**(4)
. وأما القول بالسنتين فمبني على ما وقع في مغازي ابن عائذ في حديث ابن عباس وغيره أنه كان سنتين، وكذا وقع عند موسى بن عقبة. وقد جمع الشوكاني بين رواية السنتين والعشر بقوله: “ويجمع بأن العشر السنين هي المدة التي وقع الصلح عليها، والسنتين هي المدة التي انتهى أمر الصلح فيها حتى وقع نقضه على يد قريش”.(7) وهو جمع صحيح يغنينا عن البحث في سند الرواية، لأنّ صلح الحديبية عقد في السنة السادسة من الهجرة ونقض في السنة الثامنة سنة فتح مكة أي بعد حوالي السنتين من عقده. أخرج البيهقي في الصغرى عن مروان بن الحكم والمسور بن خرمة قالا: «كان في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية بينه وبين قريش أن من شاء أن يدخل في عقد النبي صلى الله عليه وسلم وعهده دخل فيه، ومن شاء أن يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا: ندخل في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: ندخل في عقد قريش وعهدهم، فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة عشر أو الثمانية عشر شهرا…».
أما التأقيت المجهول المدة، كقول الإمام: أقركم ما شئنا أو ما شاء الله أو زيد أو ما أقركم الله، فلا يصح به العقد؛ لأنّ الجهل بالمدة يحتمل الإطلاق المفيد للتأبيد، وهو ينافي مقتضى عقد المعاهدة من كونه مؤقتا بأجل معين.
وأما استدلال بعض العلماء بما رواه البخاري عن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليهود خيبر: «أقركم ما أقركم الله» وفي رواية له عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن عمر بن الخطاب أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر على أهل خيبر أراد أن يخرج اليهود منها، وكانت الأرض لما ظهر عليها لليهود وللرسول وللمسلمين، فسأل اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتركهم على أن يكفوا العمل ولهم نصف الثمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نقركم على ذلك ما شئنا». فأقروا حتى أجلاهم عمر في إمارته إلى تيماء وأريحا». فلا يصح من وجهين:
أولهما ، وهو رأي الإمام الشافعي، أن العقد إذا صح مجهول المدة من النبي صلى الله عليه وسلم فلا يصح من غيره؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يعلم ما عند الله بالوحي بخلاف غيره. وقد أوحي إليه بعد مدة من العقد بإجلاء اليهود من جزيرة العرب، فأجلاهم عمر.
ثانيهما ، أن خيبر فتحت عنوة ولم تفتح صلحا. قال ابن قدامة المقدسي: “ولم يكن بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل خيبر هدنة، فإنه فتحها عنوة، وإنما ساقاهم وقال لهم ذلك. وهذا يدل على جواز المساقاة وليس هذا بهدنة اتفاقا”.(8) وقال ابن حجر العسقلاني: “روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل الكتاب في جزيرة العرب: «أقركم ما أقركم الله» وقيل إن هذا جرى في المهادنة حين وادع زفر خيبر لا في عقد الذمة، قلت: الثاني هو الصحيح”.(9) فما جرى بين النبي صلى الله عليه وسلم ويهود خيبر، لم يكن اتفاق هدنة وموادعة، إنما كان اتفاق مساقاة أو مزارعة ضمن عقد ذمة، ولم تكن الجزية قد ضربت بعد. وعقد الذمة من العقود المؤبدة غير المؤقتة، فيحتمل الجهالة بالتأقيت المفيدة للتأبيد بخلاف عقد المعاهدة.
وعليه، فلا يصح عقد المعاهدة إلا بتحديد مدة معينة له أقصاها عشر سنين، فإن انقضت المدّة جاز تحديد العقد إذا رأى الخليفة ذلك.
ب. شروط خاصة
يجوز في عقد المعاهدة أن تشترط فيه شروط خاصة به تنشأ التزامات ملزمة للطرفين، بشرط عدم مخالفتها للشرع أو لمقتضى العقد.
فقد هادن النبي صلى الله عليه وسلم قريشا وكتب معهم صلحا تضمن شروطا التزم بها. أخرج البخاري عن ابن شهاب: أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة يخبران خبرا من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة الحديبية، فكان فيما أخبرني عروة عنهما: «…وكان فيما اشترط سهيل بن عمرو أنه قال: لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه. وأبى سهيل أن يقاضي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على ذلك، فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا، فتكلموا فيه، فلما أبى سهيل أن يقاضي رسول الله صلى الله عليه وسلمإلا على ذلك، كاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلمأبا جندل بن سهيل يومئذ إلى أبيه سهيل ابن عمرو، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلمأحد من الرجال إلا رده في تلك المدة، وإن كان مسلما …»**



