**صبر حملة الدعوة
دليل ابلج على انتصارهم
ابو احمد شرباتي
الصبر في اللغة الحبس، يقال صبرت نفسي عن الشيء، أي حبستها، ومنه قوله تعالى: "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ "{28} الكهف،والصبر في الاصطلاح الشرعي، هو حبس النفس على الالتزام والخضوع لشرع الله عز وجل وقضاءه ، والصبر من الأحكام الشرعية وحكمه يدور بين الوجوب والندب، فمنه ما هو مندوب كقوله تعالى: "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ "{126} النحل. ومنه ما هو واجب كالصبر على الابتلاء في الدنيا ومنه قوله تعالى ، "يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ{17} لقمان ، ومنه أيضاً الصبر في ساحات القتال ومنه قوله تعالى ، "وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ "{46} الأنفال، ومنه الصبر على حمل الدعوة سواء كان الصبر على العمل بالأحكام الشرعية الخاصة في حمل الدعوة، ومنه قوله تعالى لنبيه الكريم ، "وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ "{48} الطور أو كان الصبر على دعوة الناس وتحمل أذاهم وعدم استجابتهم ، ومنه قوله تعالى: "فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ "{39}ق، ومنه أيضاً الصبر على أذى الحكام وزمرتهم ، ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم، “صبراً آل ياسر إن موعدكم الجنة” ، ومنه أيضاً الصبر على طول الرحلة ومشاق السفر في حمل الدعوة حتى يتنزل نصر الله ومنه قوله تعالى، "أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ "{214} البقرة.
والصبر من الأحكام الشرعية التي ربط الله تحقيق كثير من نتائج الأعمال على الالتزام به، فالنصر والاستخلاف في الأرض مشروطان بالصبر وبالثبات على الحق ، فالله سبحانه وتعالى يقول ، "بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ "{125} آل عمران ، ومنه أيضاُ قوله تعالى ، "فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ "{60} الروم ، وقد ربط الله عز وجل الفلاح في الآخرة بالصبر أيضاً حيث يقول تعالى ، "إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِير"ٌ{11}هود ، وقال تعالى أيضاً ، “قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ” {10} الزمر .
ولقد بين الله عز وجل لنبيه الكريم أن الصبر على أعباء حمل الدعوة ،والصبر حتى يتنزل النصر ، ليس خاصا به وبقومه بل هو عام لجميع الرسل حيث قال تعالى ، "َاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ "{35} الأحقاف، وقال تعالى أيضاً ، "اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ {17} ص ، وقال تعالى ، “وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ”{34} الأنعام، وقال تعالى ، "وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ "{137} الأعراف .
هذه الآيات الكريمة تبين أن الصبر على حمل الدعوة واجب، وهو من طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبين أن الصبر هو مفتاح النصر والتمكين والاستخلاف في الأرض ، وهو دليل أبلج على صدق حملة الدعوة وقرب النصر والتمكين في الأرض ، وهو من تمام الأعمال وبه يستعان على قضائها حيث قال تعال "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ "{153} البقرة..
والصبر يقتضي من المسلم عدم اليأس والتسليم التام لحكم الله عز وجل ، لأن اليأس من عوائق الصبر، وقد حذر الله من اليأس على لسان سيدنا يعقوب حيث قال تعالى ، "يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ "{87} يوسف، والعجلة والضجر والغضب من الناس وعدم تحمل أذاهم ينافي الصبر ، وقد حذر الله نبيه الكريم منه حيث قال تعالى ، "فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ "{48} القلم، والصابرون من أحباب الله عز وجل ، حيث قال تعالى ، "وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ "{146} آل عمران .**