خليل كتب:
سؤال حول تعريف الايمان
**
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,
شيخنا الاستاذ حاتم بارك الله فيك عندي سؤال حول تعريف الايمان,
نعرف الايمان بانه التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل.
وسؤالي هو :
اذا كان من شرط الايمان بحقيقة ما ان يكون التصديق بها مطابقا للواقع فما الحاجة الى الدليل؟ الا يكفي المطابقة مع الواقع؟
وبارك الله فيك
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
**
التطابق العقلي والشرعي في تعريف الإيمان
بسم الله الرحمن الرحيم
بارك الله في الأخ السائل، وحتى أعطي سؤالك الهام ما يستحق من جواب فإليك أخي جواب سؤال يتعلق بالايمان أرى أنه يعطيك الجواب على سؤالك.
جواب سؤال: التطابق العقلي والشرعي في تعريف الإيمان
السؤال :اعترض شاب على الجواب المتعلق بتعريف الإيمان ظانّاً أن التعريف الشرعي يؤدي إلى جعل الشريعة الإسلامية طريقاً موصلاً إلى الإيمان بدلاً من الطريق العقلي ، ويؤدي إلى نفي وجود أيّ إيمان غير هذا الإيمان المعرَّف به ، وإلى نفي صفة الإيمان عن كل مَنْ يعتقد عقيدة أخرى غير العقيدة الإسلامية .
الجواب ـ لقد حتَّم الإسلام استعمال العقل وأوجب على كل مسلم استعمال عقله حين يؤمن بالله تعالى ، ونهى عن التقليد في العقيدة ، وأوجب عليه أن يعتقد ما ثبت له عن طريق العقل أو طريق السمع اليقيني المقطوع به ، وحرَّم عليه أن يعتقد ما لم يثبت عن هذين الطريقين . ولَفَت نظر الإنسان إلى الأشياء ودعاه للنظر إليها وما حولها وما يتعلق بها ، ليَسْتدلَّ بذلك على وجود الله تعالى حتى يكون إيمانه بالله إيماناً راسخاً عـن عقل وبيِّنة . وهذا يعني أنه جعل العقل الطريق الموصل إلى الإيمان بالله تعالى وبالقرآن الكريم وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم . فبالنظر إلى الأشياء التي يقع عليها حس الإنسان من مادة الكون والإنسان والحياة يقرّ إقراراً صادراً عن العقل بأن وراء هذا الكون والإنسان والحياة خالقا خلقها جميعها وخلق كلَّ شيء وهو الله تعالى . وبالبحث العقلي في تقديس الإنسان لله تعالى وفي الجهة القادرة على تنظيم علاقة التقديس وبالبحث في احتياج الإنسان إلى نظام يحققِّ إشباع جميع غرائزه وحاجاته العضوية إشباعاً صحيحاً يُنتج الطمأنينة والسعادة ، يتوصل الإنسان إلى احتياجه إلى رسل تبلّغه نظام الله تعالى . وبالبحث العقلي في القرآن الكريم بحثاً يُقيم البرهان على أن القرآن كلام الله المعجز ، وأن محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي أتى به ، يتوصل إلى أن محمداً نبي ورسول . هذا الإيمان الآتي عن طريق العقل هو الركيزة التي يقوم عليها الإيمان بالمغَّيبات كلها وبكل ما أخبرنا الله به . وهو إيمان صادر عن تفكيرٍ وبحثٍ ونظر ، وعن تحكيم مطلق للعقل في الإيمان بالله تعالى وبالقرآن وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم . هذه المعاني جميعها عبَّر عنها تعريف الإيمان بالتصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل . لأنه يوجب أن يكون التصديق جازماً يقينياً ، وأن يكون التصديق حقيقة ثابتة عن طريق انطباقه على الواقع ، وأن يكون التصديق مبنياً على دليل قاطع مفيد للعلم اليقيني . ويستوي في هذا ما كان مصدره التفكير بالواقع المادي المحسوس ، أو ما كان مصدره الدليل السمعي . فما كان هكذا لا يصح أن يُتوهَّم فيه إبطال الطريق العقلي الموصل إلى الإيمان . والتعريف شرعي لأنه مستنبط من الأدلة الشرعية ، وهو وصف للواقع الشرعي الذي جاءت به الأدلة أي النصوص الشريعة ، فهو من هذه الجهة حكم شرعي . ويبيّن ذلك ذمّ الله تعالى في آيات صريحة مَنْ يتّبع الظنّ في العقيدة ، وذَمُّه مَنْ يتبع بغير سلطان ، أي بغير دليل قاطع . وذمُّهم والتنديد بهم دليل على النهي الجازم عن اتباع الظنّ ، ودليل على النهي الجازم عن اتباع ما لم يقم عليه الدليل القطعي . قال تعالى : { إنْ هي إلاّ أسماءُ سميتموها أتنم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إنْ يتَّبعون إلاّ الظن وما تهوى الأنفس ، ولقد جاءهم من ربهم الهدى } . وقال : { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليُسمون الملائكة تسمية الأنثى وما لهم به من علم إن يتبعون إلاّ الظنّ وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً } . وقال : { وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن } . وقال : { وإنْ تطع أكثرَ مَنْ في الأرض يُضلّوك عن سبيل الله إن يتّبعون إلا الظن وإنْ هم إلاّ يخرصون } . وقال { الذي يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كَبُرَ مقتاً عند الله وعند الذي آمنوا } . وقال : { سَنُلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزِّل بـه سلطاناً } . وأوجب الله أن يكون دليل العقيدة قطعياً ، قال تعالى : { ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون } . وقال : { أمِ اتخذوا مِنْ دونه آلهةً قل هاتوا برهانكم } . وقــال : { أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } . وقال : { ونَزَعُنا من كلّ أمةٍ شهيداً فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضلَّ عنهم ما كانوا يفترون } . وكلمتا (( برهان )) و (( سلطان )) معناهما في جميع الآيات الدليل المقطوع به ، فالدليل من حيث هو دليل لا يكون إلا قطعياً ، ولم يستعمله القرآن إلاّ بمعنى القطعي . وقد دلّت الآيات المتعلقة بالظن على عدم جواز الاعتقاد بالدليل الظني ، ودلّت الآيات المتعلقة بالسلطان المبين على وجوب إقامة الدليل القطعي على العقيدة حتى تكون عقيدة . فيحرم على المسلم أن يعتقد ما كان دليله ظنياً ، لأن النهي عن الاعتقاد بالظني نهي جازم ، والنهي الجازم يعني التحريم . فكان الاعتقاد بالظن حراماً . أي أن الحكم الشرعي في العقائد هو أنه يحرم أن يكون دليلها ظنياً ، وكلُّ مسلم يبني عقيدته على دليل ظني يكون مرتكباً حراماً وآثماً عند الله تعالى . فتعريف الإيمان عبَّر عن الحكم الشرعي المتعلق بفعل العيد ، وهو إيجاب بناء عقيدته على الدليل القطعي ، وتحريم بنائها على الدليل الظني . فخطاب الشارع أمر ونهي متعلق بإقامة الدليل على العقيدة وقد بيّن وجوب الفعل وحرمته فهو متعلق بفعل العبد وليس متعلقاً بالتصديق ، هذا من جهة . ومن جهة أخرى فإن الشارع الحكيم إما أن يخاطب الناس بألفاظ يعرفون معانيها ، وفي هذه الحال لا تحتاج إلى بيان ، وإما أن يخاطبهم بألفاظ مُحْدَثةِ المعاني ، لا عهد لهم بها ، وفي هذه الحال يبين لهم الشارع مراده ببيان معاني الألفاظ التي خاطبهم بها ، وقد كان فيما خاطب الله به عباده أن طلب منهم الإيمان بأمور عدة منها الإيمان بالله تعالى ، والإيمان بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان برسل الله وملائكته وكتبه واليـوم الآخر ، ولمّا لم يكن لفظ الإيمان معروفاً عندهم بالمعنى الذي أراده الشارع لزِمَ بيان المعنى حتى يفهم الناس مراده ويلزموا ما فـرض عليهم ، فيخرجوا من ظلمات الكفر إلى نـور الإيمان ، ومن عذاب الجحيم إلى جنات النعيم . قال تعالى : { وما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومـه ليُبيّن لهم ، فيضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم } وقال : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّل إليهم ولعلهم يتفكرون } . ولفظ الإيمان وضعه العرب للدلالة على مطلق التصديق ، وجاء الشارع فنقله لمعنى آخر هو تصديق مخصوص ، حتى غلب استعماله بالمعنى الجديد ، وصار اللفظ يدل على المعنى الجديد من غير حاجة إلى قرينة . والذي دلّ على هذا المعنى الجديد هو اشتراط الشارع (( الجزم )) بالتصديق فخرج به الظـن وما دونه ، لأن غير الجازم في تصديقه والشاكّ والمرتاب كافر غير مؤمن بما طلبه الشارع منه ، وقد دلّ على كفره الأدلة القطعية الثبوت ، القطعية الدلالة . واشترط كذلك (( المطابقة للواقع )) إثباتاً لحقيقة التصديق ، لأن مطابقة التصديق للواقع دليل قائم على صدق الاعتقاد ، أي دليل قائم على صدق الفكرة التي انعقد الوجدان عليها ، وإن لم تتحقق المطابقة كان الاعتقاد كذباً لا حقيقة له . وقد جاءت الأدلة القطعية الثبوت القطعية الدلالة تذم وتكفِّر الفِرَق الضالة من اليهود والنصارى والمشركين القائلين بتعدد الإله وذلك لافترائهم وكذب معتقداتهم . واشترط أن يكون التصديق (( عن دليل )) أو (( بديل )) ، لأن الجزم بالتصديق من غير دليل قاطع مفيد للعلم اليقيني معصية . وقد دلّت الأدلة القطعية الثبوت القطعية الدلالة على تحريم التقليد في العقيدة وذمَّه ذمَّا شديداً . وقد جاء في بداية الكُرّاسة الحـزبية (( المتبنّاة )) شرح وبيان لواقع الإيمان أي الاعتقاد الذي طولب به المسلم ، واستدل بالنصوص القطعية على أهم ما في التعريف ، وقد جاء متوافقاً مع قوله في (( نداء حار )) : ( فالعقيدة في الإسلام هي التصديق الجازم المطابق للواقع عن يقين ) . إذ نَسَب كلّ جزء من أجزاء التعريف إلى العقيدة الإسلامية . وهو كذلك متوافق مع قوله في الكتاب الثالث من الشخصية الإسلامية في مبحث الحقيقـة الشرعية : ( وكالإيمان للتصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل ، وغير ذلك من الأسماء التي جاء بها الشرع ) . لأن بيان معنى الإيمان والعقيدة واقعياً لا ينافي الواقع الشرعي للعقيدة ، بل لا بدّ من التطابق التام بينهما . والشروط المذكورة في التعريف هي شروط لصحة الاعتقاد ، وشروط شرعية لإيمان معيّن طلبه ربُّ العالمين من عباده ، يقتضي الطمأنينة الدائمة والنجاة من النار والفوز بالجنة . وقد يوجد الإيمان بفكرة من الأفكار واقعياً مع فقدان بعض هذه الشروط ، ولكنه لا يكون إيماناً صحيحاً ولا منجياً من عذاب الله وسخطه . لأن الإيمان أو الاعتقاد يوجد واقعياً عند البشر حين يأخذ الوجدان فكرة ما ويضمها إليه ضمّاً كاملاً وأكيداً بارتياح ، ويشدها إليه ، ويوافقه العقل على ذلك ولو موافقة تسليم . فالاعتقاد أصله التصديق الجازم من قِبَل الوجدان بشرط موافقة العقل . والاعتقاد أي التصديق الجازم من قِبَل الوجدان يتحقق عند أهل العقائد الباطلة مع عدم مطابقة معتقدهم للواقع، على شرط وجود دليل يحقق الجزم . وقد يكون الدليل فاسداً ، وقد يكون دليلاً شعورياً ، لكنه أقنع صاحبه بوجه من الوجوه واطمأن إليه فأحدث الجزم عنده . فكل من يتوفر عنده ذلك يكون معتقداً أي مؤمناً بالفكرة التي ضمّها الوجدان إليه . والاعتقاد على هذه الصورة موجوداً وجوداً حسيّاً عند جميع البشر ، ولا يصح بعد ذلك أن يقال بأن أهل العقائد الباطلة غير جازميـن في معتقدهم ، بدعوى انعدام دليل يثبِت المطابقة للواقع وبدعوى أن دليل المطابقة للواقع هو الذي يسبب الجزم . لا يصح أن يقال ذلك لأن الذي يحقق الجزم هو دليل الفكرة التي ضمها الوجدان إليه ، وهذا الدليل هو الذي يوجد تسليم العقل بفكرة ، فينعقد الوجدان على الفكرة بعد تسليم العقل بها ، بغض النظر عن صحة الدليل وفساده . والقبول مردّه إلى الوجدان وتسليم العقل ، وليس إلى توهم المعتقد مطابقة معتقَدِه للواقع . لأن المطابقة للواقع دليل قائم بنفسه على صدق الفكرة ، ولا تحتاج المطابقة إلى دليل يثبتها ، بل مجرّد انطباق الفكرة على الواقع دليل على صدق الفكرة . وليست المطابقة شرطاً لحدوث الجزم ، فعقيدة التثليث عند النصارى لا تطابق الواقع ويستحيل أن تطابقه . ولم يدَّع النصارى أنفسهم أنها تطابقه ، ومع ذلك سلّموا بها واعتقدوها ، وعلّلوا قبولها بعدم خضوع الدين للعقل . ثم تحيّلوا لهذه الفكرة الخيالية بالفلسفة اليونانية لمدافعة حجج خصومهم . ومثل ذلك سائر العقائد الباطلة من يهودية وبوذية وزرادشتية وغيرها . وقد دلَّ تسليم هؤلاء بالفكرة والتمسك بها والغضب لها ، وبذل الأنفس والأموال والأولاد دفاعاً عنها على انعقاد الوجدان عليها . ويجدر التنبيه على أن هناك فرقاً بين الفكر والإيمان ، وأن الفكر شيء والإيمان شيء آخر، فالعقل يبحث في الأفكار بدراسة واقعها وقد يدركها ، لكن لا يلزم من إدراكه لواقعها أن يتحول ذلك الإدراك إلى تصديق ، لأن قبول الوجدان للفكرة شرط في حصول التصديق ، أي لا بدّ من تجاوب الوجدان مع الفكرة وارتياحه إليها حتى يضمّها إليه وينعقد عليها . فإذا لم يتجاوب الوجدان مع الفكرة ولم يرتح إليها فإنه يرفضها مهما كان عمق الإدراك ، قال تعالى : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً } . وقال : { قد نعلم أنه ليحزنك الذي يقولون ، فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } . وقال : { إنه فكر وقدّر ، فقتل كيف قدّر ، ثم قُتل كيف قدّر، ثم نَظَر ، ثم عَبَس وبَسَر ثم أدبَرَ واسْتكبر ، فقال إنْ هذا إلاّ سِحرُ يُؤثَر ، إنْ هذا إلاّ قول البشر}.