وهي مع كونها رسالة عربية، فهي رسالة عالمية في نفس الوقت، ولذلك لا تكون فائدة اعتناقها، بعث الأمة العربية فقط. بل الفائدة الحقيقية من اعتناقها، هي إنهاض الأمة العربية، وإعدادها إعدادا تاما لان تحمل رسالتها هذه إلى العالم لتحمل له السعادة التي تتمتع بها وتنظر إلى انه يجب أن يتمتع جميع العالم بها كما تتمتع الأمة العربية سواء بسواء.
وهي حين تحمل إلى العالم رسالتها لا تجبره على اعتناقها، بل تحمله على التمتع بضيائها،ونوال السعادة بهذا الضياء، وهو طبيعيا يعتنقها ويعتبرها هي الحياة، وهي كذلك لا تعتمد إلى القوميات الأخرى فتحاول هدمها بالبطش والجبروت، بل تترك لكل قوم حرية الاحتفاظ بقوميتهم، حتى ولو اعتنقوها، وان كان من الطبيعي أن يصبح هؤلاء القوم عربا، إذا كان اعتناقهم لها عن عقيدة وإيمان هذه الرسالة الإسلامية الخالدة لا تبعث الأمة العربية فقط. بل ترفع الأمة العربية إلى مرتبة الدعوة العالمية، وتنمي الأمة العربية حتى تصبح مع الزمن امة كبرى بين الأمم.
على هذه الرسالة ? وهي بطبعها لا تكره الناس أن يكونوا مؤمنين بها ? هي من ناحية الدولة لا تجعل الجامع بين المواطنين هو الطائفية والمذهب، وإنما تجعل الجامع بينهم هو التابعية للدولة أي الولاء لها وهو معنى أكثر من معنى الجنسية ومعنى الولاء مجتمعين. وهذه التابعية. هي التي يكتسب بها الفرد في الأمة حق المواطن، تحت راية الدولة. ويطبق القانون والدستور على الجميع سواء بسواء بما يحفظ كيان الأمة العربية، بغض النظر عن الأجناس واللغات فلو أن أبا مسيحيا يحمل تابعية الدولة " طلب النفقة من ابنه المسيحي أو اليهودي أو المسلم فان القاضي يحكم له بالنفقة، لأنه مواطن إذ يحمل تابعية الدولة. ولكن لو فرضنا أن أبا مسلم لا يحمل تابعية الدولة وإنما له تابعية أجنبية وطلب النفقة من ابنه فلا يحكم القاضي له بالنفقة لأنه غير مواطن إذ لا يحمل تابعية الدولة ويحمل تابعية أجنبية.
وبذلك يطبق الدستور والقانون على العربي والارمني والهندي والمسيحي واليهودي والمسلم سواء بسواء ما داموا يحملون التابعية والولاء.
وإذا فرسالة العرب هي الإسلام وهي وحدها الرسالة التي يجب أن يعتنقها العرب بجميع طوائفهم ولا سيما المسلمين منهم باعتبارها رسالة مبدئية تحل لهم مشاكل الحياة وتبعثهم من رقدتهم وتحيهم من موتتهم الحياة الحقة. ومت اعتنقوها واتخذوها رسالة لهم يطبقونها لهم في الحياة يكونوا قد عالجوا العامل السلبي الذي يؤخر نهضتهم. وبه يعالجون العامل الايجابي في مكافحة الاستعمار ومكافحة الثقافة الاستعمارية لان الرسالة تتخذ النبراس الذي نهتدي به في الحياة ونسير على ضوءه. وتتخذ الثقافة الوسيلة للدعوة إلى هذه الرسالة، وتربية الشعب بها تربية تجعله صالحا للحياة وبهذا توجد ثقافة عربية لأمة عربية. غير انه ينبغي أن يفهم أن الأمة العربية واحدة من الأمم العالمية، ومجتمعها جزء من المجتمعات العالمية، فلابد أن تعيش بوصفها امة عربية أولا. وهذه الحياة تقتضى أن تكون لها الحياة ثقافة عربية، ولابد أن تعيش بوصفها امة من الأمم الإنسانية العالمية، وهذه الحياة تقضي أن تكون لها علوم عالمية، ولذلك نعلن أن بحثنا لا يتناول العلوم وإنما يتناول الثقافة فقط وفرق بين العلم والثقافة، إذ العلم عالمي لا يختص بأمة ولا بقطر، والثقافة خاصة متميزة. وإذا لابد أن تكون في المدرسة ثقافة للفرد باعتباره يعيش في وسط مخصوص ومجتمع متميز،ولا بد له من العلم باعتباره يعيش في العالم وكلا الناحيتين العلم والثقافة تشكل برنامج التعليم وهو الذي ينبغي أن يكون وحدة تصير وفق رسالة الأمة العربية وبتوجيهها. غير انه لابد أن يزال غبار الزمن العالق بأذهان الطبقة الرجعية القديمة في شأن مفهوم هذه الرسالة الحقيقي. وان يزال غبار الغزو الثقافي الأجنبي العالق بأذهان الشاب المتعلم المقلد في شأن مفهوم هذه الرسالة. وان تقاوم الأفكار الاستعمارية التي تحاول أن تشوه رسالتنا بالدعاية الفاسدة المضللة.كما تقاوم تلك المبادئ المبهرجة الزائفة التي تدعى التقدمية بالألفاظ الرنانة الخالية من المعنى، لأنها تحذر العقليات الضعيفة وتقعدها عن اخذ رسالتها، بإرضائها بالألفاظ الجوفاء التي لا تدل على معنى ولا ترشد إلى نظام. وكذلك لابد أن تقاوم العقليات الناقلة نقلا تقليديا سواء من رجال الطبقة القديمة أو من شباب الطبقة الحديثة. وان تحكم دائما وجهة نظر العقليات المتبكرة المتطورة المنتجة على أساس علمي وتجريبي، وعلى أساس المعرفة والاستنباط. وهذه العقليات هي التي لابد أن تعرف نفسها وهي إلي لابد أن يعرفها الناس وهي التي تقود ركب الثقافة العربية لأداء الرسالة الخالدة في الوجود.