سقوط أمريكا — موضوع مستورد

5ـ ثم إن أحد خطوط إستراتيجية دولة الخلافة يستند إلى توفر تدفق دائم بشري ومادي وبئية حاضنه لهذه الدولة، كلما أمعنت الولايات المتحدة وحلفاؤها في المضي قدما في هذه المعركة، وترجع هذا التدفق إلى التداعيات السلبية المستمرة للإستراتيجية الأمريكية على المسلمين في المنطقة والعالم.

ولعل دولة الخلافة تنظر إلى هذا الخط الإستراتيجي باعتباره من أكثر الخطوط فاعلية، ونمو، إذ هي على يقين أن الولايات المتحدة فيما تقوم به ستكون في نظر المسلمين المسؤولة عن نتائج كل هذه الحرب: عن الدمار والخراب والقتلى والانهيار الاقتصادي … الخ، وعن التلاعب بالقضايا الدينية، وعن التضييق والملاحقة التي ستصيب المسلمين في أوربا والعالم…الخ.

لقد قصفت طائرات التحالف وصواريخه في هجومها الأول مواقع للدولة الإسلامية، وكذلك لجبهة النصرة، ولحركة أحرار الشام، وهذه أطراف متصارعة، وهناك قدر من الاختلاف بينها ـ يمكن النظر في تقديره وأهميته ـ ، لكن الولايات المتحدة وضعتها جميعا ومنذ اللحظة الأولى في سلة واحدة، فقدمت بذلك الدافع والبرهان على وجوب أن تتحد هذه الأطراف، وأن تدع خلافاتها جانبا.

ولأن صراعا من هذا النوع مصبوغا بالصبغة الطائفية سيعزز التفاف الأقليات حول هذه النظم، وحول هذا التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، ـ وهو أمر بات مشاهدا في سوريا وفي العراق وفي اليمن ـ ، فإن من شأن ذلك كله أن يوفر لمنطقها الطائفي في الصراع ما تؤمن بإمكانية الدفاع عنه بالشواهد الحاضرة، وما يوفر تدفقا لعناصر: المال والخبرة التقنية والمتطوعين القتاليين، يمكنها من تعويض الخسائر التي تمنى بها، وكذلك يمكنها من توفير مستلزمات توسيع ساحة الصراع؛

6ـ وفي إستراتيجيتها العامة في هذا الصراع تقدم دولة الخلافة الإسلامية نفسها باعتبارها ممثلة السنة والمدافعة عنهم، أي أنها تمثل بهذا المعيار الطائفي السنة، أي انها قاعدتها الشعبية المفترضة تغطي ساحة الإسلام كله أو معظمه.

وفي هذا المنظور فإنها تعتبر السنة خارج إطار الحكم في المنطقة كلها، إما لأن الحكم طائفي/ كافر كما في العراق وسوريا، وإما لأن نصيب الإسلام في الحكم مغيب كما في الدول الإسلامية الأخرى.

وإذا كانت السنة في المقاييس المذهبية تمثل الأغلبية العظمى من الجسم الإسلامي أي نحو ثمانين في المئة من مسلمي العالم، فإنها عند دولة الخلافة هي الجسم الإسلامي ولا أحد غيرها، وكل من خرج عن هذا الجسم فليس من الإسلام في شيء.

إن كل من هو خارج هذا الجسم " السنة" عدو تجب محاربته، وكل من هو داخل هذا الجسم فإن عليه أن يتبع دولة الخلافة ويلتزم فهمها وسياستها، وحين لا يفعل فهو مرتد تجب محاربته.

والحكم بالارتداد أو الكفر حكم على النفس والمال والعرض، والأمر في كل ذلك ليس محل اجتهاد أو مراجعة، وإنما هو حكم الله الذي لا يقبل أي مراجعة، أو تهاون، أو استثناء؛

7ـ الكر والفر، الانسحاب والتقدم، القتل والقتال جزء من إستراتيجية هذه الدولة وعقيدتها في الصراع، بل هي تعتقد أنه جزء من سنن الله في بناء دولة المسلمين، أو “الخلافة الراشدة الجديدة”.

لذلك لا استعجال في تحقيق النصر ولا ركون له، ولا خوف من وقوع الهزيمة ولا استسلام لها، القضية هنا إيمان بأن هذا وهذا سيقع، وبأن في كل ذلك امتحان وتجلية واختبار، وأن النصر آت بعد ذلك لا محال.

إن مقاتلي الدولة الإسلامية لا يرومون أن يعودوا إلى أوطانهم التي جاؤوا منها، ولا إلى زوجاتهم اللائي خلفوهن وراء ظهورهم، كما هو حال الجنود الأمريكيين أوغيرهم، وإنما هم جاؤوا ليبقوا فهذا وطنهم، وإذا عادوا فلسبب ومهمة، وزوجاتهم معهم أو هم في انتظار وصولهم، هنا على الأرض أو في الجنة.

المعايير مختلفة بين طرفي الصراع، والدوافع والتوقعات، لذلك فإن الأداء مختلف، والتجارب تقدم مرة أخرى الدليل تلو الدليل، لم نسمع أو نقرأ أو نلتقي، مرضى نفسيين عادوا من معارك المجاهدين في أفغانستان، أو في العراق ، أو في أي مكان آخر، لكن هؤلاء في جنود الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا وغيرها كثر، بل إنهم تحولوا إلى مشكلة اجتماعية في هذه البلدان، لذلك فإن طول أمد الصراع لا يشكل ضاغطا على مقاتلي دولة الخلافة الإسلامية في حين يمثل ضغطا هائلا على جنود وضباط وقيادات الجيوش والقادة السياسيين في هذه البلدان.

النتائج الواقعية لهذه الإستراتيجية

هذه هي ملامح إستراتيجية الصراع عند دولة الخلافة الإسلامية، وهي كما قلنا في البداية إستراتيجية بسيطة مرنة شاملة وحيوية وغير مكلفة، أما نتائجها على الأرض فشديدة الشبه بنتائج الإستراتيجية الأمريكية.

صراع طويل الأمد، يصعب حسمه، مدمر للحياة العامة في أقاليم الصراع، يمتد تدريجيا ليغطي مساحة أكبر، خسائره البشرية كبيرة جدا ومعظمها من المدنيين، يعمق الانقسام الطائفي، ويقضي على فرصة بناء مجتمع قائم على مفهوم المواطنة، يقهر افراده، ويتغول على حقوق الإنسان، يفجر حالة نزوح غير محدودة، ويعطي صورة دموية صراعية ذات بعد واحد للإسلام، يعمق العداء الغربي له، ويعيق امتداده إلى مواقع ومجتمعات جديدة، يُحًمل المسلمين في العديد من الدول والمجتمعات نتائج هذه الروح العدائية، يمنع ويعيق تحقيق أي إصلاحات في البنية والفكر الاجتماعي والديني في البلاد الإسلامية، ليقربها أكثر من دينها وتاريخها وحضارتها، على نحو ما حدث في تركيا علي يد حزب العدالة والتنمية.

أخيرا

**** مطلوب أن ندقق في إستراتيجية الصراع على الجانبين، وفي نتائجهما؛

** مطلوب أن نفهم على نحو صحيح ما يجري، فلا نضع رؤسنا بين الرؤوس، نمضي حيث تمضي، وأن نسترشد بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تكونوا إمعة…" ، ونحذر أن نكون ممن وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم “…حتى لو دخلوا جُحرَ ضبٍّ لدَخلْتمْوه…”؛

** مطلوب أن نسترجع أولويات التجربة التاريخية والمعاصرة لأمتنا للتعرف على عدونا، ومقاصده تجاهنا وتجاه ما نمثل وما نملك وما يمكن أن يتحقق على أيدينا، فلا يعمينا ضجيج الصراع فنضع أقدامنا في غير مكانها الصحيح؛

** مطلوب أن نمحص ما تطرحه وتفعله “دولة الخلافة الإسلامية”، فلا ترهبنا التسمية عن رؤية حقيقة ما يجري وما تقوم به وتطرحه من مفاهيم، وحظه من الإسلام، وما يمكن أن يجره عمل هذه الدولة على الأمة العربية والاسلامية: حاضرها ومستقبلها؛

** مطلوب أن نكون موجودين، لنا كياننا، ورؤيتنا، ومشروعنا، وأن نكون قادرين على جعل ذلك كله منتظم في إطار عمل واحد مثمر.

منقول عن : موقع عرب 48**

** الموضوع ألثالث
من بشائر سقوط أمريكا

بقلم: محمد سعد
بسم الله الرحمن الرحيم
عام ثمانين ميلادية كانت أمريكا أكبر دولة دائنة في العالم..وبعد عام خمسة وثمانين..أصبحت أكبر دولة مدينة! وكان من أهم أسباب ذلك تداعيات الحرب الباردة وسباق التسلح..
وفي عهد كلينتون انتعش قليلا عن طريق رفع نسب الربا المستحقة على الدول المستدينة إضافة إلى التغلغل استثماريا في شتى الدول..ثم بدأت ظواهر الركود..
هذا التذبذب..ليس سببه هذا الرئيس أو ذاك..لأن المنظومة الاقتصادية في أمريكا لا يتحكم فيها شخص الرئيس بقدر مايكون مشاركا فيها..بل قد يكون غبيا بمافيه الكفاية-مثل بوش-لدرجة أن المحيطين حوله..ينصحونه بعدم الخوض في التفصيلات حتى لا يتبين عوار فهمه ودون الخوض في متاهات الاقتصاد..فإنه يمكن إجمال المشكلة الاقتصادية الأمريكية..في نقطتين :
الأولى- المشكلة السكانية
الثانية- ميزانية التسلح وهاجس التفوق الأمني

أما المشكلة السكانية..فهي تتمثل في ازياد معدل كبار السن مقارنة مع الشباب..نتيجة لانتشار الفحشاء والزنا والشواذ جنسيا وعزوف المجتمع الأمريكي عامة عن (الأسرة)..
وهو ما يشكل عبئا كبيرا في صرف مستحقات التقاعد..إضافة إلى ازياد معدلات البطالة التي تعني انخفاض قيمة الضرائب المتحصلة..ووفقا للدراسات فإنه يتوق أن تكون نسبة الشباب إلى الشيوخ عام 2018 لا تجاوز 10%!
ومن تداعيات ذلك..انخفاض مشتريات الاستهلاك المحلي..بسبب إحجام الشعب عن الشراء..لأن زيادة معدلات الفقر ستغدو تحصيل حاصل .
وتتمثل المشكلة الثانية..في مشروع الدرع الصاروخية والتسلح لتكريس الهيمنة العالمية والعولمة(الأمركة)..
وكان من أسباب الحرب العراقية كما هو معروف السيطرة النفطية..تمهيدا لإحكام السيطرة الاقتصادية..وما يتبع ذلك من تنفيذ مشروع عمو بيريز(الشرق الأوسط الجديد)…
ولذلك فإن المسكونين بشعار “أمريكا أكبر”..يرون أن أنها تسير قدما في الاتجاه الصحيح وأنه لا مخاوف من انهيار الاقتصاد الأمريكي.
ويتغافل هؤلاء عن البؤر الاستيطانية التي صنعتها أمريكا في العالم والتي ستنخر في كيانها كما ينخر السوس في الخشب فمستنقع أفغانستان..مازال مشتعلا..ومؤهلا لأن يكلفها كثيرا مع إصرارها على تواجدها هناك .
ومستنقع العراق..الذي لن يخمد بإذن الله..كل يوم يتحفنا بفضل الله بغيث من العلوج..تشفي الصدور وتذهب الغيظ ..والعبء الذي تتكلفه جراء ضمان استمرار تفوق "إسرائيل ورفاهيتها "(وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا) المتناسب طرديا مع قوة الانتفاضة وعمليات إخواننا المجاهدين هناك وهكذا ستظل تفتح على نفسها أبوابا..قانون الله أنبأنا أنه سيعميهم عن التفطن لها فضلا عن إغلاقها..وعن التراجع عن سياسة الغي والبغاء السياسي..وفق قاعدة “سنستدرجهم من حيث لا يعلمون”.
وقد قرر لنا الله ما يجعلنا مطمئنين جدا..إزاء هذا التحليل..فهو ليس مبنيا على التفاؤل المجرد-ونحن مأمورن بالتبشير حيث قال البشير النذير عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم : بشروا ولا تنفروا..- بل هكذا تشير الأرقام للمتابعين .
فقال جل من قائل : “إن الذي كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون” -إنفاق الأموال للصد عن سبيل الله يشمل بالمناسبة حملات “التبشير” إضافة إلى ماسبق..
لأن الرأسمالية الأمريكية..تعني عبادة الدولار لا شريك له!
فأخبر سبحانه أن هذا شأنهم..أنهم ينفقون للصد(في سبيل الشيطان)..
وقال بعد ذلك: “فسينفقونها”:أي فهذا شأنهم..ولا تستغربوا..والعبرة بالخواتيم..وبعد زمن معين تستغرقه مدة (ثم)..ستكون عليهم حسرة..بما يعني أن سعيهم للهيمنة هو هو ذاته..سيكون السبب في حسرتهم..أولا ثم غلبتهم ثانيا لأن الهزيمة كما هو معلوم..تمر بثلاث مراحل:
1- الهزيمة النفسية
2- اليأس
3- الانهيار

فلذلك قال تعالى “ثم يغلبون” ليستغرق ذلك حالة اليأس والانهزام النفسي.

فالحمد لله الذي يبشر عباده..ولا يتركهم..ولا يتخلى عنهم..وبنداء الرحمة يدعوهم"إن تنصروا الله ينصركم"..
وفي تتمة الآية نكتة لطيفة..حين يقول سبحانه"والذين كفروا إلى جهنم يحشرون"..وعدل عن القول"وهم إلى جهنم يحشرون"..على الرغم من أن الآيةابتدئت بالعنونة عن الكافرين"إن الذين كفروا"..ولعل السر -والله أعلم-أن “الذين كفروا” في مطلع الآية..لن يبقى كلهم كافرين إلى نهاية المطاف..فلما كان الحال أن بعضهم سيثوب إلى الهداية..قال سبحانه بعد تقرير العقاب الدنيوي:والذين كفروا..أي والذي يبقى كافرا منهم مصرا على منهجه الاقتصادي الصاد عن سبيل الله ..فإلى جهنم يحشرون .
وهذا ما حصل فعلا..في زمن النبوة..حيث أسلم أحد أكبر صناديد قريش..أبو سفيان رضي الله عنه..وأسلم غيره..وكان إسلامهم..من الأسباب التي حطمت معنويات البقية الباقية للإجهازعليهم..
ومن هنا..فإني أستشرف..من هذه الآية وغيرها..أن أحد أسباب انهيار أمريكا إضافة إلى الظلم والعلو في الأرض والإفساد..سيكون التغير الملحوظ في تعداد المسلمين هناك..وهذا من لطائف أخذ الله ومن سننه..
أرجو ذلك ولا أجزم..والله مولانا ولا مولى لهم.
بسم الله الرحمن الرحيم
“وأملى لهم ان كيدى متين”
صدق الله العظيم
خير ما قال العبد
لا اله الا الله *** محمد رسول الله
منقول عن : شبكة فلسطين للحوار

وأخيراً…

لقد وصلت دراسات العلوم إلى كل مجال واتجاه وتغلغلت في كل أتجاه، ولكنها وقفت عاجزة أمام الإنسان لم تفهمه، فقد عجز الإنسان الناقص العاجز أن يفهم نفسه، وحاول أن يفهم أسرار الحياة، كما حاول فهم العلوم وأسرار الكون، ثم عاد ليفتح باباً جديداً من العلوم الظنية أسماه "علم ألإنســان"، تماماً كما فتح علوم الحيوان والنبات والكيمياء والفيزياء.....، متعاملاً مع ألإنسان المادة كما يتعامل مع غيره من المواد العادية، فأجرى دراسات حول ألأجناس البشرية والسلالات والطبائع والتركيب العضوي، وهو في كل يتلمس طريقاً عسيراً، أعلى بكثير عن مستوى إدراكه، ونهجاً شاقاً، إذ أنهم لم يواجهوا ألإنسان مواجهة صريحة نيرة ليصلوا من خلالها إلى النتيجة الحتميّة النهائيّة: وهي أنّ ألإنسان الموجود هو عاجز وناقص ومحدود، وما دام كذلك فهو محتاج ولا بدَّ إلى قوّة أعظم منه، أي أنّه محتاج إلى مُبْدِعٌ ومُصَوِر، بحاجة إلى خالق يوجده من عدم.

   **نعـم: لقد تناسوا الإنسان الموجود، نسوا أنفسهم  ونسوا أن يتفكروا ويُعْملوا العقل في التفكير في أنفسهم هم، تركوه، تركوا أنفسهم، تركوا الإنسان الحاضر ليلتمسوه من خلال الأحافير المتحجرة، والمجتمعات البدائية الدّارسة والمطمورة، ولإطلاق الخيال والدّوران في الحلقات المفرغة التي تنتهي من حيث تبدأ، فلا توصل إلى هدف أو مبتغى.**

    يذهب هؤلاء الناس **ـ من يسمى منهم بالباحثين أو العلماء أو حملة ألقاب رفيعة أعلى شأناً ـ**للبحث عن الإنسان الموجود، يبحثون عنه بين الكهوف والمغاور، وبجانب شواطئ الأنهار والبحيرات وعلى صفحات الصخور... يلتمسون من خلال علماء الأحافير آثاره وأدواته، ليعطوه حقباً تاريحية يطوروا الإنسان معها لأنه مربوط بها ربطأ مُلزِماً، فهو في زعمهم يتطور تبعاً لوسائل الإنتاج إلتي يستعملها وقد صنعها بيديه!! وتفرض عليه تلك الالات الصماء التي لا تعقل ولا تعي، نوع  تفكيره وأسلوب عيشه وتعيّن له ثقافته وحضارته وأيدلوجياته، ويحاولون من خلال تلك الملاحظات التي تتجمع لهم، أن يرصدوا الإنسان ليصلوا إلى فُروض ونظريات يقيمون بها مكتشفـات تصل إلى كُنـه الإنسان، **وليطوروه حسب ما إفترضوا من النظريات قبل بدئهم في البحث والتّحري والإستقصاء، وليعطوه الآباء والأجداد والأعمام ممن هم أدنى مرتبة، كل ذلك والإنسان المبحوث عنه قائم حي، متحرك شامخ، جميلٌ في أجمل الصور، عاقل مفكّر، مُدرك فنّان، عالم فيلسوف، شاعر كاتب، عالم متعلم، لم يتبدل ولم يتغير منذ وُجِد إلى الآن.**

    وللحقيقة أنّ أساليب ووسائل علماء المادة وعلماء الأنتربولوجيا لن تستطيع أن تصل إلى شئ، إلا ما هو مقررٌ أساساً في عقول باحثيها، وإلا إلى ما افترضوه مسبقاً قبل البدء في أبحاثهم، وهو ما ذهبوا للحصول على أدلته في تلك المغاور والكهوف، جَرْياً وراء صورة الإنسان البدائي منذ الاف السنين، ومن أجل تعزيز إفتراضاتهـم أنّ الإنسـان من سلالة القرود والسعادين التي أنجبتها الزواحف إبنة البرمائيات المتصل نسبها بثنائية الخليّة وجدها الأعظم الذي هو أدناها مرتبة كان وحيداً للخلية!!![]

وإني لأعجب! ويعجب معي كل عاقل، لقوم أغلف الله قلوبهم وأعمى بصائرهم، إذ يؤكدون تأكيد الواثق المطمئن، في شجرة الأحياء التي ابتدعوها أنّ أصل الإنسان قد تدرج في مراحل تطورية، أولها الجبلّة وحيدة الخليّة، وآخرها قبل الإنسان الصعابير، يؤكدون ذلك تأكيد الواثق المطمئن المتمكن مما يقول، وفي تسلسل عجيب منتظم ومرتب… إلا أنهم لا يستطيعون التأكد من أي نوع من الصعابير على وجه التحديد تنشأ الإنسان حتماًُ! وهل أتى من القرد أم من السعدان؟ أني لأرثي لِحال هؤلاء الذين يرسمون أنفسهم كجهابذة العِلم وأعلام البحث ورواد الاستكشاف… يعرفون أجدادهم من الزّمن الغابر الموغل في القِدَم في إحدى عشر حقبة من الزّمن، مؤكدين ذلك بإصرار، في حين أنً أمانة البحث!!! والحرص على الدّقة والحقيقة والصدق يحتمان، لا بل يفرضان عليهم ألا يؤكدوا من هو جدّهم الأخير: القرد أم السعدان!!!.

    إنّ كل نظريات التطور والنشوء تلك إنما استهدفت إحياء التراث الوثني كله، لإعادة صياغته من جديد، لأجلِ أن تَصِلَ إلى إبراز مفاهيم ومعتقدات المحافل والجمعيات والمنظمات السرية، والتي تدفعها أيادٍ خفيةٍ، استوعبت تُراثَ أشور وبابل واليونان والرومان والبراهمة، إنّ كل تلك المحاولات تستهدف تضليل الإنسان عن حقيقته ودفعه إلى الطريق الذي ينتهي به إلى الإنحلال والتحطم....[] فَهُم يَرَوْنَ أنّ الطريق الأمثل للإستيلاء على الرأي العام في العالَم للتحكم في بعقول الشعـوب ومصائرهـا، تنحصـر في العمل على اقلاقه وتشويشه بطوفان الأفكار والأراء من كل جانب، بحيث ينتهي ألأمر بضياع البشر، ووقوعهم في خِضَمِ الضّلال وحبائل الشيطان.[]

    لقد مضى منذ زمن، الوقت الذي كان الكافر المستعمر يعتمد فيه حَصْراً على الأساطيل والجيوش لإخضاع الشعوب واستنزاف مواردها، وإذلال وإفقار أهلها، وظهر مكانه الإسـتعمار الحديث الأكثر لؤماً وخُبثاً وتأثيراً، والذي يعمد إلى غزو البلاد وإستعبادها ثقافياً وفكرياً واقتصادياً قبل أو بدون الإحتلال العسكري. والكافر المستعمر حين استعمر العالم الإسلامي أرسل طلائعه من أمكر وأخبث وألد الأعداء من المبشرين والمستشرقين وحملة الصلبان، علاوة على الطابور الخامس المضبوع بثقافته والمفتون بحضارته من أبناء البلاد، **ليمهدوا الطريق لهذا الغزو بتضليل المسلمين وإعمائهم عن دينهم، وصرفهم عن جوهره، وإبعادهم عن حُسْنِ الإعتقاد بزعزعة ايمانهم، فكان كل هؤلاء الطلائع والكتائب الأولى التي مهدت الطريق للإستعمار الكامل.**

    وقد كشف الباحثون **أنّ الداروينية قد اسْتُغِلَت في محيط السياسة، مما أدى إلى خلق جو مضطرب أطلت منه مذاهب العبقريّة، فقد كان قول داروين بأن العناصر الضعيفة يجب أن تموت أو تُسْتأصلَ، ليحل محلها الأقوى والأقدر على البقاء، تبعاً لقاعدة البقاء للأصلح، قد استغلته حركة الإستعمار العالمي كنظرية لتطبيقها على البلاد المحتلة.** 

وأقرب مثال على ذلك: حرب الإذلال والإبادة التي دارت رحاها على شعوب أفريقيا الجنوبية من قبل حفنة من علوج الغرب الكافر المستعمر وحرب القهر الإبادة والإذلال بما في ذلك هدم البيوت على رؤوس ساكنيها بأحدث الأعتدة وأفتكهـا، واستعمـال أحدث وأضخم الالات الجهنمية بمـا في ذلـك الصواريـخ والطائرات، رافق ذلك الحقد والغل الكافر المشهور على مدى التاريخ الأشد عداوة وحقداً ولئماً للذين آمنوا

وقد استغلت نظرية التولد الذاتي ـ التي نادى بها داروين ولامارك وأرنست هيكل ـ منطلقاً إلى الإلحاد، وجعلها البعض سنداً في إنكار العقيدة الدينية، فاتخذت منها فلسفة لإنكار وجود الخالق، وإعطاء المادة صفة القادر المسيطر على كل شئ، ومن ثمّ دعى هيكل إلى تأليه الطبيعة، وإنكار وجود الله تعالى، ونادى بوحدة الوجود. وظهرت من خلال ذلك نظرية القوّة والتمييز العنصري، والشعوب المختارة، كما صيغت نظرية القوة عند نيتشه ومن ذهب مذهبه من علماء الجرمان، وبها انتفع دعاة الأرستقراطية، فوجدوا فيها سلاحهم، إذ أعلنوا أنفسهم بأنهم الممتازون والمختارون الذين ورثوا مزايا الأجداد سادة البشر ومالكي العروش وصانعي التاريخ.

**ومن منطلق مفهوم نظريات التطور الإجتماعي فقد قام الوافدون الجدد بمطاردة وإبادة سكان البلاد الأصليين أي ( الهنود الحمر ) بزعمهم أنهم ليسوا من البشر بل أعراق منحطة من المخلوقات لم تصل لمراتب البشرية بعد !!!

ومن هذا المنطلق كان تبرير ثيودور روزفلت رئيس امريكا الـ26 في تصريحه الآثم حيث أعلن معبرًا عن الدفاع عن مذبحة جرت للهنود الحمر:

“كانت عملا أخلاقيا، لأن إبادة الأعراق المنحطة ضرورة”

ومن الطبيعي أن دولة قامت على توجهات سخيفة بررها منطق أعوج أن إمكانية بقائها في مقدمة الدول الأولى غير متوفر وسيكون خرابها وزوال ملكها قريب، ومثلهم كمثل عاد وثمود وأصحاب الأخدود. فسقوطها مؤكد وزوال مرتبة دولة عظمى كائن ولا بًد، وستتخلص الإنسانية من كيان متعطش للدماء، ولن يُجديهم نظريات عرجاء سموها علمية وهي أبعد ما تكون عن العلم الحقبقي، بل علم مزيف وموجه لتحقيق حالات ونزعات وترهات…**


** الفقرات الخمس السابقة، منقولة بتصرف عن: كتاب أنور الجندي: مفاهيم العلوم الاجتماعية.

المصدر السابق.

عبد الله التل، جذور البلاء، صفحه (265)، بتصرف. وللاستزادة يمكن الرجوع إلى الصفحات (265? 270) من الكتاب المذكور.

أنور الجندي، سقوط نظرية داروين، صفحه ( 10 )، بتصرف.

وحدة الوجود، pantheism: هي القول بأن الله والطبيعة شيء واحد، وبأنّ الكون المادي والإنسان ليسا غيرَ مظاهرَ للذات الإلهية. ووحدة الوجود تنطوي على إنكار لوجود الله. وقد قالت بها بعض الديانات والفلسفات منذ القدم. فنحن نقع عليها في المعتقدات المصرية والصينية والهندية. وفي الفلسفة اليونانية أخذ الرواقيّون بهذا الرأي مؤكدين أنّ الله والعالم شيء واحد، وقال به فلاسفة الأفلاطونية المحدثة. وكذلك فعل بعض الفلاسفة النصارى. وبين المسلمين نجد “وحدة الوجود” واضحاً عند محي الدين بن عربي وعند الحلاج ـ وكلاهما من رؤوس الصوفية ـ. أما في العصر الحديث فكان سبينوزا أكبر القائلين بوحدة الوجود والمدافعين عنها، وكذلك هيكل.- منقول بتصرف عن: منير البعلبكي، موسوعة المورد العربية، المجلد الثاني، صفحه ( 1298 ).

أنور الجندي ، سقوط نظرية داروين ، الصفحات ( 10 ? 11 ) .

*** المصدر : موسوعة الخلق والنشوء

www.4shared.com

أما "دوجالد ستيوات Dugald Stewart " فهو يطلق على أبحاث تاريخ الإنسـان التطوري “التاريخ الظني” أو “التاريخ التخميني” لمعرفة الصورة الأولى التي كانت عليها النّظم الاجتماعيّة، لإعادة تركيب تاريخ المجتمعات البشرية وتصنيفها من حيث درجة رقيها وترتيب مراحل الحضارة التي مرَّت بها تلك المجتمعات منذ نشأتها حتى الآن، وذلك حسب نظام عقلي دقيق يرسمون هم أنفسهم خطته ويحددون خطواته تجديداً تعسفيا، ولذلك فكثيراً ما كانوا يصلون إلى نتائج غريبة ومتناقضة.[ 1]

بل كثيراً ما كان العلماء الذين يستخدمون نفس الوسيلة، ويتبعون نفس المنهج في دراسة نفس الموضوع يصلون إلى نتائج مختلفة كل الاختلاف. فبينما نجد "سير هنري مين H.S.Maine " مثلاً يذهب إلى أن العائلة الأبوية التي ينتسب إليها الأبناء إلى الأب هي الشَّكل الأول للنظام العائلي على الإطلاق . فإنَّ "باخوفن Bachofen " يدعي أنَّ الإنسانية عرفت أولاً بعد الإباحية المطلقة نظام العائلة الذي يرتكز على الانتساب إلى الأم قبل أن تصل إلى العائلة الأبوية. ومن الطريف أنَّ مين وباخوفن قد نشرا نتائج دراستيهما في نفس السنة أي عام (1861).[2 ]

وللحقيقة فإنَّ فكرة التّطور بمعنى التَّقَدُم والارتقاء قد استغلت لإثبات ما يسمى بالتطورية الاجتماعية، إذ امتدت من أسلوب لفهم أصل الحياة والكون إلى فهم الإنسان والمجتمع عن طريق الاستعانة بما يعرف باسم “المماثلة البيولوجية Analogy” ومحاولة تصور المجتمع ككائن عضوي حي ومقارنة ما يحدث فيه من تغيرات وتطورات بما يحدث في الكائنات العضوية الأخرى … ولقد تغلغلت الفكرة إلى كل مجالات العلوم التي أصبحت بمثابة ميادين لاختبار مدى صدق تلك النظرية، وتمثل ذلك بوجه خاص في الكتابات الأنثربيولوجية والسوسيولوجية[4 ] والتاريخية والاقتصادية وفي النظرة السياسية[ 3] ونتج عن ذلك تأسيس أو قيام ما يسمى "التطورية الاجتماعية Social Evolutionism " وما يسمى "الداروينية الاجتماعية Social Darwinism " ومع ذلك فإنَّ فكرة التَّطور بمعنى التّقدم والارتقاء، وكذلك فكرة التّقدم الاجتماعي لم يسلما من كثير من الانتقادات العنيفة التي وجهها إليها عدد من العلماء الرّافضون لها، إذ يرفض هؤلاء المعارضون أن يتصوروا المجتمع البشري يسير في ذلك الخط الذي يرسمه له أصحاب مدرسة التقدم، ويرون عكس ذلك تماماً أن الإنسان خُلق في الأصل على درجة عاليه نسبياً من الرّقي الثقافي، ولكن هذه الثقافة الأولى الرّاقية تعرّضت لبعض عوامل مضادة ولبعض الظروف غير المواتية التي دفعت بها إلى هوة التّدهور والتأخر والانحلال. فتاريخ الثقافة بدأ ? في رأي أصحاب تلك المدرسة ? بظهور جنس بشري متحضّر على سطح الأرض، ثم لم تلبث هذه الثقافة الأولى أن اتجهت وجهتين مختلفتين: إما نكـوص وتدهور وانحطاط ترتب عليها ظهور المجتمعات المتوحشة، وإما إلى تقدم وارتقاء ورفعة أدّت إلى ظهور الشعوب المتحضرة الرّاقية.

ومن أكبر مشايعي هذه النظرية “الأسـقف هويتلي Whitely” ? أسـقف كانتربري- إذ كتب في ذلك كتاباً بعنوان "مقال عن أصل الحضارة Essay on the origin of civilization " كان له دوي كبير في حينه، ويبني هويتلي كتابه على حجة استقاها من " نيبوهـر Niebuhr " أحد أعداء النظرية التقدمية المتطرفين. وكان نيبوهر يُنكِرُ بشدَّة إمكان نهضة الإنسان الأول وتقدمه وارتقائه من مرحلة متوحشة أولى إلى المراحل الأكثر تحضراً عن طريق التطور التلقائي الذاتي ودون تدخل أية عناصر أو عوامل أخرى خارجية، وكان يتحدى العلماء التقدميين في أن يأتوا بمثال واحد لشعب بدائي واحد أمكنه أن يرقى إلى مرحلة التّحضر من تلقاء نفسه. إنما البدائيون عنده وعند أتباع تدهور الثقافة الأولى هم سلالة متدهورة من شعب متحضر في الأصل .

والحق الذي لا يُمارى فيه أنّ الله تعالى قد خلق آدم عليه السّلام وعَلّمه وأدَّبهُ ، لذا فآدم ومن سار على نهجه من نسله هم في قمَّة الثقافة والحضارة والتّقدم. وقد انحط وتدهور أقوام من عقب آدم نهجوا نهجاً مخالفاً لنهجه، فأرسل الله تعالى الأنبياء والرّسُل لهداية البشر وتقويم انحرافاتهم ولرفعهم إلى المستوى اللائق بهم كبشر، فآمن واستقام منهم أقوام، وكذبهم أقوام استحبوا وألفوا ما هم فيه من الانحراف والانحطاط والتدهور. فالرّسل وأتباعهم هم في قمّة الثقافة والتقدم والرقي، أصحاب الفكر المستنير والحضارة الراقية، ومن خالفهم فقد استحبّ العمى على الإبصار وسار أشواطاً بعيدة في طريق التّخلف والجهل والانحلال والانحدار والتدهور، وما دمنا نؤمن أنّ آدم عليه السّلام هو أول البشر فالأصل في بني الإنسان العلم والتحضر والثقافة والرقي. أما التوحش والبدائية والانحطاط فهي خلاف الأصل إذ وجدت في سلالات متدهورة من أمم وشعوب متحضرة أصلاً.

وقد شايع نيبوهر في فكرته عدد من كبار العلماء في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مثل “الكونت دي ميستر Count Josef De Maistre” ومن قبله “دي بر وسسDe Brosses” و “جوجيه Goguet”.[5 ] إلا أنه يجب التنويه إلى إنّ عدداً غير قليل من التطوريين المعاصرين يُنكر أن يكون التنافس والصراع من وسائط ووسائل التقدم الاجتماعي، فكلمة الأصلح في رأيهم اصطلاح غير دقيق ومضلل، ولا يفيد بالضرورة الامتياز والسُّمو في الخصائص والقدرات والقوى في كلّ الأحوال، إذ قد يكون البقاء من نصيب الفرد الذي ينجب أكبر عدد من الذرية حتى وإن لم تكن لتلك الذّرية خصائص وقوى وقدرات متميزه.[6 ] وهذا معناه أنّ هؤلاء العلماء يميلون للتشكيك في الدور الذي يلعبه الانتخاب الطبيعي في التاريخ البشري والتهوين من أهميته وفاعليته، ومن هذه الناحية فإنهم ينظرون إلى الإنسان على أنّه حيوان حامل للثقافة وناقل لها عن طريق المحاكاة والتّعلم، وهما عمليتان تختلفان كل الاختلاف عن عملية نقل الخصائص والصفات الفيزيقية عن طريق التكاثر البيولوجي، وعليه فليس هناك ما يدعو إلى تفسير النظرية الاجتماعية تفسيراً بيولوجياً أو صياغتها في حدود مصطلحات وألفاظ البيولوجيا، وإن كان هذا لا يمنع من وجود بعض أوجه التشابه بين التطور البيولوجي والتطور الثقافي.[ 7] وعلى الرغم من أنّ جوليان هكسلي عالم بيولوجي تطوري فانه يقف موقفاً مماثلاً لذلك، ويذهب إلى أنّ التنافس داخل النوع الواحد لا يمكن أن يكون مصدراً للتقدم التطوري خلافاً لنظرية سبنسر عن الصراع والتنافس.

** لــذا فإن دراسة التطور البيولوجي والاجتماعي لا تقتصر دائماً على دراسة الماضي ولا تكتفي بالبحث عن المراحل التي مرَّ بها الكائن البشري خلال تاريخه الطويل، وإنما تمتد إلى دراسة الحاضر ومحاولة التّعرف على مستقبل الأجيال القادمة والتكهن بنوع التغيرات التي سوف تسود مستقبلاً.[ 1]

أما العالم الاقتصادي الألماني " كارل بيشــر Karl Bucher " فقد ذهب إلى أن الاقتصاد البشري مَرَّ بثلاث مراحل قبل أن يصل إلى المرحلة الصناعية قي أوروبا في القرن التاسع عشر. وفي أولى تلك المراحل الثلاث كانت حياة الإنسان تعتمد إما على الجمع والالتقاط أو قنص الحيوان أو صيد السَّمك بحسب ظروف كل مجتمع على حدة، ثم انتقل الإنسـان بعد ذلك إلى مرحلة الرعي، وأخيراً وصل إلى مرحلة الحياة المستقرة التي تعتمد على الزراعة.[2 ]

أما العالم الأمريكي " لويس مورجان Lewis Morgan" فيذكر في كتابه "المجتمع القديم Ancient Society " أن الإنسان قد مَرَّ بحقبتين كبيرتين هما “حقبة التَّوَحُش” و “حقبة البربرية” قبل أن يصل إلى “الحضارة الأوربية الحديثة”. ثم يقسم كلاً من هاتين الحقبتين بعد ذلك إلى ثلاث مراحل أخرى هي “دنيا، وسطى، عليا”. وبناء عليه يكون المجتمع الإنساني قد مرَّ بحسب تقسيمه بالمراحل التالية :

أ*. مرحلة التوحش الدنيا: وتبدأ من طفولة البشرية.

ب*. مرحلة التوحش الوسطى: وتبدأ باستخدام النار، وكان الإنسان يعتمد في أساسها على صيد السمك.

ت*. مرحلة التوحش العليا: وتبدأ منذ اخترع الإنسان القوس والنشاب والسهام، وبذلك كانت حياته تقوم في الأغلب على القنص.

ث*. مرحلة البربرية الدنيا: وتبدأ باختراع الأواني الفخارية.

ج*. مرحلة البربرية الوسطى: التي تتميز بحفظ واستئناس الحيوانات، وزراعة الذرة ، والاعتماد على الرّي.

ح*. مرحلة البربرية العليا: وتبدأ باكتشاف طريقة سبك الحديد، وبالتالي استخدام الآلات والأدوات الحديدية.

خ*. وأخيراً وصلت الإنسانية إلى المرحلة السابعة والأخيرة وهي: “مرحلة الحضارة الصحيحة”: التي تمتاز باكتشاف حروف الهجاء والكتابة، وتمتد حتى عصرنا الحالي.[3 ]

أما فيما يتعلق بأدوات ووسائل العيش فيقول مورجان: أن الإنسان انتحل خمس طرائق في معاشه، ويرد اثنتين منها إلى حقبة التوحش، والثلاث الأخرى إلى البربرية، وأولى تلك الوسائل هي طريقة العيش الطبيعية عن طريق جمع الفواكه والبذور والجذور في المنطقة التي يسكنها الإنسان، والثانية هي صيد السمك. أما الوسائل الثلاث الأخرى فهي الاعتماد على زراعة الحبوب في الحدائق، والاعتماد على اللحم واللبن، ثم ممارسة الزراعة الواسعة في الجبال.[ 4]

ويبدو كما يقول "ايفانز ريتشارد "[5 ]:

ان معظم العلماء التطوريين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وأشهرهم:

ï?§ سير هنري مين، في كتابة “القانون القديم”.

ï?§ تايلور، في كتابه “أبحاث في التاريخ القديم للجنس البشري”.

ï?§ سير جون لبوك، في كتابه "أصل الحضارة ".

ï?§ ماكميلان، في كتابه الذي ظهر في مجلدين بعنوان “دراسات في التاريخ القديم”.

كانوا يذهبون إلى أن الشعوب البدائية التي لا توجد الآن، أو على الأصح التي كانت تعيش إلى أيامهم ، تمثل أدنى المراحل التي مرت بها البشرية، وأنه بناء على ذلك فإنَّ ترتيب الشعوب والمجتمعات التي توجد الآن حسب درجة تقدمها وارتقاءها إنما يعطينا صورة واضحة ومتكاملة عن كل المراحل التي مرَّ بها المجتمع الإنساني منذ وُجِدَ حتى الآن، وهذا يعني أن الاهتمام الزائد الذي كان يبديه هؤلاء العلماء بما كان يعرف حتى عهد قريب باسم “الشعوب البدائية” لم يكن اهتماماً بتلك الشعوب بذاتها وإنما لاستخدامها في إقامة نماذج ومُثُل افتراضية كانوا يعتقدون أنها تمثل التاريخ المبكر للجنس البشري عامة، ولذا فليس من الغريب أن نجد علماء ذلك العصر يكتبون ما كانوا يعتبرونه تاريخاً، لأنَّ العلوم والمعارف كانت تتجه في ذلك الوقت اتجاهاً تاريخياً في أساسه، وهي كلها مجهودات كانت تهدف دائماً إلى تفسير الشيء القريب بالشيء البعيد، أي قياس الحاضر بالغائب.

ولقد أدت تلك الافتراضات والدَّعاوى بأن الشعوب البدائية تمثل أدنى المراحل التي مرَّت بها البشرية إلى الوقوع في كثير من الأخطاء نتيجة لإطلاقهم بعض الأحكام العامة غير الصحيحة والتي لا تستند في كثير من الأحيان إلى حقائق ووقائع مؤكدة)[6 ]

فواضح إذن أن النظريات التي كان يضعها هؤلاء العلماء عن الماضي لم تكن تقوم على الحدس والتخمين فقط، وإنما كان يداخلها على ما يقول “ايفانز ريتشارد” كثير من العناصر التقويمية أيضاً !!!.[7 ]، ويذهب "ايفانز ريتشـارد " إلى أن السبب الأول لكل ذلك الخلط لا يرجع إلى اعتقاد علماء القرن التاسع عشر في التقدم ورغبتهم في الوصول إلى طريقه يمكنهم بها أن يعرفوا كيف حدث ذلك التقدم، لأنهم كانوا يدركون تماماً أن النماذج التي يصفونها لم تكن سوى افتراضات لا يمكن تحقيقها، وانما كان ذلك الخلط يرجع في المحل الأول إلى الدعوى التي ورثها هؤلاء العلماء من عصر التنوير، ومؤداها أن المجتمعات أنساقٌ طبيعية أو كائنات عضوية تتطور بطريقة معينة وتمر أثناء تطورها بمراحل ضرورية يمكن ردها إلى مبادئ عامة أو قوانين.[ 8]


وليام هاولز، كتاب " ما وراء التاريخ " ترجمة أحمد أبو زيد، مؤسسة فرانكلين بالاشتراك مع مكتبة نهضة مصر ? القاهرة. طبعة ( 1965 )، صفحة ( 21 ) وصفحة ( 465 ).

تيلور، " نوابغ الفكر الغربي "، ترجمة دكتور أحمد أبو زيد،

المصدر السابق.

المصدر السابق.

المصدر السابق عن ريتشارد ايفانز، الانثربولوجيا الاجتماعية، ترجمة دكتور أحمد أبو زيد، الإسكندرية (1958)، صفحه66).

المصدر السابق، الصفحات ( 66 ? 70 ) .

المصدر السابق.

المصدر السابق.

تطور الأمم

نستعرض النظريات التطورية المتعلقة بتظور الإنسان والأمم المنحطة بزعمهم من خلال ما ورد نظرياتهم الواردة في كتاب " موسوعة الخلق والنشوء "

عصور التقدم البشري الأولى

[1 ]

بحسب تسلسل النظريات التطورية فالإنسان كان بدائياً "Primitive " … بدائياً في تركيبه الحيواني، بدائياً في طريقة الإدراك والتمييز والتفكير، بدائياً في عدم استطاعته النطق والتعبير، بدائياً في كيفية استعمال الأدوات اللازمة، وبدائياً في أسلوب العيش.

لقد تدرج الإنسان في الارتقاء والتطور خلال مراحل متعدده "عصور Periods " أخذت أسماء أدواته التي كان يستعملها، لأنَّ تطوره يسير طبقاً لوسائل الإنتاج التي كان يستعملها، فتطوره مربوط ربطاً حتمياً ولازماً بتطور أدواته،[ 2] بتطور أدواته، وأول تلك العصور كان “العصر الحجري Stone age” وهو أقدم عصر من عصور الثقافة البشرية، ويقسمه العلماء إلى أربع فترات هي :

العصر الحجري البدائي (الأيولتي = الظراني) Eolithic period وهو الفترة الأولى من العصر الحجري، يتميز باستخدام الإنسان الأدوات الحجرية البدائية إلى أبعد الحدود إذ كانت أدواته حجرية خشنة غير مهذبة، وقد عثر على مثال لها عالم إنجليزي اسمه “بنيامين هريسـون” في الحصى المتراكم في قيعان الأنهر القديمة في "كينت Kent “الواقعة في مقاطعة” “سسكس Sussex” في إنجلترا، وفي غيرها من البقاع.

العصر الحجري القديم (الباليوليثي) Paleolithic period وهي الفترة الثانية من العصر الحجري، يتميز باستعمال الأدوات الحجرية الخشنة والمهذبة على نحو بدائي.

العصر الحجري الوسيط (الميزوليثي) Mesolithic period وهي الفترة الثالثة من العصر الحجري، يتميز بظهور الكلب بوصفه أول حيوان أليف، وباستخدام القوس والنَّشاب والأدوات القاطعة ونشوء صناعة الفخار.

العصر الحجري الحديث ( النيوليثي ) Neolithic period وهي الفترة الأخيرة من العصر الحجري، بدأ حوالي العام (2000 ق.م) في الشـَّرق الأوسـط، وبعد ذلك في أماكن أخرى، وهو يتميز باختراع الزراعة وبصنع الأدوات الحجرية المتطورة نسبياً.

على أنَّ تلك العصور لا يفصل بين العصر والعصر الآخر منها فواصل محددة متفق عليها زمنياً بل يتداخل بعضها ببعض، حيث عثر على أدوات من العصر الحجري البدائي في نفس المكان مع أدوات من العصر الحجري القديم، ومما يجزمون به ويؤكدونه أن العصر الحجري بأقسامه الأربعة قد سَبَقَهُ عصر أخر استعمل فيه الإنسان الأول العصي والحجارة الغشيمة[3 ] مما يقع عليه بصره خبط عشواء[ 4]. على أن تلك العصور لا تدل على عهود زمنية معينة أو محددة، إنما تدل علمياً على درجات ثقافية أستدل عليها بواسطة الآثار التي عُثِرَ عليها.

ولما اكتشف الإنسان المعادن تسارع ارتقاؤه مستعملاً " النحاس الأحمر Copper"، في أول الأمر، إلآ أنه أنِسَ فيه الطّراوة مما لا يتفق ومتطلباته فمزجه بالقصدير ليخرج منه سبيكة “البرونز Bronze”، ولما اهتدى إلى البرونز وضرب مسارعاً إلى التقدم بدخوله في مطاوي “العصر البرونزي Bronze age” حوالي العام (3500 ق.م) بدأ يعيش في جماعات أكبر من تلك التي كان يعيش فيها من قبل، وكان قبل ذلك وفي أواخر العصر الحجري الحديث قد ترك العيش في الكهوف ونزع إلى العيش في الأكواخ، وتجاورت الأكواخ فتألفت منها مجموعات لتصبح كل مجموعة منها “قرية Village”، وظلَّ الإنسان يعيش في مجموعات قروية أزماناً متطاولة أقيم بعضها على جوانب أطراف البحيرات طلباً للأمن، وقد سميت تلك القرى “المرابي البُحَيرية Lake villages” ? أي قرى الجيران ?

أما بحلول العصر البرونزي فقد تمادت بعض القرى في الكبر والنمو والتضخم فصارت “بلاداً Towns”، وكبرت البلاد لتصبح “مدائن Cites”، وكبرت المدائن أيضاً لتصبح “عواصم Capitals”، كما أن طبيعة العيش والتطور ومتطلبات الحياة المتطورة قد أحالت الأكواخ البسيطة إلى بيوت مضت في الاتساع والتّشكل حتى برزت تلك القصور العظيمة والبروج المطوحة التي تقع على أمثالها في حضارات مصر وأشور وأثينا ورومية.

ولما اكتشف الإنسان “الحديد Iron” انتقل إلى “عصر الحديد Iron age” حيث صهر الحديد واستخدمه بدلاً من البرونز في صنع الأدوات والأسلحة، وذلك لتوفره ولندرة البرونز حيث الثاني أصلد، وكان ذلك قبيل العام (1000 ق.م) في آسيا الغربية ومصر.

ولقد استغرق هذا التطور دهوراً تلو دهور، إذ أنه يتبع دائماً تطور المهارة والفراهة الهندسية والفكرة في تطويرات الحياة وزخارفها، ولما بلغت الجماعات القروية مبلغاً من الاتساع والكبر بدأ أفرادها يُغَيِرون نمط حياتهم فظهرت “الطبقات Classes”[5 6] لأول مرّة كالسـماك والقناص والمُحارب وجابل الصوان وغير ذلك، وكان أولئك ? أصحاب الطبقات ? الذين أقاموا العلاقات الاجتماعية[ 7] والطبقات المدنية وما ترتب على ذلك من النظم التبادلية والتجارية، وكان ذلك أول نشوء الحضارات الكبرى في تاريخ البشر.[ 8]

ويتكهن علماء التطور المعاصرون بأنه إذا كان الإنسان خلال تلك العصور والأحقاب المنصرمة منذ ظهور الإنسان الحديث قد عمل دائماً على تحسين أحواله والسَّيطرة على موارد الطعام والتحكم في الطبيعة وتسخيرها لصالحه، كما تمكن من ابتكار وسائل كثيرة ومتنوعة لتقوية روابطه الاجتماعية مما أدى إلى ظهور الحضارات العديدة السابقة عبر القرون الماضية، فالأغلب أنه سيستمر في مثابرته وجهاده تمهيدا للدخول في عصر جديد أو عصور جديدة متتالية يتميز كل منها بملامح وسمات خاصة. ويعتقدون أنَّ التطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي سيكون أسرع وأوضح من التطور البيولوجي الذي يحتاج إلى عشرات الآلاف من السنين، ولكن هذا التطور الاجتماعي والثقافي سيكون في الوقت ذاته تطوراً موجهاً وسفيراً يستعين بخبرات الآلاف الطويلة من السنين الماضية .[ 9]


المرجع، صفحه ( 47- 50 ) بتصرف.

  • موسوعة المورد العربية ، الجزء الثاني ، صفحة ( 765 ? 766 ) .

يلاحظ أن ذلك مطابق تماماً للفكرة الأساسية التي تبنتها الشيوعية والقائلة بأن التطور المادي تبعاً لوسائل الإنتاج هو المحرك الفعلي والوحيد للمجتمع وعلاقاته جميعاً ، واعتبار أن فكره ووجهة نظره نابعة وموجهة من الأدوات التي يستعملها .

الغشيمة : غير المصنعة .

العشوائية : عدم التقصد والتعمد .

مجموعة الأشخاص الذين يؤدون عملاً واحداً ، أو الذين تجمعهم مصالح مشتركة ، أو الذين يشتركون في وضع واحد أو في حالة واحدة في مجتمع من المجتمعات . والمقصود في الجملة هو المعنى الأول .

المقصود هنا العلاقات بين الناس في المجتمع الواحد ، وليس العلاقات الاجتماعية بمعناها الصحيح ، إذ أن الثانية تأخذ مفهوم اجتماع الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل ، ومعظم الباحثين لا ينتبهون إلى الفرق بين المعنيين ، وبما أن القول منقول عن من لا يميز الفرق ? وهو المرجع - لذا فقد حرصت على نقل الفكرة بنفس الألفاظ التي وردت في المرجع مع التنويه للفرق بين المعنيين .

هناك فرق بين لفظي " الحضارة Civilization " و " المدنية Sciences " من ناحية المدلول، فالحضارة هي مجموع وجهات النظر عن الحياة ، في حين أن المدنية هي أشكال التقدم في العلوم والصناعات مما لا يتعلق بالثقافة ووجهات النظر عن الحياة مثل : علوم الكيمياء والهندسة والصناعات وغيره ، وهذا هو المقصود في الفقرة ، لذا كان الأولى أن يقال " نشوء المدنيات والعلوم " بدل " نشوء الحضارات . لذا اقتضى التنويه .

لورد تويدز ميور، في مقال له بعنوان “الجانب الآخر من التل”.Lord Tweedsmuir- The other side of hill

وليام هاولز، كتاب " ما وراء التاريخ " ترجمة أحمد أبو زيد، مؤسسة فرانكلين بالاشتراك مع مكتبة نهضة مصر ? القاهرة. طبعة ( 1965 )، صفحة ( 21 ) وصفحة ( 465 ).

ألمحافظين الجدد والقرن الأمريكي الجديد

كانت أحداث 11 سبتمبر 2001 هي الفرصة التاريخية للصقور والمحافظين الجدد لفرض تصورهم للأمن القومي الأمريكي، هذا التصور كان قد بدأ مع وثيقة ? دليل السياسة الدفاعية ? الذي تم وضعه بعد حرب الخليج 1991 وكانت أهم عناصره كما لخصها رضا هلال في قراءته لكتاب**? الأخطار المحدقة ?**.

**التفوق العسكري الأمريكي عالميا.

منع صعود أية قوة مناهضة للولايات المتحدة.

الحروب الوقائية ضد الدول التي تطور أسلحة دمار شامل.

التدخل العسكري الأمريكي عبر العالم.**

وفي عام1997 وضعت مجموعة الصقور من المحافظين الجدد إعلان مبادئ ? مشروع القرن الأمريكي الجديد ? الذي تضمن المطالبة بسياسة خارجية أمريكية شجاعة تعتمد علي السيطرة العسكرية إذا ما أرادت الولايات المتحدة أن تعلي وتحافظ علي النجاح الذي حققته خلال القرن الماضي وأن تضمن القوة والعظمة في القرن الجديد حيث يجب اغتنام ? اللحظة الفريدة ? التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة، وإذا كان روبرت كجان في كتابه ? الجنة والقوة ? قد حدد طبيعة الأزمة بين أوروبا وأمريكا، فانه في كتاب آخر بعنوان ? الأخطار المحدقة الأزمة والفرصة في السياسة الخارجية والدفاعية الأمريكية ? قام بتحريره مع ويليام كريستول ـ وهما من أهم منظري تيار اليمين الجديد ـ قد القيا الضوء علي طبيعة الدور الذي يجب أن تلعبه

السياسة الأمريكية في القرن الجديد. في مقدمة الكتاب يشير المحرران إلي أن الخطر الذي تشكلت من أجله ? لجنة الخطر الراهن ? في السبعينيات قد زال، ولكن خطرا راهنا في عدو إستراتيجي واحد سواء كان ? الإرهاب العالمي ? أو ?الدول المارقة ? أو? الكراهية العراقية ? قد يتمثل في تقلص مسئولية الولايات المتحدة الأمريكية عن صون السلام العالمي، وضمان المبادئ الديمقراطية: أن الخطر الراهن أمامنا هو خطر انحطاط قوتنا العسكرية ووهن أردتنا والتشويش حول دورنا في العالم، انه خطر من بيننا بالأكيد، وإذا تم تأهله فسيكون مردوده مخاطر حقيقية تهددنا مثلما كان الاتحاد السوفيتي قبل ربع قرن.

وفي فصول الكتاب شارك كتاب آخرون ـ وكلهم من صقور تيار اليمين الجديد ـ في تأكيد خطورة خفض القوة العسكرية الأمريكية، كتب جيمس سيزار عن ?رسالة أمريكا العالمية ? باعتبارها أمة منفردة من وجهة نظر المحافظين الجدد الذين يعتبرون أن الدور العالمي لأمريكا ليس فقط في تحقيق المصلحة القومية، كما يري الواقعيون، وإنما أيضا في تشر القيم اللبرالية الديمقراطية، وكتب بيتر رودمان عن التهديد الروسي وضرورة مواجهته، وكتب روس مونرو عن التهديد الصيني مشيرا إلي أن الصعود السريع للصين يمثل الخطر الأعظم علي المصالح الأمريكية، وأن الصراع بين أمريكا والصين قادم، كما حذر ريتشارد بيرل من أن صدام حسين يتهرب من القيود الدولية، وانه دون جهد مركز للإطاحة به وتغيير نظامه فأنه سيمتلك أسلحة الدمار الشامل ويغير من توازن القوي في الشرق الأوسط، كما حذر رويل جيريشت من أن النظام الإيراني قد لا يتحول بالضرورة إلي الاعتدال كما يفترض البعض، وحرض ابرامز ضد سوريا بدعوى وجودها العسكري في لبنان واستخدامها حزب الله واكراد تركيا، وكتب اليوت ابرامز عن إسرائيل واقترح أن تتجنب السياسة الأمريكية التفاؤل الكاذب أو الضغط علي إسرائيل لتحقيق سلام دائم، وانتهي الكتاب إلي أن أمن إسرائيل وتركيا والدول الحليفة لأمريكا في الشرق الأوسط سيظل مهددآ ما لم تتحول السياسة الأمريكية للتركيز علي تقوية الحلفاء وزيادة النفوذ الأمريكي في المنطقة.

لكل ذلك لا يسعنا ألا أن نشارك احمد دياب الكاتب بجريدة الأهرام في تأكيده علي أن الحرب قد تحولت إلي أيديولوجية رسمية ودائمة للدولة الأمريكية منذ نشأتها، فبالقوة والعنف تم الاستيلاء علي الأرض وإبادة سكانها الأصليين، وبالحرب حقق أول رئيس للدولة جورج واشنطن الاستقلال عن بريطانيا، وبالحرب أيضا حقق ابراهام لينكولن الوحدة بين الشمال والجنوب وصنع الدولة الأمريكية الحديثة. وقد كانت أمريكا طرفا في الحربين العالميتين، وفي فترة ما بين الحربين قاتلت من اجل السيطرة علي دول أمريكا اللاتينية، وفي فترة الحرب الباردة لم تتوقف عجلة الحرب الأمريكية فدخلت الحرب الكورية في بداية الخمسينيات، ودخلت في اكثر من سبعين نزاعا مسلحا، وتدخلت في الشأن الداخلي في اكثر من 100 دولة من دول العالم. والواقع أن مركزية الحرب في التاريخ الأمريكي تعود إلي ما يمكن أن يسمي أزمتي النشأة والتكوين.

بخصوص أزمة النشأة الثابت ان الولايات المتحدة لم تنشأ كوطن أو كدولة، وإنما نشأت كموطن وفضاء مفتوح لكل من يقدر علي عبور المحيط من الغامرين والمضطهدين والمنفيين، ومنذ البداية تحدد المطلوب في ضرورة إخلاء هذا الفضاء من أي عوائق أو دعاوى سابقة حول ملكيته، بصرف النظر عن أية حقوق تاريخية أو إنسانية أو أخلاقية، ولم يكن هناك سبيل إلي ذلك سوي القوة والعنف، لأن الأخلاق والقوانين لا تقنع أحدا بان يتخلى عن أرضه.

أما طبيعة أزمة التكوين فالثابت أيضا أن الولايات المتحدة لم تقم مثل غيرها من الدول أو الإمبراطوريات علي قاعدة شعب معين، أو أمة بذاتها، بل كانت نشأتها وظهورها اعتمادا علي عناصر مختلفة بل ومتناقضة عرقيا ودينيا ولغويا، وما تزال تعيش علي بقايا حالة الصراع الذي يصل إلي حد الكراهية المتبادلة في أحيان كثيرة، كما هو الشأن بين البيض والسود عموما وبين السود واليهود خصوصا، وتؤدي هذه الكراهية إلي ضعف نسيج المجتمع الأمريكي، ولذا تحرص الدولة علي أن تخلق لنفسها دائما عدوا خارجبا حتى يلتئم هذا النسيج ويتضامن ضد ذلك العدو الخارجي، وكانت أسبانيا طوال القرن التاسع عشر هي ذلك العدو، ثم اليابان وألمانيا في النصف الأول من القرن العشرين، ثم الاتحاد السوفيتي السابق في النصف الثاني من القرن العشرين، وحاليا ما تسميه الولايات المتحدة الإرهاب أو الأصولية الإسلامية.

ألا يعني كل ذلك أن أمريكا ما تزال بعد مجرد تجمع بشري لم يصل إلي تكوين مجتمع حقيقي، وأنها حتى الآن لم تحقق التوحد القومي ولم تصل إلي مرحلة النضج الحضاري، لعل ذلك يفسر سلوكها في إعلاء القوة والعنف كوسيلة أساسية في حل المشكلات مثلها في ذلك مثل المجتمعات البدائية قبل مرحلة تحضرها.

منقوووووووووووووووول

المصدر : لمحات تاريخية

#‏صلاح

أوروبا وأمريكا في النظام العالمي الجديد

في كتابه**? الجنة والقوة: أوروبا وأمريكا في العالم الجديد ?**ـ عرض وتعليق: عاطف الغمري ـ أهرام 14/4/2003 ـ يطرح المؤلف الأمريكي روبرت كاجان مجموعة تساؤلات مثل: لماذا تفجرت الأزمة الآن فجأة بين أوروبا والولايات المتحدة ؟ وهل هي أزمة اختلاف ثقافي ؟. أم أنه النتيجة المؤجلة لانتهاء عصر الحرب الباردة الذي كان فيه الأمن الجماعي، والخطر المشترك، يمتلكان طاقة احتواء أي تناقضات وسترها وراء جبهة الغرب الذي يجمع الجانبين حضاريا وسياسيا؟

لم تعد أمريكا وأوروبا تشاركان بعضهما البعض في ثقافة استراتيجية مشتركة، وأن من بين الأشياء التي تظهر بشكل واضح الانقسام بينهما، والذي يري البعض انه خلاف فلسفي وفكري حول موقف البشرية من الحد الفاصل بين قانون الغابة وقانون العقل. فالأمريكيون يؤيدون ? منطق الجزرة ? بنفس الدرجة التي يؤيدون بها ? منطق العصا ?.أما الأوروبيون فيؤيدون أسلوب العملية التي تأخذ مسارها وتستكمل حلقاتها فقد أضعفت حروب النصف الأول من القرن العشرين أوروبا بشكل كان يصعب إلغاء نتائجها، وهذه التجربة المفجعة دفعت أوروبا لنبذ القوة لمصلحة التئام علاقات القارة الأوروبية بحيث لا يمكن لأي دولة أوربية أن تهدد أي دولة أوروبية أخري، وبرغم بعض التوترات الموروثة التي كانت مصدر المحن التاريخية،والتي استطاعت أوروبا حلها مما وضعها في الموقف ضد الحروب بكل أشكالها، وأصبحت تنظر إلي نفسها علي أنها قد بلغت وضعا متميزا فيتطور العالم يبشر بسلام مستمر ودائم.

وهناك من يري أن الأزمة بين أوروبا وأمريكا مجرد سحابة عابرة في سماء العلاقات سرعان ما تنقشع ويصفو الجو، لأن ما يجمع الجانبين أقوي وأمتن مما يفرقهما. ولكن عندما نشبت أزمة العراق كان هناك موقف أخر، فبرزت حدة الخلافات وزادت من حرارة المرجل الساخن ووصلت به إلي درجة الغليان الذي جعل الغطاء ينزاح ليكشف عن أزمة مكبوتة، وأن الانفجار علي جانبي الأطلنطي كانت عناصره تتجمع منذ انتهاء الحرب الباردة، وزوال الاتحاد السوفيتي، ومنذ أن بدأ يتأكد أن أوروبا الموحدة مرشحة لتكون منافسا للولايات المتحدة أو علي الأقل مشاركا لها علي قمة القوي العظمي في العالم مع بداية القرن إلحادي والعشرين،وأن هذا التحرك الأوروبي في هذا الاتجاه ماض في مساره، إلي أن جاءت مجموعة المحافظون الجدد المعاونة للرئيس بوش لتحتل المواقع المؤثرة والمحركة للسياسة الأمريكية، وما بدأ يظهر لديها من توجهات تعترض هذا المسار الأوروبي ورفضه وذلك ببلورة موقف رسمي، وإعلان استراتيجية الأمن القومي الجديدة للولايات المتحدة، والتي كان في صدارتها مبدأ عدم السماح بظهور قوي منافسة للولايات المتحدة في العالم.

ثم أن النزعة الأمريكية للانفراد بالقرار فيما يخص العالم وقضايا الأمن والسلم الدوليين، حملت معها شواهد مثيرة لقلق أوروبا علي مصالحها وأمنها القومي، منها تهافت مفهوم التحالف، وبرز دور القوة كمحرك للسياسة الخارجية، والأهم من كل ذلك ظهور عنصر البترول متواريا وراء أهداف الحرب علي العراق، والسعي لوضع البترول بكل مصادره في إطار منظومة تخضع لسيطرة وإدارة الولايات المتحدة، وهو ما يؤثر علي مركز قوة أوروبا، باعتبار البترول وسيلة استراتيجية لرخائها وقوتها.

وهكذا يري البعض أن الخلاف الذي نشب أخيرا بين الولايات المتحدة وأوروبا، هو خلاف حضاري، والبعض يراه خلافا عقائديا، بين النظرة الأمريكية التجريدية التي تري أن العالم ملئ بالأشرار ولا يصلح معهم إلا قانون القوة، وبين النظرة الأوروبية التي تنظر للشر في العالم ليس كشيء مطلق أو مجرد، لكن النظرة التي تستوعبه في إطار الأسباب التي أوجدته والجذور التي انبتته والوسائل التي تساعد علي التخلص منه أو تقليصه، أو علي الأقل احتوائه، وهذه النظرة تتيح الفرصة للدبلوماسية وجهودها لتلعب دورها التقليدي، كما أن ولع الأمريكيين فيعصر حركة ? المحافظون الجدد ? بقانون القوة وهم يمدون يدأ بجزرة ويدا بالعصا فهم يميلون أكثر ناحية العصا.

وأخيرا يتساءل المؤلف: هل انتهي عصر اللافتة الواحدة للغرب؟ ليحل محله عصر تتباعد فيه الفجوة وتتسع وتصبح للغرب الأمريكي هويته التي تخصه، وتعكس قيمه وتوجهاته، وللغرب الأوروبي مفاهيمه التي تعبر عنه وعن اصوله التاريخية والحضارية ؟. والجواب ليس مسألة سهلة ففي أوقات التحولات التاريخية الكبري، تملك الأحداث خصيصة صنع التغييرات الجذرية والتحولات الدرأماتيكية.

مجازر إبادة السكان الأصليين

يمر العالم الآن بمرحلة من الاضطراب والفوضى بعد أن أصبحت كل مقومات الحياة الاقتصادية والسياسية والعسكرية بلا ضابط ولا رابط، واختلت موازين القوي، وانفلت الفعل ورد الفعل من نطاق المنطق والمعقولية، وانفردت القوة الغاشمة في فرض إرادتها أخذت تنشر الرعب القاتل في ربوع العالم مع التركيز علي منطقة العالم العربي والإسلامي.

وما يهمنا في ذلك سؤال هام. لماذا التركيز في استخدام أقصي درجات العنف في منطقة العالم العربي والإسلامي ؟ فمن المشاهد أن أمريكا تعاملت مع كوريا الشمالية بشكل مختلف ( وهي التي لا تخفي أنها تملك أسلحة نووية بل وتعمل بكل جدية علي تطوير أسلحتها وقوتها النووية ) وتجنبت أمريكا استخدام أساليب العنف في منطقة جنوب شرق أسيا والتي تتميز اغلب بلدانها بمستوي عال من التطور الاقتصادي، والتماسك الاجتماعي، والتحقق الحضاري والثقافي. بينما عملت علي استخدام القوة الغاشمة في أفغانستان، وها هي تعاود نفس الأمر في العراق، كما أطلقت أمريكا العنان لإسرائيل في التنكيل بالشعب والحكومة الفلسطينية.

والسؤال الأكثر أهمية هو: لماذا تخاذل العرب والمسلمون في مواجهة العنف الأمريكي ؟. ومن المنطقي أن الإجابة علي هذه الأسئلة تستوجب التعرف علي أوضاع طرفي المعادلة، العالم العربي والإسلامي كطرف متخاذل، والولايات المتحدة كطرف معتد، وذلك يستوجب تقصي الأسباب والعوامل التي أدت إلي ضعف وهوان العالم العربي والإسلامي من وجهات نظر متعددة باعتبار أن إمكانية الوصول إلي الإجابة قد تقودنا إلي تلمس طريقا للخروج من النفق المظلم.

الظاهرة الأمريكية

من المعروف أن تاريخ الولايات المتحدة بدأ في العقد الثالث من القرن السابع عشر، وفي الدراسة التي نشرها محمود الكردوسي بجريدة الأمة العدد 122 يقدم عرضا موجزا لهذا التاريخ، حيث كانت البداية بضع مئات من المهاجرين المغامرين الإنجليز اقتحموا المحيط الأطلنطي، حيث أقاموا مستعمراتهم الأولي في نيوانجلند، وكانوا من البروتستانت التطهريين، وقد شبهوا أنفسهم بالعبرانييين القدماء الذين فروا من ظلم فرعون إلي أرض الميعاد، وبذلك كانت أمريكا بالنسبة لهم تمثل أورشليم الجديدة، وكانت مرجعيتهم بالطبع هي التوراة، وتحفل أدبيات مرحلة التأسيس بالكثير من القناعات الراسخة التي تنتمي صراحة إلي ما يمكن تسميته الفهم الإنجليزي التطبيقي لفكرة إسرائيل التاريخية، مثل الاعتقاد بأن أمريكا أمة مختارة من قبل الله وأنها لهذا السبب منوطة برسالة سماوية قدر لها بموجبها أن تلعب دور المخلص، وهكذا أعطي الأمريكيون لأنفسهم منذ نشوئهم حق تقرير مصير غيرهم من الأمم والشعوب.

لقد كانت قصة هؤلاء المغامرين بمثابة الأصل الأسطوري لكل التاريخ الأمريكي ومركزيته الأنجلوسكسونية العنصرية، وعقب الاندفاعة الدينية بدءوا يزحفون من الساحل الشرقي إلي الغرب حيث الأراضي الشاسعة والغابات والمعادن، وخلال هذه الاندفاعية ارتكب الأمريكيون سلسلة من المذابح الجماعية الرهيبة ضد السكان الأصليين، استخدموا فبها كافة وسائل الترهيب، بما في ذلك سلخ الرؤوس والأسلحة الجرثومية، واستندوا إلي الإرث الميتافيزيقي حيث كانوا علي قناعة بأن الله فضلهم علي العالمين وأعطاهم تفويضا بقتل الآخر، وهم في ذلك أكثر يهودية من اليهود.

كان السكان الأصليين ـ الذين سماهم الأمريكيين الهنود الحمر ـ أكثر من 400 شعب وأمه وقبيلة، يشكلون حضارة رفيعة المستوي، ولهم ثقافاتهم وأساطيرهم ودياناتهم وأدبهم الشفاهي، فضلا عن إنجازاتهم في مجالات الطب والسياسة وغيرها، لكنهم في نظر البيض الأنجلوسكسونيين البروتستانت، لم يكونوا سوي وثننيون صم عن المشيئة الإلهية، يعيشون وفق قانون الطبيعة، ويشاركون في جوهر فاسد ومناوئون للحضارة، ويسكنون أرض يسودها الشيطان، لذلك ليس من الغرابة أن يصف الرئيس روزوفلت المذابح التي قام بها الجنود الأمريكيون بأنها ? كانت عملا أخلاقيا ومفيدا لأن إبادة الأعراق المنحطة حتمية لا مفر منها ?.

هذه الجرائم هي العقد الذي ينتظم كل تاريخ أمريكا وسبب وجودها، وتكرار هذه الصورة في كل بقعة غزاها الأمريكيون، ففي أربعينيات القرن التاسع عشر نشر صحفي يدعي جون ل أوسوليفان مقالة بعنوان ? التملك الحق ? بلور فيها ما وصف بعد ذلك بأنه ? امبربالية أمريكا العدوانية ? حيث أطلق لأول مرة مصطلح ? القدر المتجلي أو المبين ? الذي سرعان ما تحول إلي عقدة سياسية مفادها أن العالم كله مجاهل، وأن قدر أمريكا الذي لا ينازعها فيه أحد أن تتملك منه ما تشاء لأن هذا حقها الطبيعي، ومن أبرز تبريرات هذه العقيدة ما يسمي بنظرية الجغرافية الحيوية التي تزعم أن الحيز الجغرافي للدولة المتفوقة كأثر حي ينمو باستمرار وعلي هذا الأساس لا تعترف الولايات المتحدة ـ مثل إسرائيل ـ بحدود جغرافية لها وتلتقي في ذلك مع ألمانيا النازية التي كانت تستند في تقديرها لمجالها الحيوي إلي عقيدة الاختيار الإلهي والتفوق العرقي الذي يحلها من أي التزام أخلاقي أو إنساني تجاه الآخر.

ويربط المؤرخون بين هذا القدر المتجلي، وسعار التوسع الذي أصاب أمريكا، حيث أن قدرها يحتم عليها أن تدافع عن الحضارة وعن طريقة الحياة الأمريكية ضد همجية سكان المجاهل المتوحشين أو الإرهابيين، وفقا لخطاب النظام العالمي الجديد. ما جري علي السكان الأصليين مازال يجري علي غيرهم من الشعوب، ففي اليابان وفيتنام ارتكب الجنود الأمريكيين جرائم يندي لها الجبين، وفي عام 1991 كانت الطائرات الأمريكية تطلق النار علي طوابير العراقيين المنسحبين من الكويت، وقال أحد الطيارين ? لقد تسلينا، كان قتلهم أشبه بصيد السمك من البراميل ?كانت الفرقة 77 الجوية قد وزعت كتاب أناشيد تصف ما ستفعله في حرب الخليج،

وتنذر العراقي هذا المتوحش القميء، بأن يستعد للإبادة، فيما ينتهي أحد الأناشيد بعبارة ? الله يخلق، أما نحن فنحرق الجثث."

النتائج العملية لهذه الإستراتيجية

صراع طويل الأمد وشامل، يصعب ضبطه أو حصره، ومن العسير انهاؤه، وهو صراع شديد الدموية، ليس فقط بين الأطراف المتقاتلة، ولأن ساحات القتال ليست ساحات خارجية منعزلة، وإنما هي داخل المدن وتجمعات السكان، فإننا سنشهد سقوط عدد كبير من القتلى المدنيين، وخصوصا من الأطفال والنساء، كما سنشهد مزيدا من التدمير في البنية التحتية لهذه البلدان، وفي هذا الوضع فإن حركة النزوح السكاني ستتطور بسرعة، وسنشهد تدفق لاجئين حدود له، وستجر بلداننا ودولنا إلى مرحلة من الانهيار الاقتصادي والفقر العام.

وسيكون للصراع الطائفي الكثير من المظاهر، وخصوصا بين السنة والشيعة، وستقع انقسامات اجتماعية ودينية لا حدود لها، خصوصا وأن النظم الطائفية في المنطقة تعتبر نفسها مجندة في هذا الصراع، وحتى النظام السوري الذي تتحفظ الولايات المتحدة على مشاركته مراعاة لحلفائها “السنة” يلح ويكاد يتوسل للمشاركة في هذه المعركة تحت لواء الولايات المتحدة، وكذلك إيران.

وبالتالي ستزداد النقمة على النظم القائمة في المنطقة، وعلى الولايات المتحدة، وعلى الغرب عموما، مما يعني أن روح الصراع ستتأصل أكثر، وسيتحقق ما قال به ودعا إليه قادة اليمين الأمريكي المتصهين مبكرا من صراع الحضارات، وسيبرز الإسلام أكثر فأكثر باعتباره عدو الغرب رقم واحد، أو لنقل بشكل أكثر دقة سيظهر بشكل أكثر وضوحا وحسما أن النظام الغربي هو عدو الإسلام رقم واحد.

ومن حقنا أن نعتبر هذه النتائج العملية للإستراتيجية الأمريكية هي الهدف الأول أو الرئيس غير المعلن لها، أي أنها ليست نتائج تظهر بحكم تفاعلات الصراع، وإنما هي استهداف أصيل وواع له.

إستراتيجية دولة الخلافة الإسلامية

هذه الإستراتيجية الأمريكية التي ستضبط حركة الولايات المتحدة وتحركها على مدى زمني قد يمتد لعشر سنوات على الأقل هي بطبيعتها ومكوناتها إستراتيجية معقدة، متعددة المستويات، والساحات، والأسلحة، وتحتاج منها إلى متابعة وضبط وتنازلات بما يضمن لها استمرار التقدم في تطبيقها.

وهي أيضا إستراتيجية مكلفة بغض النظر عن الجهة التي يمكن أن تتحمل هذه التكلفة، وأخيرا هي إستراتيجية خطرة لأنه ما من شيء يضمن أن تبقى القوى العسكرية الأمريكية خارج أرض المعركة، كما أنه ما من شيء يضمن أن تبقى الأرض الأمريكية خارج أرض المعركة.

ومقابل هذه الإستراتيجية تبدو أمامنا إستراتيجية دولة الخلافة الإسلامية إستراتيجية هجوم: بسيطة، مرنة، شاملة، وغير مكلفة أو محدودة، وكثير من عناصرهذه الإستراتيجية تستند وتتغذى من عناصر الإستراتيجية الأمريكية والفرص التي تتيحها.

1ـ إذ رغم إعلان قيام “دولة الخلافة الإسلامية”، واعتبار الرقة والموصل مركزيها الأساسيين، فإن جغرافية هذه الدولة مرنة جدا، والحديث عن ارتباطها بأرض معينة أو مدينة معينة، حديث فيه مبالغة، ويحتاج إلى ضبط.

العراق وسوريا موقع التحرك الرئيس لهذه الدولة، لكن قد نراها وهي تعلن عن مركز لها في سيناء، أو في صحراء الجزائر، أو في اليمن، أو حتى في نيجيريا أو أفغانستان.

القضية جغرافياً مفتوحة، وكما أن ارتباطها بالمكان ارتباط نسبي، كذلك ارتباطها بقيادة محددة ارتباط ظرفي، إذ يعلم القائمون على هذه “الدولة / التنظيم” أن رأس خليفتهم مطلوب للإدارة الأمريكية، كما كان رأس الشيخ أسامة بن لادن مطلوبا، وأن تحقيق هذا الهدف قضية مهمة لإدارة أوباما، وقد يستطيع الوصول إليه وتحقيقه في أي وقت، لذلك فإن لدى هذه الدولة القدرة على توفير خليفة جديد في كل مرة يتم الاحتياج إلى ذلك.

إن التحرك من مكان إلى آخر، وتوفير قائد بديل المرة تلو الأخرى، يجعل رمزية المكان والقيادة وإن كانت رمزية حيوية لكنها تحت السيطرة دائما؛

2ـ وتقوم هذه الإستراتيجية على استجرار الولايات المتحدة إلى إرسال قواتها البرية إلى ساحة المعركة، وعدم الاكتفاء بإرسال مستشارين وخبراء يعملون في الصفوف الخلفية.

إن جر الولايات المتحدة إلى أرض المعركة هدف رئيس سوف تسعى إليه دولة الخلافة بكل السبل، وهي على يقين أن دخول الحرب شيء، والقدرة على تحديد آفاقها وتطوراتها شيء آخر، لا يتحكم في ذلك سير المعارك فقط، وإنما أيضا صراعات القوى والأحزاب داخل هذه الدول، وهي صراعات من شأنها أن تغير تكتيكات الصراع، وكذلك إستراتيجياته.

وهنا فإن فشل الإدارة الأمريكية في تحقيق أهدافها من هذه الحرب خلال العامين المقبلين من شأنه أن يوفر فرصة لليمين في الولايات المتحدة وفي أوروبا لكي يصعد ثانية ويتسلم السلطة، وهو بطبيعته أكثر اندفاعا للحرب، وأكثر استهتارا بالدم وقدرة على المغامرة فيه.

وسيكون من أساليب هذا الاستجرار أخذ الرهائن، وإظهار مزيد من العنف في قتلهم، والقيام بعمليات تصفية ومذابح ضد كل الأعداء: أعداء الداخل والخارج، وضد الأقليات، وضد الأكثرية، وضد كل من يخالفهم الرأي، ونقل عمليات القتل والخطف والتفجير الى داخل المجتمعات الغربية، بما يخلق حالة من الهلع لدى واشنطن وحلفائها تولد اقتناعا بأن إستراتيجيتها بإبقاء قواتها البرية خارج منطقة الصراع غير مجدية، وغير قابلة للاستمرار؛

3ـ وتقوم فلسفة هذه الدولة على مبدأ الهجوم، وعلى اعتبار ساحة الصراع هو العالم كله، وعلى اعتبار أن هذه معركة صفرية، لا تفسح مجالا للقاء في منتصف الطريق مع أي كان، ولا تتيح فرصة لمثل ذلك، لذلك فهي تعمل ومنذ اللحظة الأولى على الزج بكل القوى المؤيدة لدولة الخلافة في أتون هذه المعركة.

ولذلك رأينا التوجيه الصادر من قيادة هذا الدولة إلى كل أنصارها في العالم ـ عقب بدء الضربات الجوية ـ ، أن يهاجموا في كل مكان، وأن يهاجموا أيا كان، المدنيون والعسكريون سواء في الاستهداف، المقاتلون والمسالمون، وكذلك الرجال والنساء، وأن يهاجموا دون انتظار أوامر أو تعليمات، ودون التدقيق في تبريرات أو تكييفات فقهية، فكل هذه الأهداف سواء، لها الحكم نفسه، ويقع عليها الوزر نفسه، وقاعدتهم في ذلك “اقتلوهم حيث ثقفتموهم … وشرد بهم من خلفهم”.

إن هذا الخط الإستراتيجي لا يعني أننا أمام قيادة لا تفهم التكتيك، ولا تعمل على التفريق بين قوى تحالف الأعداء، لكن ذلك حين يتم ـ وقد رأينا بعض مظاهره ـ إنما يكون في إطار مرحلي فحسب، وهو مفهوم من قبل الآخرين، لذلك فإن نجاحه على المدى المنظور مشكوك فيه؛

4ـ وفي عمق الإستراتيجية التي تتبناها دولة الخلافة تدمير الدول القائمة وهيئاتها وأجهزتها وأنظمتها، ومؤسساتها الدولية والاقليمية، باعتبار كل ذلك من أعمدة الكفر المادية والمعنوية، يستوي في ذلك نظم بلداننا، أو النظم الغربية، ويستوي في ذلك مؤسساتنا الإقليمية والقومية، والمؤسسات الدولية.

واستنادا الى هذا الخط الإستراتيجي فإن دولة الخلافة تستبيح كل ما اختزنته وراكمته هذه النظم من معلومات وأموال وبنى قضائية وتعليمية وأمنية وعسكرية، وتعتبر الاستيلاء عليها أولا أو تدميرها واحدة من مهمام الجهاد التي تتطلع إلى إنجازه.

إنها لا تريد أن تصلح القضاء أو التعليم أو الجيش أو النظم المالية والمصرفية، أو النظام العقاري، أو جامعة الدول العربية … أو غير ذلك ، إنها تريد أن تدمر كل ذلك، لأنه جميعا يقع تحت طائلة حكم شرعي واحد.

إن هذا يسهل عملية الاستيلاء على البنوك، وعلى العقارات، وعلى الأموال العامة، ويقدم التفسير لذلك، المسألة هنا لا تأتي تلبية لحاجة الدولة / التنظيم إلى المال، ـ رغم وجود هذه الحاجة ـ، ولا لأن هذه النظم نخرها الفساد ـ وهي بالتأكيد كذلك ـ ، وإنما لأن الشرعية لا تتوفر في أصل وجودها.

ولأن الصراع هنا بين كفر وإيمان فإن استحلال مال الآخر واعتباره جزءا من غنيمة الحرب يصبح أمرا مشروعا بل ومطلوبا، وهذا يوفر أقوى غطاء أخلاقي لمثل هذه العمليات لأنه غطاء يتدثر بالشرع؛

4ـ وفي إستراتيجية الصراع فإن الإدارة الأمريكية حريصة على أن لا تستجر إلى إرسال قوات برية إلى منطقة الصراع، وهي تشعر أن في ذلك مقتلا لها، قد يفوق بكثير ما خبرته وأصيبت به في أفغانستان، أو في العراق بعد ذلك.

إنها حريصة على الاكتفاء قدر الإمكان بدور قيادة الصراع وإدارته والمشاركة فيه اعتمادا على القدرة العسكرية والتكنولوجية الضاربة التي تتمتع بها، وذلك من خلال القصف بالطائرات، وبالصواريخ الموجهة عن بعد، وبالطائرات بدون طيار، وهذا يعني أيضا تكثيف دور الاستخبارات والعملاء على الأرض، وتكثيف الترابط الأمني بين الولايات المتحدة ودول المنطقة.

إنها تريد من دول المنطقة أن ترسل قواتها البرية لتقاتل في أرض الصراع، وكذلك أن تقوم قوات المعارضة السورية، والقوات العراقية وقوات البيشمركة بهذا القتال، الذي من شأنه لا أن يمنع سقوط قتلى من القوات الأمريكية فحسب ـ وهذا هدف أمريكي جوهري ـ ، وإنما أيضا من شأنه أن يعمق الشرخ والتناقضات داخل جسد هذه المجتمعات وبين مكوناتها المختلفة، ويبني احقادا إضافية بين هذه المكونات، تعيق أي فرصة محتملة لاعادة اللحمة بينها، إن قرار الكونغرس بتوفير خمسمائة مليون دولار للملف السوري، والحديث عن تدريب خمسة الاف مقاتل معارض يأتي كله في هذا المجال المحسوب بعناية، والمضبوط بدقة.

إن الاكتفاء بالضربات عن بعد يسمح للولايات المتحدة وبشكل أكثر كفاءة أن تتحكم بمجريات الصراع، شدة وضعفا، قتالا وتفاوضا، فما دامت قوات الولايات المتحدة ليست على الأرض فإن عناصر الضغط المتولدة عن حركة قوى الصراع تكون أكثر بعدا عنها، وتكون أخف وطأة عليها.

وإضافة إلى إدارة الصراع والمشاركة المحسوبة فيه، فإن واشنطن حريصة على ضبط الصراع حتى لا يتجاوز في أي مرحلة الحدود التي تريدها، لذلك هي لن تسلح المعارضة السورية إلا بالقدر الذي تراه مناسبا لأهدافها، ولذلك أيضا فإنها تقنن بشكل ملفت للنظر تسليح القوات العراقية، بينما يتدفق التسليح على قوات البيشمركة الكردية؛

5ـ العمل على تحميل الدول العربية المشاركة في هذا الصراع تكاليف الصراع سواء كان بشكل مباشر، أو بشكل غير مباشر.

وهذا يعني تحميلها تكاليف قواتها المشاركة، وتكاليف إعادة التسليح، وتكاليف الدعم المادي المباشر للعمليات الحربية التي تقوم بها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون، وتكاليف مختلف أشكال العمل المشترك تحت ذريعة أن في هذه الحرب دعم وحماية مباشرة لهذه النظم، وكذلك تكاليف الأنظمة الأمنية المكثفة التي على هذه النظم الأخذ بها دفعا لردود الفعل التي قد تستهدفها من جهات داخلية وخارجية عديدة، وبحيث لا تتحمل الميزانية الأمريكية ما لا تستطيع ولا تريد تحمله، أي أن على دول المنطقة أن تفتح خزائنها للولايات المتحدة وشركاتها، وهو ما يعني استنزافا مباشرا طويل الأمد للثروة الوطنية في مختلف هذه البلدان؛

6ـ تشديد إجراءات الرقابة والمتابعة والرصد لكل المسلمين في الغرب، ولثرواتهم، ومؤسساتهم واعتبارهم جميعا وخصوصا الشباب من الجنسين، مشبوهين، ومشاريع إرهابيين.

والطلب من الدول الغربية تشديد إجراءاتها لمنع تدفق مسلمي هذه الدول للقتال الى جانب تنظيم الدولة الإسلامية، إلى جانب الالتزام الصارم في إجراءات مراقبة حركة التحويلات وانتقال الأموال، وقد اتخذت هذه الدول خلال السنوات القليلة الماضية إجراءات عديدة في هذا الشأن، منها تشديد الرقابة على حركة الشاب المسلم، ومراقبة مراكز العبادة والجمعيات الإسلامية، مراقبة التحول في أزياء شباب وشابات المسلمين، وبناء روابط من الجيل الأكبر سنا من المسلمين لتحويلهم إلى مرشدين وأدلاء للسلطات لمنع أبنائهم من الالتحاق بمراكز الصراع، وضع كل عائد من مناطق الصراع على قائمة المشبوهين، ومراقبة مواقع التواصل الاجتماعي، اللجوء إلى إجراء سحب الجنسية، واعتبار هذا الإجراء بمثابة السيف المسلط على رقاب جميع الشباب المسلم في المتمعات الغربية يستوي في ذلك من كان من المهاجرين أو من الأوروبيين الأصليين، … الخ؛

7ـ تعميم شعار “مكافحة الإرهاب” وجعله الهدف الجامع لحركة المجتمع الدولي ومؤسساته، ولحركة دول المنطقة.

وجعل هذا الشعار هو “الشعار الأول” في كل تحرك دولي ولكل المؤسسات الإقليمية والدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، وحلف الناتو، والتجمعات القارية المختلفة، وأن تكون محاربة الإرهاب بندا ثابتا في مختلف الاتفاقات الأمنية الثنائية ومتعددة الأطراف، كل ذلك في ظل غياب حقيقي لتحديد دولي متفق عليه لمعنى الإرهاب، ولأن الولايات المتحدة هي صاحب التأثير الأول في صوغ هذا الهدف فإنه سيغيب نهائيا كل شعار أو هدف تراه واشنطن يتعارض مع مفهوم محاربة الإرهاب.

**وبالنسبة لنا نحن العرب، فإن هذا المسعى الأمريكي يصيبنا بمقتل في قضيتين رئيسيتين:

الأولى:**

أنه ينحي جانبا قضية العرب الأولى وهي فلسطين، التي لم تستطع كل التغيرات التي تمت في المنطقة ابتداء من اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة وما تبعها أن يغير من مكانتها ـ على الأقل المعلنة ـ في أجندة العرب شعوبا ودولا، روحا وفكرا وضميرا.

ووفق مستلزمات هذا الشعار “مكافحة الإرهاب”، لا يعود لقضية فلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني الأولوية في تفكير وعمل وتطلع هذه الأمة؛

الثانية:

أن من شأن هذه الإستراتيجية أن تضع منظمات المقاومة في خانة المنظمات الإرهابية، والحديث هنا بالتحديد عن حماس والجهاد الإسلامي، ومختلف المنظمات الجهادية في فلسطين عموما وفي غزة، وبالتالي تحولها إلى عدو على العالم بمختلف نظمه وتشكيلاته أن يواجهها، ويحاصرها، ويفكك ويجرم تحالفاتها، ويحرم دعمها، ويعمل على اجتثاثها.

والقضية هنا لا تخص الموقف الأمريكي إذ أن هذا الموقف من قوى المقاومة كان دائما موقف الإدارة الأمريكية، وإنما تخص جعله موقفا عاما ملزما لكل الدول والمؤسسات ومن ضمنها بل في مقدمتها النظم العربية ومؤسساتها.

وهذا أقصى ما كان يتطلع إليه الكيان الصهيوني، ويحقق له مصالح لم تحققها كل الحروب والاعتداءات التي قام بها حتى الآن، كما لم تحققها بهذا الشكل كل اتفاق التسوية التي عقدها مع هذا النظام العربي أو ذاك.

استراتيجية الصراع: الصورة من الجانب الأمريكي

تقوم إستراتيجية الولايات المتحدة وبالتالي النظام الدولي في مواجهة دولة الخلافة الإسلامية على عناصر محددة باتت اليوم أكثر وضوحا:

1ـ أن هدف هذا الصراع ـ إن صدقوا ـ هو إنهاء وجود دولة الخلافة الإسلامية، والقاعدة وكل التنظيمات التي تعتبر رديفة لهذه الدولة والتي رسمنا بعض أفقها ونحن نتحدث عن الجغرافيا البشرية لدولة الخلافة.

وقولنا إن صدقوا مبني على التجربة التي تؤكد أن قادة الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة لا يتورعون عن الكذب على شعوبهم وعلى العالم تحقيقا لمصالهم ومطامح القوى والشركات التي يمثلونها.

ولا يغيب عن ذاكرتنا ووعينا هنا كيف أن الدول الثلاثة التي تصدرت تبرير غزو العراق وقيادة عملية الغزو، وهي الولايات المتحدة، وبريطانيا، وأستراليا، كانت تكذب في ادعاء أن نظام الرئيس الراحل صدام حسين كان يصنع أسلحة دمار شامل، ـ وهو ما اعتبر سببا مشروعا للغزو ـ وقد اعترف بهذه الكذبة الكبرى وزير خارجية الولايات المتحدة حينها كولن باول الذي تولى خداع العالم حينما عرض في مجلس الأمن الدولى صورا زعم أنها لمختبرات تصنيع أسلحة الدمار الشامل في العراق، واستقال الرجل من منصبه بعد قليل من غزو العراق، وعبر عن أسفه لمشاركته في هذه الخديعة، وبعد سنوات اعترف بهذه الخديعة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، وقبل أيام عبر جون هاوارد رئيس الوزراء الأسترالي آنذاك عن حرجه من تأكد أن المعلومات التي قدمتها المخابرات المركزية الأمريكية عن احتمال امتلاك صدام لأسلحة نووية كانت ملفقة.

نحن نستحضر هذه الواقعة هنا ليس فقط لأنها نموذج عن الكذب الذي يمارسه قادة الدول الكبرى وأجهزتها على العالم كله تحقيقيا لمصالح محددة، وإنما أيضا لأنه كان من نتائج جريمة احتلال العراق وتدمير هذا البلد العربي التسارع الكبير في ولادة هذا النوع من التنظيمات الإسلامية القائم على مفهوم مواجهة الآخر مواجهة صفرية: إما نحن أو هم. وبأساليب مواجهة صفرية: لا توفر أي سلاح، ولا تقيم وزنا لأي شيء ولا لأي قيمة، إلا تحقيق النصر أو تحقيق هزيمة العدو.

وقد يتساءل البعض: إذا ما هي الأهداف الأخرى التي يمكن أن تكون الاستهداف الحقيقي لهذا الصراع؟!، وهنا التوقع يبدو مفتوحا، لكن ما يضبطه، ويحدد ملامحه، سيتوضح لنا من خلال رصدنا النتائج شبه المؤكدة لهذه الحرب والتي سنأتي عليه لاحقا؛

2 ـ أن أمد الصراع طويل، يمتد في التقدير الأولي إلى ثلاث سنوات. وإذا أخذنا خبرة الماضي في الحسبان، حيث أن واشنطن ـ وتحالفها الأطلسي الدولي والدولي"ايساف"ـ حينما ذهبت إلى أفغانستان لم يكن تقديرها المعلن أن تستمر في حربها عشر سنوات، وبذلك فإن ما هو مؤكدا أن أمد الصراع أمد طويل أما التحديد الزمني فهذا مفتوح.

وإذا كانت واشنطن قد خبرت نتائج الصراع طويل الأمد: التكلفة المادية، الخسائر بالأرواح، خسائر الإعاقة والأمراض النفسية، الآثار الاقتصادية والسياسية، والبعد الفكري والروحي، فإنها في هذا الصراع باتت تريد غطاء من دول الإقليم، ومن الحلفاء الغربيين، بل ومن دول العالم الكبرى كلها، ومنها بالطبع روسيا والصين، باعتبار أن " جرثومة الإرهاب الإسلامي" تضرب في هذين البلدين وتهدد أمنهما واستقرارهما.

إن أهمية هذا الغطاء تزداد كلما طال أمد هذا الصراع ـ وهو طويل ـ، لذلك لم يكن غريبا أن يعتبر الرئيس الأمريكي باراك أوباما في أول كلمة له بعد القيام بأول ضربة لمواقع هذه الدولة في سوريا أن مشاركة دول عربية في هذا التحالف يؤكد أن هذه ليست حربا أمريكية.

ومهم هنا أن نستذكر أنه منذ سقوط وتحلل الاتحاد السوفييتي، وانتهاء حقبة الحرب الباردة، تصاعد الحديث عن ضرورة وجود عدو على المستوى العالمي تجتمع على مواجهته منظومة حلف شمال الأطلسي، ودول العالم الأخرى، وتكون مواجهته بمثابة العِقد الذي ينتظم فيه شأن العالم.

وقد برز لدى قادة الرأي والفكر في النظام الغربي الإسلامُ باعتباره العدو العالمي الجديد، ويرصد المفكر الدكتور محمد عابد الجابري هذا التوجه بدءا من “باري بوزان Barry Buzan” أستاذ الدراسات الدولية في جامعة وورويك الذي كان من الأوائل الذين طرحوا فكرة الصدام “الحضاري” مع الإسلام، وذلك في مقال نشره في يوليو عام 1991 بعنوان “السياسة الواقعية في العالم الجديد: أنماط جديدة للأمن العالمي في القرن الواحد والعشرين”. والذي خلص فيه إلى القول بأن الصدام الحضاري سيكون في القرن الواحد والعشرين بين الغرب والإسلام، مرجعا ذلك إلى عوامل عدة ثقافية وتاريخية ونفسية وكذلك جغرافية تتصل بالهجرة إلى الغرب، يقول الكاتب: “فإذا اجتمع خطر الهجرة وخطر تصادم الثقافات أصبح من السهل وضع تصور لنوع من الحرب الباردة الاجتماعية بين المركز وجزء من الأطراف على الأقل، ولا سيما بين الغرب والإسلام”. ثم يضيف “الحضارة الهندية” كوجهة صراع أخرى، الأطروحة نفسها بشأن صراع الحضارات وبتعديل يخص الهند تبناها صمويل هنتغتون وزميله برنار لويس قطبي مفكري “المحافظين الجدد” الذين بدأت ملامحهم وآثارهم تظهر في مراكز الأبحاث وفي طاقم الادارة الأمريكية منذ زمن الرئيس رونالد ريغان، (محمد عابد الجابري: الإسلام هو “العدو الأول للإمبراطورية الأمريكية”؟! كيف ولماذا)

ثم تناقل قادة الغرب هذه الرؤى وهم يتحدثون عن مستقبل الصراع، وصاغت الإدارة الأمريكية بشكل مبكر واستنادا إلى هذه الأفكار رؤيتها للشرق الأوسط الجديد، القائم على تفكيك الدول القائمة، وإعادة تركيب المنطقة على أساس طائفي وعرقي وقبلي ومناطقي، ـ وكل أشكال وصيغ التقسيم ـ بحيث تفقد دول هذه المنطقة تماسكها الداخلي، ووحدتها الوطنية، وتصبح رهينة القوى الخارجية التي وفرت لهذه الجماعات المتفتته وجودها ومصالحها، وقد طبق هذا الأمر أول ما طبق في العراق عقب احتلاله؛

3ـ وفي إستراتيجية هذا الصراع فإن من المهم جدا الالتزام بالهدف المرجو تحقيقه وعدم السماح بإضاعة الوقت والجهد في أهداف جانبية، أو لمراعاة حساسيات أو احتياجات غير أساسية.

ومن هنا فإن الادارة الأمريكية كانت واضحة وهي تبدأ مرحلة الحرب والقتال أن على جميع الحلفاء المحليين أن يعلنوا بوضوح ودون أي حذر مشاركتهم في كل الأعمال القتالية منذ اللحظة الأولى، وليس مهما هنا حجم المشاركة ولا نوعيتها، فكل مشاركة بالقياس الى قوة المشاركة الأمريكية لا تعني الكثير، إذ الأهمية هنا لا تعطي للمشاركة نفسها وإنما تعطي لمبدأ إعلان المشاركة.

كذلك فإن مكانة الملف السوري في هذه الحرب واضحة لا يُقبل فيه أي وهم أو ادعاء أو توقعات غير حقيقية، وقد قالت الإدارة الأمريكية بوضوح إنها لا تسعى إلى تغيير النظام السوري بالقوة، ولن تعطي المعارضة المسلحة القوة الكافية لتحقيق ذلك، وأن تطلعها في أن تدفع التطورات الميدانية على الأرض نظام الأسد إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، والقبول بمرحلة انتقالية تسمح بالانتقال إلى نظام جديد أهم ما يتوفر فيه أنه “حام للأقليات” وينال قبول المعارضة، ويتلاءم مع البيئة الإقليمية الجديدة، أي أن بقاء أو رحيل الرئيس السوري بشار الأسد ليس هو الموضوع على طاولة البحث.

والأمر بشأن النظام الحامي للأقليات لا يقتصر على النظام السوري المرتقب، وإنما هو واحد من أسس التفكير الأمريكي للمنطقة كما سبق أن اشرنا، لذلك فإنها حريصة وهي تدير هذه الحرب على أن تضمن وجود هذا النظام في العراق، وهي في هذا البلد تريد أن توفر للسنة “من المنظور الطائفي” دورا ومصالح ووجودا في النظام العراقي يشجعهم على الارتباط بالولايات المتحدة ارتباط مصير، كما ارتبط النظام الكردي في شمال العراق بالسيد الأمريكي.

أي أن وجود نظام وطني في سوريا أو في العراق أو في اليمن أو في ليبيا أو … الخ، نظام قائم على مبدأ المواطنة، يجعل حكومته وأجهزة مجتمعه مسؤولة عن المواطنين كل المواطنين بشكل متساو، ومسؤولة أمام المواطنين كل المواطنين وفق قواعد العمل الديموقراطي، ليس هدفا للولايات المتحدة، فالمواطنة متعارضة تعارضا جوهريا مع مفهوم الأغلبية والأقلية، أي مع المفهوم الذي يبني المجتمع وسلطاته على أساس طائفي أو عرقي. والإدارة الأمريكية في هذا تطبق تماما المقولة التي خلص إليها هينتغتون بشكل مبكر 1993 والتي تقول: إن إقامة نظم ديموقراطية حقيقية في" الشرق الأوسط" ليس من مصلحة الولايات المتحدة، بل إن من شأن ذلك تعزيز القوى السياسية المناهضة للغرب؛

** الموضوع ألرابع
ماذا يعني صعود أو سقوط أمريكا للعالم؟!

بقلم: يوسف الكويليت
كثيرون تنبأوا بسقوط أمريكا أسوة بالأمبراطوريات التي سبقتها، وهي الحتمية التاريخية التي يراها كثيرون أن مؤشراتها بدأت مع الدولة العظمى بمضاعفات الإنفاق العسكري والتي بموجبه وفي سباق حرب النجوم انتهى الاتحاد السوفيتي، وأن الديون الراهنة وعجزها عن تسديد فوائدها، وهجرة الشركات الكبرى إلى الخارج والتي هي عماد الاقتصاد وفرض الضرائب التي تسير عجلة الدولة، بدأت تأخذ واقعاً أكثر ضغطاً على المؤسسات الحكومية، وأن نبوءات المفكر«بول كندي» بكتابه «صعود وسقوط الأمم» وضع اقتصاد أمريكا أمام تحديات البقاء بالقمة أو النزول عنها، وكما قيل دائماً إن توليفة المجتمع الأمريكي من أجناس وأرومات وأديان مختلفة وحدهم رفاه الثروة، فكانت دولة وحدة الدولار وليس المجتمع..
فالولايات الأكثر غنى رغم الرابط بينها بحكومة فدرالية تجعل تلك الولايات حرة ومستقلة بنظمها وتشريعاتها الداخلية، بدأ بعضها يعلنها مجلجلة أنها ليست بيت المال المفتوح لغيرها على حساب رفاهها، وصارت الدعوة للاستقلال الكلي نغمة تتكرر مثل فدراليات أسبانيا بدعوات الباسك والكتلان وغيرهما التحرر من المركز الأدنى دخلاً، وكذلك دول أوروبية أصبح هاجس الرابط العرقي والقومي رغم التشريعات والحريات، ليست الروابط الأقوى في تلك الوحدات، وأمريكا التي بدأ الزحف اللاتيني من المكسيك ودول الشمال الأخرى يأخذ حجماً أعطى إنذاراً بالخلل السكاني لتصبح اللغة الأسبانية الثانية بعد الإنجليزية، وانخفاض نسبة المواليد بين البيض، وارتفاعها عند اللاتين والأفارقة الأمريكيين صار يشكل هاجساً حقيقياً ليس عند النخب فقط، وإنما الطبقات الوسطى التي طالما كانت مركز القوة كطاقات عمل تقود التطور الأمريكي..
إذا كانت العوامل الداخلية المذكورة سبباً في التحول الأمريكي من القوة العظمى المنفردة إلى الثانية في التصنيفات القادمة مع الصين، والاتحاد الأوروبي والهند، فإن التحديات الأكبر أن تفقد أمريكا مركزها، وهنا يأتي رد فعل معاكس يرى أن تدهور اقتصادها سيجر معه اقتصاديات العالم الأخرى بما فيها تلك الدول التي تزاحمها، لأنها صاحبة السوق الأكبر لاستقبال صادرات تلك الدول، وأنها تبقى القاطرة حتى تكون المنافسة مستحيلة إلاّ إذا توفرت نفس الشروط لأي دولة تريد إزاحتها واحتلال مكانها، والقياس الآخر أنها الأكبر في مراكز البحوث واستقطاب العلماء والصناعات التقنية الحديثة وأن اكتفاءها الذاتي من الطاقة وخاصة النفط والغاز المستخرجين من الصخور سيجعلها الدولة النفطية الأكبر وتخفيض أسعار النفط التقليدي، وأن حيوية أمريكا أنها تستطيع علاج أمراضها بالتداوي السريع، ولذلك هناك من يشكك بهذه الصورة الزاهية ويرد بأن أسواق الهند والصين ودول مثل تركيا والبرازيل وأندونيسيا وأستراليا وغيرها، ستسد فجوة الاستهلاك الأمريكي بسبب ارتفاع دخول أفرادها وتحسن مستوياتهم، مقابل من يعطي احصاءات للأعداد المتزايدة من العاطلين، ومتعاطي المخدرات والفجوات الهائلة بين الطبقات المختلفة بالداخل الأمريكي، مما لا يجعل رؤى المستقبل زاهية كما يرسمها البعض..
الطروحات المتفائلة والمتشائمة عندما تتجه لأمريكا من أكبر محللي التاريخ والاقتصاد والسباقات التقنية، إلى من يطلقها من خلفية ايدلوجية يسارية أو يمينية متطرفة، فإنها تبقى الهاجس بأماني من يريدون إزاحة امبراطورية الشر، وإلى من يخشى ما بعدها، ومع ذلك فالحكم لا تصدره الأماني ولكن حقيقة الأحداث وتنوعها.

ورد المقال في : الشرق الاوسط اللندنية
منقول عن :

مدخل تمهيدي

حينما تحدثنا عن الجغرافيا الحيوية لدولة الخلافة الإسلامية كنا نريد أن نبسط وضع هذه الدولة / التنظيم على حقيقته، دون تهويل أو تهوين:

الفكر، الروحية، الأساس المادي، والبعد البشري.

فبدون معرفة كهذه لا يمكن فهم ما يجري، وسنجد أنفسنا مع كل تطور يظهر على هذه الدولة وحركتها في حالة مباغتة لايحسد عليها صاحبها.

ولا نظن أن ما أتينا عليه بوجوهه المختلفة كان غائبا عن المتابعين الجادين الذين حرروا أنفسهم من ضحالة الإعلام والفكر الإعلامي الذي يتابع هذا الملف أو يتعامل معه من زاوية العداء أو التعاطف، وإذا كان الشك يراودنا في أن حقائق تلك الجغرافيا كانت حاضرة عند هذا النظام العربي أو ذاك، فإنها بالحتم لم تكن غائبة عن أصحاب القرار في واشنطن وفي العواصم الغربية.

لذلك فكل حديث عن افتقاد واشنطن، لرؤية إستراتيجية في مواجهة ملف دولة الخلافة الإسلامية وتطوراتها يعتبر حديثا غير جاد، أو أنه حديث وظيفي يراد من خلاله تحقيق غاية معينة، أو توفير ظرف محدد، وبالتالي فإن علينا أن ننظر إلى كل تصريح من هذا النوع من هذه الزاوية، ولو أن الذي يتحدث عن افتقاد الإستراتيجية تجاه دولة الخلافة الإسلامية هو هذا النظام الإقليمي أو ذاك لكان يمكن أن يكون حديثا صادقا ومفهوما، لكن أن يأتي الحديث من رئيس الولايات المتحدة فهذا مما لا يعقل.

إن الولايات المتحدة “دولة عالمية وقائدة”، والجغرافيا الحيوية للدولة ال?سلامية تُظهر أن هذه الدولة / التنظيم ممثلة لوجود عالمي، وبالتالي فلابد أن يكون لدى الطرفين رؤية شاملة للصراع تغطي المساحة كلها.

ومن هذه الزاوية ننظر إلى ما قاله الرئيس الأمريكي باراك أوباما ابتداء من أنه لا يملك إستراتيجية واضحة المعالم لمواجهة هذه الدولة، وهو حديث كان من نتائجه دعم من الكونغرس الأمريكي بدائرتيه، ومن مجلس الأمن الدولي للتحرك الأمريكي ضد هذه الدولة، ودعم مباشر من دول عديدة وصلت حسب تصريح وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الى أربعين دولة.

لذلك فإن علينا أن نضع هذه التصريحات جانبا وندقق النظر في الصورة لنتبين الإستراتيجية الأمريكية في هذا الصراع.

كذلك فإن الموقف الأمريكي، وبالتالي الدولي المتولد عنه، من دولة الخلافة الإسلامية لاعلاقة عضوية بينه وبين الملف السوري والثورة السورية، وكل حديث يخالف هذه الحقيقة لا يعدو أن يكون حديث أماني لا يغني عن الحق شيئا.

إن الموقف الأمريكي لا يهتم بما فعله ويفعله النظام السوري بالشعب السوري، إلا بقدر تأثيره وصلته بملف دولة الخلافة الاسلامية. لذلك فإن التصريحات المؤيدة للتحالف وللضربات الموجهة ضد هذه الدولة والصادرة من جهات سورية معارضة تبدو تصريحات بائسة لا تدرك حقيقة ودوافع ما تقوم به واشنطن، أو أنها لا تملك حرية التعبير عن هذه الحقائق.

ما نقوله هنا ليس من قبيل التحليل، وإنما يستند إلى تصريحات قادة النظام الأمريكي أمام لجان الكونغرس الأمريكي، وما أعلنه قادة العالم الغربي… وما يمكن أن يطلبه هؤلاء من الساحة السورية هو بالتحديد ما يساعدهم على التعامل مع ملف الدولة الاسلامية، وليس ما تحتاجه هذه الساحة التي مضى عليها ثلاثة أعوام ونصف العام وهي تعاني من حالة مأساوية قد لا تجد نظيرا لها في هذا العصر.

وكل التصريحات التي يطالعنا بها هذا المسؤول العربي أو ذاك عن مكانة وأهمية المسألة السورية في الصراع الدائر تحت راية مواجهة الدولة الإسلامية ومواجهة الإرهاب، وما سيعطيه من خير لصالح الثورة السورية، وما هو متوقع منه لمستقبل سوريا، لا يعدو أن يكون إيهاما مقصودا قد يراد به ستر عورة الاشتراك في صراع مفتوح المدى تحقيقا لأهداف النظام الدولي، دون النظر إلى متطلبات هذه الشعوب واحتياجاتها.

وبسبب التراجع الفكري الذي بسببه لم تستطع أمريكا أن توجد حلولا للمشاكل الاقتصادية المزمنة اضطرت إلى أن تتنازل عن مبدئها وتدخلت في السوق لإنقاذ الشركات والمؤسسات المالية والاقتصادية بشراء أسهمها المتعثرة أو الهالكة ابتداء من عام 2008 عند انفجار الأزمة المالية الأخيرة، حيث قررت ضخ 3 ترليونات من الدولارات من أجل ذلك، مع العلم أن ذلك يخالف مبدأها الرأسمالي مخالفة أساسية؛ حيث ينص هذا المبدأ على منع الدولة من التدخل في السوق ويوجب تطهير السوق من براثن السلطة، ويقول بأن السوق هو الذي يعالج نفسه بنفسه، وهي التي تنادي بتحرير السوق وبالاقتصاد الحر. فمثلها كمثل الاتحاد السوفياتي الذي عمل على تطبيق الاشتراكية حتى يصل إلى الاشتراكية الشيوعية، ثم تراجع فسمح بإشراك بعض الأفراد في وسائل الإنتاج، واستمر في تراجعه وتنازله إلى أن سمح للمؤسسات المالية والاقتصادية الغربية الرأسمالية بالاستثمار في الاتحاد السوفياتي. وهكذا سقط الاتحاد السوفياتي عندما بدأ يتنازل ويتراجع عن مبدئه، وبدأ بتأويله وتحريفه، وسمح بدخول الأفكار الرأسمالية. وأمريكا خالفت مبدأها لأنها لم تستطع أن تلتزم به لأنه لا يعالج المشاكل فتدخلت في السوق ووضعت عليه قيودا وقوانين، وقامت وتدخلت لإنقاذ الشركات التي يجب أن تسقط حسب المبدأ الرأسمالي وتقوم غيرها محلها بصورة أقوى وأفضل، ومع ذلك لم تستطع أن تعالج هذه الأزمة وما زالت تضخ الأموال الطائلة لإنقاذ شركات أصحاب رؤوس الأموال الذين يحكمون البلاد وتحرم عامة الناس منها.

ومن هنا يتبين لنا أن أمريكا على وشك السقوط وأنها إلى زوال بإذن الله ولو بعد حين، خاصة وأن علامات ذلك قد ظهرت جلية عليها بسبب التراجع الذي لا تستطيع أن تعالجه، وهي تكرر الحلول نفسها فتنتج المشاكل نفسها وتعقدها فتصبح أزمة مستعصية مزمنة، وتخالف مبدأها لأنه في حالة تطبيقه بحذافيره فإنها ستسقط سريعا، فكانت تعمل على أن تطبق الاقتصاد الحر الذي يمنع الدولة من التدخل فيه والذي يدعو لتطهيره من براثنها وبراثن سلطاتها ولكنها فشلت. وقد أقر مسؤولوها ومفكروها بذلك التراجع، ويريدون أن يعالجوه بتطبيق الاقتصاد الحر الذي إذا خطت الدولة نحوه لتطبيقه تصطدم بالواقع الذي لا ينطبق عليه. ففكرة الاقتصاد الحر هي لب النظام الاقتصادي الرأسمالي وهي فكرة فاشلة لا يمكن تطبيقها على الواقع. ويعزون ذلك التراجع إلى أسباب مالية وهي عدم قدرة الدولة على التمويل حتى تتمكن من الاستمرار في التطوير والابتكار الذي بدأ يتراجع في أمريكا بسبب نفاد قدراتها المالية وكثرة نفقاتها الخارجية وخوضها الحروب في الخارج ومن ثم وقوعها تحت طائل مديونية ضخمة لا يمكن تصورها ولا يمكن معالجتها فهي تزداد سنويا باطراد، ويعزون ذلك التراجع إلى أسباب سياسية أيضا من تنافس الجمهوريين والديمقراطيين، مع العلم أن الأزمة بدأت على عهد الجمهوريين برئاسة بوش الابن فلم يتمكنوا من معالجتها، واستمرت على عهد الديمقراطيين برئاسة أوباما الذي سينقضي بعد سنة ويورث تلك الأزمات للجمهوريين كما ورثها عنهم قبل ثمانية أعوام، ويطالبون بترك التدخل في الدول الأخرى وعدم خوض الحروب الخارجية حتى لا تضطر إلى الإنفاق الكبير. مع العلم أن هذه الحروب والنفقات استعمارية لتحقيق أرباح كبيرة بمص دماء الشعوب الأخرى ونهب ثرواتها ولكن مقاومة أبناء الأمة في العراق وأفغانستان جعلوها تخسر فلم تحقق ما كانت تحلم به. ومن ناحية ثانية فإن أزمة الكساد العظيم التي تفجرت على أثر الأزمة المالية عام 1929 كانت أثناء تطبيقها لسياسة العزلة ولم تكن تخوض حروبا في العالم القديم ولا تقوم بالنفقات الخارجية.

فإذن المشكلة هي في المبدأ الرأسمالي نفسه الذي يسبب الأزمات ويجمع الثروات في أيدي قلّة قليلة ويحرم أغلبية الناس منها، وهذا ما لا يتطرق له المسؤولون ولا المفكرون في المبدأ الرأسمالي وجلّ همهم هو المحافظة على كيان الدولة وتفوقها بالتطوير والابتكار. والدول الرأسمالية الأخرى ومن يسير ضمن منظومتها الرأسمالية مثل روسيا لن تكون أفضل منها وهي تعاني من أزمات خانقة، وكذلك الصين التي تتناقض مع صفتها كدولة شيوعية اشتراكية هي تسير ضمن هذه المنظومة الرأسمالية ولن تصبح دولة كبرى عالميا وهي تتناقض مع مبدئها وهي لا تحمل رسالة للعالم وإنما تظهر كتاجر كبير يريد أن يجمع حصيلة أرباحه وليست لديه قدرة على التأثير الفكري والسياسي في البلاد الأخرى، بجانب عدم اكتمال الوعي السياسي على كيفية صيرورة الدولة الكبرى عالميا الذي يقتضي العمل على زحزحة الدولة الأولى وذلك بمنافستها ومناكفتها بل ومصارعتها في كل مكان في العالم. فلم يبق إلا احتمال نهضة الأمة الإسلامية وإقامة دولتها دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي ستقوم بحمل كل تلك الأعباء والمسؤولية لإنقاذ البشرية فتحل كافة المشاكل الاقتصادية وغير الاقتصادية وتوزع الثروات على الأفراد حتى لا يبقى فقير على وجه البسيطة التي ستحكمها بحكم ربها الذي لا يريد ظلما للعباد، فأنزل حكمه ليقوم الناس بالعدل فيسعدوا ويأكلوا ويشربوا هنيئا في أمن وأمان بعيدا عن حكم الاستعمار وأصحاب المليارات الذين أصبحوا كالحيتان التي لا تشبع مهما أكلت ولمّت وجمعت من أموال وثروات.

المصدر:

وكانت هناك وفرة مالية هائلة لدى أمريكا بسبب غنى البلاد وتقدمها الصناعي والتكنولوجي وكان التنافس الدولي لها ضعيفا في هذا المجال، وكان الأفراد يحوزون على الفتات الذي يعتبر كثيراً مما تبقى على مائدة الأغنياء الذين يحوزون على أكثرية ثروات البلاد، وليس لأن النظام الرأسمالي يشبع حاجات الناس بتوزيع ثروات البلاد عليهم، وهو يرفض ذلك ويؤمن بالحرية الاقتصادية، أي بالاقتصاد الحر الذي ليس عليه قيود. ويظهر أن الوضع قد تغير، فبدأت ثروات البلاد تنفد فصارت أكبر مستدين في العالم، وصارت هناك دول تعمل على منافستها في مجال الصناعة والتكنولوجيا، وأصبحت التكنولوجيا تنتشر، ولم تعد حكرا على أمريكا كما يقر المفكرون والمسؤولون الأمريكيون أنفسهم، وكذلك أصبحت كثير من الدول تحوز على كميات كبيرة من المال وتعمل على تطوير طرق حيازته؛ مما يشير إلى صعود دول بإمكانها أن تنافس أمريكا إذا ملكت من الوعي السياسي ما يكفي، فإنها ستعمل على زحزحتها عن مقعدها الأول في الموقف الدولي، ولكنه لم يظهر حتى الآن في الدول الكبرى الموجودة حاليا. مع أن هذه الدول تبقى مثل أمريكا لا تعالج المشاكل بشكل صحيح وتطبق الحلول الرأسمالية التي تنتج المشكلات، وهي لا تعالج فقر الأفراد، فلا تعمل على توزيع الثروات، بل مثلها مثل أمريكا تعمل على تكديسها في خزائن الأثرياء لتتفاخر بأن عدد أصحاب المليارات لديها قد تضاعف كما هو حاصل في جمهورية الصين الشعبية الاشتراكية!

وقد ذكرت وكالة رويترز بتاريخ 2014/10/23 أن مؤسسة سميشونيان، وهي أكبر مجمع للمتاحف والأبحاث العلمية في العالم، أعلنت عن البدء في حملة علنية لجمع تبرعات قدرها 1،5 مليار دولار. وقالت هذه المؤسسة التي تتخذ من واشنطن مقرا لها في بيان أصدرته إن “الحملة هي الأولى لها على نطاق واسع”. وتضم المؤسسة 19 متحفا ومعرضا وتسع منشآت بحثية إضافة إلى حديقة الحيوانات الوطنية. وقال واين كلوف أمين عام المؤسسة: “إن الدعم الخاص الذي تجمعه الحملة سيضيف فصولا جديدة إلى تاريخ أمريكا وسيحدث ثورة في التعليم وتطوير البحث العلمي على نحو يفيد كل الأجيال”. وقال الموقع الإلكتروني للمؤسسة: “إنه سيتم استثمار التبرعات في برامج تعليمية ومعارض واجتذاب أفضل العقول والاحتفاظ بها (في أمريكا)”. وكانت هذه المؤسسة قد أنشئت عام 1846 للتطوير العلمي وتعتمد في حوالي ثلثي ميزانيتها السنوية على التمويل من قبل الدولة الأمريكية. مما يدل على أن أمريكا لم تعد قادرة على تمويل مؤسساتها وأنها في أزمة كبيرة وتداعيات الأزمة المالية ما زالت تلاحقها ولم تتخلص منها. وقد أفلست أكثر من 40 مدينة كما أفلست مئات الشركات والبنوك منذ تفجر الأزمة في أمريكا عام 2008. فأمريكا في داخلها قد دبّ فيها الوهن، ولكنها عالميا تتشبث بأنها ما زالت قوية وأنها الدولة الأولى في العالم، توهم كثيرا من الناس ولكن في حقيقتها ليست كذلك.

ومن ناحية ثانية نرى أمريكا تحرص على جذب أفضل العقول من كافة أنحاء العالم وتحتفظ بهم لديها، وقد أصبحت الآن بحاجة ماسة أكثر من ذي قبل، لأن الانحدار الفكري قد بدا عليها وبياناتها تشير إلى تدني المستوى العلمي والفكري لدى أبنائها. وتعمل على جذب العقول من الخارج كما تعمل على تمويل مؤسساتها وآلتها الحربية من حساب الآخرين.

كل هذه الاستدلالات التي سقناها من أقوال المسؤولين والمفكرين الأمريكيين تؤكد ما ذكرناه في موضوعنا الذي نشرناه سابقا تحت عنوان “الفراغ السياسي في الموقف الدولي - القسم الثاني: سقوط أمريكا” تحت باب “أهم عوامل سقوط أمريكا عن مركز الدولة الأولى في العالم” وبالذات في النقطة الأولى أو العامل الأول وهو “التراجع الفكري” حيث قلنا: “إن أهم عامل من عوامل سقوط الدول الكبرى وانهيارها وزوالها هو الانحطاط الفكري، ويبدأ الانحطاط بالجمود الفكري الناتج عن العجز الفكري المتمثل في عدم القدرة على إيجاد حلول ناجعة للأزمات والمشاكل من المبدأ الذي تعتنقه الدولة”. فأمريكا بدأت تتراجع في الإبداع العسكري والتفوق التقني والعلمي، وهذا ينعكس على تفوقها العسكري بسبب التراجع الفكري الذي لم يستطع أن يجد حلولا للمشاكل الاقتصادية المستعصية والمزمنة فتضطر إلى تخفيض الإنفاق، ومنه الإنفاق على التطوير والإبداع في المجال العسكري الذي تتولاه الدولة فيؤدي إلى ضعف القدرات العسكرية. ومن أهم الأمور التي اعتمدت عليها أمريكا هو التفوق في المجال العسكري والذي يعتمد على التطوير والإبداع لتسبق الآخرين في إنتاج أسلحة ومعدات عسكرية مختلفة متطورة بحيث تخيف الآخرين وتجعل لها مهابة دولية ويزداد تأثيرها العالمي فتنصاع الدول لقراراتها. فإذا توقفت في هذا المجال فإن النتائج ستكون سلبية عليها، وتبدأ بالعد التنازلي عن مركز التفوق ومركز الصدارة العالمية والتأثير الدولي وقد بدأت به، ولكن المنافسة الحقيقية لها غير موجودة فتبقى تتآكل ذاتيا حتى تهترئ وتسقط فيظهر للناس مدى ضعفها.

وقد نشرت صفحات على الشبكة العنكبوتية مقتطفات مما كتبه مفكرون أمريكيون، فمنها ما كتبه المفكر الأمريكي “بول كروجمان” الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد في كتابه “أنهوا هذا الكساد الآن” يطرح فيه أهم الأفكار لديه التي يمكن تبنيها في التعامل مع المشكلات الاقتصادية في الولايات المتحدة. فيقول “إن الاقتصاد الأمريكي يواجه حالة كساد واضح وإن لم يصل إلى الكساد الكبير في ثلاثينات القرن الماضي”. وقد أرجع الإخفاق الأمريكي في التعامل مع أزماته المالية والاقتصادية التي هزت أمريكا منذ تفجر الأزمة المالية عام 2008 إلى “الصراع والشد والجذب بين الجمهوريين والرئيس أوباما، وهو الصراع الذي يقوض من الجهود الأمريكية للخروج من أزمتها الاقتصادية على الرغم من الجهود التي اتخذتها إدارة أوباما بضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد الأمريكي، ويعتبر ذلك هو الدواء الناجع لأي أزمة مالية”. مع العلم أن هذا الضخ الذي يدعو له المفكر الأمريكي قد تم بكميات ضخمة، ولكن لم يعالج الأزمات التي يعاني منها الاقتصاد الأمريكي. وختم المفكر الأمريكي كتابه بنصائح ليست جديدة وهي مطبقة، حيث دعا إلى خفض سعر الفائدة الربوية ودعا الإدارة الفدرالية لمساعدة الإدارات المحلية في الولايات وكذلك مساعدة أصحاب الرهون العقارية على إعادة جدولة ديونهم وفقا لسعر الفائدة المنخفض حاليا. مما يدل على أنه ليس لديه شيء جديد يقدمه لحل أزمات بلاده المستعصية وسببها النظام الرأسمالي نفسه وليس النظام السياسي لأنها كانت قد بدأت على عهد الرئيس الجمهوري السابق جورج بوش الابن وبدأت عملية الضخ على عهده حين أعلن عقب تفجر الأزمة عام 2008 عن ضخ أكثر من 700 مليار دولار، وجاء أوباما ليواصل هذه العملية. مما يعني أن أمريكا ما زالت تئن تحت وطأة الأزمة المالية وتعاني من تداعياتها ولم تخرج منها ولم تستطع أن تجد الحلول للخروج منها رغم التحفيزات الكثيرة؛ منها خفض الفائدة الربوية لتصل إلى حد الصفر، ومنها خفض شراء الأسهم المتعثرة للشركات، حيث أجرى تخفيضا في شراء هذه الأسهم أو شراء الأصول بمقدار 10 مليارات شهريا من أصل 85 مليار دولار ليظهر تعافيا في الاقتصاد أو تحسنا في سوق العمل إلا أن ذلك لم ينفع كثيرا، لأن الأزمة عميقة جدا ولأن النظام الرأسمالي دائما حاملٌ بالأزمات ويولدها ولا يمكن أن يتخلص منها. فطبيعته توجد الأزمات والمشاكل وتسبب المزيد من الشقاء والتعاسة للبشر. وهذه الأزمة من الأمور التي هزت موقف أمريكا الدولي، ولذلك ما زال موقف أمريكا الدولي مهزوزا بسببها ولأسباب أخرى ولا يجري الحديث عنها كثيرا أو بصورة لافتة للأنظار، وذلك للمحافظة على الشكل الظاهري لأمريكا الذي يبدو كأنها في ألف عافية، ولكنها تعاني من مغص في معدتها ومن ضغط في قلبها وصداع في رأسها وسرطان هنا وهناك في جوانب جسمها، فطغت عليها الأمراض المستعصية والمزمنة، واعتادت عليها وكأنها طبيعية؛ فما أن تسمع اسم أمريكا وإلا يربط بكذا وكذا من المشاكل والأزمات، وأصبح الناس يعتبرونها أُمَّ المشكلات وصاحبة الإحصائيات المخيفة في كل باب. ولكن المسألة المهمة هي عدم وجود دولة في العالم تعمل على إبراز ذلك والتركيز عليه وتوظيفه في محاربتها والتشهير بها وتسفيهها ومن ثم الاستفادة من هذا الوضع للعمل على إسقاطها من مركزها المهزوز ليتخلص العالم من شرها المستطير ومن تجبرها في الدول والشعوب ومص دمائها ونهب خيراتها بدولارها الذي لا يساوي الحبر الذي طبع به وغير ذلك من الأساليب والوسائل التي تستخدمها.

وكتب “جيم ديمينت” في كتابه الذي أطلق عليه اسم “الآن أو أبداً: إنقاذ أمريكا من الانهيار الاقتصادي” فيما يتعلق بالتراجع الأمريكي على المستوى الاقتصادي والذي يجعل الولايات المتحدة على حافة الانهيار المالي أن “سبب ذلك هو الإنفاق الحكومي غير الرشيد والديون الأمريكية والأزمات المالية المتتابعة”. ولذلك يعتبر الولايات المتحدة “على شفا كارثة اقتصادية ما لم تحقق تغيرا جذريا في السياسات الحالية المتبعة”. ولكن الكاتب لم يقدم حلولا جذرية بل أرجع هذه الأزمات إلى السياسة المتبعة حاليا وإلى الصراع السياسي. وحمّل الجمهوريين المسؤولية، فاعتبر “الجمهوريين هم أيضا مشتركين مع الديمقراطيين في الخطأ نفسه. والحل لا يكمن في الانتخابات بهزيمة أو تغيير حزب بعينه وإنما في تغيير السياسات المتبعة”. ولكن نقول له إن السياسات تبنى على الأفكار، فالسياسات الحالية مبنية على الأفكار الرأسمالية التي تتبناها أمريكا فهي عاجزة عن إيجاد الحلول، ولذلك يجب تبني أفكار جديدة صحيحة نابعة من عقيدة صحيحة، وهي ليست موجودة في مبدأ سوى الإسلام.

وكتب جون تايلور في كتابه الذي أطلق عليه اسم “المبادئ الأولى: خمسة مفاتيح لاستعادة ازدهار أمريكا” مقدّماً خطة لإعادة بناء مستقبل الولايات المتحدة من خلال “العودة إلى المبادئ الأساسية التي تأسست عليها الولايات المتحدة لضمان تخطي تحديات الركود الاقتصادي وفي مقدمتها اتباع مبدأ الحرية السياسية وسيادة القانون والاعتماد على الأسواق وتوفير حوافز قوية لتحقيق النهضة المنشودة”. ويرى كما يرى غيره الكثير من الكتاب الأمريكيين أن “السياسات التي تم اتباعها إبان الأزمة المالية بنهاية عام 2008 هي ما أدت إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية عام 2009”، ويؤكد على أن “اتباع مبدأ الحرية الاقتصادية هو الكفيل بضمان النهضة الاقتصادية المنشودة”. فنقول لهذا الكاتب إن الحرية الاقتصادية هي التي أوصلت أمريكا إلى هذا الوضع فاضطرت إلى مخالفة مبدئها مخالفة تامة بأن حدّت من هذه الحرية وتدخلت في السوق الذي يحرّم المبدأ الرأسمالي على الدولة التدخل فيه، وقد رأت أن اقتصادها سيسقط بسبب الحرية الاقتصادية وستسقط هي معه إذا لم تتدخل في السوق وتحدّ من هذه الحرية وتتحكم في الشركات بإملاء سياسات حكومية معينة عليها. مما يدل على فشل المبدأ الرأسمالي الذي يخالف الحقيقة ومن ثم يقوم القائمون عليه بمخالفته والتحايل عليه.

وقال تشارلز جوايت في كتابه: “تحطم الأحمر والأزرق: نحو استعادة الاقتصاد الأمريكي الحر” “إن الإنفاق الأمريكي غير الضروري هو ما أدى إلى تدمير ثرواتها الاقتصادية وغرق الحكومة في المزيد من الديون، وهو ما أدى في النهاية إلى الانخراط في حروب غير معلنة على حساب الشعب وازدهاره”. ويخلص في كتابه إلى أن “الحل يكمن في تخلي الحكومة عن الإنفاق الحكومي المفرط وغير الفعال والسماح للاقتصاد الحر بأداء وظيفته كما كان مقصودا منه في الأصل”.

ويتفق الكتاب الغربيون، وعلى رأسهم الأمريكيون، على أن النجاح الأمريكي في الخروج من أزمته المالية بكبح جماح الحكومة الأمريكية في الإنفاق الخارجي ووضع نهاية للتدخلات الأمريكية في الدول الأخرى قبل أن تلقى الولايات المتحدة مصير الإمبراطوريات الرومانية والفرنسية بقيادة نابليون والسوفياتية. ومعنى ذلك أنهم يدعون إلى اتباع سياسة العزلة التي كانت عليها أمريكا قبل الحرب العالمية الثانية، في الوقت الذي ترفض الإدارة الأمريكية اتباعه وتصر على التدخل في الدول الأخرى حتى تستمر في سياستها الاستعمارية وفرض هيمنتها على دول العالم وشعوبها وإظهار عنجهيتها وغطرستها. وحسب فهم أولئك الكتاب فبسبب استمرار الحكومة الأمريكية في الإنفاق الخارجي والتدخل في الدول الأخرى سوف تستمر أمريكا في أزماتها حتى تلقى مصير الإمبراطوريات السابقة.

وقد أعلن عن تراجع خطط الإنفاق الاستثمارية في قطاع الأعمال الأمريكي للشهر السادس على التوالي خلال شهر شباط/فبراير الماضي 2015 نتيجة ارتفاع الدولار الذي أدى إلى ضعف الطلب العالمي على السلع والخدمات الأمريكية، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تراجع النمو خلال الربع السنوي الأول هذا العام، حيث أعلنت وزارة التجارة الأمريكية في 2015/3/25 انخفاض طلبات السلع المعمّرة بنحو 1،4% خلال الشهر الماضي بينما كانت تشير التوقعات إلى ارتفاعها بنسبة 0،1%. وقد صرحت رئيسة البنك الاحتياطي الأمريكي جانيت يلين “أنه من المرجح رفع الفائدة تدريجيا خلال العام الحالي إلا أن ذلك سيكون قيد انتظار لرؤية ما إذا كانت مؤشرات التضخم سوف تشهد مزيدا من التراجع أم لا”. (الشرق الأوسط 2015/3/28) وقد خفضت الفائدة الربوية إلى حد الصفر تقريبا بعد انفجار الأزمة المالية عام 2008 ولم يستطع الاحتياطي الأمريكي حتى الآن رفعها مما يدل على مدى عمق الأزمة وأن التراجع الاقتصادي الأمريكي ما زال مستمرا. ورفع الفائدة الربوية في الاقتصاد الرأسمالي مهم للغاية من أجل أن تتحرك الشركات والمؤسسات المالية لتحقق مكاسب كبيرة في تعاملاتها التجارية والمالية عندما تكون الفائدة الربوية مرتفعة. وكان البنك المركزي الأمريكي (مجلس الاحتياطي الفدرالي) قد جدد في 2014/9/17 تعهده بإبقاء أسعار الفائدة الربوية قرب الصفر لفترة طويلة كما كانت منذ أن تفجرت الأزمة المالية عام 2008 حيث عمدت أمريكا إلى تخفيض الفائدة الربوية إلى 1% ومن ثم خفضتها إلى 0.25% حتى تحرك سوق العمل، وإن كان ذلك لا يفيد الشركات لأنها لا تحقق أرباحا مع تدني الفائدة الربوية، ولكن كان القصد من خفضها معالجة موضوع سوق العمل، أي تخفيض نسبة البطالة. وقد أفاد البنك المركزي في بيانه بأن “سوق العمل تحسنت بدرجة ما غير أن معدل البطالة لم يشهد تغيرا يذكر”. وكان كثير من الخبراء الاقتصاديين والمتعاملين يتوقعون أن يغير البنك توجهاته ليرفع الفائدة الربوية في ضوء هذا البيان الذي يشير إلى تحسن سوق العمل إلا أن ذلك لم يحدث بسبب أن “سوق العمل الأمريكية لا تزال تواجه قدرا كبيرا من الفتور” كما أفاد بيان البنك. فراهن البنك المركزي على تحسن معدل البطالة ولكن لم يشهد تغيرا يذكر، والآن هو يراهن على مؤشرات التضخم ما إذا كانت ستشهد مزيدا من التراجع أم لا. مما يدل على أن الأزمة ما زالت مستمرة، وهم يريدون أن يطبقوا السياسات السابقة التي نتجت عنها الأزمة حتى يبقوا في دوامة الأزمات لأنهم لا يستطيعون إيجاد حلول أخرى.

** الموضوع الثامن

تأملات تاريخية بسقوط الدول والإمبراطوريات

ترجمة The Fall Of The Roman Empire

ترجمة: فيصل كريم

ألمصدر :

** الموضوع السادس

22 دليل على إنهيار أمريكا

**

بقلم:أبو حمزة سيد فكري بباوي **

المصدر : مدونة أبو حمزة سيد فكري بباوي

** الموضوع الخامس
أمريكا ماتت فلا تكونوا كجن سليمان

بقلم: عامر عبد المنعم
وسيكتب التاريخ أن نهاية هذه الدولة المارقة، أكبر دولة إرهابية عرفها التاريخ كانت علي أيدي المسلمين المقاومين في العراق وفي أفغانستان. فهذه القوي العسكرية الغاشمة التي استخدمت أكثر الأسلحة فتكا في تاريخ البشرية تاهت في أفغانستان أفقر دولة اسلامية.
لا أدري لماذا تاهت العقول ولم تعد تري حقيقة انهيار أمريكا التي تشبه ضوء النهار، ولا أعرف سببا لحالة العمي التي تسود واقعنا الإعلامي والسياسي تجاه الغرب وأمريكا، والعيش في انكسارات الماضي رغم أن الحاضر يقرع الآذان بحدوث انقلابات لكل الأوضاع الاستراتيجية لصالحنا ويبشر بنهوض الأمة.

أمريكا كقوة امبراطورية علي فراش المرض، أو بمعني أدق في غرفة الإنعاش، وهي في النزع الأخير، تنتظر لحظة إعلان الوفاة، فالمسألة مسألة وقت ليس إلا. وهي مشغولة الآن بسحب ماتبقي من أذرعها الطويلة التي تقطعت والتقوقع خلف حدودها وراء الأطلنطي.

وسيكتب التاريخ أن نهاية هذه الدولة المارقة، أكبر دولة إرهابية عرفها التاريخ كانت علي أيدي المسلمين المقاومين في العراق وفي أفغانستان. فهذه القوي العسكرية الغاشمة التي استخدمت أكثر الأسلحة فتكا في تاريخ البشرية تاهت في أفغانستان أفقر دولة اسلامية، وتدمر جيشها في العراق الخارج من أطول حصار لدولة اسلامية دام أكثر من عقد من الزمان.

الهروب الأمريكي الكبير من العراق، والاستعداد الجاري لهروب مماثل من أفغانستان خروج من حفرتي النار لانقاذ ما تبقي من جيوش الغرب التي تم تحطيمها وتدميرها في ساحات القتال علي أيدي مجاهدين بأسلحة بسيطة لا تتناسب مع حجم آلة الدمار الصليبية.

من يتابع المعسكر المعادي يجد الأمريكيين وهم يتحدثون عن نكساتهم المتلاحقة، والغربيون ينتقدون أمريكا التي ورطتهم في هذه الحروب الخاسرة.

العسكريون والسياسيون الأمريكيون يهاجم بعضهم بعضا بسبب العجز أمام المجاهدين المسلمين، والتقارير والدراسات التي تعدها أجهزتهم تشير إلي أن الجيش الأمريكي أنهك بما يجعله غير قادر عن الدفاع عن أمريكا إن تعرضت لهجوم، وهذا الضعف هو الذي يجعل أمريكا عاجزة أمام المشروع النووي الايراني ولم يعد أمام دعاة الحرب الأمريكيين سوي اسرائيل لتقوم بالمهمة، مع أن اسرائيل هي الأخرى تحت الحصار وليست أحسن حالا بعد هزيمتها في لبنان والرعب الذي تحياه تحت القصف الصاروخي من غزة.

الحرب استنزفت أمريكا ، لقد انهار اقتصادها ومعظم دول الغرب التي شاركت معها ولن يتوقف هذا الانهيار علي المدي القريب، ولن تفلح خطط التقشف وضغط الميزانيات التي تحولت الي موجة غربية.

من يسمع أو يقرأ خطب الرئيس الأمريكي يتأكد أن أمريكا لن تقم لها قائمة أخري. أوباما يؤكد في كل مناسبة أن أمريكا تعاني علي كل المستويات، بما فيها التعليم والصحة وليس فقط عسكريا واقتصاديا، وتبدو وكأنها من دول العالم الثالث.

إن نجاح أوباما نفسه كرئيس أسود دليل علي أن الحرب تسببت في الضربة القاضية للمجمع العسكري الصناعي الذي يقود أمريكا الذي يريد أن يستعيد عافيته من خلال مليارات الدولارات في صفقات السلاح مع بعض دول الخليج.

ورغم كل ذلك فإن اعلامنا المجرم لازال يحدثنا عن القوة العظمي والسوبر باور والعصر الأمريكي!!

العالم كله يقرأ حقيقة الأفول الأمريكي. روسيا قرأت وتعمل لاستعادة قوتها. والصين تتمدد وتريد شغل الفراغ. وفرنسا تراودها الأوهام في أن تستعيد نفوذها وتحل بدلا من أمريكا فأنشأت قاعدة عسكرية لها في الخليج وتنشط عسكريا في شمال أفريقيا.
ايران تقرأ هذه الحقيقة وتلاعب أمريكا علي مسرح بات مكشوفا.
القاعدة تصارع أمريكا بالكر والفر وتتمدد هي الأخري رغم تراجع شعبيتها في كثير من الدول لدخولها في صدامات مع بعض الحكومات المحلية وارتكاب أخطاء استراتيجية.

كوريا الشمالية تتحدي وتتوعد.
فنزويلا وكوبا ودول أمريكا اللاتينية تناطح أمريكا.

العالم يتغير إلا العرب الذين يعيشون في الذل والهوان، بسبب حكامهم، الذين أخلدوا إلى الأرض بين عميل وخائن وجبان ومستضعف، وبعضهم يدمر نفسه ويخوض الحروب الحرام ضد فئات من الشعب من أجل أمريكا والغرب تحت شعار “مكافحة الارهاب” المفضوح.

وحدهم حكام العرب الذين يركعون للصنم المنهار، ويعبدون الوهم.

الاعلاميون العرب يتصنعون الغباء والعمي وهم أشبه بشهود الزور الذين يرون الحق ويقولون الباطل ويدافعون عن الحرام.

النخب الفاسدة في الدول العربية ترفع شعارات الاصلاح في الصباح، وتجلس مع الأمريكيين في المساء تطلب ودهم ودعمهم، وبعضهم يسافر الي واشنطن يعرض عمالته.

السياسيون الضالون الذين يملأون الدنيا ضجيجا، الذين يعشقون الكاميرات ويشغلون الأمة بقضايا بعيدة عن قضية الأمة الأصلية وهي التحرر من الاحتلال الأمريكي والغربي.

الأمة اليوم تحتاج الي من يقودها لتحقيق التحرر الذي لم يتم.
الاحتلال لازال قائما ويعمل من خلال أعوانه علي الاستمرار ومقاومة كل جهد وطني مخلص.
يسأل البعض سؤالا استنكاريا: من اين نبدأ؟
هل تستطيع الكويت وقطر والامارات وليبيا مواجهة أمريكا؟
هل يستطيع الأردن ولبنان؟
هل يستطيع السودان؟
هل وهل وهل؟

علي الجميع أن يواجه معا، ولم يعد هناك سببا للتردد، فالمشروع العسكري الغربي انكسر والثور الهائج مذبوح علي الأرض، وجاءت الفرصة التي طالما حلم بها المسلمون للتخلص من الارهاب الغربي.

علي مر التاريخ كانت القوة العربية تتمثل في 3 دول كبري: العراق والشام ومصر.
الأولي دمروها ومزقوها، والثانية قسموها، والثالثة هي التي لازالت هي الأمل رغم ما حل بها ورغم أنهم يطوقونها.

مصر هي الأمل وهي القادرة علي قيادة الأمة في معركة التحرير، فهي دعوة النبي محمد صلي الله عليه وسلم، وبها خير أجناد الأرض، لكن مصرتحتاج الي قيادة واعية بدلا من القيادة الحالية التي سلمت مصر للأعداء.
مصر تحتاج الي مقاتل مسلم يعرف قدر مصر ويخلصها من الخزي الذي تعيشه وينهي عصر الإجرام الذي حارب الاسلام وعبد الشيطان.

ما ضاعت الأمة وعلا الأعداء إلا لأن مصر غائبة.
مصر هي محور أي اصلاح في الأمة وهي كالقلب إن تعافت صلحت الأمة وان فسدت فسدت الأمة.
ولن تنصلح مصر إلا بالكفر بأمريكا وقطع علاقة التبعية والتمرد علي الهيمنة الغربية.
مصر تحتاج الي تجديد ايمانها، فكلمة “لا اله الا الله” اليوم تعني البراءة من عبادة أمريكا قبل الايمان بالله، فلا يمكن الايمان بأمريكا وبالله الواحد في نفس الوقت.

ولكن إلى أن تستيقظ مصر، علي كل فرد في الأمة أن يعمل علي انهاء الاحتلال الغربي، كل قدر استطاعته، و ليكن الشعار الذي يحكم حركتنا هو “التصدي للحلف الأمريكي الصهيوني”.
علينا دعم روح الصمود والمقاومة في الأمة وإحياء فريضة الجهاد ضد الغزو العسكري لبلاد الاسلام.
علينا دعم الصمود الفسطيني بكل الوسائل إلي أن يظهر صلاح الدين جديد يحرر بيت المقدس.
علينا كشف عملاء وأعوان وأبواق الاحتلال الغربي في العالم الاسلامي وفضحهم وإبطال المكر السييء، فهؤلاء هم طلائع الغزاة الأمامية التي تهدف الي تحطيم إرادتنا وإضعاف مناعتنا.

علينا دعم صمود أطراف العالم الاسلامي واستعادة تركيا الي الأمة ليقوى القلب ويستعيد عافيته ليضخ الدماء في جسد المارد الاسلامي النائم منذ قرنين أو ثلاثة فقط، ليعيد التوازن الي العالم الذي خربه الغرب أثناء هذه الغفوة الطويلة.
الأمم والشعوب في انتظار شيء واحد للخلاص وإنهاء الظلم، هو دحر الاستعمار الغربي وانهاء سيطرته علي العالم.
aamermon@alarabnews.com

المصدر :