**المختار من أشعار الشاعر محمود غنيم
بغداد
بغدادُ قرةُ عينِ الشرق، بغدادُ***لحنٌ تغنَّى به الإسلامُ والضادُ
الدهرُ يعرفها للكون عاصمةً***تقودُه، كيفما شاءتْ؛ فينقاد
إن تبتسمْ تُشرقِ الدنيا، وإن غَضَبَتْ***ففي السمواتِ إبراقٌ وإرعاد
تُزْهى الحواضرُ ما شاءَت بحاضرها***وكلُّها لكِ، يا بغدادُ، أولاد
الغربُ يعرف ما أدَّى بنوك لهُ***الكُتْبُ تنطق، والأقلامُ شُهَّاد
بني عمومة طهَ، ما أقول لكم***وأنتمو لبني العباسِ أحفاد؟
تدري العروبةُ يومَ الروع أنكمو***لها سواعدُ في الجُلَّي، وأعضاد
ثُرتُم على البغي والباغي، ولا عجبٌ***فالشعب للحاكم الجلادِ جلاد
ما في العراق افتراقٌ بعد ثورته***أكرادُه عَرَبٌ، والعُرْبُ أكراد
ما كَاسْم بغدادَ في الأفواه أُغنيةٌ***ولا كأمجادكم، يا قومُ، أمجاد
قل للآلي طاف حول النجم طائفُهم***وارتاد منهم طِباقَ الجوِّ مُرتاد:
إن تفعلوا، فبنو العباس من قدمٍ***تناولوا بالأكفِّ النجمَ أو كادوا
أيامَ ملكُ بني العباسِ مزدهرٌ***له من الشمس والأفلاك حُسَّاد
عروشُهُم فوق ظهر الأرض راسخةٌ***كأنها فوق ظهر الأرضِ أوتاد
لم أدر: كانوا ملوكًا أم فلاسفة؟***عليهمو من نسيج العلم أبْراد
العلم حليتهم؛ ما منهمو مِلكٌ***إلا فقيهٌ، ونـحويُّ، ونقَّاد
فاض الفراتُ حضاراتٍ؛ فكان له***بها مع الماء إرغاء وإزباد
وسال دِجْلَةُ قبل الماء معرفةً***منها ارتوت مُهَجٌ ظمأي وأكباد
ما كان للشعر في بدوٍ وحاضرةٍ***لولا رواتُك، يا بغدادُ، إنشاد
الشعرُ، أنت التي علَّمْتِ وازنَهُ***أن القوافيَ أسبابٌ وأوتاد
دوَّنتِ ما نظَم الأسلاف من دُرَرٍ***لولاك بادَتْ غواليها كما بادوا
كم من معارفَ قد أَحيَيْتِ دائرَها***وكم لعلمٍ جديدٍ فيك ميلاد
لولاك ما كان للفصحى مذاهبُها***وللحديث رواياتٌ وإِسْناد
بغداد، حسبُك من دنياك أربعةٌ9***هم في الشريعة للأجيال روّاد
مدينةٌ، للنُّواسيين ركنهمو***فيها، وللعلم والآداب قُصَّاد
العيشُ فيها كموج البحر مصطخبٌ***فيه تلاقت من الألوان أضداد
لِلَّهْو فيها حوانيتٌ وأنديةٌ***وللصلاة محاريبٌ وعُبَّاد
وللثقافة تأليف وترجمةٌ***وللغناءِ مزاميرٌ وأَعواد
يا رُبَّ كنز حوته دارُ حكمتها***تُحْصَى النجومُ ولا يحصيه تعداد
كنز من الفكر فيه كلُّ مبتكرٍ***أملاه ذهنٌ كومض البرق وقَّاد
يا رُبَّ شعرٍ عراقيّ هتف به9***كأنه لِيَ في الأسحار أوراد
مازلت أتلوه حتَّى لم يعُدْ أبدًا***بيني وبين الألى قالوا أبعاد
الوهم مثَّلهم لي في الكتاب؛ فهمْ***فوق الصحائفِ أرواحٌ وأجساد
هذا ابن هاني على يُمْنايَ يُنْشدني***وعن يسارِيَ بَشَّارٌ وحمَّاد
وأين منك عهودٌ رُحتُ أنشرها***مرّت بها عقب الآماد آماد؟
دعني أُسَرِّحُ في آثارها نظري***آثارُها عظَةٌ كبرى وإرشاد
دعني أعيشُ مع الماضين في حُلُمٍ***إن الهمومَ على اليقظان تزداد
علَّ الرشيدَ إذا أنشدت يسمعُني***إن الرشيدَ كريمُ الكفِّ جوّاد
وما الرشيدُ سوى لحنٍ يرددهُ***فمُ الزمان، وللألحانِ ترداد
حصَّادُ هامِ العِدا في كل معركةٍ***وللسنابل يومَ السلم حصَّاد
ينهي، ويأمر في الدنيا، وفي يده***بعد المقادير إشقاءُ وإِسعاد
تُزْجَى إليه هدايا الرومِ لا كرمًا***إن الضعيف لمن يخشاه وَدَّاد
أهاب بالسحب: أنَّى شِئت فانسكبي***فكل نبتِك لي، يا سُحْبُ، إيراد
ربُّ القصورِ -قصور العزِّ- باذخةً***كأنها في نطاحِ السُّحْب أطواد
ربُّ الجوارِي اللَّواتي ما لهن سوى***عواهل الفرس والرومان أجداد
من كل جاريةٍ للشعرِ راويةٍ***كأنها غُصُنٌ الرَّوْض مَيَّاد
لنا أوائلُ سنُّوا كلَّ مَكْرُمة***شمُّ الأَنوف أباةُ الضَّيمْ أمجاد
شادوا المعاقلَ، والآطامُ شامخةٌ***لله والمجيدِ والعمرانِ ما شادوا!
إن يُسْألوا مالَهم، في السلم، ما بخلوا***أو يُسْألوا، في الوغى، أرواحَهم جادوا
لهمْ سيوف على الأغماد ثائِرةٌ***لكنْ لها قُلَلُ الأبطالِ أغماد
همْ في رءوسِ أعاديهم ذوو طمع***وفي الغنائِم -بعدَ النصر- زُهَّاد
ينقضُّ كالصقر فوق المدْنِ جيشهمو***كأنما هي صَيْدٌ وَهْوَ صيَّاد
في السلم إن عاهدوا، والحرب إن ظفروا***عن شِرْعة العدلِ والإسلامِ ما حادوا
لا تلمِسُ الأرضُ منهم بيضَ أوجههم***إلا وَهُمْ لجَنَاب اللهِ سُجَّاد
أبناءَ يعرُبَ، لنا من سلالتهم***إن نـحن لم نَسُد الدنيا كما سادوا
تكتَّلَت أُممُ الدنيا بأجمعها***وأنتِ، يا أُمةَ التوحيد، آحاد
إني لأُوشِك أن أعتَدَّ وحدَتَنا***دِينًا، وأنَّ افتراقَ الشملِ إلحاد
بالأمس: كُنَّا، وكان الشرق أجمعُهُ***إن قام تُقْعِدْه أغلالٌ وأصفاد
في وادٍ للاستعمار قاعدةٌ***لها أساسان: تخريب وإفساد
واليوم: لا عيشَ للمحتلِّ في بلد***حرٍّ، ولن تلبَس الأطواقَ أجياد
قد بات مارد الاستعمار محتضَرًا***يبكيه من عُصْبة السكون عُوَّاد
ما عذرنا إن بقينا أُمة شيعًا***لكل جيش بها جندٌ وقُوَّاد؟
كادَ الأعادي لنا يومَ اللقاءِ، ولو***أَنَّا وقفنا لهم صفًّا، لما كادوا
لا يحرز النصرَ جيشٌ غيرُ متَّسِقٍ***تباينت فيه أجْنَادٌ وأبناد
عجائب الدهر لا تُحْصَى، وأعْجَبُها***أن يُخْلِيَ الغابَ للذؤبان آساد!
البَغْيُ أَوْجدَ إسرائيل من عدمٍ***ولن يدومَ لإسرائيل إيجاد
وإنما القدر المحتوم لاحِقُهم***يومًا، وللقدر المحتوم ميعاد
فلْيعلم الغَرْبُ أن الشرق لافظُهم***وإن أتتهمْ من الشيطانِ أمداد
إني أُسِئُ إلى الأوغاد قاطبةً***إن قلت عن عصبة الصِّهْيوْن: أوغاد
هم أحرزوا النصر؛ حتى ما لغيرهمو***في النقص: نونٌ، ولا قاف، ولا صاد
أبناءَ يَعْرُبَ، ذودوا عن محارمكم***إن الكريمَ عن الأعراض ذوَّاد
اللاجئون جِراحٌ في جوانـحِنا***تَدْمَي، فهل لجراح العُرْب ضَمَّاد؟
اللاجئون سَقام في مفاصلنا***ولا شِفاء لَه إلا إذا عادوا
أَلْقُوا بصهيون في عُرْض الفَلاةِ؛ فهم***من عهد فرعون أَفَّاقون، شُرَّاد
تعوَّدُوا النفيَ والتشريد من قدمٍ***وكلُّ ما عُوِّدَ الإنسانُ يعتاد
سلْ «سُرُّ من را»: أباق في مرابضها***من جيشها الباسِلِ المغْوَار أفراد؟
هل ثَمَّ معتصم ثانٍ نُهيبُ بهِ؟***نادُوه، يا أهل يافَا، جَهْرةً، نادوا
قولوا لمنقذِ عَمَّوريَّةَ: اغْتُصِبَتْ***منَّا الديار؛ فلا ماءُ، ولا زاد!
يا يومَ رَدِّ فِلَسطينَ الشهيدةِ، ما***للعُرْب غيرُكَ في الأيام أعياد
لا يحسَب القوم أن العُرْبَ قد عَقِموا***شعبُ العُروبة للأبطال ولاَّدَ
مازال فينا لعَمْروٍ، وابن حارثةٍ***وخالدٍ، وصلاح الدين أنداد
ألمصدر: 

