5ـ ثم إن أحد خطوط إستراتيجية دولة الخلافة يستند إلى توفر تدفق دائم بشري ومادي وبئية حاضنه لهذه الدولة، كلما أمعنت الولايات المتحدة وحلفاؤها في المضي قدما في هذه المعركة، وترجع هذا التدفق إلى التداعيات السلبية المستمرة للإستراتيجية الأمريكية على المسلمين في المنطقة والعالم.
ولعل دولة الخلافة تنظر إلى هذا الخط الإستراتيجي باعتباره من أكثر الخطوط فاعلية، ونمو، إذ هي على يقين أن الولايات المتحدة فيما تقوم به ستكون في نظر المسلمين المسؤولة عن نتائج كل هذه الحرب: عن الدمار والخراب والقتلى والانهيار الاقتصادي … الخ، وعن التلاعب بالقضايا الدينية، وعن التضييق والملاحقة التي ستصيب المسلمين في أوربا والعالم…الخ.
لقد قصفت طائرات التحالف وصواريخه في هجومها الأول مواقع للدولة الإسلامية، وكذلك لجبهة النصرة، ولحركة أحرار الشام، وهذه أطراف متصارعة، وهناك قدر من الاختلاف بينها ـ يمكن النظر في تقديره وأهميته ـ ، لكن الولايات المتحدة وضعتها جميعا ومنذ اللحظة الأولى في سلة واحدة، فقدمت بذلك الدافع والبرهان على وجوب أن تتحد هذه الأطراف، وأن تدع خلافاتها جانبا.
ولأن صراعا من هذا النوع مصبوغا بالصبغة الطائفية سيعزز التفاف الأقليات حول هذه النظم، وحول هذا التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، ـ وهو أمر بات مشاهدا في سوريا وفي العراق وفي اليمن ـ ، فإن من شأن ذلك كله أن يوفر لمنطقها الطائفي في الصراع ما تؤمن بإمكانية الدفاع عنه بالشواهد الحاضرة، وما يوفر تدفقا لعناصر: المال والخبرة التقنية والمتطوعين القتاليين، يمكنها من تعويض الخسائر التي تمنى بها، وكذلك يمكنها من توفير مستلزمات توسيع ساحة الصراع؛
6ـ وفي إستراتيجيتها العامة في هذا الصراع تقدم دولة الخلافة الإسلامية نفسها باعتبارها ممثلة السنة والمدافعة عنهم، أي أنها تمثل بهذا المعيار الطائفي السنة، أي انها قاعدتها الشعبية المفترضة تغطي ساحة الإسلام كله أو معظمه.
وفي هذا المنظور فإنها تعتبر السنة خارج إطار الحكم في المنطقة كلها، إما لأن الحكم طائفي/ كافر كما في العراق وسوريا، وإما لأن نصيب الإسلام في الحكم مغيب كما في الدول الإسلامية الأخرى.
وإذا كانت السنة في المقاييس المذهبية تمثل الأغلبية العظمى من الجسم الإسلامي أي نحو ثمانين في المئة من مسلمي العالم، فإنها عند دولة الخلافة هي الجسم الإسلامي ولا أحد غيرها، وكل من خرج عن هذا الجسم فليس من الإسلام في شيء.
إن كل من هو خارج هذا الجسم " السنة" عدو تجب محاربته، وكل من هو داخل هذا الجسم فإن عليه أن يتبع دولة الخلافة ويلتزم فهمها وسياستها، وحين لا يفعل فهو مرتد تجب محاربته.
والحكم بالارتداد أو الكفر حكم على النفس والمال والعرض، والأمر في كل ذلك ليس محل اجتهاد أو مراجعة، وإنما هو حكم الله الذي لا يقبل أي مراجعة، أو تهاون، أو استثناء؛
7ـ الكر والفر، الانسحاب والتقدم، القتل والقتال جزء من إستراتيجية هذه الدولة وعقيدتها في الصراع، بل هي تعتقد أنه جزء من سنن الله في بناء دولة المسلمين، أو “الخلافة الراشدة الجديدة”.
لذلك لا استعجال في تحقيق النصر ولا ركون له، ولا خوف من وقوع الهزيمة ولا استسلام لها، القضية هنا إيمان بأن هذا وهذا سيقع، وبأن في كل ذلك امتحان وتجلية واختبار، وأن النصر آت بعد ذلك لا محال.
إن مقاتلي الدولة الإسلامية لا يرومون أن يعودوا إلى أوطانهم التي جاؤوا منها، ولا إلى زوجاتهم اللائي خلفوهن وراء ظهورهم، كما هو حال الجنود الأمريكيين أوغيرهم، وإنما هم جاؤوا ليبقوا فهذا وطنهم، وإذا عادوا فلسبب ومهمة، وزوجاتهم معهم أو هم في انتظار وصولهم، هنا على الأرض أو في الجنة.
المعايير مختلفة بين طرفي الصراع، والدوافع والتوقعات، لذلك فإن الأداء مختلف، والتجارب تقدم مرة أخرى الدليل تلو الدليل، لم نسمع أو نقرأ أو نلتقي، مرضى نفسيين عادوا من معارك المجاهدين في أفغانستان، أو في العراق ، أو في أي مكان آخر، لكن هؤلاء في جنود الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا وغيرها كثر، بل إنهم تحولوا إلى مشكلة اجتماعية في هذه البلدان، لذلك فإن طول أمد الصراع لا يشكل ضاغطا على مقاتلي دولة الخلافة الإسلامية في حين يمثل ضغطا هائلا على جنود وضباط وقيادات الجيوش والقادة السياسيين في هذه البلدان.
النتائج الواقعية لهذه الإستراتيجية
هذه هي ملامح إستراتيجية الصراع عند دولة الخلافة الإسلامية، وهي كما قلنا في البداية إستراتيجية بسيطة مرنة شاملة وحيوية وغير مكلفة، أما نتائجها على الأرض فشديدة الشبه بنتائج الإستراتيجية الأمريكية.
صراع طويل الأمد، يصعب حسمه، مدمر للحياة العامة في أقاليم الصراع، يمتد تدريجيا ليغطي مساحة أكبر، خسائره البشرية كبيرة جدا ومعظمها من المدنيين، يعمق الانقسام الطائفي، ويقضي على فرصة بناء مجتمع قائم على مفهوم المواطنة، يقهر افراده، ويتغول على حقوق الإنسان، يفجر حالة نزوح غير محدودة، ويعطي صورة دموية صراعية ذات بعد واحد للإسلام، يعمق العداء الغربي له، ويعيق امتداده إلى مواقع ومجتمعات جديدة، يُحًمل المسلمين في العديد من الدول والمجتمعات نتائج هذه الروح العدائية، يمنع ويعيق تحقيق أي إصلاحات في البنية والفكر الاجتماعي والديني في البلاد الإسلامية، ليقربها أكثر من دينها وتاريخها وحضارتها، على نحو ما حدث في تركيا علي يد حزب العدالة والتنمية.
أخيرا
**** مطلوب أن ندقق في إستراتيجية الصراع على الجانبين، وفي نتائجهما؛
** مطلوب أن نفهم على نحو صحيح ما يجري، فلا نضع رؤسنا بين الرؤوس، نمضي حيث تمضي، وأن نسترشد بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تكونوا إمعة…" ، ونحذر أن نكون ممن وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم “…حتى لو دخلوا جُحرَ ضبٍّ لدَخلْتمْوه…”؛
** مطلوب أن نسترجع أولويات التجربة التاريخية والمعاصرة لأمتنا للتعرف على عدونا، ومقاصده تجاهنا وتجاه ما نمثل وما نملك وما يمكن أن يتحقق على أيدينا، فلا يعمينا ضجيج الصراع فنضع أقدامنا في غير مكانها الصحيح؛
** مطلوب أن نمحص ما تطرحه وتفعله “دولة الخلافة الإسلامية”، فلا ترهبنا التسمية عن رؤية حقيقة ما يجري وما تقوم به وتطرحه من مفاهيم، وحظه من الإسلام، وما يمكن أن يجره عمل هذه الدولة على الأمة العربية والاسلامية: حاضرها ومستقبلها؛
** مطلوب أن نكون موجودين، لنا كياننا، ورؤيتنا، ومشروعنا، وأن نكون قادرين على جعل ذلك كله منتظم في إطار عمل واحد مثمر.
منقول عن : موقع عرب 48**











