ديوان الشاعر محمود غنيم

**المختار من أشعار الشاعر محمود غنيم

بغداد

بغدادُ قرةُ عينِ الشرق، بغدادُ***لحنٌ تغنَّى به الإسلامُ والضادُ

الدهرُ يعرفها للكون عاصمةً***تقودُه، كيفما شاءتْ؛ فينقاد

إن تبتسمْ تُشرقِ الدنيا، وإن غَضَبَتْ***ففي السمواتِ إبراقٌ وإرعاد

تُزْهى الحواضرُ ما شاءَت بحاضرها***وكلُّها لكِ، يا بغدادُ، أولاد

الغربُ يعرف ما أدَّى بنوك لهُ***الكُتْبُ تنطق، والأقلامُ شُهَّاد

بني عمومة طهَ، ما أقول لكم***وأنتمو لبني العباسِ أحفاد؟

تدري العروبةُ يومَ الروع أنكمو***لها سواعدُ في الجُلَّي، وأعضاد

ثُرتُم على البغي والباغي، ولا عجبٌ***فالشعب للحاكم الجلادِ جلاد

ما في العراق افتراقٌ بعد ثورته***أكرادُه عَرَبٌ، والعُرْبُ أكراد

ما كَاسْم بغدادَ في الأفواه أُغنيةٌ***ولا كأمجادكم، يا قومُ، أمجاد

قل للآلي طاف حول النجم طائفُهم***وارتاد منهم طِباقَ الجوِّ مُرتاد:

إن تفعلوا، فبنو العباس من قدمٍ***تناولوا بالأكفِّ النجمَ أو كادوا

أيامَ ملكُ بني العباسِ مزدهرٌ***له من الشمس والأفلاك حُسَّاد

عروشُهُم فوق ظهر الأرض راسخةٌ***كأنها فوق ظهر الأرضِ أوتاد

لم أدر: كانوا ملوكًا أم فلاسفة؟***عليهمو من نسيج العلم أبْراد

العلم حليتهم؛ ما منهمو مِلكٌ***إلا فقيهٌ، ونـحويُّ، ونقَّاد

فاض الفراتُ حضاراتٍ؛ فكان له***بها مع الماء إرغاء وإزباد

وسال دِجْلَةُ قبل الماء معرفةً***منها ارتوت مُهَجٌ ظمأي وأكباد

ما كان للشعر في بدوٍ وحاضرةٍ***لولا رواتُك، يا بغدادُ، إنشاد

الشعرُ، أنت التي علَّمْتِ وازنَهُ***أن القوافيَ أسبابٌ وأوتاد

دوَّنتِ ما نظَم الأسلاف من دُرَرٍ***لولاك بادَتْ غواليها كما بادوا

كم من معارفَ قد أَحيَيْتِ دائرَها***وكم لعلمٍ جديدٍ فيك ميلاد

لولاك ما كان للفصحى مذاهبُها***وللحديث رواياتٌ وإِسْناد

بغداد، حسبُك من دنياك أربعةٌ9***هم في الشريعة للأجيال روّاد

مدينةٌ، للنُّواسيين ركنهمو***فيها، وللعلم والآداب قُصَّاد

العيشُ فيها كموج البحر مصطخبٌ***فيه تلاقت من الألوان أضداد

لِلَّهْو فيها حوانيتٌ وأنديةٌ***وللصلاة محاريبٌ وعُبَّاد

وللثقافة تأليف وترجمةٌ***وللغناءِ مزاميرٌ وأَعواد

يا رُبَّ كنز حوته دارُ حكمتها***تُحْصَى النجومُ ولا يحصيه تعداد

كنز من الفكر فيه كلُّ مبتكرٍ***أملاه ذهنٌ كومض البرق وقَّاد

يا رُبَّ شعرٍ عراقيّ هتف به9***كأنه لِيَ في الأسحار أوراد

مازلت أتلوه حتَّى لم يعُدْ أبدًا***بيني وبين الألى قالوا أبعاد

الوهم مثَّلهم لي في الكتاب؛ فهمْ***فوق الصحائفِ أرواحٌ وأجساد

هذا ابن هاني على يُمْنايَ يُنْشدني***وعن يسارِيَ بَشَّارٌ وحمَّاد

وأين منك عهودٌ رُحتُ أنشرها***مرّت بها عقب الآماد آماد؟

دعني أُسَرِّحُ في آثارها نظري***آثارُها عظَةٌ كبرى وإرشاد

دعني أعيشُ مع الماضين في حُلُمٍ***إن الهمومَ على اليقظان تزداد

علَّ الرشيدَ إذا أنشدت يسمعُني***إن الرشيدَ كريمُ الكفِّ جوّاد

وما الرشيدُ سوى لحنٍ يرددهُ***فمُ الزمان، وللألحانِ ترداد

حصَّادُ هامِ العِدا في كل معركةٍ***وللسنابل يومَ السلم حصَّاد

ينهي، ويأمر في الدنيا، وفي يده***بعد المقادير إشقاءُ وإِسعاد

تُزْجَى إليه هدايا الرومِ لا كرمًا***إن الضعيف لمن يخشاه وَدَّاد

أهاب بالسحب: أنَّى شِئت فانسكبي***فكل نبتِك لي، يا سُحْبُ، إيراد

ربُّ القصورِ -قصور العزِّ- باذخةً***كأنها في نطاحِ السُّحْب أطواد

ربُّ الجوارِي اللَّواتي ما لهن سوى***عواهل الفرس والرومان أجداد

من كل جاريةٍ للشعرِ راويةٍ***كأنها غُصُنٌ الرَّوْض مَيَّاد

لنا أوائلُ سنُّوا كلَّ مَكْرُمة***شمُّ الأَنوف أباةُ الضَّيمْ أمجاد

شادوا المعاقلَ، والآطامُ شامخةٌ***لله والمجيدِ والعمرانِ ما شادوا!

إن يُسْألوا مالَهم، في السلم، ما بخلوا***أو يُسْألوا، في الوغى، أرواحَهم جادوا

لهمْ سيوف على الأغماد ثائِرةٌ***لكنْ لها قُلَلُ الأبطالِ أغماد

همْ في رءوسِ أعاديهم ذوو طمع***وفي الغنائِم -بعدَ النصر- زُهَّاد

ينقضُّ كالصقر فوق المدْنِ جيشهمو***كأنما هي صَيْدٌ وَهْوَ صيَّاد

في السلم إن عاهدوا، والحرب إن ظفروا***عن شِرْعة العدلِ والإسلامِ ما حادوا

لا تلمِسُ الأرضُ منهم بيضَ أوجههم***إلا وَهُمْ لجَنَاب اللهِ سُجَّاد

أبناءَ يعرُبَ، لنا من سلالتهم***إن نـحن لم نَسُد الدنيا كما سادوا

تكتَّلَت أُممُ الدنيا بأجمعها***وأنتِ، يا أُمةَ التوحيد، آحاد

إني لأُوشِك أن أعتَدَّ وحدَتَنا***دِينًا، وأنَّ افتراقَ الشملِ إلحاد

بالأمس: كُنَّا، وكان الشرق أجمعُهُ***إن قام تُقْعِدْه أغلالٌ وأصفاد

في وادٍ للاستعمار قاعدةٌ***لها أساسان: تخريب وإفساد

واليوم: لا عيشَ للمحتلِّ في بلد***حرٍّ، ولن تلبَس الأطواقَ أجياد

قد بات مارد الاستعمار محتضَرًا***يبكيه من عُصْبة السكون عُوَّاد

ما عذرنا إن بقينا أُمة شيعًا***لكل جيش بها جندٌ وقُوَّاد؟

كادَ الأعادي لنا يومَ اللقاءِ، ولو***أَنَّا وقفنا لهم صفًّا، لما كادوا

لا يحرز النصرَ جيشٌ غيرُ متَّسِقٍ***تباينت فيه أجْنَادٌ وأبناد

عجائب الدهر لا تُحْصَى، وأعْجَبُها***أن يُخْلِيَ الغابَ للذؤبان آساد!

البَغْيُ أَوْجدَ إسرائيل من عدمٍ***ولن يدومَ لإسرائيل إيجاد

وإنما القدر المحتوم لاحِقُهم***يومًا، وللقدر المحتوم ميعاد

فلْيعلم الغَرْبُ أن الشرق لافظُهم***وإن أتتهمْ من الشيطانِ أمداد

إني أُسِئُ إلى الأوغاد قاطبةً***إن قلت عن عصبة الصِّهْيوْن: أوغاد

هم أحرزوا النصر؛ حتى ما لغيرهمو***في النقص: نونٌ، ولا قاف، ولا صاد

أبناءَ يَعْرُبَ، ذودوا عن محارمكم***إن الكريمَ عن الأعراض ذوَّاد

اللاجئون جِراحٌ في جوانـحِنا***تَدْمَي، فهل لجراح العُرْب ضَمَّاد؟

اللاجئون سَقام في مفاصلنا***ولا شِفاء لَه إلا إذا عادوا

أَلْقُوا بصهيون في عُرْض الفَلاةِ؛ فهم***من عهد فرعون أَفَّاقون، شُرَّاد

تعوَّدُوا النفيَ والتشريد من قدمٍ***وكلُّ ما عُوِّدَ الإنسانُ يعتاد

سلْ «سُرُّ من را»: أباق في مرابضها***من جيشها الباسِلِ المغْوَار أفراد؟

هل ثَمَّ معتصم ثانٍ نُهيبُ بهِ؟***نادُوه، يا أهل يافَا، جَهْرةً، نادوا

قولوا لمنقذِ عَمَّوريَّةَ: اغْتُصِبَتْ***منَّا الديار؛ فلا ماءُ، ولا زاد!

يا يومَ رَدِّ فِلَسطينَ الشهيدةِ، ما***للعُرْب غيرُكَ في الأيام أعياد

لا يحسَب القوم أن العُرْبَ قد عَقِموا***شعبُ العُروبة للأبطال ولاَّدَ

مازال فينا لعَمْروٍ، وابن حارثةٍ***وخالدٍ، وصلاح الدين أنداد

ألمصدر:

www.poetsgate.com

**المختار من أشعار الشاعر محمود غنيم

وقفة على طلل

مالي وللنجم يرعاني وأرعاه***أمسى كلانا يعافُ الغمضَ جفـناه

لي فيك يا ليل آهاتٌ أرددها***أُواه لو أجدت المحزون أُواه

لا تحسبني محبًا أشتكي وصبًا***أهون بما في سبيل الحب ألقاه

إني تذكرت والذكرى مؤرقةٌ***مجدًا تليدًا بأيدينا أضعناه

ويْح العروبة كان الكون مسرحها***فأصبحت تتوارى في زواياه

أنَّى اتجهت إلى الإسلام في بلدٍ***تجده كالطير مقصوصًا جناحاه

كم صرّفتنا يدٌ كنا نُصرّفها***وبات يحكمنا شعب ملكناه

هـل تطلبون من المختار معجزةًي***كفيه شعبٌ من الأجداث أحياه

من وحَّد العرب حتى صار واترهم***إذا رأى ولدَ الموتور آخاه

وكيف ساس رعاة الشاة مملكة***ًما ساسها قيصرٌ من قبل أو شاهُ

ورحَّب الناس بالإسلام حين رأوا***أن الإخاء وأن العدل مغزاه

يا من رأى عمرَ تكسوه بردته***والزيتُ أدمٌ له والكوخُ مأواه

يهتز كسرى على كرسيه فرقًا***من بأسه وملوكُ الروم تخشاه

هي الشريعة عين الله تكلؤها***فكلما حاولوا تشويهها شاهوا

سل المعالي عنا إننا عربٌ***شعارنا المجد يهوانا ونهواه

هي العروبة لفظٌ إن نطقت به***فالشرق والضاد والإسلام معناه

استرشد الغربُ بالماضي فأرشده***ونحن كان لنا ماضٍ نسيناه

إنّا مشينا وراء الغرب نقتبس من***ضيائه فأصابتنا شظاياه

بالله سل خلف بحرالروم عن عرب***بالأمس كانوا هنا ما بالهم تاهوا

فإن تراءت لك الحمراء عن كثبٍ***فسائل الصرح أين المجد والجاه

وانزل دمشق وخاطب صخر مسجدها***عمّن بناه لعل الصخر ينعاه

وطف ببغداد وابحث في مقابرها***علّ امرأً من بني العباس تلقاه

أين الرشيد وقد طاف الغمام به***فحين جاوزَ بغداد تحداه

هذي معالم خرس كل واحدة***منهن قامت خطيبًا فاغرًا فاه

الله يشهد ما قلَّبت سيرتهم***يومًا وأخطأ دمع العين مجراه

ماضٍ نعيشُ على أنقاضه أممًا***ونستمد القوى من وحيِ ذكراه

إنِّي لأعتبرُ الإسلام جامعة***للشرق لا محض ديـنٌ سـنَّهُ الله

أرواحنا تتلاقى فيه خافقة***كالنحل إذ يتلاقى في خلاياه

دستوره الوحي والمختار عاهله***والمسلمون وإن شتّوا رعاياه

لاهُمَّ قد أصبحت أهواؤنا شيعًا***فامنن علينا براعٍ أنت ترضاه

راعٍ يعيد إلى الإسلام سيرتُه***يرعى بنيه وعين الله ترعاه

ألمصدر:

المختار من أشعار الشاعر محمود غنيم
في أرض النبوة ..
صوت من العالم العلويِّ نادانيلبَّيْكَ لبَّيْكَ! لا آنٍ، ولا واني
ما أعذَبَ الصَّوتَ! ما أَشجاه من نَغَمٍ
سمعتُهُ بِجَناني لا بآذاني!
وكيف تسمعُهُ أُذْنٌ، ويحملهُموْجُ الأَثير حروفًا وهْوَ رُوحاني؟
لبَّيْتُه بفؤادٍ ملؤه وَجَلٌ
وصيِّبٍ من دموعِ العين هتَّان
كيف الوقوفُ على باب الرسولِ، وفييدي صحائِفُ زلاَّتي وعِصياني؟
دارَ النُّبوَّةِ، ذنبي عنك أَبْعَدَني
وحُسْنُ ظَنِّي بربِّي منكِ أدناني
لم يَدْر قَدْرَكِ مَنْ في ذات أجنحةأَتى يزورُكِ، أَو في ذاتِ سُكَّان
هلاَّ أَتيتُكِ سيَّارًا على قدمي
أَوْطَارَ من حَرِّ شوقي بي جَناحان؟
ما غبتِ غني، وإِن لم يمتلئُ بصريمن أَهلكِ الصِّيدِ أَو من رَبْعِكِ الغاني
قد كنتُ ألقاكِ في لَوْحي، وفي كُتُبي
وفي سطور أَحاديثي، وقرآني
مازلتِ رسمًا جميلاً في مُخَيِّلتيحتى كأَنَّا التقينا منذ أَزمان
كأنني لستُ ضيفًا عند أَهلك، بل
هم في ربوعِهمُ الفيحاءِ ضيفاني
ما طَرِبْتُ لِلَحْن ليس يذْكرُ لي
ما فيكِ من علَمٍ، أو فيكِ من بان
الله يعلم كم حركِت في خلَدي
من ذكريات، وكم هيَّجتِ أشجاني!
كم في دُروُبك من درب أَصَخُتُ له
كأنه بِحديث الأَمس ناجاني
لِي من صعيدك أَفواهٌ، وأَلسنةٌ
بقدر ما فيه من رَمْل، وكُثْبَان
يا جيرةَ الحرَمَينْ الآمِنينَ، لكُم
أُهدي التحيَّة من رَوْح ورَيْحان
الله أَورثكم مجدًا يُقِرُّ بهِ
قبل الحبيب لسانُ الحاسد الشاني
والله شرَّف مغناكم، وشرَّفكم
خيرُ البقاعِ أَقلَّت خيرَ سُكَّان
ما للشرابِ وردنا ماءَ زمزمكم
بل للطهارة من رجس وأَدران
بالله، لا تُتْرعوا من مائها قدحي
بل فاغمُروا جسدي منها بطوفان
هنا رحيق، عتيقٌ، حلّ مشربه
فيه طهارةُ أرواح وأَبدان
هنا مفاتيحُ أَغلاقِ السماء، هنا
باب الوصول إلى جنَّات رضوان
هنا بني المصلحُ الأُميُّ جامعةً
على أَساسَيْنِ من: علم، وعرفان
على قواعدَ من هدْى النُّبوَّة، لا
على قواعدَ من صَخْر وصَفْوان
وكيف لا ورسولُ الله منشؤها؟جلّ البناءُ، وجلَّ المنشئُ الباني!
ما كان طلابُها إِلا شراذمَ من
رعاة إِبلٍ، ومن عباد أَوثان
ربَّى العتيقَ أبا بكر بها، وأَبا
حفص، وربّى عليًا، وابْنَ عفَّان
طلاَّبُها في ربوع العالم انتشروا
مبشِّرين بإِصلاح وعمران
وسمحة من سماء الله مُنْزَلة
ومُحْكم من كلام الله ربّاني
فيها تخرّج سُوَّاسُ البريّة من
أدنى المحيطِ إلى أَقصى خُراسان
ساسوا الشعوب بأَحكام الكتاب؛ فما
أَحسّ شعبٌ بجَوْر، أو بطغيان
سماحةٌ عُرفَ الدّينُ الحنيفُ بها
ما فرَّقَتْ بين ألوان وأديان
من كلّ مِسْعَرِ حرب يوم معركةٍ
وكلِّ نابغة فذٍّ وفنَّان
أَجلَّهم كلُّ ذي علم وفلسفة
وهَابَهم كلُّ ذي جاه وسلطان
«الله أكبر» كانت سرَّ قوتهم
على الجبابرِ من فُرْس ورومان
شاد البُداةُ حضارتٍ بها، وبها
ثَلُّوا عروشًا، وسَلُّوا دُرَّ تيجان
لا حصنُ قيصر أَغنى عنه زحفهمو
ولا احتمى منهم كسرى بإيوان
والأَمر لله، دارَ الدهر دورتهُ
فأصبح القومُ شاءً بين ذؤبان!
قد جال في أَمْسِهم فكري؛ فأضحكَني
وجال في يومهم فكري؛ فأبْكاني!!
يا ويحَ قومي! نَسُوا الله الكبيرَ؛ فلم
يذكرْهُم اللهُ، نسيانٌ بنسيان!
يا ربِّ، شعبُك يشكو ما أحاط به
من الخطوب، فأدركْ شعبَك العاني
أدْركْ بلطفك شعبًا غطَّ في وَسَن
على تُخوم عدوٍّ غيرِ وَسْنان
يا سيِّد الرُّسْل، لم أَنْشِدْك ممتدحًا
فأنت فوق مزاميري وألحاني
وما عليَّ -إذا أَنشَدْتُ- من حَرَجٍ
كمْ كنتَ تُصْغِي إلى إنشاد حسَّان
لمَّا رأَيتُ القرابينَ التي قدِمَتْ
بها الوفودُ؛ جَعلتُ الشعر قُربْاني
لو استطعتُ، نظمتُ الشعر من بصري
ونور قلبي، وبعضُ الشعر نوراني
يهونُ عنديَ إن أكسِبْ رضاك به
ما نال أحمدُ من كفِّ ابن حَمْدان
بل دوِن نظرةِ عطفٍ منك واحدةٍ
ملكُ السماء وملك الأرض في آن
إني لأَطْرُقُ بابَ المصطفى بيدٍ
بيضاءَ لم تتعوَّدْ طرقَ بيبان
وأبسطُ الكفَّ أستجدي رضاه، وما
بسطتُ كفي لذي مَنٍّ وإحسان
وأسفحُ الدمعَ سهلاً في حِماه، وكم
كفَّتْ عن الدمع يوم الروع أجفاني
لا أَكتم اللهَ ما أَسلفْتُ من زَلَلٍ
وهل يغطِّي عليه طولُ كتماني؟
إذا جوارِحيَ اللاَّتي جنَتْ شهدتْ
بما جنت، كان إقراري كنكراني
جاهدتُ، يا ربِّ، أعدائي فما وهَنت
قواي، لكن جهادُ النفس أعياني
إن عدتُ من حربها الشَّعْرَاءِ منتصرًا
حينًا، فكم عدتُ أحيانًا بخذْلان!
والنفسُ أفتَكُ بالإنسان من سَبُعٍ
ضارٍ، وأرْدَى له من نابِ ثعبان
ماذا أقولُ؟ أقول الله: قدَّر لي
إن شاء أسْعدني، أو شاء أشقاني
أو أدَّعي أنَّ لي أمَّارةً أمَرتْ
أو أن شيطانِيَ الشِّرِّيرَ أغواني
أستغفرُ الله! ذنبي لستُ أجحدُهُ
لكنْ على الغير يُلقي التهمةَ الجاني
يا رَبِّ، إن لم تُقِلْ ذا عشرةٍ، فلِمَنْ
ما في جِنَانِكَ من حُور وولدان؟
لمن بنيْتَ جنانَ الخُلْد دانيةً
قطوفُها، ذاتَ أشجار وأفنان؟
لِذاتِكَ العصمةُ الكبرى بها انفردت
وعصمةُ الناس من وزر وبهتان
وأنت أحُنَى على العاصين أنفِسهم
من كل أمٍّ رءوم، أو أب حان!
ما زاد في ملكك الأَوَّابُ خردلةً
أو ناله المذنبُ العاصي بنُقصان
يجني على نفسه الجاني، ومن وَزَعَتْ
يمينُه الخيرَ في الدنيا هو الجاني!
ومن أكون بِكَوْن أنت مُبْدِعُه
أقطرة بين أمواج وشُطْآن؟
أم ذرَّةٌ في فضاءِ لا يُحِسُّ بها
لم أدر ما كُنْهُهَا في العالم الفاني؟
سبحان من يعلم الأسرار أجمعها
وسرُّه هو أعيا كلَّ إنسان!
يا ربِّ، إن كنتُ قد قصَّرتُ في نُسُكي
فما تسرَّبَ شَكٌّ نـحو إيماني
ما جاءني فيك شيطاني يشكِّكُني
إلا وعاد بثوب الخزي شيطاني
وكيف لا، ورسولُ الله بَيَنِّتي
وحجَّتي أنت، والقرآن برهاني؟
يا رُبَّ يوم نهاني فيه خوفُك عن
لهو، وغيريَ يلهو بابنة الحان
ورُبَّ معصيَة لم آتِها وَرَعًا
والنفسُ تأمرُني، والدينُ ينهاني
ولا أَمُنُّ على ربِّي بطاعته
إني أعوذ به من كل مَنَّان
عصيانُ ربِّكَ ذنب واحد، فإذا
يئستَ من عفوِه، فالذنب ذَنبان
لبَّيْكَ، يا رب، لا آلُوك تلبية
حتى تمنَّ على ذنبي بغُفران
سِيَّان: إن أقضِ، أو أرجعْ إلى وطني
ما دمتَ تشملُني بالعفو، سِيَّان
فإن أعُدْ عدتُ مغفورَ الذنوب، وإن
أمُتْ فحصبُ رسولِ الله جيراني
لْيس التَّشبُّتُ بالأَوطان من أربى
كُلُّ البلادِ -بلاد العرب- أوطاني
كَهْفٌ بأرض رسول الله أرْوَحُ لي
من قُبَّة ضُرِبَتْ في ظلِّ بستان
فيم القباب على الأموات نَنْصبها؟يكفي الدفينَ بجوف الأرض شبران!
الخاملون من الأحياء كم طلبوا
على حساب دفينٍ رِفْعَةَ الشان
لا تبتغوا المجدَ من تشييع مَيِّتكم
أو المغالاةَ في قبرٍ وأكفان
يا رَبِّ، قد عشتُ في دُنياي مغتربًا
ويلاه إنْ اغْترِبْ في العالم الثاني!
حاشاك، يا رَبِّ، في أُخراي تَحْرمُني
*يا ربِّ، حَسْبيَ في دنياي حرماني
أستغفر الله من كُفران نعمتِهِ!***بل فوق ما أَسْتحقُّ اللهُ أعطاني
ألم يجدِّني أخا غيّ فأرْشدَني؟وهائمًا غير ذي مأوىً فآواني؟
ألم يجدني أخا جهلٍ فعلَّمَني؟وعائلاً غير ذي وجْدٍ فأغناني؟
وما البكاء على الدنيا وزخرفها؟شاهت ولو أنها دنيا سليمان!
وما أُبالي بما في الكون أجمعِه
إنْ صحَّ منه الرضا عني وأرضاني
لبيك مِلْءَ فمي، لبَّيْك ملْءَ دَمِي
لبَّيْك يا رب من قلبي ووِجداني
إليك شفَّعْتُ من تُرْجَى شفاعته
يا رب، إن خَفَّ يوم الحشر ميزاني

المصدر:

**فهارس ديوان الشاعر محمود غنيم

01- الفهرس

02- الشاعر محمود غنيم

03- وقفة على طلل

04- بغداد (بغدادُ قرةُ عينِ الشرق، بغدادُ)

05- في أرض النبوة ..

06- الركب المقدس .

07- انتصار الجزائر

08- في مهرجان الجزائر

09- تحية وقضية

10- الوحدة الكبرى

11- صاحب آويته

12- شعــب واحـــد ورب واحـــد

13- تحيــة الكويـــت

14- كــأس مــن الخـــروب

15- : في البـــصرة

16- علـــى سطـــح القمـــر

17- غزو الفضاء

18- نيســــان

19- علــى شاطـــئ البحـــر

20- من وحــي البحـــر

21- فلسفة الحيــاة

22- صـــورة شمسيـــة

23- مشاعر الآبـاء!

24- ظلـــع وشيـــب!

25- حنيـن إلى الماضـي

26- أشيــــع أصحابــي

27- صفـــاء النفس!

28- داء ودواء!!

29- غريــب بيــن قومــي!

30- نذيـــر المـــوت

31- لا نكسـة

32- ذكـــرى دنشـواي

33- نشيد مدينة الاقصر

34- فيلسوف الشرق

35- دمــعة على الخفيف

36- فديتك راحلاً

37- حفظ الله صالحـًا

38- نـاصر الفصحى

39- ما نسينــاك

40- شعـــر المـــاحي

41- فيلسوف الشرق "في رثاء عباس محمود العقاد "

42- دمــعة على الخفيف ..

43- فديتك راحـــلاً

44- نـاصـر الفصحى "عزيز أباظه "

45- ما نسينــاك "الشاعر محمد مصطفى الماحي "

46- شعـــر المـــاحي"الشاعر محمد مصطفى الماحي "

47- في مهرجــان دار العلـــوم

48- حــي البيـــان

49- قَدَّاحةٌ " قَدَّاحةٌ جاءَتْكَ من قدَّاح"

50- تحيـــة موجـــزة "مهداه للشاعر الكويتي الكبير أحمد السقاف "**

الشاعر محمود غنيم

محمود غنيم (25 ديسمبر 1902 - 1972) شاعر مصري ولد قرية مليج التابعة لمحافظة المنوفية بمصر. ولد الشاعر الكبير محمود غنيم في قرية “مليج” في محافظة المنوفية بمصر يوم 30-11-1902م، وقضى فيها أربع سنوات، ثم التحق بمدرسة القضاء الشرعي، وأتم الدراسة الثانوية في المعاهد الدينية 1924م، وبعدها التحق بكلية دار العلوم، وأنهى دراسته في سنة 1929م. وعمل في حقل التدريس في المدارس الأولية، ثم في مدرسة “كوم حمادة” بمحافظة البحيرة حتى 1938م،
ثم بمدرسة “الأورمان” بالقاهرة، ثم مفتشاً أول للغة العربية، ثم عميد اللغة العربية بوزارة التربية والتعليم، كما اختير عضواً في لجنة الشعر بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب. وقد نشر شعره في عدد من المجلات والجرائد منها: السياسة الأسبوعية، والبلاغ الأسبوعي، والرسالة، والثقافة، والأهرام، وأبولو، ودار العلوم وغيرها ومن مؤلفاته :
1 -صرخة في واد “ديوان شعر”.
2- في ظلال الثورة “ديوان شعر”.
3 -مع الإسلام والعروبة “ديوان شعر”.
4 -المروءة المقنعة “مسرحية شعرية”.
5- غرام يزيد “مسرحية شعرية”.
6 -يوما النعمان “مسرحية شعرية”.
7 -الجاه المستعار “مسرحية شعرية”.
8 -رجع الصدى “ديوان شعر”.


المصدر :