سؤال حول تعريف الايمان

خليل كتب:
سؤال حول تعريف الايمان

**

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,

شيخنا الاستاذ حاتم بارك الله فيك عندي سؤال حول تعريف الايمان,

نعرف الايمان بانه التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل.

وسؤالي هو :

اذا كان من شرط الايمان بحقيقة ما ان يكون التصديق بها مطابقا للواقع فما الحاجة الى الدليل؟ الا يكفي المطابقة مع الواقع؟

وبارك الله فيك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

**

التطابق العقلي والشرعي في تعريف الإيمان

بسم الله الرحمن الرحيم

بارك الله في الأخ السائل، وحتى أعطي سؤالك الهام ما يستحق من جواب فإليك أخي جواب سؤال يتعلق بالايمان أرى أنه يعطيك الجواب على سؤالك.

جواب سؤال: التطابق العقلي والشرعي في تعريف الإيمان

السؤال :اعترض شاب على الجواب المتعلق بتعريف الإيمان ظانّاً أن التعريف الشرعي يؤدي إلى جعل الشريعة الإسلامية طريقاً موصلاً إلى الإيمان بدلاً من الطريق العقلي ، ويؤدي إلى نفي وجود أيّ إيمان غير هذا الإيمان المعرَّف به ، وإلى نفي صفة الإيمان عن كل مَنْ يعتقد عقيدة أخرى غير العقيدة الإسلامية .

الجواب ـ لقد حتَّم الإسلام استعمال العقل وأوجب على كل مسلم استعمال عقله حين يؤمن بالله تعالى ، ونهى عن التقليد في العقيدة ، وأوجب عليه أن يعتقد ما ثبت له عن طريق العقل أو طريق السمع اليقيني المقطوع به ، وحرَّم عليه أن يعتقد ما لم يثبت عن هذين الطريقين . ولَفَت نظر الإنسان إلى الأشياء ودعاه للنظر إليها وما حولها وما يتعلق بها ، ليَسْتدلَّ بذلك على وجود الله تعالى حتى يكون إيمانه بالله إيماناً راسخاً عـن عقل وبيِّنة . وهذا يعني أنه جعل العقل الطريق الموصل إلى الإيمان بالله تعالى وبالقرآن الكريم وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم . فبالنظر إلى الأشياء التي يقع عليها حس الإنسان من مادة الكون والإنسان والحياة يقرّ إقراراً صادراً عن العقل بأن وراء هذا الكون والإنسان والحياة خالقا خلقها جميعها وخلق كلَّ شيء وهو الله تعالى . وبالبحث العقلي في تقديس الإنسان لله تعالى وفي الجهة القادرة على تنظيم علاقة التقديس وبالبحث في احتياج الإنسان إلى نظام يحققِّ إشباع جميع غرائزه وحاجاته العضوية إشباعاً صحيحاً يُنتج الطمأنينة والسعادة ، يتوصل الإنسان إلى احتياجه إلى رسل تبلّغه نظام الله تعالى . وبالبحث العقلي في القرآن الكريم بحثاً يُقيم البرهان على أن القرآن كلام الله المعجز ، وأن محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي أتى به ، يتوصل إلى أن محمداً نبي ورسول . هذا الإيمان الآتي عن طريق العقل هو الركيزة التي يقوم عليها الإيمان بالمغَّيبات كلها وبكل ما أخبرنا الله به . وهو إيمان صادر عن تفكيرٍ وبحثٍ ونظر ، وعن تحكيم مطلق للعقل في الإيمان بالله تعالى وبالقرآن وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم . هذه المعاني جميعها عبَّر عنها تعريف الإيمان بالتصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل . لأنه يوجب أن يكون التصديق جازماً يقينياً ، وأن يكون التصديق حقيقة ثابتة عن طريق انطباقه على الواقع ، وأن يكون التصديق مبنياً على دليل قاطع مفيد للعلم اليقيني . ويستوي في هذا ما كان مصدره التفكير بالواقع المادي المحسوس ، أو ما كان مصدره الدليل السمعي . فما كان هكذا لا يصح أن يُتوهَّم فيه إبطال الطريق العقلي الموصل إلى الإيمان . والتعريف شرعي لأنه مستنبط من الأدلة الشرعية ، وهو وصف للواقع الشرعي الذي جاءت به الأدلة أي النصوص الشريعة ، فهو من هذه الجهة حكم شرعي . ويبيّن ذلك ذمّ الله تعالى في آيات صريحة مَنْ يتّبع الظنّ في العقيدة ، وذَمُّه مَنْ يتبع بغير سلطان ، أي بغير دليل قاطع . وذمُّهم والتنديد بهم دليل على النهي الجازم عن اتباع الظنّ ، ودليل على النهي الجازم عن اتباع ما لم يقم عليه الدليل القطعي . قال تعالى : { إنْ هي إلاّ أسماءُ سميتموها أتنم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إنْ يتَّبعون إلاّ الظن وما تهوى الأنفس ، ولقد جاءهم من ربهم الهدى } . وقال : { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليُسمون الملائكة تسمية الأنثى وما لهم به من علم إن يتبعون إلاّ الظنّ وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً } . وقال : { وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن } . وقال : { وإنْ تطع أكثرَ مَنْ في الأرض يُضلّوك عن سبيل الله إن يتّبعون إلا الظن وإنْ هم إلاّ يخرصون } . وقال { الذي يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كَبُرَ مقتاً عند الله وعند الذي آمنوا } . وقال : { سَنُلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزِّل بـه سلطاناً } . وأوجب الله أن يكون دليل العقيدة قطعياً ، قال تعالى : { ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون } . وقال : { أمِ اتخذوا مِنْ دونه آلهةً قل هاتوا برهانكم } . وقــال : { أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } . وقال : { ونَزَعُنا من كلّ أمةٍ شهيداً فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضلَّ عنهم ما كانوا يفترون } . وكلمتا (( برهان )) و (( سلطان )) معناهما في جميع الآيات الدليل المقطوع به ، فالدليل من حيث هو دليل لا يكون إلا قطعياً ، ولم يستعمله القرآن إلاّ بمعنى القطعي . وقد دلّت الآيات المتعلقة بالظن على عدم جواز الاعتقاد بالدليل الظني ، ودلّت الآيات المتعلقة بالسلطان المبين على وجوب إقامة الدليل القطعي على العقيدة حتى تكون عقيدة . فيحرم على المسلم أن يعتقد ما كان دليله ظنياً ، لأن النهي عن الاعتقاد بالظني نهي جازم ، والنهي الجازم يعني التحريم . فكان الاعتقاد بالظن حراماً . أي أن الحكم الشرعي في العقائد هو أنه يحرم أن يكون دليلها ظنياً ، وكلُّ مسلم يبني عقيدته على دليل ظني يكون مرتكباً حراماً وآثماً عند الله تعالى . فتعريف الإيمان عبَّر عن الحكم الشرعي المتعلق بفعل العيد ، وهو إيجاب بناء عقيدته على الدليل القطعي ، وتحريم بنائها على الدليل الظني . فخطاب الشارع أمر ونهي متعلق بإقامة الدليل على العقيدة وقد بيّن وجوب الفعل وحرمته فهو متعلق بفعل العبد وليس متعلقاً بالتصديق ، هذا من جهة . ومن جهة أخرى فإن الشارع الحكيم إما أن يخاطب الناس بألفاظ يعرفون معانيها ، وفي هذه الحال لا تحتاج إلى بيان ، وإما أن يخاطبهم بألفاظ مُحْدَثةِ المعاني ، لا عهد لهم بها ، وفي هذه الحال يبين لهم الشارع مراده ببيان معاني الألفاظ التي خاطبهم بها ، وقد كان فيما خاطب الله به عباده أن طلب منهم الإيمان بأمور عدة منها الإيمان بالله تعالى ، والإيمان بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان برسل الله وملائكته وكتبه واليـوم الآخر ، ولمّا لم يكن لفظ الإيمان معروفاً عندهم بالمعنى الذي أراده الشارع لزِمَ بيان المعنى حتى يفهم الناس مراده ويلزموا ما فـرض عليهم ، فيخرجوا من ظلمات الكفر إلى نـور الإيمان ، ومن عذاب الجحيم إلى جنات النعيم . قال تعالى : { وما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومـه ليُبيّن لهم ، فيضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم } وقال : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّل إليهم ولعلهم يتفكرون } . ولفظ الإيمان وضعه العرب للدلالة على مطلق التصديق ، وجاء الشارع فنقله لمعنى آخر هو تصديق مخصوص ، حتى غلب استعماله بالمعنى الجديد ، وصار اللفظ يدل على المعنى الجديد من غير حاجة إلى قرينة . والذي دلّ على هذا المعنى الجديد هو اشتراط الشارع (( الجزم )) بالتصديق فخرج به الظـن وما دونه ، لأن غير الجازم في تصديقه والشاكّ والمرتاب كافر غير مؤمن بما طلبه الشارع منه ، وقد دلّ على كفره الأدلة القطعية الثبوت ، القطعية الدلالة . واشترط كذلك (( المطابقة للواقع )) إثباتاً لحقيقة التصديق ، لأن مطابقة التصديق للواقع دليل قائم على صدق الاعتقاد ، أي دليل قائم على صدق الفكرة التي انعقد الوجدان عليها ، وإن لم تتحقق المطابقة كان الاعتقاد كذباً لا حقيقة له . وقد جاءت الأدلة القطعية الثبوت القطعية الدلالة تذم وتكفِّر الفِرَق الضالة من اليهود والنصارى والمشركين القائلين بتعدد الإله وذلك لافترائهم وكذب معتقداتهم . واشترط أن يكون التصديق (( عن دليل )) أو (( بديل )) ، لأن الجزم بالتصديق من غير دليل قاطع مفيد للعلم اليقيني معصية . وقد دلّت الأدلة القطعية الثبوت القطعية الدلالة على تحريم التقليد في العقيدة وذمَّه ذمَّا شديداً . وقد جاء في بداية الكُرّاسة الحـزبية (( المتبنّاة )) شرح وبيان لواقع الإيمان أي الاعتقاد الذي طولب به المسلم ، واستدل بالنصوص القطعية على أهم ما في التعريف ، وقد جاء متوافقاً مع قوله في (( نداء حار )) : ( فالعقيدة في الإسلام هي التصديق الجازم المطابق للواقع عن يقين ) . إذ نَسَب كلّ جزء من أجزاء التعريف إلى العقيدة الإسلامية . وهو كذلك متوافق مع قوله في الكتاب الثالث من الشخصية الإسلامية في مبحث الحقيقـة الشرعية : ( وكالإيمان للتصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل ، وغير ذلك من الأسماء التي جاء بها الشرع ) . لأن بيان معنى الإيمان والعقيدة واقعياً لا ينافي الواقع الشرعي للعقيدة ، بل لا بدّ من التطابق التام بينهما . والشروط المذكورة في التعريف هي شروط لصحة الاعتقاد ، وشروط شرعية لإيمان معيّن طلبه ربُّ العالمين من عباده ، يقتضي الطمأنينة الدائمة والنجاة من النار والفوز بالجنة . وقد يوجد الإيمان بفكرة من الأفكار واقعياً مع فقدان بعض هذه الشروط ، ولكنه لا يكون إيماناً صحيحاً ولا منجياً من عذاب الله وسخطه . لأن الإيمان أو الاعتقاد يوجد واقعياً عند البشر حين يأخذ الوجدان فكرة ما ويضمها إليه ضمّاً كاملاً وأكيداً بارتياح ، ويشدها إليه ، ويوافقه العقل على ذلك ولو موافقة تسليم . فالاعتقاد أصله التصديق الجازم من قِبَل الوجدان بشرط موافقة العقل . والاعتقاد أي التصديق الجازم من قِبَل الوجدان يتحقق عند أهل العقائد الباطلة مع عدم مطابقة معتقدهم للواقع، على شرط وجود دليل يحقق الجزم . وقد يكون الدليل فاسداً ، وقد يكون دليلاً شعورياً ، لكنه أقنع صاحبه بوجه من الوجوه واطمأن إليه فأحدث الجزم عنده . فكل من يتوفر عنده ذلك يكون معتقداً أي مؤمناً بالفكرة التي ضمّها الوجدان إليه . والاعتقاد على هذه الصورة موجوداً وجوداً حسيّاً عند جميع البشر ، ولا يصح بعد ذلك أن يقال بأن أهل العقائد الباطلة غير جازميـن في معتقدهم ، بدعوى انعدام دليل يثبِت المطابقة للواقع وبدعوى أن دليل المطابقة للواقع هو الذي يسبب الجزم . لا يصح أن يقال ذلك لأن الذي يحقق الجزم هو دليل الفكرة التي ضمها الوجدان إليه ، وهذا الدليل هو الذي يوجد تسليم العقل بفكرة ، فينعقد الوجدان على الفكرة بعد تسليم العقل بها ، بغض النظر عن صحة الدليل وفساده . والقبول مردّه إلى الوجدان وتسليم العقل ، وليس إلى توهم المعتقد مطابقة معتقَدِه للواقع . لأن المطابقة للواقع دليل قائم بنفسه على صدق الفكرة ، ولا تحتاج المطابقة إلى دليل يثبتها ، بل مجرّد انطباق الفكرة على الواقع دليل على صدق الفكرة . وليست المطابقة شرطاً لحدوث الجزم ، فعقيدة التثليث عند النصارى لا تطابق الواقع ويستحيل أن تطابقه . ولم يدَّع النصارى أنفسهم أنها تطابقه ، ومع ذلك سلّموا بها واعتقدوها ، وعلّلوا قبولها بعدم خضوع الدين للعقل . ثم تحيّلوا لهذه الفكرة الخيالية بالفلسفة اليونانية لمدافعة حجج خصومهم . ومثل ذلك سائر العقائد الباطلة من يهودية وبوذية وزرادشتية وغيرها . وقد دلَّ تسليم هؤلاء بالفكرة والتمسك بها والغضب لها ، وبذل الأنفس والأموال والأولاد دفاعاً عنها على انعقاد الوجدان عليها . ويجدر التنبيه على أن هناك فرقاً بين الفكر والإيمان ، وأن الفكر شيء والإيمان شيء آخر، فالعقل يبحث في الأفكار بدراسة واقعها وقد يدركها ، لكن لا يلزم من إدراكه لواقعها أن يتحول ذلك الإدراك إلى تصديق ، لأن قبول الوجدان للفكرة شرط في حصول التصديق ، أي لا بدّ من تجاوب الوجدان مع الفكرة وارتياحه إليها حتى يضمّها إليه وينعقد عليها . فإذا لم يتجاوب الوجدان مع الفكرة ولم يرتح إليها فإنه يرفضها مهما كان عمق الإدراك ، قال تعالى : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً } . وقال : { قد نعلم أنه ليحزنك الذي يقولون ، فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } . وقال : { إنه فكر وقدّر ، فقتل كيف قدّر ، ثم قُتل كيف قدّر، ثم نَظَر ، ثم عَبَس وبَسَر ثم أدبَرَ واسْتكبر ، فقال إنْ هذا إلاّ سِحرُ يُؤثَر ، إنْ هذا إلاّ قول البشر}.

**سؤال **

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,
بارك الله فيك استاذ حاتم وجزيت الجنة.
لقد قرأت ما تفضلت به, ولكن عذرا شيخي العزيز ,يبدو ان عندي خلل في الفهم ولذلك ما زلت بحاجة الى مزيد شرح.

هلا شرحت لي شيخي العزيز ما معنى ان يكون التصديق الجازم مطابقا للواقع.

وبارك الله فيك
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخي العزيز بارك الله فيك وجمعني الله بك في جنات النعيم.

جاء في الرد السابق بعض الجمل التي لم افهمها حق الفهم, مثل قولك:

“لأن الإيمان أو الاعتقاد يوجد واقعياً عند البشر حين يأخذ الوجدان فكرة ما ويضمها إليه ضمّاً كاملاً وأكيداً بارتياح، ويشدها إليه، ويوافقه العقل على ذلك ولو موافقة تسليم”

فما المقصود ب “يوافقه العقل على ذلك ولو موافقة تسليم”؟

وجاء ايضا:

والاعتقاد أي التصديق الجازم من قِبَل الوجدان يتحقق عند أهل العقائد الباطلة مع عدم مطابقة معتقدهم للواقع، على شرط وجود دليل يحقق الجزم. وقد يكون الدليل فاسداً، وقد يكون دليلاً شعورياً، لكنه أقنع صاحبه بوجه من الوجوه واطمأن إليه فأحدث الجزم عنده

كيف يؤدي الدليل الفاسد الى الجزم عند اهل العقائد الباطلة؟ او ليس الجزم بحاجة الى دليل جازم؟

وبارك الله فيك والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,
وبارك الله فيك شيخي الاستاذ حاتم وجزاك الله الجنة.
سؤال ربما يكون الاخير في هذا الموضوع:
ماذا نقول عن تعريف الايمان الشائع بين الناس الا وهو: تصديق بالقلب ونطق باللسان وعمل بالجوارح.

وبارك الله فيك
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

خليل كتب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اشكرك شيخي واستاذي من كل قلبي على كل حرف كتبته لي
واسال الله الكريم ان يجزيك عني بكرمه الذي حدود له
كنت كلما كتبت لك سؤالا اشعر بالحرج وابقى قلقا حتى ياتيني الجواب منك عندها فقط كان يسرى عني
فبارك الله فيك وفي اهلك وذريتك.

ونلتقي ان شاء الله في موضوع اخر.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بداية أغبطك على طيب الخلق في الحوار النابع من شخصية اسلامية تراعي حُسن التقيد بأخلاق المسلمين في الحوار، وبالنسبة لحرجك عند السؤال فالأصل أن لا مشاحة في اختلاف وجهات النظر لذا شرع الله ( الجدال بالتي هي أحسن ) فلا تتحرج رعاك الله ما دمت تتبع ضوابط وقواعد الحوار رعاك الله.
وضوابط وقواعد الحوار التي أقصدها هي ما أرشدتنا اليها النصوص الشرعية التي تناولت الموضوع، ودراستنا لطريقة الحوار والجدال في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضا طرق التحاور بين المجتهدين وأصحاب المذاهب السابقين، نلتزم بها ان شاء الله في حملنا للدعوة وفي مخاطبتنا بعضنا بعضا وفي حوارنا مع الناس عامة.
جاء في آخر سورة النحل قول الله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] والخطاب في قوله: (ادع) لمن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقيل: إن الخطاب لكل من يصح أن يتوجه إليه الخطاب، النبي عليه الصلاة والسلام وغيره؛ لأن القرآن نزل للأمة جميعاً، فإذا قال الله: (ادع) فالخطاب لكل مؤمن أن يدعو إلى الله. وفي هذا الخطاب دليل على وجوب الإخلاص، أن تدعو إلى سبيل الله هذا إخلاص؛ وذلك لأن حملة الدعوة الاسلامية للناس لهم إرادات؛ من الناس من يدعو إلى سبيل الله لكن انتقاماً من المدعو، أو انتصاراً لرأي، هذا الذي يدعو انتقاماً من المدعو أو انتصاراً لرأيه هل يكون داعياً إلى الله، أو إلى سبيل الله؟ لا.
وقوله تعالى ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ يتبين منه أنه لابد من العلم، لماذا؟ لابد أن تعلم ما تدعو إليه أنه من شرع الله، فتعلم أولاً ثم إحمل ما تعلمته للناس، أما أن تدعو إلى سبيل الله وأنت تجهل سبيل الله فلا يُعقل ذلك !!! ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108] على علم، فلابد أن يكون الإنسان عالماً بما يدعو إليه، وأنه حق ومن شريعة الله.
ونحن أحوج ما نكون للتقيد بأحكام الشرع الحنيف، وقبلها معرفة الحكم الشرعي المتعلق بأفعالنا ، وذلك حتى لا نخالف الشرع، فيقع المحظور ونضل ونشقى، وقد خط الشارع أحكام دقيقة تنظم كيفية التعامل بيننا، بما في ذلك أحكام الحوار والنقاش، وقام فقهاء السلف بتفصيل وشرح ذلك في كتبهم وأبحاثهم، لم يبقوا في ذلك شاردة ولا واردة الا وتناولوها شرحاً وتفصيلاً.

ولكي لا أطيل فأرحب بك وبكل الأخوة بلا أي حرج في هذا المنتدى في مجالس حوار تحفها الملائكة بأجنحتها وفي أي مشاركات هادفة. وأنتظر منك المزيد من المشاركات.
وبارك الله بك

خليل كتب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيك شيخي العزيز.
في اول رد لك شيخي على سؤالي حول تعريف الايمان وردت هذه الجملة:

“والاعتقاد أي التصديق الجازم من قِبَل الوجدان يتحقق عند أهل العقائد الباطلة مع عدم مطابقة معتقدهم للواقع، على شرط وجود دليل يحقق الجزم. وقد يكون الدليل فاسداً، وقد يكون دليلاً شعورياً، لكنه أقنع صاحبه بوجه من الوجوه واطمأن إليه فأحدث الجزم عنده”

وما افهمه من هذه الجملة هو النصارى وغيرهم من الكفار قد تحقق الايمان عندهم وان كان هذا الايمان لا يغني من الحق شيئا, الا انه بحسب تعريف الايمان فقد تحقق لهم ذلك.

الا انه في ردك الاخير وردت الجملة التالية:" فالتصديق الجازم الغير مطابق للواقع والغير دافع للعمل لا يصل لمرتبة الايمان ويبقى تصديقا وكفى".
ارى تعارضا بين الجملة الاولى والجملة الثانية, ففي الجملة الاولى اثبت لهم الاعتقاد اي الايمان, اما في الجملة الثانية فقد نفيت عنهم الايمان, فهل ملاحظتي في محلها ام انني مخطأ؟

والامر الثاني هو حول “التصديق الجازم الذي يقبل الشك لا يسمى ايمانا”, لماذا نسميه اصلا تصديقا جازما ان كان يقبل الشك, فما دام هو يقبل الشك فلنسميه تصديقا وكفى.
ما رايك شيخي واسف جدا ان كنت قد سببت لك ازعاجا باسئلتي.

وبارك الله فيك والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قبل الخوض في الاجابة أرحب بك وبدون أي حرج فلا يوجد أي ازعاج بأسئلتك وإن من حقك معاودة الاستفسار حتى يتم وضوح الصورة والقبول.
بداية فإنّ واقع العقيدة عند البشر هي ما انعقد عليه القلب أي الوجدان، ومعنى انعقاد القلب أن يأخذ الوجدان هذه الفكرة ويضمَّها إليه ضمّاً كاملاً وأكيداً بارتياح ويشدّها إليه ويوافقه العقل على ذلك ولو موافقة تسليم. فالاعتقاد أصله انعقاد القلب على موافقة العقل، أي أصله التصديق الجازم من قِبَل الوجدان بشرط موافقة العقل، فإذا تَمَّ هذان الأمران: التصديق الجازم من قِبَل الوجدان وموافقة العقل لهذا التصديق فقد حصل انعقاد القلب أي حصلت العقيدة بمعنى حصل الاعتقاد.
قلنا بأن الاعتقاد أي التصديق الجازم من قِبَل الوجدان يتحقق عند أهل العقائد الباطلة مع عدم مطابقة معتقدهم للواقع، على شرط وجود دليل يحقق الجزم. وأضيف أنه أي التصديق الجازم من قبل الوجدان يتحقق عند قسم من المؤمنين بالله إذا طابق معتقدهم الواقع من مثل ( ايمان العجائز ) كما أطلق عليه بعض الفقهاء.
وفي قواميس اللغة : الوجدان اسم منسوب إلى وِجْدان : ما يُدرك بالقوى الباطنة ، ما يجده كلُّ واحد من نفسه

فالاعتقاد أي التصديق الجازم يتحقق عند الشيوعي والنصراني والهندوسي وغيرهم من الكفار مع عدم مطابقة معتقدهم للواقع.
فالمطابقة للواقع ليست شرطاً في حصول الاعتقاد، ولكنها شرط في صحته. وأما الدليل فوجوده شرط أساسي في وجود الإيمان، لأن الجزم لا يتحقق إلاّ بوجود الدليل بغض النظر عن كونه دليلاً صحيحاً أو فاسداً.

ولا أرى ما تراه بوجود تعارض بين النصين الأول والثاني، وربما كنت غير موفق في توضيح الفكرة، والأصل هو التفريق بين حالتين ركيزتهما ( التصديق الجازم ) أحداهما أخذت كل مقومات الايمان فكان هذا التصديق الجازم ايماناً، والثانية لم تأخذ كل مقومات الايمان فكانت مجرد تصديقا جازما لم يأخذ مرتبة الصحة أي ليس ايمانا.

هذا مع الانتباه لوجود خطأ في الفقرة الأولى من جوابي السابق وتصحيحها كالتالي : ( بداية فالتصديق غير الجازم لا يسمى إيماناً، والتصديق الجازم الذي لا يقبل الشك إذا لم يطابق الواقع وبالتالي لم يترتب عليه عمل لا يسمى إيماناً. )

أما أصل التعريف وبيانه فقد بحث الأصوليون في الايمان، فوجدوا أن أساس البحث الذي منه ينطلق الايمان هو مسألة الجزم، فالله تعالى عاب على من يعتقد بناء على الظن، ووصف الاعتقاد المبني على الظن بأنه خرص وإضلال ، وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون.

لذا فلكي يتحصل الجزم وينتفي الظن لا بد من دليل ولا بد من أن يطابق الأمر المبحوث الواقع، أي أن لا يكون الاعتقاد قائما على تخيلات وأوهام، كاعتقاد النصارى أن الله تعالى تجسد في الناسوت، وأنه ثالث ثلاثة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا

فأي تعريف للايمان ينبغي أن يبنى على التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل، سواء قلت الايمان ما وقر في القلب وصدقه العمل أو قلت قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان أو أي تعريف آخر

فعمل القلب الذي يدخل في كل هذه التعريفات هو التصديق ، وليس أي تصديق بل التصديق الجازم كي ننفي الظن الذي هو نوع من التصديق، وهو التصديق غير الجازم، ولا بد من مطابقة الواقع ولا بد من الدليل.

فهذه الأركان ثابتة في تعريف الايمان لا يمارى فيها.

خليل كتب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,
شيخي الاستاذ حاتم بارك الله فيك.
بعد قراءة الموضوع اعلاه تبين لي ان التصديق الجازم موجود عند كل من امن بحقيقة من الحقائق, فالنصارى يصدقون تصديقا جازما بمعتقدهم الفاسد, بل ان كفار مكة يصدقون تصديقا جازما بالهتهم التي لا تضر ولا تنفع, يصدقون تصديقا جازما على الرغم من ان الدليل الذي بنوا اعتقادهم عليه دليل غير جازم, وهذا ما اتمنى ان توضحه لي وهو كيف لدليل غير قطعي ان يؤدي الى الجزم؟ وهل ايمانهم هو ايمان عن طريق الوجدان؟

وبارك الله فيك والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,
أخي الفاضل
بداية فالتصديق غير الجازم لا يسمى إيماناً، والتصديق الجازم الذي يقبل الشك لا يسمى إيماناً، والتصديق الجازم الذي لا يقبل الشك إذا لم يطابق الواقع وبالتالي لم يترتب عليه عمل لا يسمى إيماناً.
وأما التصديق الجازم المطابق للواقع والذي لا يقبل الشك ويقتضي العمل فعلامته بالنص اللغوي أنه الذي يعدى بالباء فيقال: الإيمان بكذا.
من مثل قول الله تعالى: “آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ” [البقرة:285] , فالرسول صلى الله عليه وسلم آمن بما أنزل إليه من ربه، فصدق تصديقاً جازماً لا يقبل الشك، ويحض على العمل بما أنزل إليه من ربه؛ لأنه لا يمكنه أن يتردد لحظة في صدق ما جاءه؛ لأن الوحي ليس كالخبر وليس كالمشاهدة، فقد يشاهد الإنسان أمراً بعينه ثم يشك فيه بعد ذلك للتقادم، أو لطول الزمن، أو لقصور في النظر، أو لوجود عدد كبير من الناس يخبر بخلاف ما رأى فيتراجع عما رآه ببصره، وكذلك قد يسمع الشيء بأذنه ويجزم به في وقت معين، ثم يتزلزل ذلك الجزم بسبب طول الزمان، أو بسبب النسيان، أو بسبب مناقشة أدت به إلى أن يقلد الآخرين ويقدم سماعهم على سماع نفسه.
وسبب ذلك القصور في الجوارح، فالبصر جارحة من جوارح ابن آدم الحادث المخلوق، وهي جارحة قاصرة، ومن أجل هذا القصور فإنك ترى الشيء القريب منك في حجم معين، وكلما ابتعد صغر عنك، ترى الإنسان القادم من بعيد وهو صغير في حجمه، وكلما اقترب ازداد حجمه حتى يصل إلى مستواه الذي يجزم به البصر، وإن كان هذا المستوى غير مقطوع به، فيدك هذه إذا اقتربت من عينك غطت عن الرؤية، وإذا ابتعدت صغرت، وكلما ابتعدت ازدادت في الصغر، وهذا يقتضي منك الشك في المرئيات؛ لأنك لا يمكن أن تجزم جزماً حقيقياً بأن الحجم الحقيقي للأشياء هو ما تراه لحصول التذبذب حسب المسافة.
ومن هنا فنحن نرى الشمس قرصاً صغيراً يتصور الإنسان أنه بالإمكان أن يضعها في يده، والواقع أن الأرض كلها أقل من ربع مساحة الشمس، وكذلك نرى الكواكب السيارة الكبيرة في هذا الحجم الصغير في حجم شعلة النار أو في حجم المقباس، والواقع أن حجمها أضعاف حجم الأرض، فكل هذا يدلنا أن المرئيات المحسوسة بعلم الحادث كلها قابلة للشك، فلا يمكن أن يقول الإنسان: آمنت بأن فلاناً جالس بين يدي؛ لأن الإيمان لا بد أن يكون يقيناً لا يقبل الشك ولا يتزلزل، وينبنني عليه عمل.
وكذلك الحقائق العلمية لا يمكن أن يؤمن بها الإنسان، بمعنى: أن يجزم بها جزماً لا يقتضي الشك، بإمكان التذبذب فيها والزوال، لا يمكن أن يقول الإنسان الآن: آمنت بكروية الأرض -مثلاً-؛ لأن هذا لم ينزل به الوحي، وإنما هو راجع إلى مشاهدات قد تكون خطأً وقد تكون صواباً، فلذلك تقيد الإيمان المعدى بالباء بهذا اليقين.
الوحي ليس مأخوذاً عن طريق السماع ولا عن طريق البصر، وإنما: "نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ "[الشعراء:193-195] , فلا يمكن أن يتشكك الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يوحى إليه من ربه، فأنت يمكن أن تشك فيما حدثك به إنسان أو رأيته أو سمعته، لكن ما نزل به الوحي لا يمكن أن يقع فيه الشك، ومن هنا قال: "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ "[البقرة:285] .
أما الإطلاق الثاني -وهو تعدية الإيمان بالله باللام بمعنى التصديق الجازم الذي يقبل الشك- فمنه قول الله تعالى: "وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ "[يوسف:17] , فإخوة يوسف عليه السلام وعليهم عندما قدموا بالمكيدة إلى أبيهم يعقوب عليه السلام وأتوه بدم كذب وزعموا أن الذئب قد أكل يوسف عليه السلام قالوا: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف:17] , فلو كنت تجزم بصدقها فإنك لا تصدقنا بذلك، ومعنى الإيمان هنا التصديق الجازم الذي يقبل الشك؛ لأنه عدي باللام ولم يعد بالباء، فلم يقولوا: وما أنت بمؤمن بنا ولو كنا صادقين.
بل قالوا: "وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ "[يوسف:17] .
ومثل هذا قول الله تعالى: "وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ "[التوبة:61] , فـ(يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) هذا التصديق الجازم الذي لا يقبل الشك ويقتضي العمل، (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) معناه: يصدقهم فيما يقولون.
وهذا هو التصديق الجازم، لكنه مع ذلك يقبل الشك؛ لأن شهادة العدل -مثلاً- الأصل فيها أنها تفيد علماً، ولكن هذا العلم غير يقيني، ومن هنا اختلف أهل الحديث في الحديث الصحيح الذي رواه العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه دون انقطاع ولا شذوذ ولا علة، هل هو يقتضي اليقين الجازم أو لا يقتضيه؟ فجمهورهم على أنه لا يقتضي القطع، وهذا الذي عليه أهل المصطلح وجمهور أهل الحديث، وخالف في ذلك بعض الأصوليين فزعموا أن ما صح إسناده لزم الجزم به، سواءٌ أكان من أخبار الآحاد أو كان من المستفيض المشهور.

ومن كل ما سبق يتبين للأخ الكريم أنّ التصديق الجازم لا يشترط به أن يأتي عن دليل جازم، فيمكن أن يأتي نقلا عن خرافات وأساطير لذا اشترط به أن مطابقة الواقع، فالتصديق الجازم الغير مطابق للواقع والغير دافع للعمل لا يصل لمرتبة الايمان ويبقى تصديقا وكفى.
وللتوضيح فكفار مكة عندهم التصديق الجازم بآلهتهم، فانتقل تصديقهم الجاذم لإعلان الحرب على كل من يسفه عبادتهم للأصنام فدافعوا عنها وحاربوا في سبيلها وكان منهم القتلى بمعاركهم مع المسلمين،وهلك قسم من سادتهم وكبراءهم في خضم الذود عن معتقدهم رغم ضلاله في معاركهم مع المسلمين في بدر وأحد.
والنصارى كذلك فتصديقم للخرافات التي ابتدعها رهبانهم في موضوع صلب المسيح وغيره من الأباطيل كان تصديقا جاذما أتى بخرافات وليس بدليل قطعي ومع هذا حاربوا من خالفهم وأشعلوا الحروب والمعارك للذود عن معتقداتهم.
ويهود صدقوا دينا حرفهم كبراءهم تصديقا جاذما بلا دليل قطعي وأشعلوا نيران حروب مع مخالفيهم للذود عن خرافات ابتدعوها .

قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}‏‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 16‏-‏17‏]‏‏.‏

وقال‏:‏ ‏{‏‏ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ‏} ‏[‏الجاثية‏:‏ 18‏]‏‏.

‏‏ وقال تعالى‏:‏‏{‏‏كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ}‏‏، ثم قال‏:‏ ‏{‏‏وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏} ‏[‏البقرة‏:‏ 213‏]‏‏.

‏‏ وقوله‏:‏ ‏{‏‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ}‏‏ ‏[‏البينة‏:‏ 1‏]‏، بيان منه أن الكفار لم يكن الله ليدعهم ويتركهم على ما هم عليه من الكفر، بل لا يفكهم حتى يرسل إليهم الرسول بشيرًا ونذيرًا ‏{‏‏لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى}‏‏ ‏[‏النجم‏:‏ 31‏]‏ ومما يبين ذلك‏:‏ أن ‏[‏حتى‏]‏ حرف غاية، وما بعد الغاية يخالف ما قبلها‏.‏

آمل أن أكون قد أوضحت جواب سؤالك
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

خليل كتب:
**

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شيخي العزيز بارك الله فيك وجمعني الله بك في جنات النعيم.

جاء في الرد السابق بعض الجمل التي لم افهمها حق الفهم, مثل قولك:

“لأن الإيمان أو الاعتقاد يوجد واقعياً عند البشر حين يأخذ الوجدان فكرة ما ويضمها إليه ضمّاً كاملاً وأكيداً بارتياح، ويشدها إليه، ويوافقه العقل على ذلك ولو موافقة تسليم”

فما المقصود ب “يوافقه العقل على ذلك ولو موافقة تسليم”؟

وجاء ايضا:

والاعتقاد أي التصديق الجازم من قِبَل الوجدان يتحقق عند أهل العقائد الباطلة مع عدم مطابقة معتقدهم للواقع، على شرط وجود دليل يحقق الجزم. وقد يكون الدليل فاسداً، وقد يكون دليلاً شعورياً، لكنه أقنع صاحبه بوجه من الوجوه واطمأن إليه فأحدث الجزم عنده

كيف يؤدي الدليل الفاسد الى الجزم عند اهل العقائد الباطلة؟ او ليس الجزم بحاجة الى دليل جازم؟

وبارك الله فيك والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

**

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي ) وبعد:

فالوِجْدَانُ : مصدر : النفْسُ وقواها الباطنيّة.

والوِجْدَانُ : يطلق في الفلسفة، على كلُ إحساس أوَّليٍّ باللَّذة أو الألم،

كما يُطلَقُ على ضرب من الحالات النفسيّة من حيث تأثُّرُها باللَّذة ؛

أو الألم في مقابل حالات أخرى تمتاز بالإدراك والمعرفة.

والوجدان في اللغة: من وجد، وجدة، ووجدة، ووجودا، ووجدانا، وإجدانا بمعنى أدركه وحصل المطلوب، والإدراك هنا على ضربين: تصوري في الذهن أو تصديقي له واقع خارج الذهن مصداقا لحكمه في الذهن، والوجود أنواع

وجود حسي: وهو ما يوجد بوساطة الحواس الخمس، نحو: وجدت زيدا، ووجدت صوته ووجدت طعمه ووجدت خشونته.

ووجود شعوري: وهو ما يوجد بوساطة حركة الإحساس الغريزي بالشعور الداخلي في خلجات النفس، نحو: وجدت شعور الحب للأشياء والميل لها، من التملك والخوف والخشوع والتذلل والكبرياء وغيرها.

ووجود بقوة الإنفعال الشعوري كوجود الغضب والحزن والسيادة والسخط.

ووجود بالعقل كمعرفة وجود الله ونبوة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -.

وصار معنى الوجدان في العرف اسما للمشاعر وما ينتج عنها من انفعالات أو قوة انفعالية فيضفي على فكر الإنسان أبعادا صورية وتطلعات خيالية؛ وحد بنتاج الطاقة الحيوية في مظاهرها من الحاجات العضوية والغرائز.

وجاء في المصدر نفسه

وجعل فيها إدراك الفجور والتقوى (فألهمها فجورها وتقواها), أي: عرف النفس طريق الفجور والتقوى بالفطرة، فجعلها تميل إلى الطاعة وتحذر المعصية بصيرورة حركة الفطرة بمشاعر الوجدان.

والاسلام لم يحارب الايمان الوجداني بل طالب أن يكون الايمان قد أتى عن طريق التدبر في المخلوقات للوصول عن طريقها للإيمان الثابت الذي لا يتزعزع ولا تنفصم عُراه، والوجدان عامل مساعد يثبت ما توصل اليه الانسان بالتدبر وملأ نفسه طمأنينة وارتياح فأتى كعامل مساعد لتبيت تلك الطمأنينة. وقد قبل الاسلام الايمان الآتي عن طريق الوجدان وهو ما أسموه ( ايمان العجائز ).

وقد يتحقق بالوجدان التصديق الجازم بوجود الله بالقوة المبتغاه، وحتى أهل العقائد الباطلة قد صدقوا تصديقا جازما بما دفعهم الوجدان له من الانحراف العقائدي بأدلة ثبتت لديهم ما وصلوه من كفر دافعوا عنه وحاربوا لأجله وماتوا في الدفاع عنه، ومثال ذلك كفار مكة المعتقدون بصحة عبادة الأصنام والذين حاربوا دعوة الاسلام وقامت بينهم وبين اهل الدين الجديد معارك أججوها ونفوس قتلوها ونار دخلوها.

(…وقد نال رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ونال أصحابَه من أذى قريش وقبائل العرب ما هو معروف ومشهور ، ويكفي مثالاً على ذلك ما جاء في البداية والنهاية لابن كثير : " وقال البخاري حدثنا عياش بن الوليد …حدثني عروة بن الزبير سألت ابن العاص فقلت أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حِجْر الكعبة إذ أقبل عليه عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقاً شديداً ، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال : أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم … الآية " . وما جاء في البداية والنهاية : " عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا ثمانية وثلاثين رجلاً ألح أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور ، فقال : يا أبا بكر إنّا قليل فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته ، وقام أبو بكر في الناس خطيباً ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فكان أوّل خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين فضُربوا في نواحي المسجد ضرباً شديداً ووُطئ أبو بكر وضُرب ضرباً شديداً ، ودنا منه الفاسق عقبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويحرفهما لوجهه ، ونزا على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه ، وجاء بنو تيْم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر ، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ولا يشكّون في موته … " .

ولكن الأنبياء والرسل وكذلك أتباعهم من بعدهم ما كانوا ليدعوا حمل الدعوة وتبليغ الشرائع والأحكام ، بل كانوا يصبرون ويصبرون على ما يلاقونه حتى يحكم الله بينهم وبين أقوامهم ، وما عُرف أن نبياً أو رسولاً أو أتباع نبي أو رسول تركوا حمل الدعوة وتخلوا عن حمل الأمانة من تعذيب أصابهم ، أو تكذيب واستهزاء تعرضوا له ، فكما أن سنة الله في خلقه

أن الأمم والشعوب والأقوام يدافعون عن عقائدهم وأفكارهم وأحكامهم ، فإن سنة الله في خلقه أن الأنبياء والرسل وأتباعهم من حملة الدعوة يصبرون على الأذى والتعذيب حتى يحكم الله بينهم وبين أقوامهم وينزل نصر الله عليهم ، فالآية المذكورة قبل قليل : { ولقد كذبت رسلٌ من قبلك فصبروا على ما كُذِّبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدّل لكلمات الله } صريحة الدلالة على ما نقول . فالصبر على العذاب والأذى سنة لا تتخلف في كل من يحمل الدعوة من أنبياء وأتباع على مرّ العصور والدهور ، ولم يحصل ولا مرة واحدة أن نبياً أو رسولاً أو حتى جُمْلة الأتباع لنبي أو رسول تعرضوا لأذى أو عذاب فتركوا حمل الدعوة واستجابوا لمراد أقوامهم ، لأن ذلك لو حصل لكان خارقاً للسّنّة ، ومبدلاً لكلمات الله …)

آمل أن أكون قد أوضحت لك ما أبهم…وبارك الله فيك والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

خليل كتب:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,
وبارك الله فيك شيخي الاستاذ حاتم وجزاك الله الجنة.
سؤال ربما يكون الاخير في هذا الموضوع:
ماذا نقول عن تعريف الايمان الشائع بين الناس الا وهو: تصديق بالقلب ونطق باللسان وعمل بالجوارح.

وبارك الله فيك
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله بالأخ الفاضل خليل ورزقنا الله واياه العلم النافع والعمل به.
أهلا بك أخي وأرحب بطروحاتكم بالغا ما بلغت بلا تحديد ولا قيود.
بداية فمن يعتبر هذا القول تعريفا يعتبر العمل الصالح هو البرهان على صدق الايمان لأن القضية ليست ايمان أو اعتقاد فقط بل يجب أن يصاحب هذا الاعتقاد أو الايمان العمل الصالح ويستندون بذلك على الحديث : (قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- [ليس الايمان بالتمنى ولابالتحلى ، ولكن ماوقر فى القلب وصدقه العمل] (رواه أبن النجار والديلمى)، وجاء فى بعض الروايات بزيادة [العلم علم اللسان وعلم بالقلب ، فأما علم القلب فالعلم النافع ، وعلم اللسان حجة الله على بنى ادم ] قال الالبانى : أن هذا الحديث موضوع.فهذا ليس حديثا رغم شهرته بل هو من قول الحسن البصري وفي أسناده اليه نظر.
والحقيقة أن ما أوردته في سؤالك لا يرقى لدرجة التعريف بل هو إشارة لشواهد وجود الايمان ليس إلا، فالايمان يرتكز على التصديق، والتصديق لا يمكن اعتباره تصديقا بدون الإطمئان له وهو ما يعني أنه وقر في القلب، وما دام قد تم التصديق به وارتكازه بأن وقر في القلب، فسينطق به اللسان ولا بُدّ. فالمسلم يسبح الله ويحمده، والنصراني يقوم بأعمال التثليت التي يفرضها هذا الايمان مصاحبا ما انبثق عنه من قاعدة فصل الدين عن السياسة وحصر الدين في الكنيسة، وحتى الملحد يقوم بالعبادة مدفوعا بايمانه فالشيوعي يقدس حزبه ورجالاته. ويرافق ذاك الايمان عمل ينطبق بهذا الايمان وينبع من جراءه، فالمسلم يتقيد بالأحكام الشرعية المنبثقة عن هذا الإيمان، فيكون الأصل في كافة أعماله تقيد بالأحكام الشرعية،
يتضح لك أخي الكريم أن ما أشرت له على أنه تعريف للايمان هو مجرد قول قاصر على أن يصل لدرجة التعريف بل هو مجرد شواهد على هذا الايمان.
هذا علاوة على أنّ إنَّ تعريف الإيمان “بالتصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل” تعريف خاصّ بالعقيدة الإسلامية، وهو تعريف شـرعي وليس عقلياً، وقد نصّ عليه علماء التوحيد، وأخذوا لفظ الإيمان ومدلوله من اللغة والنصوص الشرعية، واحترزوا بقولهم: “الجازم” من الظن القوي وما دونه، لأن صاحبه كـــافر، و"بالمطابق للواقع" عن جزم لا حقيقة له، كجزم الفِرَق الضالة من اليهود والنصارى والمشركين القائلين بتعدد الإله. فعدم الجزم بالتصديق وعدم المطابقة للواقع كفر بالاتفاق. واحترزوا بقولهم: “عن دليل” أو “بدليل” عن التصديق تقليداً، لأن التقليد في العقيدة معصية، وقد عَدَّه بعضهم كفراً. والدليل عندهم هو الدليل القاطع المفيد للعلم اليقيني، ولو كان إجمالياً كدلالة الموجودات على وجود الله تعالى.
فالعقيدة في الإسلام هي التصديق الجازم المطابق للواقع عن يقين، فالتصديق غير الجازم لا يعتبر من العقيدة الإسلامية، والتصديق الجازم غير المطابق للواقع لا يعتبر من العقيدة الإسلامية، بل لا بدّ أن يجتمع في الفكر أمران اثنان: أحدهما الجزم في التصديق، والثاني مطابقته للواقع عن يقين، حتى يُعتبر هذا الفكر من العقيدة الإسلامية.

أما واقع العقيدة عند البشر فإن العقيدة هي ما انعقد عليه القلب أي الوجدان، ومعنى انعقاد القلب أن يأخذ الوجدان هذه الفكرة ويضمَّها إليه ضمّاً كاملاً وأكيداً بارتياح ويشدّها إليه ويوافقه العقل على ذلك ولو موافقة تسليم. فالاعتقاد أصله انعقاد القلب على موافقة العقل، أي أصله التصديق الجازم من قِبَل الوجدان بشرط موافقة العقل، فإذا تَمَّ هذان الأمران: التصديق الجازم من قِبَل الوجدان وموافقة العقل لهذا التصديق فقد حصل انعقاد القلب أي حصلت العقيدة بمعنى حصل الاعتقاد.
فالاعتقاد أي التصديق الجازم يتحقق عند الشيوعي والنصراني والهندوسي وغيرهم من الكفار مع عدم مطابقة معتقدهم للواقع.
فالمطابقة للواقع ليست شرطاً في حصول الاعتقاد، ولكنها شرط في صحته. وأما الدليل فوجوده شرط أساسي في وجود الإيمان، لأن الجزم لا يتحقق إلاّ بوجود الدليل بغض النظر عن كونه دليلاً صحيحاً أو فاسداً.
ولفظ الإيمان وضعه العرب للدلالة على مطلق التصديق، وجاء الشارع فنقله لمعنى آخر هو تصديق مخصوص، حتى غلب استعماله بالمعنى الجديد، وصار اللفظ يدل على المعنى الجديد من غير حاجة إلى قرينة. والذي دلّ على هذا المعنى الجديد هو اشتراط الشارع “الجزم” بالتصديق فخرج به الظـن وما دونه، لأن غير الجازم في تصديقه والشاكّ والمرتاب كافر غير مؤمن بما طلبه الشارع منه، وقد دلّ على كفره الأدلة القطعية الثبوت، القطعية الدلالة. واشترط كذلك “المطابقة للواقع” إثباتاً لحقيقة التصديق، لأن مطابقة التصديق للواقع دليل قائم على صدق الاعتقاد، أي دليل قائم على صدق الفكرة التي انعقد الوجدان عليها، وإن لم تتحقق المطابقة كان الاعتقاد كذباً لا حقيقة له. وقد جاءت الأدلة القطعية الثبوت القطعية الدلالة تذم وتكفِّر الفِرَق الضالة من اليهود والنصارى والمشركين القائلين بتعدد الإله وذلك لافترائهم وكذب معتقداتهم. واشترط أن يكون التصديق “عن دليل” أو “بديل”، لأن الجزم بالتصديق من غير دليل قاطع مفيد للعلم اليقيني معصية.

وقد دلّت الأدلة القطعية الثبوت القطعية الدلالة على تحريم التقليد في العقيدة وذمَّه ذمَّا شديداً. وقد جاء في بداية الكُرّاسة الحـزبية “المتبنّاة” شرح وبيان لواقع الإيمان أي الاعتقاد الذي طولب به المسلم، واستدل بالنصوص القطعية على أهم ما في التعريف، وقد جاء متوافقاً مع قوله في “نداء حار”: (فالعقيدة في الإسلام هي التصديق الجازم المطابق للواقع عن يقين). إذ نَسَب كلّ جزء من أجزاء التعريف إلى العقيدة الإسلامية. وهو كذلك متوافق مع قوله في الكتاب الثالث من الشخصية الإسلامية في مبحث الحقيقـة الشرعية: (وكالإيمان للتصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل، وغير ذلك من الأسماء التي جاء بها الشرع). لأن بيان معنى الإيمان والعقيدة واقعياً لا ينافي الواقع الشرعي للعقيدة، بل لا بدّ من التطابق التام بينهما.

والشروط المذكورة في التعريف هي شروط لصحة الاعتقاد، وشروط شرعية لإيمان معيّن طلبه ربُّ العالمين من عباده، يقتضي الطمأنينة الدائمة والنجاة من النار والفوز بالجنة. وقد يوجد الإيمان بفكرة من الأفكار واقعياً مع فقدان بعض هذه الشروط، ولكنه لا يكون إيماناً صحيحاً ولا منجياً من عذاب الله وسخطه. لأن الإيمان أو الاعتقاد يوجد واقعياً عند البشر حين يأخذ الوجدان فكرة ما ويضمها إليه ضمّاً كاملاً وأكيداً بارتياح، ويشدها إليه، ويوافقه العقل على ذلك ولو موافقة تسليم. فالاعتقاد أصله التصديق الجازم من قِبَل الوجدان بشرط موافقة العقل. والاعتقاد أي التصديق الجازم من قِبَل الوجدان يتحقق عند أهل العقائد الباطلة مع عدم مطابقة معتقدهم للواقع، على شرط وجود دليل يحقق الجزم. وقد يكون الدليل فاسداً، وقد يكون دليلاً شعورياً، لكنه أقنع صاحبه بوجه من الوجوه واطمأن إليه فأحدث الجزم عنده. فكل من يتوفر عنده ذلك يكون معتقداً أي مؤمناً بالفكرة التي ضمّها الوجدان إليه.

والاعتقاد على هذه الصورة موجودٌ وجوداً حسيّاً عند جميع البشر، ولا يصح بعد ذلك أن يقال بأن أهل العقائد الباطلة غير جازميـن في معتقدهم، بدعوى انعدام دليل يثبِت المطابقة للواقع وبدعوى أن دليل المطابقة للواقع هو الذي يسبب الجزم. لا يصح أن يقال ذلك لأن الذي يحقق الجزم هو دليل الفكرة التي ضمها الوجدان إليه، وهذا الدليل هو الذي يوجد تسليم العقل بالفكرة، فينعقد الوجدان على الفكرة بعد تسليم العقل بها، بغض النظر عن صحة الدليل وفساده. والقبول مردّه إلى الوجدان وتسليم العقل، وليس إلى توهم المعتقد مطابقة معتقَدِه للواقع. لأن المطابقة للواقع دليل قائم بنفسه على صدق الفكرة، ولا تحتاج المطابقة إلى دليل يثبتها، بل مجرّد انطباق الفكرة على الواقع دليل على صدق الفكرة. وليست المطابقة شرطاً لحدوث الجزم، فعقيدة التثليث عند النصارى لا تطابق الواقع ويستحيل أن تطابقه. ولم يدَّع النصارى أنفسهم أنها تطابقه، ومع ذلك سلّموا بها واعتقدوها، وعلّلوا قبولها بعدم خضوع الدين للعقل. ثم تحيّلوا لهذه الفكرة الخيالية بالفلسفة اليونانية لمدافعة حجج خصومهم. ومثل ذلك سائر العقائد الباطلة من يهودية وبوذية وزرادشتية وغيرها. وقد دلَّ تسليم هؤلاء بالفكرة والتمسك بها والغضب لها، وبذل الأنفس والأموال والأولاد دفاعاً عنها على انعقاد الوجدان عليها.
ختاماً أسأل الله تعالى أن أكون قد بينت لك بوضوح ما استفسرت عنه، مرحبا بكل ما ترغب السؤال عنه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

حاتم الشرباتي كتب:
** فائدة

فالإيمان بالله والقرآن ونبوة محمد قد حصل بناء على إدراك العقل حساً بوجود الله الأزلي الذي لا أول له. وإدراك العقل حساً أن القرآن كلام الله، بإدراكه في كل وقت حساً، إعجاز القرآن للبشر. وإدراك العقل حساً بأن محمداً نبي الله ورسوله بإدراكه حساً أنه هو الذي جاء بالقرآن كلام الله المعجِز للبشر. فهذه الأشياء الثلاثة: وجود الله، وكون القرآن كلام الله، وأن محمداً رسول الله، قد أدرك العقل مباشرة واقعها بواسطة الحس قطعاً، فآمن بها وصار لها واقع في الذهن وواقع محسوس.

**

شيخي العزيز الاستاذ حاتم بارك الله فيك على سعة صدرك, لقد أثقلت عليك, ولكنني أحاول أن أفهم ديني, فجزاك الله خيرا كثيرا.

لقد فهمت من الاقتباس أعلاه أن الدليل الذي جعل التصديق تصديقا جازما هو نفسه(أي الدليل) الذي جعل التصديق الجازم مطابقا للواقع, فهل فهمي صحيح؟

وبارك الله فيك والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

** فائدة
الإسلام مفاهيم للحياة وليست مجرد معلومات **

ليست مفاهيم الإسلام مفاهيم كهنوتية، ولا معلومات غيبية بحتة. وإنّما هي أفكار لها مدلولات واقعية يدركها العقل مباشرة حين يكون في مقدوره أن يدركها، أو يدرك ما دل عليها قطعاً لا ظناً حين يكون عاجزاً عن إدراكها مباشرة، فيدرِك المحسوس الذي دل عليه جزماً دون أي ارتياب.
فالمفاهيم الإسلامية كلها تقع تحت الحس مباشرة، أو يقع ما يدل عليها تحت الحس مباشرة. أي أن أفكار الإسلام كلها مفاهيم، لأنها إما أن يدركها العقل، أو أنها صادرة من شيء أدركه العقل، أي دل عليه. ولا يوجد في الإسلام أي فكر إلاّ وله مفهوم، أي له واقع في الذهن، مدرَك عقلاً، أو مسلَّم به تصديقاً جازماً وله واقع في الذهن مدرَك ما دل عليه عقلاً.
ولذلك لا توجد في الإسلام مغيَّبات بحتة. والمغيَّبات التي أمر الإسلام بالإيمان بها ليست غيبية بحتة، وإنّما هي مغيَّبة موصولة بالعقل، بإدراك العقل لما دل عليها وهو القرآن والحديث المتواتر. وعلى ذلك كان الإسلام كله واقعاً موجوداً في الحياة الدنيا، لأن لكل فكر فيه واقعاً في ذهن الإنسان، مستنداً إلى الحس، مستنداً إلى العقل. ومن هنا كان العقل هو الأساس الذي يبنى عليه الإسلام عقيدة وأحكاماً. وكانت عقيدته وأحكامه أفكاراً لها واقع، وكانت عقيدته وأحكامه مدرَكة إدراكاً واقعياً، لا فرق في ذلك بين المغيَّبات والمحسوسات، ولا بين الأحكام على الأشياء وهي الأفكار، وأحكام الأشياء وهي معالَجات، أو الإخبار بالإشياء أو عن الأشياء.
فالأفكار والأحكام والمحسوسات والمغيَّبات كلها وقائع لها واقع في الذهن مستند إلى العقل أو الإدراك أو الفكر.
أمّا العقيدة وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء والقدر، فإنها كلها مصدَّق بها بناء عن واقع موجود لها، ولكل واحدة منها واقع في الذهن.
فالإيمان بالله والقرآن ونبوة محمد قد حصل بناء على إدراك العقل حساً بوجود الله الأزلي الذي لا أول له. وإدراك العقل حساً أن القرآن كلام الله، بإدراكه في كل وقت حساً، إعجاز القرآن للبشر. وإدراك العقل حساً بأن محمداً نبي الله ورسوله بإدراكه حساً أنه هو الذي جاء بالقرآن كلام الله المعجِز للبشر. فهذه الأشياء الثلاثة: وجود الله، وكون القرآن كلام الله، وأن محمداً رسول الله، قد أدرك العقل مباشرة واقعها بواسطة الحس قطعاً، فآمن بها وصار لها واقع في الذهن وواقع محسوس.
وأمّا الإيمان بالملائكة والتوراة والانجيل وغيرها من الكتب السماوية والإيمان بالأنبياء والمرسَلين كموسى وعيسى وهرون ونوح وآدم، فإنه قد وُجد بناء على إخبار القرآن والحديث المتواتر بها، وأمرُه بالتصديق بها. فصار لها واقع في الذهن مستند إلى واقع محسوس، وهو القرآن والحديث المتواتر. فصارت كلها مفاهيم لأنها معاني أفكار، ذلك أن لها واقعاً موجوداً في الذهن.
وأمّا الإيمان بالقضاء والقدر، فإنه قد وُجد بناء على إدراك العقل حساً لفعل العبد بأنه وقع منه أو عليه جبراً عنه، وإدراك العقل حساً أن خواص الأشياء ليست مخلوقة لها، بدليل أن الإحراق لا يحصل إلاّ بدرجة معينة، فلو كان مخلوقاً لها لحصل كما تريد دون الخضوع لنسبة معينة، أي لنظام معين، فكان مخلوقاً لغيرها وهو الله، وليس لها. ولذلك كان القضاء والقدر قد أدرك العقل مباشرة واقعهما بواسطة الحس قطعاً، فآمن بهما وصار لهما واقع في الذهن وواقع محسوس. فكانت مفاهيم لأنها معاني أفكار، ذلك أن لها واقعاً موجوداً في الذهن. وعلى ذلك فالعقيدة الإسلامية كلها مفاهيم قطعية الوجود، قطعية الدلالة، لها واقع في ذهن المسلم يحس به، أو يحس بما يدل عليه. وبهذا يكون لها التأثير الفعال عليه.
وأمّا الأحكام الشرعية فإنها معالَجات لواقع، ويتحتم فيها دراسة الواقع وفهمه، ودراسة حكم الله في هذا الواقع بفهم النصوص الشرعية المتعلقة به، ثم تطبيق هذا الفهم عليه لإدراك ما إذا كان هو حكم الله فيه أم لا. فإن كان منطبقاً عليه في نظر المجتهد كان ذلك الفهم حكم الله في حقه، وإن لم يكن منطبقاً عليه بحث عن فهم غيره، أو نص غيره حتى يجد فهماً لنص منطبقاً على الواقع، وهكذا. وبهذا تكون الأحكام الشرعية مفهوماً لها واقع في الذهن، لأنها علاج محسوس، لواقع محسوس، فُهم من نص محسوس، فهي مفاهيم.
وعلى هذا فإن العقيدة الإسلامية، والأحكام الشرعية ليست معلومات للحفظ، ولا أفكار مجردة للمتعة العقلية، وإنّما هي مفاهيم دافعة للعمل، وجاعلة سلوك الإنسان متقيداً بها، متكيفاً بحسبها. ومن هنا كان الإسلام كله مفاهيم تسيِّر الإنسان، وليست مجرد معلومات.

خليل كتب:
**سؤال **

**

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,

بارك الله فيك استاذ حاتم وجزيت الجنة.

لقد قرأت ما تفضلت به, ولكن عذرا شيخي العزيز ,يبدو ان عندي خلل في الفهم ولذلك ما زلت بحاجة الى مزيد شرح.

هلا شرحت لي شيخي العزيز ما معنى ان يكون التصديق الجازم مطابقا للواقع.

وبارك الله فيك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

**

**جواب **

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,

الواقع المراد مطابقته إما أن يكون محسوسا فيكون دليله عقليا أو مغيباَ فيكون دليله نقليا مقطوعا بصحته(أي نص القرأن القطعي الثبوت القطعي الدلالة والحديث المتواتر)والملائكة في سؤالك المطروح هو واقع مغيب عنا لكننا نجزم بوجود الملائكة لأنها وردت في القرآن الذي ثبت عندنا ثبوتا جازماَ نزوله من الله على سيدنا رسول الله وبالتالي يكون إيماننا إيماننا بالملائكة تصديقا جازما مطابقا للواقع

ومطابقة الإيمان للواقع معناه ،أن يكون الإيمان مطابقا لواقع الفكرة وفي حدود الصورة التي ورد بها النص القطعي من غير زيادة ولا نقصان هذا بالنسبة للمغيبات عن الحس .

هكذا يفهم قول الشيخ المؤسس رحمه الله . وعليه فينبغي أن يكون إيماننا مثلا بالملائكة وتصورنا الذهني لهم في حدود الصورة التي تضمنها النص فقط .هذا هو معنى مطابقة الإيمان للواقع كما نفهمه بالنسبة للمغيبات .

مطابقة الواقع في الايمان بالملائكة فهو يشمل كذلك الايمان بالجنة و الايمان بالنار و كل الأشياء التي لا يقع حس الانسان عليها مباشرة و لا حتى على آثرها لان وقوع الحس على الواقع أو على آثاره هما السبيلان الوحيدان للادراك

من هنا كان ادراك هذه الأشياء مستحيلا بالنسبة لنا و لو لم يرد ذكرها في القرآن الكريم لما علمنا بوجودها بتاتا

فكان الخبر المقطوع بصدقه و هي آيات القرآن الكريم التي جاء فيها ذكر الملائكة هي الأساس الذي بني عليها الايمان بالملائكة*

و هذه الآيات جاءت ب:*

1 ذكر الملائكة مثل قوله تعالى*

{وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }البقرة31

{شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }آل عمران18

{وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ }آل عمران80

2 ذكر بعض صفات الملائكة*

{الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }فاطر1

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }التحريم6

إلى غير ذلك من آيات تتحدث عن أعمال تقوم بها الملائكة كالتسبيح و الاستغفار و قبض الأرواح بإذن ربها …*

فلما كان مطلوب منا الايمان بالملائكة

و لما كان الايمان انما هو التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل

فيجب علينا أن نتقيد و نقف عند حدود هذه النصوص بمعنى أن التصديق الجازم هنا يجب ان يكون مطابقا لما جاء في هذه الآيات*

فبالنسبة للأشياء المغيبة عن حس الانسان و التي طلب منه الايمان بها فان النصوص القطعية تكون في هذه الحالة بمنزلة الواقع و يجب أن يكون التصديق الجازم مطابقا لما جاء فيها

** فائدة : أركان الايمان**

  1. الإيمان بالله عز وجل
    هو الاعتقاد الجازم بوجود الله تعالى ربا وإلها ومعبودا واحدا لا شريك له، والإيمان بأسمائه وصفاته التي وردت في القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية من غير تحريف لمعانيها أو تشبيه لها بصفات خلقه أو تكييف أو تعطيل.نجد ان الايمان بالله يكون من خلال التدبر في الكون والنفس ، وترشدنا الايات وتعرفنا ضرورة الإيمان بالله سبحانه وتعالى ، وتدلنا بل تبرهن برهان محكم وقاطع على وحدة الخالق عز وجل سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، وما يتبع الايمان بالله تعالى كالأسماء والصفات فأتت بدليل نقلي.

  2. الإيمان بالملائكة
    المقصود من الإيمان بالملائكة هو الاعتقاد الجازم بأن الله خلق الملائكة من نور وهم موجودون، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، وأنهم قائمون بوظائفهم التي أمرهم الله القيام بها. وقد جاء الأمر بالايمان بالملائكة بدليل نقلي :قال تعالى: في سورة البقرة: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ

  3. الإيمان بالكتب السماوية
    ومعنى هذا أن نؤمن بالكتب التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله. ومن هذه الكتب ما سماه الله تعالى في القرآن الكريم, ومنها ما لم يسمى، قال تعلى في سورة الأعلى : إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ونذكر فيما يلي الكتب التي سماها الله عز وجل في كتابه العزيز: التوراة، الإنجيل، الزابور، صحف إبراهيم،قال تعالى في محكم تنزيله اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ سورة البقرة.وقال تعالى في سورة آل عمران: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ القرآن.فالتوراة لسيدنا موسى والانجيل لسيدنا عيسى والزبور لسيدنا داوود والصحف لسيدنا إبراهيم والقران المعجزة الخالدة لسيدنا محمد. فايماننا بالكتب السماوية يعني الايمان بنزول تلك الكتب التي أعلمنا بها الدليل فقط، ودون التزامنا بما تحتويه من أحكام.

  4. الإيمان بالرسل
    هو الإيمان بمن سمى الله تعالى في كتابه من رسله وأنبيائه, والإيمان بأن الله عز وجل أرسل رسلا سواهم, وأنبياء لا يعلم عددهم وأسماءهم إلا الله تعالى. وحاجتنا للرسل أتت المعرفة بها عن طريق الدليل العقلي، أما أسماء الرسل فنؤمن بنبوة من أتانا الدليل النقلي آمرا بالايمان به، فيحرم الايمان بغير ما ورد الدليل النقلي به.

لقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم خمسة وعشرين من الأنبياء والرسل وهم: آدم، نوح، ادريس، صالح، إبراهيم، هود، لوط، يونس، إسماعيل، اسحاق، يعقوب، يوسف، أيوب، شعيب، موسى، هارون، اليسع، ذو الكفل، داوود، زكريا، سليمان، إلياس، يحيى، عيسى، محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

فهؤلاء الرسل والأنبياء يجب الإيمان برسالتهم ونبوتهم. الإيمان بالرسل هو الركن الرابع 4 من أركان الإيمان، فلا يصح إيمان العبد إلا بالايمان بهم.والأدلة تؤكد ذلك، فقد أمر سبحانه بالإيمان بهم، وقرن ذلك بالإيمان به فقال تعالى: في سورة النساء يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً وجاء الإيمان بهم في المرتبة الرابعة من التعريف النبوي للإيمان كما في حديث جبريل : (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله..) رواه مسلم. وقرن الله سبحانه وتعالى الكفر بالرسل بالكفر به، فقال:في سورة النساء يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا 20بك ، ففي هذه الآيات دليل على ضرورة الإيمان بالرسل، ومنزلته من دين الله عز وجل، وقبل بسط الكلام في ذلك، يجدر بنا ذكر تعريف كل من الرسول والنبي، وتوضيح الفرق بينهما. الرسول هو الذي اُنزل عليه كتاب وشرع مستقل ومعجزة تثبت نبوءته وأمره الله بدعوة قومه لعبادة الله. أما النبي هو الذي لم ينزَّل عليه كتاب إنما أوحي إليه أن يدعو قومه لشريعة رسول قبله مثل أنبياء بني إسرائيل كانوا يدعون لشريعة موسى وما في التوراة، وعلى ذلك يكون كل رسول نبيا وليس كل نبي رسولا. كما يجب على المؤمن الإيمان بهم جميعا فمن كفر بواحد منهم أصبح كافرا بالجميع وذلك لأنهم جميعا يدعون إلى شريعة واحدة وهي عبادة الله.

  1. الإيمان باليوم الآخر
    ومعناه الإيمان بكل ما أخبرنا به الله عز وجل ورسوله مما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه ونعيمه, والبعث والحشر والصحف والحساب والميزان والحوض والصراط والشفاعة والجنة والنار، وما أعد الله لأهلهما جميعا.

  2. الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى
    أن خالق الخير والشر هو الله تعالى فكل ما في الوجود من خير وشر فهو بتقدير الله تعالى. فأن أعمال العباد من خير هي بتقدير الله تعالى ومحبته ورضاه, أما أعمال العباد من شر فهي كذلك بتقدير الله ولكن ليست بمحبته ولا برضاه، والايمان بالقدر ركن من أركان الايمان، وقد دلت الادلة من الكتاب والسنة على اثباته وتقريره. فمن الكتاب قوله تعالى:" إنا كل شيء خلقناه بقدر"(القمر:29)وقوله تعالى:“وخلق كل شيء فقدره تقديرا” (الفرقان:2)أما في السنة فيدل عليه حديث جبريل وسؤاله للنبي صلى الله عليه وسلم عن أركان الايمان فقال: { الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقَدَر خيره وشره }، رواه مسلم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اشكرك شيخي واستاذي من كل قلبي على كل حرف كتبته لي
واسال الله الكريم ان يجزيك عني بكرمه الذي حدود له
كنت كلما كتبت لك سؤالا اشعر بالحرج وابقى قلقا حتى ياتيني الجواب منك عندها فقط كان يسرى عني
فبارك الله فيك وفي اهلك وذريتك.

ونلتقي ان شاء الله في موضوع اخر.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

خليل كتب:
شيخي العزيز الاستاذ حاتم بارك الله فيك على سعة صدرك, لقد أثقلت عليك, ولكنني أحاول أن أفهم ديني, فجزاك الله خيرا كثيرا.

لقد فهمت من الاقتباس أعلاه أن الدليل الذي جعل التصديق تصديقا جازما هو نفسه(أي الدليل) الذي جعل التصديق الجازم مطابقا للواقع, فهل فهمي صحيح؟

وبارك الله فيك والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

**نعم أخي : أراك قد استوعبت جوابي ، لذا أود أن أكرر ما رميت له بجوابي تلافيا لأي التباس :

الواقع المراد مطابقته إما أن يكون محسوسا فيكون دليله عقليا أو مغيباَ فيكون دليله نقليا مقطوعا بصحته(أي نص القرأن القطعي الثبوت القطعي الدلالة والحديث المتواتر)والملائكة في سؤالك المطروح هو واقع مغيب عنا لكننا نجزم بوجود الملائكة لأنها وردت في القرآن الذي ثبت عندنا ثبوتا جازماَ نزوله من الله على سيدنا رسول الله وبالتالي يكون إيماننا إيماننا بالملائكة تصديقا جازما مطابقا للواقع، فجميع أقسام الايمان أتت بدليل بغض النظر عن كون الدليل عقلي أم نقلي فكلاهما دليل منطبق على الواقع.

مع الانتباه لأنّ مطابقة الإيمان للواقع معناه ،أن يكون الإيمان مطابقا لواقع الفكرة وفي حدود الصورة التي ورد بها النص القطعي من غير زيادة ولا نقصان هذا بالنسبة للمغيبات عن الحس . وعليه فينبغي أن يكون إيماننا مثلا بالملائكة وتصورنا الذهني لهم في حدود الصورة التي تضمنها النص فقط دون اضافات ودون تخيلات ودون استحداث صور لم يأت بها الدليل .هذا هو معنى مطابقة الإيمان للواقع كما نفهمه بالنسبة للمغيبات .

أما مطابقة الواقع في الايمان بالملائكة فهو يشمل كذلك الايمان بالجنة و الايمان بالنار و كل الأشياء التي لا يقع حس الانسان عليها مباشرة و لا حتى على آثرها لان وقوع الحس على الواقع أو على آثاره هما السبيلان الوحيدان للادراك

من هنا كان ادراك هذه الأشياء مستحيلا بالنسبة لنا و لو لم يرد ذكرها في القرآن الكريم لما علمنا بوجودها بتاتا فنلتزم بايماننا بها ما ورد به النص أي أن الحكم في مطابقتها للواقع هو الدليل.

آمل أن أكون قد وفقت لشرح الفكرة بحيث وضحت لأخي الكريم. وبارك الله بك على دقة السؤال.

فكان الخبر المقطوع بصدقه و هي آيات القرآن الكريم التي جاء فيها ذكر الملائكة هي الأساس الذي بني عليها الايمان بالملائكة**

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيك شيخي العزيز.
في اول رد لك شيخي على سؤالي حول تعريف الايمان وردت هذه الجملة:

“والاعتقاد أي التصديق الجازم من قِبَل الوجدان يتحقق عند أهل العقائد الباطلة مع عدم مطابقة معتقدهم للواقع، على شرط وجود دليل يحقق الجزم. وقد يكون الدليل فاسداً، وقد يكون دليلاً شعورياً، لكنه أقنع صاحبه بوجه من الوجوه واطمأن إليه فأحدث الجزم عنده”

وما افهمه من هذه الجملة هو النصارى وغيرهم من الكفار قد تحقق الايمان عندهم وان كان هذا الايمان لا يغني من الحق شيئا, الا انه بحسب تعريف الايمان فقد تحقق لهم ذلك.

الا انه في ردك الاخير وردت الجملة التالية:" فالتصديق الجازم الغير مطابق للواقع والغير دافع للعمل لا يصل لمرتبة الايمان ويبقى تصديقا وكفى".
ارى تعارضا بين الجملة الاولى والجملة الثانية, ففي الجملة الاولى اثبت لهم الاعتقاد اي الايمان, اما في الجملة الثانية فقد نفيت عنهم الايمان, فهل ملاحظتي في محلها ام انني مخطأ؟

والامر الثاني هو حول “التصديق الجازم الذي يقبل الشك لا يسمى ايمانا”, لماذا نسميه اصلا تصديقا جازما ان كان يقبل الشك, فما دام هو يقبل الشك فلنسميه تصديقا وكفى.
ما رايك شيخي واسف جدا ان كنت قد سببت لك ازعاجا باسئلتي.

وبارك الله فيك والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,
شيخي الاستاذ حاتم بارك الله فيك.
بعد قراءة الموضوع اعلاه تبين لي ان التصديق الجازم موجود عند كل من امن بحقيقة من الحقائق, فالنصارى يصدقون تصديقا جازما بمعتقدهم الفاسد, بل ان كفار مكة يصدقون تصديقا جازما بالهتهم التي لا تضر ولا تنفع, يصدقون تصديقا جازما على الرغم من ان الدليل الذي بنوا اعتقادهم عليه دليل غير جازم, وهذا ما اتمنى ان توضحه لي وهو كيف لدليل غير قطعي ان يؤدي الى الجزم؟ وهل ايمانهم هو ايمان عن طريق الوجدان؟

وبارك الله فيك والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سؤال حول تعريف الايمان

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,
شيخنا الاستاذ حاتم بارك الله فيك عندي سؤال حول تعريف الايمان,
نعرف الايمان بانه التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل.

وسؤالي هو :
اذا كان من شرط الايمان بحقيقة ما ان يكون التصديق بها مطابقا للواقع فما الحاجة الى الدليل؟ الا يكفي المطابقة مع الواقع؟

وبارك الله فيك
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.