ما أصعب الكلام (إلى ناجي العلي)
ِشكراً على التأبينِ والإطراءِ = يا معشرَ الخطباء والشعراءِ
شكراً على ما ضاعَ من أوقاتكم = في غمرةِ التدبيـج والإنشاءِ
وعلى مدادٍ كان يكفي بعضُـه = أن يُغرِقَ الظلماءَ بالظلماءِ
وعلى دموعٍ لو جَـرتْ في البيدِ = لانحلّـتْ وسار الماءُ فوق الماءِ
وعواطفٍ يغـدو على أعتابها = مجنونُ ليلى أعقـلَ العقلاءِ
وشجاعـةٍ باسم القتيلِ مشيرةٍ = للقاتلين بغيرِما أسمـاءِ
شكراً لكم، شكراً، وعفواً إن أنا = أقلعتُ عن صوتي وعن إصغائي
عفواً، فلا الطاووس في جلدي ولا = تعلو لساني لهجةُ الببغاءِ
عفواً، فلا تروي أساي قصيدةٌ = إن لم تكن مكتوبةً بدمائي
عفواً، فإني إن رثيتُ فإنّما =أرثي بفاتحة الرثاء رثائي
عفواً، فإني مَيِّتٌ يا أيُّها = الموتى، وناجي آخر الأحياء !
“ناجي العليُّ” لقد نجوتَ بقدرةٍ = من عارنا، وعلَوتَ للعلياءِ
إصعـدْ، فموطنك السّماءُ، وخلِّنا = في الأرضِ، إن الأرضَ للجبناءِ
للمُوثِقينَ على الّرباطِ رباطَنا = والصانعينَ النصرَ في صنعاءِ
مِمّن يرصّونَ الصُّكوكَ بزحفهم = ويناضلونَ برايةٍ بيضاءِ
ويُسافِحونَ قضيّةً من صُلبهم = ويُصافحونَ عداوةَ الأعداءِ
ويخلِّفون هزيمةً، لم يعترفْ = أحدٌ بها.. من كثرة الآباءِ !
إصعَـدْ فموطنك المُـرّجَى مخفرٌ = متعددُ اللهجات والأزياءِ
للشرطة الخصيان، أو للشرطة = الثوار، أو للشرطة الأدباءِ
أهلِ الكروشِ القابضين على القروشِ = من العروشِ لقتل كلِّ فدائي
الهاربين من الخنادق والبنادق = للفنادق في حِمى العُملاءِ
القافزين من اليسار إلى اليمين = إلى اليسار كقفزة الحِرباءِ
المعلنين من القصورِ قصورَنا = واللاقطين عطيّةَ اللقطاءِ
إصعدْ، فهذي الأرض بيتُ دعارةٍ = فيها البقاءُ معلّقٌ ببغاءِ
مَنْ لم يمُت بالسيفِ مات بطلقةٍ = من عاش فينا عيشة الشرفاء
ماذا يضيرك أن تُفارقَ أمّةً = ليست سوى خطأ من الأخطاءِ
رملٌ تداخلَ بعضُهُ في بعضِهِ = حتى غدا كالصخرة الصمّاءِ
لا الريحُ ترفعُها إلى الأعلى = ولا النيران تمنعها من الإغفاءِ
فمدامعٌ تبكيك لو هي أنصفتْ = لرثتْ صحافةَ أهلها الأُجراءِ
تلك التي فتحَتْ لنَعيِكَ صدرَها = وتفنّنت بروائعِ الإنشاءِ
لكنَها لم تمتلِكْ شرفاً لكي = ترضى بنشْرِ رسومك العذراءِ
ونعتك من قبل الممات، وأغلقت = بابَ الرّجاءِ بأوجُهِ القُرّاءِ
وجوامعٌ صلّت عليك لو انّها = صدقت، لقرّبتِ الجهادَ النائي
ولأعْلَنَتْ باسم الشريعة كُفرَها = بشرائع الأمراءِ والرؤساءِ
ولساءلتهم: أيُّهمْ قد جاءَ = مُنتخَباً لنا بإرادة البُسطاء ؟
ولساءلتهم: كيف قد بلغوا الغِنى = وبلادُنا تكتظُّ بالفقراء ؟
ولمنْ يَرصُّونَ السلاحَ، وحربُهمْ = حبٌ، وهم في خدمة الأعداءِ ؟
وبأيِّ أرضٍ يحكمونَ، وأرضُنا = لم يتركوا منها سوى الأسماءِ ؟
وبأيِّ شعبٍ يحكمونَ، وشعبُنا = متشعِّبٌ بالقتل والإقصاءِ
يحيا غريبَ الدارِ في أوطانهِ = ومُطارَداً بمواطنِ الغُرباء ؟
لكنّما يبقى الكلامُ مُحرّراً = إنْ دارَ فوقَ الألسنِ الخرساءِ
ويظلُّ إطلاقُ العويلِ محلّلاً = ما لم يمُسَّ بحرمة الخلفاءِ
ويظلُّ ذِكْرُكَ في الصحيفةِ جائزاً = ما دام وسْـطَ مساحةٍ سوداءِ
ويظلُّ رأسكَ عالياً ما دمتَ = فوق النعشِ محمولاً إلى الغبراءِ
وتظلُّ تحت “الزّفـتِ” كلُّ طباعنا = ما دامَ هذا النفطُ في الصحراءِ !
القاتلُ المأجورُ وجهٌ أسودٌ = يُخفي مئاتِ الأوجه الصفراءِ
هي أوجهٌ أعجازُها منها استحتْ = والخِزْيُ غطَاها على استحياءِ
لمثقفٍ أوراقُه رزمُ الصكوكِ = وحِبْرُهُ فيها دمُ الشهداء
ولكاتبٍ أقلامُهُ مشدودةٌ = بحبال صوت جلالةِ الأمراء
ولناقدٍ “بالنقدِ” يذبحُ ربَّهُ = ويبايعُ الشيطانَ بالإفتاءِ
ولشاعرٍ يكتظُّ من عَسَـلِ النعيمِ = على حسابِ مَرارةِ البؤساءِ
ويَجـرُّ عِصمتَه لأبواب الخَنا = ملفوفةً بقصيدةٍ عصماءِ !
ولثائرٍ يرنو إلى الحريّةِ = الحمراءِ عبرَ الليلةِ الحمراءِ
ويعومُ في “عَرَقِ” النضالِ ويحتسي = أنخابَهُ في صحَة الأشلاءِ
ويكُفُّ عن ضغط الزِّنادِ مخافةً = من عجز إصبعه لدى “الإمضاءِ” !
ولحاكمٍ إن دقَّ نورُ الوعْي =ظُلْمَتَهُ، شكا من شدَّةِ الضوضاءِ
وَسِعَتْ أساطيلَ الغُزاةِ بلادُهُ = لكنَها ضاقتْ على الآراءِ
ونفاكَ وَهْـوَ مُخَـمِّنٌ أنَّ الرَدى = بك مُحْدقُ، فالنفيُ كالإفناءِ !
الكلُّ مشتركٌ بقتلِكَ، إنّما =نابت يَدُ الجاني عن الشُّركاءِ
ناجي. تحجّرتِ الدموعُ بمحجري = وحشا نزيفُ النارِ لي أحشائي
لمّا هويْتَ هَويتَ مُتَّحـدَ الهوى = وهويْتُ فيك موزَّعَ الأهواءِ
لم أبكِ، لم أصمتْ، ولم أنهضْ = ولم أرقدْ، وكلّي تاهَ في أجزائي
ففجيعتي بك أنني.. تحت الثرى = روحي، ومن فوقِ الثرى أعضائي
أنا يا أنا بك ميتٌ حيٌّ = ومحترقٌ أعدُّ النارَ للإطفاءِ
برّأتُ من ذنْبِ الرِّثاء قريحتي = وعصمتُ شيطاني عن الإيحاءِ
وحلفتُ ألا أبتديك مودِّعاً = حتى أهيِّئَ موعداً للقاءِ
سأبدّلُ القلمَ الرقيقَ بخنجرٍ = والأُغنياتِ بطعنَـةٍ نجلاءِ
وأمدُّ رأسَ الحاكمينََ صحيفةً = لقصائدٍ.. سأخطُّها بحذائي
وأضمُّ صوتكَ بذرةً في خافقي = وأصمُّهم في غابة الأصداءِ
وألقِّنُ الأطفالَ أنَّ عروشَهم = زبدٌ أٌقيمَ على أساس الماءِ
وألقِّنُ الأطفالَ أن جيوشهم=قطعٌ من الديكورِ والأضواءِ
وألقِّنُ الأطفالَ أن قصورَهم = مبنيةٌ بجماجمِ الضعفاءِ
وكنوزَهم مسروقةٌ بالعدِل = واستقلالهم نوعُ من الإخصاءِ
سأظلُّ أكتُبُ في الهواءِ هجاءهم = وأعيدُهُ بعواصفٍ هوجاءِ
وليشتمِ المتلوّثونَ شتائمي = وليستروا عوراتهم بردائي
وليطلقِ المستكبرون كلابَهم = وليقطعوا عنقي بلا إبطاءِ
لو لم تَعُـدْ في العمرِ إلا ساعةٌ = لقضيتُها بشتيمةِ الخُلفاءِ !
أنا لستُ أهجو الحاكمينَ، وإنّما =أهجو بذكر الحاكمين هجائي
أمِنَ التأدّبِ أن أقول لقاتلي = عُذراً إذا جرحتْ يديكَ دمائي ؟
أأقولُ للكلبِ العقور تأدُّباً: =دغدِغْ بنابك يا أخي أشلائي ؟
أأقولُ للقوّاد يا صِدِّيقُ، أو = أدعو البغِيَّ بمريمِ العذراءِ ؟
أأقولُ للمأبونِ حينَ ركوعِهِ: = “حَرَماً” وأمسحُ ظهرهُ بثنائي ؟
أأقول لِلّصِ الذي يسطو على = كينونتي: شكراً على إلغائي ؟
الحاكمونَ همُ الكلابُ، مع اعتذاري = فالكلاب حفيظةٌ لوفاءِ
وهمُ اللصوصُ القاتلونَ العاهرونَ = وكلُّهم عبدٌ بلا استثناء !
إنْ لمْ يكونوا ظالمين فمن تُرى = ملأ البلادَ برهبةٍ وشقاء ِ؟
إنْ لم يكونوا خائنين فكيف = ما زالتْ فلسطينٌ لدى الأعداءِ ؟
عشرون عاماً والبلادُ رهينةٌ = للمخبرينَ وحضرةِ الخبراءِ
عشرون عاماً والشعوبُ تفيقُ مِنْ = غفواتها لتُصابَ بالإغماءِ
عشرون عاماً والمفكِّرُ إنْ حكى = وجبت لهُ طاقيةُ الإخفاءِ
عشرون عاماً والسجون مدارسٌ =منهاجها التنكيلُ بالسجناءِ
عشرون عاماً والقضاءُ مُنَزَّهٌ = إلا عن الأغراض والأهواءِ
فالدينُ معتقلٌ بتُهمةِ كونِهِ = مُتطرِّفاً يدعو إلى الضَّراءِ
واللهُ في كلِّ البلادِ مُطاردٌ = لضلوعهِ بإثارةِ الغوغاءِ
عشرون عاماً والنظامُ هو النظامُ =مع اختلاف اللونِ والأسماءِ
تمضي به وتعيدُهُ دبّابةٌ = تستبدلُ العملاءَ بالعملاءِ
سرقوا حليب صِغارنا، مِنْ أجلِ مَنْ ؟ =كي يستعيدوا موطِنَ الإسراءِ
فتكوا بخير رجالنا، مِنْ أجلِ مَن ْ؟ = كي يستعيدوا موطِنَ الإسراءِ
هتكوا حياء نسائنا، مِنْ أجلِ مَنْ ؟ = كي يستعيدوا موطِنَ الإسراءِ
خنقوا بحريّاتهم أنفاسَنا = كي يستعيدوا موطِنَ الإسراءِ
وصلوا بوحدتهم إلى تجزيئنا = كي يستعيدوا موطِنَ الإسراءِ
فتحوا لأمريكا عفافَ خليجنا = كي يستعيدوا موطِنَ الإسراءِ
وإذا بما قد عاد من أسلابنا = رملٌ تناثر في ثرى سيناء !
وإذا بنا مِزَقٌ بساحات الوغى = وبواسلٌ بوسائل الأنباءِ
وإذا بنا نرثُ مُضاعَفاً =ونُوَرِّثُ الضعفينِ للأبناءِ
ونخافُ أن نشكو وضاعةَ وضعنا = حتى ولو بالصمت والإيماءِ
ونخافُ من أولادِنا ونسائنا = ومن الهواءِ إذا أتى بهواءِ
ونخافُ إن بدأت لدينا ثورةٌ = مِن أن تكونَ بداية الإنهاءِ
موتى، ولا أحدٌ هنا يرثي لنا = قُمْ وارثنا.. يا آخِـرَ الأحياءِ !