهلية القرن العشرين، صفحه ( 193 )، بتصرف.

الروح: كلمة لها مدلولان، الأول هو إدراك الإنسان لصلته بالله تعالى. والمدلول الثاني وهو المقصود في الفقرة: سر الحياة

الشمس: ( 7 ? 10 ).

البلد: ( 8 ? 10 ).

الإنسان: ( 1 ? 3 ).

القيامة: ( 3 ? 4 ).

الشمس: ( 7 ? 10 ).

البلد: ( 8 ? 10 ).

البقرة: ( 31 ). النحل: ( 78 ).

الأحزاب: ( 72 ).

الجاثية: ( 12 ? 13 ).**

**خَلــق الإنســـان في نظــر الإســـلام

لقد كرّم الله الإنسان، وجعله أرقى المخلوقات على الإطلاق، كَرّمَهُ بالعقل وحُسْنِ الخَلْق والخُلُق… كَرّمَهُ بالعقل المميز بين الخطأ والصواب والحَق والباطل… وبناء عليه فقد كَلّفَهُ بالعبادة وغيرها من الواجبات… كَرّمَهُ بحسن الصورة وجمالها… قال تعالى:

(لقد خَلَقْنا الإنسان في أحْسَن تقويم)

وليس الإنسان في مفهوم الإسلام أي من النظرات الثلاثة التي عَرّفّه بها الفكر البشري:

  1. ليس الإنسان حيواناً كما يقول الماديون في علومهم الإجتماعية .

  2. ليس الإنسان آثماً بحكم الوراثة كما تقول بعض الديانات .

  3. ليس الإنسان مجبور التناسخ كما تقول البوذية والهندوكية.

لا: ليس الإنسان أياً من تلك الأوصاف التي يلصقونها به، والتّعاريف التي يعرفونه بها. بل هو الإنسان المخلوق في أحسن تقويم ، الإنسان المُسْتَخْلَف في الأرض، الممتاز عن كل ما خَلَقَ الله في الكون، إنّه الإنسان الذي كَرّمَهُ الله بالعقل وفتح له آفاق الحياة… كرمه بالعقل والتمييز وكرمه بهدايته النّجدين.

وكما يقرر الإسلام أنّ الإنسان هو مادة مخلوقة مميزة، وأنّ الفرد ليس من صنع المناخ أو البيئة أو العادات، فكذلك يقرر أنه ليس مجرد ظاهـرة اجتماعيـة

في وجوده المادي، أو طفرة متطوّرة، بل أنه مخلوق له كيانـه الذاتي الخاص، وله رابطته مع الجماعة في نفس الوقت، وله العقل والإدراك الذي يُمَكِنَهُ من أن يُمَيِزَ الخبيث من الطَيِب، لذا فقد حَمّلَهُ الأمانة، وَكَلّفَهُ بالعبادة، وأمَرَهُ بالتفكر والتّعَمُقَ والإسْتِنارة والكِياسَةَ والفِطْنَة، وحَثه على إعمال العقل في الموجودات للإستدلال من خلال ذلك بصفته مخلوقاً عاقِلاً مُمَيِزاً على وجود الخالق المُدَبِر، ليكون هذا الإيمان الآتي عن دليل: ثابِتاً وراسِخاً وقَطْعِياً.

إنّ الإسلام يُقِدِمُ الإنسان في أجْمَلَ صورة وأبْدَعها، فهو في نظر الإسلام ليس حَيَواناً، وهو أيضاً ليس آثِماً بحُكْم الوراثة، كما أنّه ليس شَيْطاناً، وليسَ مَلاكاً ولا إله، وليس إبن الرّب ولا ثالث ثلاثة… كلا إنّهُ ليس أيٍ من تلك الأوصاف التي يصفونه بها، إنّما هو الإنسان المخلوق في أحْسَن صورة وأصَحَّ قامة وأجْمَلَ قَد، خليفة الله على الأرض، وهو من سُخِرَت لهُ المخلوقات جميعاً، وذُلِلَت له الآرْضَ بجبالها وأنهارها وبحارها وسهولها وقفارها، فالإسلام يضع الإنسان في موضِعه الصحيح اللائق به، وفي ذلك قوله تعالى : (لَقَد خَلَقْنا الإنسان في أحسَنِ تقويم)

(وإذ قالَ رَبكَ للملائِكَةِ إني خالِقٌ بَشَراً من طينٍ فإذا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ فيه من روحي فَقَعوا لَهُ ساجِدين)

(ولَقَدْ كَرَمْنا بَني آدَمَ وَحَمَلْناهُم في البَرِ والبَحْرِ وَرَزَقْناهم مِنَ الطيبات وَفَضَلناهم عل كَثيرِ مما خَلَقْنا تَفْضيلاً)

(خَلَقَ السَمَواتِ والأرض بالحق وَصَوَرَكُم فَاحْسَنَ صُوَرَكُم وَإلَيْهِ المصير)

إنّ الإسلام لم يُمرِغَ الإنسان في الوَحل كما مرغته الجاهلية الحديثة… ولم يمتهن من كرامته ولم يُنْقِص من قَدره… نعم: لقد أشار إلى حقيقة منشأه وتكونه وخلقه، إنّما ليس كما أشارت الداروينية، قال تعالى: (ولقد خَلَقْنا الإنسانَ من صلصال من حمأ مسنون)، وقال تعالى : (ألَمْ نَخْلقكم من ماء مهين) وليس بعد هذا حقارة في المنشأ… إنّه الطين المتعفن والماء المهين، ولكن: ما الايحاء الذي يعطيه التّوجه الإيماني؟ إنّه لا يدلي بتلك الحقائق “وهي حقائق نهائية قاطعة لأنها أتت من المصدر الأوحد الذي يعلم دقائق الأمور عن يقين”… لا يوحي بتلك الحقائق ليوحي بحقارة الإنسان، أو ضألة قدره ودوره في الحياة، مما أوحت به الداروينية إلى أتباعها اللذين صاغوا كل التفسيرات الحيوانية للإنسان… إنّما يُرْدِف ذلك بالحقائق الأخرى المكملة لها، حقائق التّفضيل وحسن التصوير والإختيار للأمانة الكبرى: أمانة الخلافة في الأرض. فتعمل هاتان الحقيقتان معاً لربط هذا الكائن الإنساني بالله، وصيانته في نفس الوقت من الغرور المُرَدي والتّمَرُد الذميم.

إنّ الإنسان في تصوير ووصف الإسلام له، ومن خلال فهم واقعه: هو مادة فقط، وهذه المادة المخلوقة لها صفات خاصة، فهو مكون من قبضة طين منفوخٌ بها روح الله، وفي هذه النّفخة سِر الحياة، إذ بدونها يبقى اٌنسان مجرد مادة ومادة فقط، والإثنتان مرتبطتان إحداهما بالأخرى ممتزجتان متزاوجتان غير منفصلتين، فهو ليس مادة وكفى فيهبط إلى مستوى الجماد، وهو ليس بلا عقلٍ فيهبط إلى مستوى الحيوانات والحشرات والديدان، وهو ليس روحاً فيؤله او يتأله، بل هومزيج دقيق، مخلوق مادي كَوّنَه الله وصوره فأحسن تصويره من طين نُفِخَ فيه روح الله التي هي سر الحياة، ومُزَيّن عن باقي الخَلق بأنَ الله تعالى قد أنعم عليه بالعقل المميز، ومع أنّ الله قد زينه بالعقل ورفع به مستواه عن باقي المخلوقات، إلا أنّه قد وضعه أمام إمتحان عظيم، سيحاسب عليه يوم القيامة ـ إمّا شاكراً تلك النعمة، وإمّا كفوراً بها ـ وفي ذلك قوله تعالى: (ونفس وما سوّاها، فَألْهَمَها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها) وقال تعالى: (ألم نجعل له عينين، ولساناً وشفتين، وهديناه النجدين)، قال تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدّهر لم يكن شيئاً مذكوراً، إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً، إنّا هديناه السّبيل إمّا شاكراً وإمّا كفوراً) وقال تعالى: (أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه، بلى قادرين أن نسوي بنانه)**

**(3)

أمّا كون تلك القوانين لَم تَاتِ من المادة، فذلك لأنّ القوانين هي عبارة عن جَعْل المـادة في نِسْبَة معينة أو وَضْع معين، فالماء مثلاً حتى يتحول إلى بخار أو جَليد، إنّما يتحول حسب قوانين معينة، أي حسب نسبة معينة من الحرارة، فإنّ حرارة الماء ليس لها في باديء الأمر تأثيرٌ في حالتِه من حيث هو سائل، لكن إذا زيدت أو أنْقِصَت حرارةُ الماء جاءت لحْظَةٌ تعدلت فيها حالة التّماسُكِ التي هو فيها وتحوّل الماء إلى بُخار في إحدى الحالات أو إلى جَليد في الحالة الأخرى. فإنّ هذه النّسْبَة المُعَيَنَة من الحَرارَة هي القانون الذي الذي يجري بحسبه تَحَول الماء إلى بخارٍ أو جليد، وهذه النسبة أي كونُ الحَرارَة بمقدار معين لمقدار معين من الماء لَمْ تًأتِ من الماء، لأنّه لوكانت منه لكان بمقدوره أنْ يُغَيِرَها وأنْ يخرُج عنها، وإنّما هي مفروضَة عليه فَرْضاً، فَدَلّ ذلك على أنا لَيْسَت منه قَطْعاً، وكذلك لم تأتِ من الحَرارَة بدليل أنها لا تستطيع ان تُغَيِّرَ هذه النسبة أو تخرج عنها، وأنها مفرضة عليها فَرْضاً، فهي ليست منها قَطْعاً، فتكون تلك القوانين ليست من المادة.

أمّا كَوْنُ هذه القوانين ليست خاصية من خَواص المادة فلأنّ القَوانينَ ليست أثراً من آثار المادة الناتجةِ عنها حتى يُقالُ أنها من خواصِها، وإنّما هي شيء مفروضٌ عليها من خارجها، ففي تحول الماء ليست القوانين من خواص الماء ولا من خواص الحَرارَة، لأنّ القانون ليس تحول الماء إلى بُخار أو إلى جَليد، بل القانون هو تحوله بنسبة معينة من الحرارة لنسبة معينة من الماء، فالموضوع ليس التّحول وإنّما التحول بنسبة معينة من الحرارة لنسبة معينة من الماء، فهو ليس كالرؤية في العين التي هي من خواصها، بل هو كون الرؤية لا تكون إلا بوضع معين مخصوص، هذا هو القانون، فكون العين ترى خاصية من خواصها، ولكن كونها لا ترى إلا بوضع مُعّيّن وَمَخْصوص ليس خاصية من خواصها وإنّما أمْرٌ خارِج عنها، والنّار من خواصها الإحْراق، ولكن كونها لا تحْرِقُ إلا بأحْوال خاصة ليس خاصية من خواصها بل هو أمر خارج عنها، فخاصية الشيء هي غَيْر القواين التي تُسَيره، إذ الخاصية هي ما يعطيه الشيء نفسه وينتج عنه: كالرؤية في العين

وكالإحراق في النّار وما شابه، ولكنّ القوانين التي تُسَِّيرُ الأشياء هي: كون الرؤية لا تحصل من العين إلا بأحوال خاصة ومخصوصة وكون الإحراق لا يحصل من النّار إلا بأحوال خاصة، وكون الماء لا يتحول إلى بُخار أو إلى جَليد إلا بأحوال مخصوصة، وهكذا…

وبما أنّه ثبت أنّ هذه القوانين ليست من المادة ولا خاصية من خواصها فتكون آتية من غيرها ومفروضة عليها فَرْضاً من غيرها ومن خارجها، وبذلك يثبت أنّ غير المادةِ هو من يؤثر فيها، وبذلك يثبت بطلان نظرية الماديين عامة والشيوعيين خاصة لأنه ثبت أنّ العالَمَ ليس سائراً تبعاَ لقوانين حركة المادة بل هو سائر بتسيير من أوجد هذه القوانين وفرضها عليها فَرْضاً، فيكون العالم بحاجة لمن وضع هذه القوانين وفرضها عليها فرضاً، وما دام بحاجةٍ إلى من فَرَضَ علية هذه القوانين، فالعالَمُ ليس أزَلِياً، وما دام ليس كذلك فهو مخلوق، لأنّ كونه ليس أزَلِياً يعني أنّهُ وُجِدَ بَعْدَ أن لم يَكُن فهو مخلوق لخالق، وهذا الأزلي الخالق هو مدلول كلمة الله سبحانه وتعالى. نعم: إنّه الله تعالى الخالق المُصَوِرُ المُدَبِرُ الذي لا يمكن إلا أن يكون أزلياً سَرْمَدِياً واجِب الوجود.


إنّ هذا البحث مقتبس من عدة مصادر، يمكن لمن شاء الرجوع إليها، وهي:

  • تقي الدين النبهاني، التفكير - نظام الإسلام - الشخصية الإسلامية.

  • محمد محمد إسماعيل، الفكر الإسلامي.

  • سميح عاطف الزين، لمن الحكم ؟ ، طريق الإيمان .

  • محمد حسين عبد الله، مفاهيم إسلامية.

  • جون كلوفر مونسما، الله يتجلى في عصر العلم.**

**(2)

ومدلول كلمة محتاج يعني أنّه مخلوق، لأنّ مجردحاجته تعني أنّه عاجز عن ايجاد شيء من العدم، أي عاجز عن ايجاد ما احتاجإليه، فهو ليس خالقاً، وما دام ليس خالقاً فهو مخلوق. لأنّ الوجودَ كله لا يخرج عن خالقٍ ومخلوق ولا ثالث لهما قطعاً، وهذا ليسفَرَضاً وإنّما يَدُلّ عليه الواقع المحسوس للمخلوق، وهذا المخلوق إمّا أنيكون مخلوقاً لنفسه أو مخلوقاً لغيره، أمّا كونه مخلوقاً لنفسه فباطل، لأنهيكون مخلوقاً لنفسه وخالقاً لها في آنٍ واحد، وهذا باطل، فلا بُدّ أن يكونمخلوقاً لغيره، وهذا الغير هو الخالق. وهذا الخالق هو أزَلِيٌ واجبالوجود.

أمّا كونه أزلياً لا أول له، فلأنّه إنكان له أولٌ كان مخلوقاً، إذ قد بدأ وجوده من حد معين، فكونه خالقاً يقتضيبأن يكون أزَلِيّاً. إذ الأزَلِي تَسْتَنِدُ إليه ولا يَسْتَنِدُ إلى شيء.والمحدودِيَة والأزَلِيَة ليستا اصطلاحاًوُضِعَ لَهُ تَعْريف اصطلاحي، ولا مدلولاً لكلمة وُضِعَ لها في اللُغَةلفْظٌ يَدُلُ عليها، وإنّما واقِعٌ مُعَيّن كالبحث في الفكر سواء بسواء،فحين نقول أنّ الكون محدود إنّما نُشـيرُ إلى واقع معين وهو كونه له بدايةوله نهاية، فالبحث في هذا الواقع وليس في كلمة محدود. وكونه له بداية ولهنهاية قد قام البرهانُ الحسي فيكون البرهان على واقع معين لا على معنىالكلمة لغوياً. فواقع المحدود هو أنّه له أول وله آخر، وواقع الأزَلِيُ هوما ليس له أولٌ، فيكون واقع المحدود غير واقع الأزلي، فيكون الكلام عن واقعمعين لا عن مدلول الكلمة لغوياً.والبرهان على أنّ وجودَ الخالق حَقيقةملموسة محسوسة هو في منتهى البَساطَة، فإنّ الإنسانَ يحيا في الكَوْنفَهُوَ يُشاهِدُ في نفسه وفي الحياه التي يحياه وفي كُلّ شيء في الكونتغيراً دائماً وانتقالاً من حال إلى حال، وَيُشاهِدُ وُجودَ أشياء وانعدامأشياء، ويُشاهِدُ دِقّةً وتنظيماً في كل ما يرى ويلمس، فَيَصِلُ من هذا عنطريق الإدراك الحِسي إلى أنّ هناك موجِداً لهذا الوجود المُدْرَكالمَحْسوس، وهذا أمْرٌ طبيعيٌ جِدّاً.ومثال على ذلك فَإنّ الشّخْص ليَسْمَعُصوتاً فَيَظُنُ أنّه صوت رجل أو إمرأة أو آلة، ولكن يوقن أنّه صوت ناتج عنوجود شيء نتج عنه الصّوت أمراً قطعيّاً عند سَماعِه، فقد قام البُرهانالحسي على وُجودِهِ، فيكون الإعتقاد بوجود شيء نتجَ عنه الصّوت إعْتِقاداًجاذماً قام عليه البُرْهان القَطْعي، ويكون هذا الإعتقاد أمْراً طَبيعِياًما دام البُرهان الحِسي قد قام عليه.وكذلك فإنّ الإنسان يُشاهِدُ التّغَيُرَفي الأشياء، وَيُشاهِدُ إنعدام بعضها ووجود غيرها، ويُشاهِدُ الدّقَةوالتّنظيم فيها، ويُشاهِدُ أنّ كُل ذلِكَ ليس منها، وأنّها عاجِزَة عنايجادِه وعاجِزَة عن دَفْعِه، فيوقن أنّ هذا كله صادر عن غير هذه الأشياء،ويوقِن بِوُجود خالِقٌ خَلَقَ هذه الأشياء، هو الذي يُغَيِرها ويعدمهاويوجدها وينظمها، فكان وُجود هذا الخالِق الذي دَلّ عليه وُجود هذه الأشياءوتغيرها وتنظيمها أمْراً قَطْعِياً عِند من شاهَدَ تغيرها ووجودهاوانعدامة ودقّة تنظيمها، فقد قام البُرهان الحِسي بالحِس المُباشر علىوُجودِهِ وهو بُرْهان بمنتهى البَساطَة، لذلك جاءت أكثر براهين القُرآنالكريم لافتَة النّظَرَ إلى ما يَقَع الحِس عليه ـ أي حس الإنسان ـللإستدلال بذلك على وُجود الخالق، كقوله تعالى: (يا أيها الإنسان ما غَرّكَبِرَبِكَ الكريم، الذي خَلَقَكَ فَسَواكَ فَعَدَلَكَ، في أيِ صورَة ماشـاء رَكَبَكَ)

(أفَلا يَنْظُرونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَت،وإلى السَّماء كَيْفَ رُفِعَت، وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَت، وإلى الأرْضكَيْفَ سُطِحَت، فَذَكِر إنّما أنْتَ مُذَكِر)

(فَلْيَنْظُرِ الإنسانَ مِمَ خُلِق، خُلِقَ مِن ماءٍ دافِق، يَخْرُجُ مِن بَيْن الصّلْبِ والتَرائِب، إنّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِر)

(أم خُلِقوا مِن غَيْر شَيءٍ أم هُمُ الخالقون، أم خَلَقوا السّمَوات والأرض بل لا يوقِنون.)

(ما اتَخَذَ الله مِن وَلَدٍ وما كان مَعَهُ منإلهٍ إذاً لَذَهَبَ كل إلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضهم على بَعْض سُبْحنالله عَمّا يَصِفون)

(سَنُرِيَهُم آياتنا في الآفاق وفي أنْفُسهم حتى يَتَبَيَنَ لهم أنّه الحَقُ أوَ لَم يَكْفِ بِرَبِكَ أنّهُ على كُل شيء شَهيد .)هذا هو واقع الإيمان: تصدقٌ جاذمٌ مطابقٌ للواقع عن دليل. وحتى يتحقق هذا الإيمان ويرسخ، فلا بد من أن يَحْكُم العقل على صِدْقِهِبِالأدِلَةِ القَطْعِيَة، لذا فقد دعا الإسلام الإنسان إلى التّفَكُر فيالمخلوقات لِيَسْتَدِلّ بها على أنها مخلوقة لِخالِق، وتكرر طلب التّفكر فيالقرآن الكريم مصحوباً بضرب الأمثلة الدالة على الخَلق في مواضع كثيرة منالقرآن الكريم.

أمّا بالنِسْبَة لإنكار الخَلْق لدىالشيوعييين وغيرهم من الماديين في العصر الحديث، فإنّ موضع الإنكار عندهميرتكز على قولهم أنّ العلاقات المتبادلة بين الحوادث وتكييف بعضها بعضاًبصور متقابلة، هي قوانين ضرورية لتطور المادة المتحركة، وأنّ العالم يتطورتبعاً لقوانين المادة المتحركة، أي لقوانين حركة المادة.

هذا هو موضع إنكار وجود الخالِق عندهم،فالتّعقيد جاءهم من تفسير ما في العالم من تغير وانتقال من حال إلى حال،وما فيه من وجود بعض الأشياء بعد أن لم تَكُن، وانعدام أشياء بعد أن كانت،أو على حَدّ تعبيرهم من تشكل المادة بأشكال مختلفة، ويفسرون ذلك بأنّهُيحْدُث من قوانين المادة وليس من شيء غيرها، فقوانين حَرَكَة المادة هيالتي تؤثِر في العالم الذي يتطور تبعاً لتلك القوانين، هذا هو موضعالإنكار، لذا كان المطلوب هو حَلُ تلك العقدة لديهم، أي أنّ محل البحث هوقوانين المادة وليس تغير العالم، وإذا حُلّت تلك العُقْدَة إنتفى جميع ماينادون به من التطور والإرتقاء المادي وخلافه، لأنّ كل تلك الأبحاث ارتكزتعلى عقدة قوانين المادة، فإذا ثَبَتَ أنّ هذه القوانين لَم تَاتِ من المادةلا هي من خَواصِها، وإنّما هي مفروضة عليها فَرْضاً من غيرها أي منخارجها، فإنّهُ يكون هناك غير المادة من يؤثر فيها، وبذلك تبطل نظريتهموَتُحَلُ العقدة لديهم، إذ يثبت لديهم أنّ العالم ليس سائِراً تبعاًلقوانين حركة المادة، بل سائِرٌ بتَسيير من أوجَدَ له هذه القوانين وفرضهاعليه فَرْضاً وأجْبَرَهُ أن يَسير بِحَسبِها، فبذلك تنتقض النظرية وتحلالعقدة حَلاً جَذْرِياً


الانفطار: 6 ? 8.

الغاشية: 17 ? 21.

الطارق: 5 ? 8.

الطور: 35 ? 36.

المؤمنون: 91.

فصلت: 35.

قوانين حركة المادة: هي ثاني بنود قوانينالمادية الجدلية " الديالكتيك "، ولزيادة الإطلاع على تفسيراتهم وخاصةتفسيرات: ستالين، انجلز، شيركوف، جارودي…الخ يمكن الرجوع إلى نفسالمصادر المدونة في حاشية الصفحة (227).

يتبع إن شاء الله**

**طريق الايمان


العقـــل يوصـــل إلــى الإيمـــان

إنّ الملاحِظَ للموجودات الثلاث التي يدرِكها عقل الإنسان وهي: الكَوْن والإنسان والحياة، بِعمْقٍ وإستنارة، يَجِدُ أنها مَحْدودَة . فالإنسانُ مَحْدودٌ لأنّه ينمو في كلّ شيء إلى حَدٍ لا يَتَجاوَزَهُ، فهوَ مَحْدود، والحَياة مَحْدودَة لأنّ مَظهَرها فرديٌ فقط، والمُشاهَدُ بِالحس أنّها تنتهي بالفرد فهي محدودة.

وَالحُكم على الإنسان يَجِبُ أن يَنْصَبّ على ماهيته، أي على جنْسِه، فما يَصْدُق على الماهِيَة يَصْدق على الجنس كلّه مهما تَعَدّدَت أفراده. وبِما أنّ الماهِيّة في فَرْدٍ مُتَحَقِقَة في الفَرْد الواحِد “وفي كلّ فَرْد” وَالفَرْد الواحِد يَموت، فَذلك يَعْني أنّ جنْس الإنسان يَموت، وما دامَت الحَياة تنتهي في الفَرْد الواحِد فَمَعْناه أنّ جنس الحَياة تَنْتَهي فَهِيَ مَحْدودَة.

وَالحَياة في الفَرْد ? إنْساناً كانَ أو حَيَواناً ? أمْرٌ يُحَسّ وإن كان لا يُلْمَس، وَيُفَرّقُ بِالحِسّ بَيْنَ الحَيّ والمَيّت، وهذا المَحْسوس مَوجود في الكائِن الحَي ومن مظاهِرِه النّمو والحَرَكَة والتَكاثُر، وهو مُمَثّل كليّاً وجزْئِياً في الفرد ولا يرتبِط بِأي شيء مطلَقاً.

والكون محدود، لأنّه مجموعة أجرام، وكل جرم منها محدود، ومجموع المحدودات محدود بداهة، وذلك لأنّ كلّ جرم منها لَه حُدود، أي لَه أوّل وآخر، فمهما تَعَدّدَت تلك الأجرام فإنّها تظلّ تنتهي بمحدود، والمحدود هو العاجز والنّاقص والمحتاج لايجاد شيء من العَدَم ،أي عاجزٌ عن إيجاد ما إحتاج إليه. ولا يقال أنّ الأشياء المُدْرَكَة المَحْسوسة إحتاجَت لِبَعْضِها ولكنّها في مَجْموعها مُسْتَغنِيَة عن غيرها، لا يُقال ذلك لأنّ الحاجَة إنّما تَظهَر وتَتّضِح للشيء الواحِد، وتُلمَسُ لمْساً ولا تُفْرَضُ فَرْضاً نَظَرِياً لشيء غير موجود فَيُفْتَرَض وجوده، فلا يقال أنّ النّـار فيـه قابليّة الإحراق وحتى تَحرِق فقد احتاجَت لِجِسْم فيه قابليّة الإحتراق، فلو إجتمعا معاً لإستغنيا ولم يحتاجا لغيرهما، لا يُقال ذلك لأنّه فَرَضٌ نَظَري، فالحاجة للنار وللجِسْم القابِل للإحتراق هي حاجَةٌ لشيء موجود حِسّاً ومَحْسوسٌ بِإحْدى الحَواس، أو مُدْرَك عَقْلِياً، وهو بالطبع مما يقع الحِسّ على مَدْلولِهِ حتى يَتَأتى إدراكه عَقْلاً، فالحاجة هي لشيء موجود، والنّار والجِسْم لا يوجَدُ من إجتماعهما شيء يحصل فيه الإستغناء أو الحاجًة.

وكذلِكَ الأشياء التي في الكَوْن لا يحصل من اجتماعها الإستغناء أو الحاجَة. فالحاجَة والإستغناء متمثلان في الجِسْم الواحد.

وبما أنّ مفهوم الإحتياج مُتَعَلِقٌ بعَدَم الإستغناء، الذي هو في الجِسم الواحِد، لذا فمفهوم الإشتراط المادي المتعلق بعدم فصل الأشياء بعضها عن بعض هو مفهوم خاطيء لأنه لا يوجد شيء يتكوّن من مجموع ما في الكون حتى يوصف

بأنّه مستغن أو محتاج. فقولهم أنّ مجموع الأشياء التي في الكون مستغنٍ أو محتاج هو وصف لواقعٍ غير موجود، لأنّه وصف لشيء متخيّل الوجود لا لشيء موجود. والبرهان يقوم على حاجة شيء معيّن موجود في الكون، لا لمجموعة أشياء يتخيل لها إجتماع يتكون منه شيء فيُعطى وَصْفُ الحاجة أو الاستغناء، لذا فهذا فَرَضٌ تَخَيّليٌ وليسَ واقِعِيّاً ولا يَرْقى حَتّى إلى أنّه فَرَض نظري.

ولا يُقالُ أنّ الأشياء احتاجَت إلى بَعْضِها فَأكْمَلَت بعضها فنفت بذلك الإحتياج، لا يُقال ذلكَ لأنّ الإحتياج ولو إلى شيء واحِدٍ في الدّنيا يُثبِتُ أنّه لا يوجَدُ في الكَوْن شيئ مُسْتَغْنٍ الإستغناء المُطْلَق، فَمُجًرَدُ احتياجه لشيئ واحد في الوجود يُثْبِتُ ولا بُد وَصْفُ الاحتياج، فاحتياج الجزء إلى جُزْءٍ آخرَ يُثبِتُ لَهُ وَصْفَ الاحتياج قَطْعَاً. وهذا كله ملموس محسوس بالنّسبة لجميع الأشياء المَوْجودَةِ على سَطْح الأرض وَلِما وَصَلَ إليه الإنسان من الأجرام.

هذا علاوة على أنّ الكَوْنَ هو مَجْموعَة أجرام، وكُلّ منها يَسير بِنِظام مَخْصوص ومُحَدّد، وهذا النظام إمّا أن يكون جُزء منه، أو خاصّة من خاصّياتِه أوشيء آخر غَيْره، فهو بالتّحديد أحَدُ هذه الإحتِمالات الثَلاثَة وليس غَيْرها ولا يُمْكِن أن يكون غَيْرها مُطْلَقاً، أمّا كونه جُزْءاً منه فباطل، لأنّ سَيْر الكواكب يكون في مدار معيّن لا يتعدّاه، والمدار كالطريق هو غير السائر فيه، والنظام الذي يسير فيه ليس مجرد سَيْرِهِ فقط، بل تَقَيُدِهِ بالسّير في هذا المدار لا يتعداه. ولذلك لا يمكن أن يكون هذا النظام جُزْءاً منه، وأيضاً إنّ السّيْرَ نفسه ليس جزءاً من ماهِيّة الكوكَب بل عملٌُ له، ولذلك لا يمكن أن يكون جزءاً منه، وأمّا أنّهُ خاصيّة من خَواصه فباطلٌ، لأنّ النظام ليس هو سير الكوكب فَحَسْب، بَل سَيْرَهُ في مَدار معين. فالموضـوع ليس السّير فقط بل السّير في مدار ونظام معيّن، فإن كان السّير من خَواصـه كـان عليه أن ينظم سَيْر نفسه، وحينئذٍ يستطيع أن ينظم نظاماً آخر ما دام مـن خواصـه التّنظيم، والواقـع أنّـه لا يستطيع ذلك، ولهذا لا يمكن أن يكون مـن خواصه، وما دام ليس جزءاً منه وليس من خواصه فهو غيره قطعاً وبالتّأكيد، فيكون قد احتاج إلى غيره، أي احتاج الكون إلى نظام ينظمه.

وأمّا الحياة فإنّ احتياجها إلى الماء والهواء ملموس محسوس، وأمّا الإنسان فإنّ احتياجه إلى الطّعام والشّراب والهواء ملموس محسوس، وعليه فإنّ الكونَ والحياة والإنسان كائنة في حالة احتياج دائِم.


مفهوم الاشتراط الماركسي: ورد هذا المفهوم كبند أول من مواد قوانين المادية الجدلية " الديالكتك " والذي ينص على: إنّ الطبيعة شيء واحد مرتبط، ترتبط فيه الأشياء والظاهر ارتباطاً عضوياً فيما بينها ويقوم بعضها على بعض، ويكيف بعضها بعضاً بالتبادل. والديالكتك يعتبر الطبيعة كلاً واحداً متماسكاً ترتبط فيه الأشياء والحوادث ارتباطاً عضوياً، ويتعلق أحدها بالآخر ويكون بعضها شرطاً لبعض. والديالكتك لا يعتبر الطبيعة تراكماً عرضياً للأشياء، أو حوادث بعضها منفصل عن بعض أو أحدها منعزل. أي حادث لا يمكن فهمه إذا نظر إليه بمعزل عن الحوادث. يقول ستالين: الديالكتك يعتبر الطبيعة كلاً واحداً… كما يقول: ترتبط الأشياء والحوادث ارتباطا عضوياً. ويقول انجلز: وحدة العالم قائمة على ماديته. كما يقول ستالين: يكون بعض الحوادث والأشياء شرطاً للبعض. كما يقول مفسراً: أيّ حادث لا يمكن فهمه إذا نظر إليه منفرداً بمعزل عن الحوادث.. أما هيجل فيقول: الشيء بذاته ليس حقيقياً بينما الكل هو الوحيد الحقيقي.

لمزيد من التوسع ? لمن رغب ? يمكن الرجوع إلى:

  • د. محمد عزت نصر الله، الرد على صادق العظم، الصفحات ( 303-320)

  • أسس الاشتراكية العربية، صفحه (67) وما بعدها.

    • ستالين، المادية الجدلية والمادية التاريخية، الصفحات ( 16) وما بعدها.
  • الماركسية في الفلسفة، الصفحات ( 34 ? 75 )

  • انجلز، ضد دهرنج، صفحه ( 74 ).

  • بيس وكافنج، بولتزير، الجزء الأول، الصفحات ( 50 ? 80 )

يتبع ان شاء الله**

مواضيع هذا الباب منقولة من :
موسوعة الخلق والنشوء
حاتم ناصر الشرباتي
1424هـ / 2002م. مكتبة الايمان - المنصورة