سلاطين بني عثمان قلوبٌ احترقت في حب الرسول

رسالة السلطان عبد الحميد

إلى شيخه أبي الشامات

بين يدينا وثيقة تاريخية هامة بخط السلطان عبد الحميد الثاني، تتضمن رسالة كان قد وجهها السلطان بعد خلعه إلى شيخه الشاذلي محمود أبي الشامات، وفيها سر خلعه عن الخلافة، نشرها المرحوم سعيد الأفغاني في مجلة العربي الكويتية في عددها الصادر في شوال 1392 الموافق كانون أول 1972 وأعاد نشر مضمونها الأستاذ رفيق النتشة في كتابه (السلطان عبد الحميد الثاني وفلسطين) والدكتور موفق بني المرجه في كتابه القيم (صحوة الرجل المريض) والباحث محمد علي شاهين في كتابه (قضايا القرن العشرين) وننقلها من مجلدات العربي المحفوظة من مكتبة مراجع أمانة عمان الكبرى، أما الترجمة العربية للرسالة فقد قام بها الشيخ أحمد القاسمي الدمشقي، وإليك الرسالة المترجمة:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد رسول رب العالمين وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين إلى يوم الدين.

أرفع عريضتي هذه إلى شيخ الطريقة العلية الشاذلية، إلى مفيض الروح والحياة، وإلى شيخ أهل عصره الشيخ محمود أفندي أبي الشامات، وأقبل يديه المباركتين راجيا دعواته الصالحة. بعد تقديم احترامي أعرض أني تلقيت كتابكم المؤرخ في 22 مايس من السنة الحالية، وحمدت المولى وشكرته أنكم بصحة وسلامة دائمتين.

سيدي : إنني بتوفيق الله تعالى مداوم على قراءة الأوراد الشاذلية ليلا ونهارا، وأعرض أنني مازلت محتاجا لدعواتكم القلبية بصورة دائمة.

بعد هذه المقدمة أعرض لرشادتكم وإلى أمثالكم أصحاب السماحة والعقول السليمة المسألة المهمة الآتية كأمانة في ذمة التاريخ:

إنني لم أتخل عن الخلافة الإسلامية لسبب ما، سوى أنني _ بسبب المضايقة من رؤساء جمعية الاتحاد المعروفة باسم (جون تورك) وتهديدهم _ اضطررت وأجبرت على ترك الخلافة. إن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا وأصروا علي بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة (فلسطين)، ورغم إصرارهم فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف، وأخيرًا وعدوا بتقديم 150 مائة وخمسين مليون ليرة إنجليزية ذهبا، فرفضت هذا التكليف بصورة قطعية أيضا، وأجبتهم بهذا الجواب القطعي الآتي: (إنكم لو دفعتم ملء الأرض ذهبا - فضلا عن 150 مائة وخمسين مليون ليرة إنجليزية ذهبًا فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي، لقد خدمت الملة الإسلامية والمحمدية ما يزيد عن ثلاثين سنة فلم أسود صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانيين، لهذا لن أقبل تكليفكم بوجه قطعي أيضا). وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي، وأبلغوني أنهم سيبعدونني إلى (سلانيك) فقبلت بهذا التكليف الأخير. هذا وحمدت المولى وأحمده أنني لم أقبل بأن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة فلسطين? وقد كان بعد ذلك ما كان، ولذا فإنني أكرر الحمد والثناء على الله المتعال، وأعتقد أن ما عرضته كاف في هذا الموضوع الهام، وبه أختم رسالتي هذه. ألثم يديكم المباركتين، وأرجو واسترحم أن تتفضلوا بقبول احترامي بسلامي على جميع الإخوان والأصدقاء.

يا أستاذي المعظم لقد أطلت عليكم التحية، ولكن دفعني لهذه الإطالة أن نحيط سماحتكم علما، ونحيط جماعتكم بذلك علما أيضا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

في 22 أيلول 1329

خادم المسلمين

عبد الحميد بن عبد المجيد

**فكانت جمعية الاتحاد والترقي، هي الأداة التي استخدمتها الدول الغربية والجمعية الصهيونية في تنفيذ المخطط الصليبي الصهيوني ضد الدولة العثمانية، وكان موقف السلطان عبد الحميد منه، موقف العداء لهم ولمخططاتهم، وكان موقفهم منه كذلك.

وكان في طيات حركة الاتحاد والترقي، تتخفى دعوة أشمل منها وأشد خطورة على الوحدة الإسلامية، ألا وهي (الجامعة الطورانية) التي قامت على إعلاء الجنس التركي، وإن جذوره تنتهي عند الحضارة المغولية وجنكيز خان، وأنهم أمة أشد عراقة في التاريخ من العرب، ومن ثم يجب صهر جميع عناصر الدولة العثمانية في الجامعة الطورانية وتتريك العرب أنفسهم.

كانت (الجامعة الطورانية) تهدف إلى خلع الجذور الإسلامية للدولة العثمانية وإعادة توثيقها الحضارة المغولية، كما كانت تسعى إلى صناعة الصراع بين شقي الدولة العرب والترك وذلك لأن جمعية الاتحاد والترقي دعت إلى تتريك عناصر، ومنهم العرب الذين حتماً لن يقبلوا هذه الدعوة، وينشأ الصراع بينهم وبين الترك، مما ينتهي بانفصالهم وتمزيق الخلافة الإسلامية التي قامت على توحيد جميع المسلمين تحت راية الإسلام، وقد غذى النفوذ الغربي اتجاة هؤلاء الدعاة االمتطرفين، وأيدهم، ووجد فيهم من يحقق هدفه؛ من تمزيق هذا الكيان السياسي وتقسيمه، والسيطرة علية عن طريق الاحتلال، وقد أتاح هذا فعلاً الاستعمار، أن يحقق هدفاً خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها، في السيطرة على وحدات العالم العربي وحكمها، ولذلك فقد أطلق بعض المؤرخين على حركة الدستور العثماني 1907ص، وسقوط عبد الحميد 1909ص، وتسلم الاتحاديين زمام السلطة اسم الثورة الصغرى، وأن قيام كمال أتاتورك بإلغاء الخلافة في عام 1924ص، هو الثورة الكبرى.

مما سبق؛ يتبين قوة التحديات التي وقفت أمام جهود السلطان عبد الحميد وسعيه إلى حماية الدولة العثمانية وباقي البلاد الإسلامية، من خطر الاستعمار والأطماع الصهيونية والدسائس الماسونية، إلا أن تحالف قوى الشر كان أقوى من صمود عبد الحميد، ولن نجد دليلاً على صمود عبد الحميد وحده في قلب هذا الصراع، من اعترافات تيودور هرتزل التي سجلها في مذكراته، التي ظل يكتبها حتى عام 1904ص، وما بذله من جهد ضخم في سبيل الدولة العثمانية بقيادة هذا الرجل الذي استعمل معه كافة سبل الترغيب والترهيب، حتى سجل له التاريخ كلمات خالدة: (بلغوا الدكتور هرتزل ألا يبذل بعد اليوم شيئاً من المحاولة في هذا الأمر (التوطن بفلسطين)، فإني لست مستعداً إلى أن أتخل عن شبر واحد من هذه البلاد ليذهب إلى الغير، فالبلاد ليست ملكي بل هي ملك شعبي الذي روى ترابها بدمائه، ولتحتفظ اليهود بملايينهم من الذهب).

وعرف اليهود أن طريق السلطان محفوف بالخطر، إذن فليزول السلطان، وليفتح الطرق أتباعهم الاتحاديون، فيقول طه الولي: (كانت غاية اليهود؛ إزاحة السلطان عبد الحميد من طريقهم الموصل إلى فلسطين، ولذلك تمكنوا من رشوة بعض رجال الدين، ودفع الاتحاديين إلى الثورة عليه والتخلص نهائياً منه، تمهيداً للتخلص من الإسلام نفسه فيما بعد، وقد واتت هذه الحركة الارتجاعية أملها بالنصر لليهود، فقام الجيش بحركته الحاسمة، متقدماً نحو يلدز، طالباً إزاحة العرش من تحت سيده الذي رفض النزول عند مغريات اليهود لتحقيق مطامعهم).

وهكذا تطورت الأمور بسرعة، حتى تحرك الجيش الثالث العثماني في مقدونيا، وضخمت الصحافة الخاضعة للنفوذ الصهيوني هذا التحرك، وكأن الجيش العثماني بتمامه قد هب في وجه السلطان عبد الحميد، وأن هذه الانتفاضة نابعة من الشعب التركي، وأدى ذلك إلى نجاح حركة الجيش في 24 يوليو 1908ص، وخضوع السلطان عبد الحميد لمطلب الجيش، ثم إلى تنحيته تماماً عن العرش عام 1909، وكان الذي أبلغ السلطان قرار الخلع هو(قره صو) عضو حزب الاتحاد والترقي، اليهودي، مؤسس محافل سلانيك الماسونية، وانتخب حاييم ناحوم؛ حاخاماً أكبر، عقب سقوط السلطان، واستطاع أن يحصل لليهود على عدة امتيازات في البلاد التي تتألف منها السلطة العثمانية.

ويقول بعض المؤرخين: "إن الانقلاب العثماني، أمر بَيّتَ له يهود سالونيك منذ نصف قرن، حتى يتم على أيدى متأسلمين كانوا يهوداً في الأصل، فأسلموا لأجل هذه الغاية، ولا ريب أن هذا الانقلاب قد أسلم زمام تركيا لليهود الماسون الدونمة: (طلعت وجاويد وجمال ونيازي وكمال).

فقد أرسلت الحكومة التي تولاها كمال أتاتورك، الحاخام حاييم ناحوم، مندوباً لها إلى لاهاي، وناطت به معالجة القضية التركية، فمهد السبيل إلى الصلح الذي أقرت فيه تركيا بالتنازل عن صبغتها الإسلامية، وعن اللغة العربية، والشريعة الإسلامية.

وفي مذكرات السلطان عبد الحميد؛ يقول - رحمه الله - في رسالة كتبها بعد خلعه من الحكم، إلى شيخه “محمود أبو الشامات”:

(أنني لم أتخل عن الخلافة الإسلامية لسبب ما، سوى أنني بسبب المضايقة من رؤساء جمعية الاتحاد، المعروفة باسم جون تورك، وتهديدهم، اضطررت وأجبرت على ترك الخلافة، إن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا علىّ بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة، ورغم إصرارهم لم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف، وأخيراً وعدوا بتقديم 150 مليون ليرة إنجليزية ذهباً، فرفضت هذا التكليف. لقد خدمت الملة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد على ثلاثين سنة، فلم أُسَوّد صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء، وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي وأبلغوني أنهم سيبعدونني إلى (سلانيك)، فقبلت هذا التكليف الأخير، وحمدت المولى وأحمده، أني لم أقبل أن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة).

وهكذا ظل السلطان عبد الحميد، حجر عثرة في طريق ثالوث الشر الصليبي الصهيوني الماسوني، إلى أن تآزرت دسائس الحقد في الإجهاز عليه، وكان - رحمه الله - قد تولى الحكم والدولة مثخنة بجراحها، ولم تسعفه صيحة “يا مسلمي العالم اتحدوا”، لأن الاستعمار كان قد سبقه إلى احتلال كبرى حواضر الإسلام، واستمر حال التردي والتراجع، إلى أن تمكن الأعداء من ضرب حامية الخلافة العثمانية في مقتل، تظل الأمة الإسلامية تنزف عليه من آلامها دماً حتى تبرأ الجراح، وأنّى لها، فرحم الله السلطان عبد الحميد، الذي ظل وفياً لأمته إلى آخر الرمق، وقد وافاه الأجل 10 شباط عام 1918م.**

**فاجتهدوا على الفكاك منها بالقوة مرة، وخلق الدسائس والاضطرابات مرة، وبالحملة على عبد الحميد وتشويه سمعته ثم الانقضاض عليه حتى ينتهي الأمر بعزله، ومن ثم كانت الجامعة الإسلامية التي دعى إليها عبد الحميد لبعث القوة الإسلامية، والوقوف بها أمام الغرب الطامع، إحدى حلقات الصراع التي أدارها السلطان أثناء خلافته، ولم تكن بالطبع هي الحلقة الوحيدة التي صارع في رحابها عبد الحميد، لأن الغرب لم يكن وحده مهتماً بعزله وتمزيق دولته، بل كانت هناك قوى أخرى لعبت دوراً كبيراً سارت به في اتجاه متواز تماماً مع الجهود الغربية؛ ألا وهي المنظمات الصهيونية المتحالفة مع الماسونية، في التهام فلسطين من سكانها العرب، وقد بدأت هذه الجهود منذ عام 1897 بانعقاد المؤتمر الصهيوني برئاسة هرتزل في مدينة بال السويسرية، وقرر إنشاء الدولة اليهودية خلال خمسين عاماً، فاستغلت الجمعية الصهيونية الضائقة الاقتصادية التي كانت تمر بها الدولة العثمانية، ولجأت إلى الإغراء المالي لتحقيق أهدافها، واختارت (آمانويل قره صو) المحامي اليهودي، مؤسس المحفل الماسوني في مدينة سلانيك، لمقابلة السلطان عبد الحميد، وعرض مطالبهم عليه، وبالفعل تم ذلك بتاريخ 17 سبتمبر 1901ص، وقدم إليه عريضة يلتمس فيها منح اليهود منطقة ذات إدارة ذاتية في فلسطين، وفي مقابل ذلك تقدم الجمعية الصهيونية قرضاً لمدة غير محدودة، قيمته (20) مليون ليرة ذهبية دون فائدة، إلى خزينة الدولة، و(5) ملايين ليرة ذهبية إلى خزينة السلطان الخاصة كهدية، إلا أن السلطان عبد الحميد فور سماعه فحوى العريضة، استشاط غضباً وطرد (قره صو) وقال: "إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهباً، فلن أقبل، إن أرض فلسطين ليست ملكي، إنما هي ملك الأمة الإسلامية، وما حصل عليه المسلمون بدمائهم، لا يمكن أن يباع، وربما إذا تفتت امبراطوريتي يوماً، يمكنكم أن تحصلوا على فلسطين دون مقابل).

ولم يكتف السلطان بذلك، وإنما أصدر عدداً من الإرادات السَنيّة؛ يحظر فيها على ولاته، السماح لليهود بشراء أراض في فلسطين، أو استقرارهم فيها، وجاء في أحد فرماناته: (لا يسمح بإجراء ينتج عنه قبول اللاجئين اليهود المطرودين من كل بلد يترتب عليه إنشاء حكومة موسوية في القدس مستقبلاً،… لماذا نقبل في بلادنا من طردهم الأوربيون المتدنون وأخرجوهم من ديارهم؟ ونطلب إلى مقام الصدارة، اتخاذ قرار عام في هذا الموضوع).

ولم يقتصر السلطان على الصدر الأعظم رئيس الوزراء وإنما أصدر فرماناً موجهاً إلى السلطات العسكرية مباشرة؛ يأمرهم فيه بمنع قبول اليهود أو إسكانهم في فلسطين.

فقد أدت مواقف عبد الحميد المتصلبة أمام المشروع الصهيوني، إلى جعلهم يوقنون باستحالة تحقيقه، طالما بقي هو على سدة الحكم، وقد عبّر هرتزل عن ذلك بقوله: (لقد فقدنا الأمل في تحقيق آمال اليهود في فلسطين، فإن اليهود لن يستطيعوا دخول الأرض الموعودة، طالما ظل عبد الحميد قائماً في الحكم مستمراً فيه).ومن ثم كان خلع عبد الحميد وتمزيق حكمه، هدفاً وغاية لا يمكن الرجوع عنها، وسوف نرى فيما بعد، الدور الصهيوني في انقلاب 1908ص، الذي نتج عنه عزل السلطان عبد الحميد. ويبقى لكل متأمل؛ كيف صارع السلطان عبد الحميد قوى الشر التي اتحدت ضده وأسقطت حكمه، أن يستوعب الدور الذي قامت به "جمعية الاتحاد والترقي الماسونية "وترجع جذور هذه الجمعية إلى الجالية اليهودية المهاجرة من الأندلس إلى مدينة سلانيك العثمانية منذ 1512ص، وعرفت ب (يهود الدونمة)، وفدت على تركيا ورحبت بهم الدولة آنذاك، نظراً لثرواتهم المالية، واستقر بهم الحال في سلانيك، وزادت ثرواتهم، وقويت جاليتهم، ثم ظهر منهم يهودي اسمه (شبتاي)، ذهب إلى بيت المقدس وأعلن أن الأوان قد حان لعودة إسرائيل، ثم جاء إلى استنبول معلناً إسلامه، وأسلم معه جماعة عرفوا ب (الدونمة)، وقد سجل كثير من المؤرخين؛ أن إسلام هذه المجموعة لم يكن إلا لتحقيق غايتهم ومآربهم، ثم اشتد نفوذهم خلال حكم السلطان عبد الحميد، وأنشأ لهم (قره صو) المحافل الماسونية في سلانيك (والمعروف أن مدينة سلانيك كان بها خمس محافل ماسونية، تضم 50 ألف يهودي، وكان لها اتصال بجمعية الاتحاد والترقي، وتأثير في أنظمتها).

يقول الكاتب الغربي (بين هيس): “(الدونمة) كثيرون؛ منهم مدحت باشا حاكم ولاية الدنوب، الذي كان ابن حاخام هنغاري، وهو الذي أنشأ المدارس اليهودية في الشرق الأدنى، وكان قادة حزب الاتحاد والترقي من الدونمة، وكذلك أتاتورك، والدكتور ناظم، وفوزي، وطلعت، ونعوم أفندي، وغيرهم”**

**السلطان عبد الحميد المفترى عليه

وقوى الشر التي تآزرت ضده**

الكاتب: علي عبد العال

**بسم الله الرّحمن الرّحيم

يجمع العدول من كتاب وباحثي التاريخ، على أن تاريخ السلطان عبد الحميد الثاني ناله من التشويه والافتراء ما لم تنله شخصية تاريخية على الإطلاق، حتى جاوز ذلك الحد المعقول، فألصق به من الدكتاتورية والاستبداد والطغيان، ما جعل أكبر جبابرة البشرية يتضاءلون جواره، وفى ذلك من الافتراء على الرجل الكثير والكثير، ولما كان السلطان عبد الحميد علم على وجود الدولة العثمانية، نظراً لطول الفترة التي قضاها حاكماً لها أكثر من ثلث قرن، فكان كل حاقد أو طاعن على الدولة التي ظلت تحتضن الخلافة الإسلامية حتى أوائل القرن العشرين، يرى في السلطان الذي هو رأس الدولة، الهدف الذي ينبغي أن تصوب له سهام الحقد، فألصقوا بالرجل كل نقيصة، وشوهوا تاريخه وطعنوا فيه.

ولد السلطان عبد الحميد الثاني بن السلطان عبد المجيد فى21 سبتمبر عام 1842ص، وقد تفتحت عيناه على والده ومن بعده عمه السلطان عبد العزيز، فوجدهما يحميان حركة الأخذ عن الغرب الصليبي، كما شاهد ولمس عن قرب أطماع الدول الغربية وروسيا في الدولة العثمانية التي أطلقوا عليها رجل أوربا المريض، الذي يتربصون لسقوطه فتقسم أملاكه، فأدرك بذلك مدى الخطر الذي يترقب الدولة في ظل الضعف والتردي الذي لحق بها.

وعندما تولى الحكم عام 1876 ص، كانت أطماع هذه الدول في الدولة العثمانية بلغت أوجهها، وكان عليه وحده عبء مواجهة هذه الأطماع، وإيجاد مخرج للدولة منها، ولكن أين له القوة على ذلك وقد بلغت الدولة من الانحطاط قبل توليه الحكم ما بلغت.

كان للسلطان عبد الحميد منطلق فكرى وعقدي، يتمثل في أن الإسلام كما جاء في مذكراته: (هو الروح التي تسرى في جسم البشرية فتحييها، وتغزو القلوب فتفتحها)، ويرى: (أن القوة الوحيدة التي ستجعلنا واقفين على أقدامنا؛ هي الإسلام) (وأننا أمة قوية؛ بشرط أن نكون مخلصين لهذا الدين العظيم)، فكان يستمد من هذه العقيدة، القوة والصلابة التي تمكنه من مجابهة الأطماع الغربية الصليبية في دولة الخلافة، وكان يرى: (أن حملات الصليبية الموجهة ضد الدولة العثمانية لم تتوقف قط، ولا يزال جلادستون العجوز “رئيس وزراء انجلترا” يسير على خطى البابا في هذا السبيل)، (وما زال النصارى ينفقون الملايين في سبيل نشر النصرانية ببلاد الإسلام، وقد كان عليهم أن يفهموا من قبل أن التوفيق لن يحالفهم في هذه البلاد).

]كانت هذه الرؤية؛ بمثابة الأسس الفكرية التي كان ينظر من خلالها السلطان عبد الحميد إلى الصراع الدائر ضد حامية الخلافة الإسلامية ومن ثم: (كانت محاولة عبد الحميد في تنفيذ فكرة التجمع على النحو الذي يؤيد به نفوذ (القوة العربية الإسلامية) القائمة باسم (الخلافة العثمانية) كقوة مقاومة للنفوذ الغربي، ومن هنا أطلق الكتاب على هذه المرحلة 1876 - 1908، وهي فترة حكم السلطان عبد الحميد في تركيا، اسم (تركيا الإسلامية).

ولما رأى عبد الحميد أن عقد الدولة العثمانية أخذ ينفرط، وأن البلاد الإسلامية تسقط الواحدة تلو الأخرى تحت نير الاحتلال الأجنبي؛ تونس 1881، مصر 1882، بدأ صيحته إلى (الجامعة الإسلامية)؛ وهي أن الدولة العثمانية قاعدة الخلافة الإسلامية، وهي ليست للعرب والترك فقط، بل لكل مسلمي العالم شرقاً وغرباً، وينبغي على المسلمين أن يتحدوا لتحرير أراضيهم وثرواتهم في كل مكان من أيدي الغرب الصليبي وأعوانه: “و كان ذلك في الحق، عملاً سياسياً كبيراً، استهدف به عبد الحميد دعم الوحدة الإسلامية العثمانية كقوة سياسية في وجه النفوذ الأجنبي والقوى الاستعمارية التي كانت تمر بأشد مراحل الغزو على عالم الإسلام شراسة، وبعد أن سقطت الهند في يد بريطانيا، والملايو في يد هولندا، وسيطرت بريطانيا وروسيا على حدود فارس والأفغان، وسقطت أجزاء الخليج العربي في يد بريطانيا أيضاً، بالإضافة إلى مصر والسودان، وسيطرت فرنسا على الجزائر وتونس”.

فكانت صيحته كما يقول لوثروب بمثابة (استصراخ الأمم الإسلامية في كل رقعة من رقاع العالم الإسلامي لتمد يد العون إليه وشد أزره بالالتفاف حوله، قاصداً قذف الرعب في روع الدول الغربية التي خالها تأتمر فيما بينها وتتحد الوسائل للقضاء على المملكة العثمانية)، وقد بلغ أمر هذه الدعوة غايته؛ وهي تكتيل المسلمين وجمع كلمتهم وتهيؤهم للجهاد، حتى كان السلطان يفاوض الدول الكبرى ويساومها، بل ويهددها أحياناً، مُلوّحا بسلاح الجهاد)**

**وثيقة تاريخية هامة بخط السلطان عبد الحميد الثاني:

رسالة السلطان عبد الحميد

إلى شيخه أبي الشامات**

سلاطين بني عثمان

** قلوبٌ احترقت في حبالرسول**

ضياء دميرال

لقد حملت الدولة العثمانية منذ أن بزغ فجرها في القرن الثالث عشر م ، هموم الأمة الإسلامية بكل فخر واعتزاز ، وسَعَت بكل ما أوتيت من قوة إلى رعاية هذه الأمة وتأمين أمنها وراحتها وسلامتها في كل نواحي الحياة.

** كما حرصت كل الحرص على نصرة الإسلام ونشر مبادئه وقيمه في أرجاء المعمورة، ثم رفعِ رايته خفاقة على جميع الأقاليم والبلدان… وما إن نتجول بين صفحات التاريخ ونتفحص المعلومات عن حياة سلاطين آل عثمان، حتى نجد معظمهم دائماً في مقدمة الصفوف يمتطون أحصنتهم ويقاتلون في ميادين الحرب ببسالة منقطعة النظير ، وعندما لم يقدروا على المشاركة في حرب ما، عدّوا أنفسهم عديمي الحظ ، وفاضت عيونهم بالدموع وامتلأت قلوبهم بالحزن والأسى.. **

إنهم نذروا أنفسهم للإسلام، واعتبروا الدفاع عن الإسلام وقيمه مسؤولية عظمى لابد أن تؤدى، فساروا قدماً أمام الأمة بصدق وإخلاص مقتدين بنهج رسولهم صلى الله عليه وسلم ومتبعين سنته أفضل اتباع.

**ومما يجدر ذكره أن السلاطين العثمانيين تربوا وترعرعوا منذ نعومة أظفارهم على حب الرسول صلى الله عليه وسلم والتأسي بسنته الطاهرة.. نقشوا اسمه صلى الله عليه وسلم على قلوبهم، وأمضوا معظم حياتهم على ظهور الخيول من أجل أن تبسط الرسالة المحمدية أجنحتها وتحلق في سماء البشرية، ولكي يشع نوره صلى الله عليه وسلم في العالم كافة. **

هذا الحب الذي جرى في أرواحهم وتغلغل في أعماقهم، حوّلهم إلى أناس يحترمون كل شيء يخص الرسول صلى الله عليه وسلم ، ونتيجة لهذا الحب نشأ عندهم مظهر من مظاهر الجهاد الروحي، فسعوا جاهدين إلى فتح القلوب أولاً ثم إلى فتح القلاع والأراضي، بغية أن ينثروا -كما أمرهم دينهم الحنيف- بذور القيم والمبادئ التي تنبثق منها الحضارة الإنسانية وينبت منها منهج الحياة والأخلاق المبنية على الحب والتسامح والكرامة.

**احتل الرسول صلى الله عليه وسلم في أفئدة هؤلاء الناس الطيبين مكانا رفيعاً خاصاً، فأصبح اسمه صلى الله عليه وسلم يتردد على ألسنتهم في كل لحظة؛ في حياتهم اليومية، وأشعارهم المدحية، وأذكارهم الشخصية.. كما أن هذه المدائح الشريفة التي نقشوها على صفحات التاريخ بأقلامهم النيرة لا زالت لسان عشاق الرسول صلى الله عليه وسلم وترجمان مشاعرهم حتى يومنا هذا.. **

ونورد فيما يلي بعض الأمثلة الواقعية عن أولئك الأفذاذ وعن حياتهم المثالية التي عاشوها.. ظلال حزن، وسكون كئيب قد خيم على جنبات الغرفة..

** رجال القصر ملتفون حول سرير السلطان وهو يرقد على فراش الموت.. الكل من حوله يترقب حركة شفتيه.. فتح السلطان مراد الثاني عينيه ليلمح وزيره، قال بصوت خافت:**

**- اقرأ يا إسحاق، اقرأ وصيتنا! فبدأ إسحاق باشا يقرأ الوصية بصوت عال: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، توكلت على الله رب العرش العظيم ، كل نفس ذائقة الموت ، فلا تغرنّكم الحياة الدنيا ولا يغرنّكم بالله الغَرور.. **

أما بعد؛ أوصيكم بأن توزعوا ثلث أملاكي في ولاية “صاروهان”؛ على أن يكون 3500 قطعة ذهبية منها إلى فقراء مكة المكرمة، و3500 قطعة ذهبية إلى فقراء المدينة المنورة.

** ووزعوا 500 قطعة أخرى على الذين يكثرون من تلاوة القرآن الكريم من أهالي مكة المكرمة في حرم بيت الله ، ثم يرددون كلمة التوحيد “لا إله إلا الله” 70 ألف مرة ويهدون ثوابها للموصي، وأوصيكم أن توزعوا 2500 قطعة ذهبية من أملاكي هذه، على الذين يكثرون من تلاوة القرآن الكريم ثم يرددون كلمة التوحيد “لا إله إلا الله” 70 ألف مرة في قبة الصخرة بساحة المسجد الأقصى".**

وإذا ما أمعنا النظر في هذه الوصية نرى بوضوح حب السلطان مراد الثاني لله سبحانه وتعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن أراضي الحجاز (مكة المكرمة-المدينة المنورة) والقدس (المسجد الأقصى) في تلك الآونة لم تكن في حوزة الدولة العثمانية بعدُ ، وما هذا إلا تعبيرا عن الحب الذي سكن بين ثناياه وأترع قلبه ، فهو لحرمة الأقدام المباركة التي لمست تربة تلك الأراضي، ولحرمة أهالي تلك المنطقة، أبدى هذا السخاء وجاء بهذا العطاء.

العام 1453… القائد فتىً في ريعان شبابه يقود جيشه في ملحمة فتح إسطنبول ونشر الإسلام.. وهو صاحب بشارة الرسول صلى الله عليه وسلم.. نصب خباءه أمام أسوار إسطنبول ليفتحها بإذن ربه في فجر يوم الجمعة.. يخرج القائد العظيم في إحدى الليالي إلى شيخه “أقْ شمس الدين” ويبدي رغبته في العثور على قبر الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه الذي قام باستضافة الرسول صلى الله عليه وسلم في بيته عقب الهجرة النبوية…


يتبع

…/2

وكان أبو أيوب الأنصاري قد خرج مع جيش المسلمين لفتح إسطنبول في عهد الأمويين ، واستشهد تحت أسوارها ، فيخرج “أقْ شمس الدين” برفقة السلطان من الخيمة ، ويصلا إلى ساحل القرن الذهبـي، وهناك يشير الشيخ إلى مكان قريب من الأسوار ويقول: “ها هنا القبر يا جلالة السلطان”. فيأمر السلطان محمد الفاتح بإنشاء جامع وضريح في هذا المكان على الفور. وبعد الفتح يبنى الجامع والضريح..

** نصل من هذه القصة إلى نتيجة أن السلاطين العثمانيين أبدوا حبا جماً ليس للرسول صلى الله عليه وسلم فحسب، بل لأصحابه الذين حملوا رائحته العطرة ورائحة بلدته الطاهرة أيضاً.**

ولقد ورّث السلطان محمد الفاتح هذه المحبة لابنه السلطان بيازيد الثاني أيضاً… يقوم السلطان بيازيد خان بزيارة صديقه الذي يحبه في الله “بابا يوسف” لتوديعه قبل ذهابه إلى الحج، يسلّمه كمية من الذهب ويقول: “هذا ما رزقني الله به من عرق جبيني ، ولقد ادخرته من أجل صيانة قناديل الروضة المطهرة ، عندما تقف في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم أريد منك أن تقول: يا رسول الله، خادمك الفقير “بيازيد” يقرئك السلام ويقول لك: إنه قد أرسل هذه القطع من الذهب لشراء زيت قناديل الروضة، فاقبلها منه..”.

وفي عهد السلطان سليم الأول نرى أن هذا الحب النبوي يكتسب بُعداً آخر؛ حيث تنضم أراضي الحجاز في عهده إلى الدولة العثمانية ويتوحد العالم الإسلامي تحت راية واحدة.

وسرعان ما يذيع صيت السلطان سليم في العالم الإسلامي، ويبدأ الخطباء في المساجد يقرءون الخطب باسمه مستخدمين لقب “حاكم الحرمين” إلا أن السلطان سليم لم يكن راضياً عن هذا اللقب أبداً.

** وفي يوم من الأيام وهو يصلي صلاة الجمعة في الجامع الكبير بحلب، يسمع هذه اللفظة من خطيب الجامع، فيهب مسرعا ويقول: “لا لا، لستُ حاكماً للحرمين، بل خادماً لهما”، فيعدّل الخطيب كلامه كما أشار به السلطان ،وبعد الصلاة يقوم السلطان بتقديم قفطانه هدية إلى الخطيب وشكراً له.**

** فبهذا يشهد له التاريخ مرة أخرى احترامه وحبه العميق تجاه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.**

**والجدير بالذكر أنه كان من بين سلاطين آل عثمان مَن رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام ، وبالأوامر والإشارات التي تلقّاها منه صلى الله عليه وسلم تمكّن من فتح بلاد عديدة بإذن الله سبحانه وتعالى ، والدليل على ذلك رؤية السلطان سليمان القانوني، إذ رأى الرسول صلى الله عليه وسلم يقول له : “إذا ما فتحت قلاع بلغراد ورودوس وبغداد، فقم بإعمار مدينتي”. **

**فسرعان ما يأمر السلطان بإعمار أراضي الحرمين ووضع مشاريع الإسكان لها ، حتى إنه ترك وصية يطلب فيها أن يُنشأ من ثروته الخاصة وقفٌ خيري يلبي حاجة المياه لحجاج بيت الله الحرام. **

وبعد وفاته قامت ابنته “مهرماه سلطان” بتحقيق وصيته وأمرت بجلب مياه عين زبيدة من عرفات إلى مكة المكرمة.

** وقد نرى هذا القائد العظيم الذي وقف العالم كله إجلالا واحتراما له، يتوجه في إسطنبول نحو القبلة ويناجي بلسان الحب رسول الله صلى الله عليه وسلم منشداً:**

يا حبيب الله يا ضياء العالمين

ببابك العالي وقف العاشقون

فإن داء لساني بذكرك يشفى

فؤادي المكروب بك يفرح

وقلبـي المجروح أنت ضماده

**ولم تُنقِص الأيام من بحر عشقهم للرسول صلى الله عليه وسلم مثقال ذرة، بل تضاعف وتضاعف حتى تحول إلى محيط لا حد له ولا قرار.. السلطان أحمد الأول، يصعد العرش في وقت حرج، حيث تسود الاضطرابات وتنتشر الفوضى في معظم الأراضي العثمانية. **

إلا أن هذا السلطان الشاب المهموم كان مفعما بالروح المعنوية العالية ، فراح يبحث عن الدواء في عصره الذي يعيش فيه ولكن دون جدوى، فيقرر في نهاية المطاف أن يرجع إلى الماضي ويبحث عن غرضه هناك.. فيخرج في إحدى الليالي خفية إلى جناح الأمانات المقدسة بقصر طوب قابي… يمسك نعل الرسول صلى الله عليه وسلم ويضمه إلى صدره ثم يقول بحرقة قلب:

ليتني أحمل نعلك الشريف دائماً على رأسي كالتاج

يا صاحب النعل الكريم، يا وردة حديقة الأنبياء

ليتني أمسح وجهي دائماً على أثر قدمك يا وردة الورود..

ومنذ ذلك الوقت أخذ السلطان أحمد الأول يحمل صورة لأثر القدم النبوي الشريف داخل قفطانه.

** ونراه في موضع آخر، يحترق بلهيب العشق النبوي هذا ويقول:**

فما عاد الفؤاد يتحمل فراقك

وما عاد اللسان يتحرك بسواك

غدا حبـي عشقاً

فأبكاني أنا الفقير، حتى نفدت دموع قلبـي

وما بقيت فيه دمعة، كمثل يعقوب عليه السلام.

وكان السلطان عبد العزيز أيضاً من عشاق النبي صلى الله عليه وسلم ، ففي إحدى الأيام وصلت رسالة إلى القصر من المدينة المنورة، وكان السلطان في تلك اللحظة مصاباً بمرض شديد أقعده في الفراش.

** فتردد رجال الدولة بادئ الأمر في تقديم الرسالة إلى السلطان عبد العزيز بسبب مرضه هذا، ولكنهم كانوا يعرفون في الوقت نفسه، مدى حساسيته تجاه المدينة المنورة وحبه لها، فاضطروا إلى تقديمها له في نهاية الأمر. وعندما اقترب الوزيز منه وأخبره أن رسالة وصلت من المدينة المنورة، لمعت عينا السلطان وطلب من الوزير ألا يبدأ بالقراءة حتى يأمره بذلك، ثم قال لمن حوله: “ارفعوني.. فلا يمكن أن أسمع رسالة وصلت من الأراضي المقدسة وأنا نائم”. **

واستمع إلى ما في الرسالة واقفا على رجليه رغم وطأة المرض.. ومما يجدر ذكره هنا، أن السلطان عبد العزيز كان لا يتناول أي ملف أو أوراق قادمة من المدينة المنورة دون أن يجدد الوضوء. لأن هذه الأوراق بالنسبة له تحمل غبار بلدة الرسول صلى الله عليه وسلم ورائحته العطرة. لذا كان يقبلها أولاً ثم يضعها على جبينه ثم يشمها بحرارة ثم يفتحها ليقرأها.

**تولى السلطان عبد الحميد الثاني الخلافة في وقت كانت فيه الدولة العثمانية في منتهى السوء والاضطراب، سواء في الأوضاع الداخلية أو الخارجية.. وفي وسط هذه التيارات والأمواج المتلاطمة تقلد السلطان عبد الحميد الحكم، وبدأ في العمل بكل ما أوتي من قوة ليوحد المسلمين من جديد تحت راية الإسلام. فقام في عهده بتنفيذ مشاريع مهمة غاية الأهمية، منها إنشاء خط حديد الحجاز الذي امتد من إسطنبول إلى المدينة المنورة. **

وكانت الغاية العظيمة في ذلك، الدفاع عن الأراضي المقدسة من هجمات العدو ثم تأمين راحة الحجاج خلال رحلتهم إلى الحرمين الشريفين.

ومما نريد لفت الأنظار إليه في هذا الصدد أنه، قد جرى إنشاء الخط الواقع بين مدائن صالح والمدينة المنورة كله بأيدي المهندسين والعمال المسلمين فقط، لأن هذا الجزء كان داخل حدود منطقة الحرم. وعندما وصل الخط إلى المدينة المنورة في 31 أغسطس من عام 1908، أمر السلطان عبد الحميد الثاني بأن يُمَدّ اللباد على الخط في آخر ثلاثين كيلومتراً منه؛ كما أن مقطورة القطار كانت عند وصولها إلى المدينة المنورة تخفض من سرعتها وتقترب من رصيف المحطة ببطء حتى لا تزعج الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم ينـزل الركاب من القطار ماشين على أطراف أقدامهم بتأدب واحترام… أما اللباد الممدود على سكة الحديد فيتم غسله بماء الورد خلال كل يوم في ساعات معينة. وذلك احتراماً لتلك الأراضي المباركة وتقديساً لها.

لقد حمل سلاطين بني عثمان من أولهم إلى آخرهم، مشاعر عذبة وحباً فياضاً ولهفة شديدة إلى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وإلى القرب منه. ولعل أهم ميراث تركوه لنا هو هذا الحب النقي الصافي. الترجمة عن التركية: نور الدين صواش.

**ضياء دميرال: كاتب وباحث تركي. **

المصدر : مجلة حراء ، العدد: 18 (يناير- مارس) 2010

نقل مجلة الزيتونة عن صفحة التاريخ