…/2
وكان أبو أيوب الأنصاري قد خرج مع جيش المسلمين لفتح إسطنبول في عهد الأمويين ، واستشهد تحت أسوارها ، فيخرج “أقْ شمس الدين” برفقة السلطان من الخيمة ، ويصلا إلى ساحل القرن الذهبـي، وهناك يشير الشيخ إلى مكان قريب من الأسوار ويقول: “ها هنا القبر يا جلالة السلطان”. فيأمر السلطان محمد الفاتح بإنشاء جامع وضريح في هذا المكان على الفور. وبعد الفتح يبنى الجامع والضريح..
** نصل من هذه القصة إلى نتيجة أن السلاطين العثمانيين أبدوا حبا جماً ليس للرسول صلى الله عليه وسلم فحسب، بل لأصحابه الذين حملوا رائحته العطرة ورائحة بلدته الطاهرة أيضاً.**
ولقد ورّث السلطان محمد الفاتح هذه المحبة لابنه السلطان بيازيد الثاني أيضاً… يقوم السلطان بيازيد خان بزيارة صديقه الذي يحبه في الله “بابا يوسف” لتوديعه قبل ذهابه إلى الحج، يسلّمه كمية من الذهب ويقول: “هذا ما رزقني الله به من عرق جبيني ، ولقد ادخرته من أجل صيانة قناديل الروضة المطهرة ، عندما تقف في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم أريد منك أن تقول: يا رسول الله، خادمك الفقير “بيازيد” يقرئك السلام ويقول لك: إنه قد أرسل هذه القطع من الذهب لشراء زيت قناديل الروضة، فاقبلها منه..”.
وفي عهد السلطان سليم الأول نرى أن هذا الحب النبوي يكتسب بُعداً آخر؛ حيث تنضم أراضي الحجاز في عهده إلى الدولة العثمانية ويتوحد العالم الإسلامي تحت راية واحدة.
وسرعان ما يذيع صيت السلطان سليم في العالم الإسلامي، ويبدأ الخطباء في المساجد يقرءون الخطب باسمه مستخدمين لقب “حاكم الحرمين” إلا أن السلطان سليم لم يكن راضياً عن هذا اللقب أبداً.
** وفي يوم من الأيام وهو يصلي صلاة الجمعة في الجامع الكبير بحلب، يسمع هذه اللفظة من خطيب الجامع، فيهب مسرعا ويقول: “لا لا، لستُ حاكماً للحرمين، بل خادماً لهما”، فيعدّل الخطيب كلامه كما أشار به السلطان ،وبعد الصلاة يقوم السلطان بتقديم قفطانه هدية إلى الخطيب وشكراً له.**
** فبهذا يشهد له التاريخ مرة أخرى احترامه وحبه العميق تجاه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.**
**والجدير بالذكر أنه كان من بين سلاطين آل عثمان مَن رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام ، وبالأوامر والإشارات التي تلقّاها منه صلى الله عليه وسلم تمكّن من فتح بلاد عديدة بإذن الله سبحانه وتعالى ، والدليل على ذلك رؤية السلطان سليمان القانوني، إذ رأى الرسول صلى الله عليه وسلم يقول له : “إذا ما فتحت قلاع بلغراد ورودوس وبغداد، فقم بإعمار مدينتي”. **
**فسرعان ما يأمر السلطان بإعمار أراضي الحرمين ووضع مشاريع الإسكان لها ، حتى إنه ترك وصية يطلب فيها أن يُنشأ من ثروته الخاصة وقفٌ خيري يلبي حاجة المياه لحجاج بيت الله الحرام. **
وبعد وفاته قامت ابنته “مهرماه سلطان” بتحقيق وصيته وأمرت بجلب مياه عين زبيدة من عرفات إلى مكة المكرمة.
** وقد نرى هذا القائد العظيم الذي وقف العالم كله إجلالا واحتراما له، يتوجه في إسطنبول نحو القبلة ويناجي بلسان الحب رسول الله صلى الله عليه وسلم منشداً:**
يا حبيب الله يا ضياء العالمين
ببابك العالي وقف العاشقون
فإن داء لساني بذكرك يشفى
فؤادي المكروب بك يفرح
وقلبـي المجروح أنت ضماده
**ولم تُنقِص الأيام من بحر عشقهم للرسول صلى الله عليه وسلم مثقال ذرة، بل تضاعف وتضاعف حتى تحول إلى محيط لا حد له ولا قرار.. السلطان أحمد الأول، يصعد العرش في وقت حرج، حيث تسود الاضطرابات وتنتشر الفوضى في معظم الأراضي العثمانية. **
إلا أن هذا السلطان الشاب المهموم كان مفعما بالروح المعنوية العالية ، فراح يبحث عن الدواء في عصره الذي يعيش فيه ولكن دون جدوى، فيقرر في نهاية المطاف أن يرجع إلى الماضي ويبحث عن غرضه هناك.. فيخرج في إحدى الليالي خفية إلى جناح الأمانات المقدسة بقصر طوب قابي… يمسك نعل الرسول صلى الله عليه وسلم ويضمه إلى صدره ثم يقول بحرقة قلب:
ليتني أحمل نعلك الشريف دائماً على رأسي كالتاج
يا صاحب النعل الكريم، يا وردة حديقة الأنبياء
ليتني أمسح وجهي دائماً على أثر قدمك يا وردة الورود..
ومنذ ذلك الوقت أخذ السلطان أحمد الأول يحمل صورة لأثر القدم النبوي الشريف داخل قفطانه.
** ونراه في موضع آخر، يحترق بلهيب العشق النبوي هذا ويقول:**
فما عاد الفؤاد يتحمل فراقك
وما عاد اللسان يتحرك بسواك
غدا حبـي عشقاً
فأبكاني أنا الفقير، حتى نفدت دموع قلبـي
وما بقيت فيه دمعة، كمثل يعقوب عليه السلام.
وكان السلطان عبد العزيز أيضاً من عشاق النبي صلى الله عليه وسلم ، ففي إحدى الأيام وصلت رسالة إلى القصر من المدينة المنورة، وكان السلطان في تلك اللحظة مصاباً بمرض شديد أقعده في الفراش.
** فتردد رجال الدولة بادئ الأمر في تقديم الرسالة إلى السلطان عبد العزيز بسبب مرضه هذا، ولكنهم كانوا يعرفون في الوقت نفسه، مدى حساسيته تجاه المدينة المنورة وحبه لها، فاضطروا إلى تقديمها له في نهاية الأمر. وعندما اقترب الوزيز منه وأخبره أن رسالة وصلت من المدينة المنورة، لمعت عينا السلطان وطلب من الوزير ألا يبدأ بالقراءة حتى يأمره بذلك، ثم قال لمن حوله: “ارفعوني.. فلا يمكن أن أسمع رسالة وصلت من الأراضي المقدسة وأنا نائم”. **
واستمع إلى ما في الرسالة واقفا على رجليه رغم وطأة المرض.. ومما يجدر ذكره هنا، أن السلطان عبد العزيز كان لا يتناول أي ملف أو أوراق قادمة من المدينة المنورة دون أن يجدد الوضوء. لأن هذه الأوراق بالنسبة له تحمل غبار بلدة الرسول صلى الله عليه وسلم ورائحته العطرة. لذا كان يقبلها أولاً ثم يضعها على جبينه ثم يشمها بحرارة ثم يفتحها ليقرأها.
**تولى السلطان عبد الحميد الثاني الخلافة في وقت كانت فيه الدولة العثمانية في منتهى السوء والاضطراب، سواء في الأوضاع الداخلية أو الخارجية.. وفي وسط هذه التيارات والأمواج المتلاطمة تقلد السلطان عبد الحميد الحكم، وبدأ في العمل بكل ما أوتي من قوة ليوحد المسلمين من جديد تحت راية الإسلام. فقام في عهده بتنفيذ مشاريع مهمة غاية الأهمية، منها إنشاء خط حديد الحجاز الذي امتد من إسطنبول إلى المدينة المنورة. **
وكانت الغاية العظيمة في ذلك، الدفاع عن الأراضي المقدسة من هجمات العدو ثم تأمين راحة الحجاج خلال رحلتهم إلى الحرمين الشريفين.
ومما نريد لفت الأنظار إليه في هذا الصدد أنه، قد جرى إنشاء الخط الواقع بين مدائن صالح والمدينة المنورة كله بأيدي المهندسين والعمال المسلمين فقط، لأن هذا الجزء كان داخل حدود منطقة الحرم. وعندما وصل الخط إلى المدينة المنورة في 31 أغسطس من عام 1908، أمر السلطان عبد الحميد الثاني بأن يُمَدّ اللباد على الخط في آخر ثلاثين كيلومتراً منه؛ كما أن مقطورة القطار كانت عند وصولها إلى المدينة المنورة تخفض من سرعتها وتقترب من رصيف المحطة ببطء حتى لا تزعج الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم ينـزل الركاب من القطار ماشين على أطراف أقدامهم بتأدب واحترام… أما اللباد الممدود على سكة الحديد فيتم غسله بماء الورد خلال كل يوم في ساعات معينة. وذلك احتراماً لتلك الأراضي المباركة وتقديساً لها.
لقد حمل سلاطين بني عثمان من أولهم إلى آخرهم، مشاعر عذبة وحباً فياضاً ولهفة شديدة إلى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وإلى القرب منه. ولعل أهم ميراث تركوه لنا هو هذا الحب النقي الصافي. الترجمة عن التركية: نور الدين صواش.
**ضياء دميرال: كاتب وباحث تركي. **
المصدر : مجلة حراء ، العدد: 18 (يناير- مارس) 2010
نقل مجلة الزيتونة عن صفحة التاريخ