ديوان ألشاعر ألبحتري

** في الحماسة

وقال يمدح إسحاق بن كنداجيق حين توج وقلد السيفين

1

لله عهد سويقة ما أنضرا *** إذ جاور البادون فيه الحضرا

2

لم أنسه وقصار من علق الهوى *** أن يستعيد الوجد أو يتذكرا

3

إن العتيد صبابة من لا يني *** يدعو صبابته الخيال إذا سرى

4

تدرين كم من زورة مشكورة *** من زائر وهب الخطير وما درى

5

غاب الوشاة فبات يسهل مطلب *** لو يشهدون طريقه لتوعرا

6

كان الكرى حظ العيون ولم أخل *** أن القلوب لهن حظ في الكرى

7

دمع تعلق بالشؤون فلم يزل *** برح الغرام يشوقه حتى جرى

8

قامت تمنيتي الوصال لتبتلي *** جذلى وحاجة أكمه أن يبصرا

9

منيتنا عللا وما أنهلتنا *** والوقت ليس يحيل حتى يشهرا

10

تالله لم أر مذ رأيت كليلتي *** في العلث إلا ليلتي في عكبرا

11

أهوى الظلام وأن أملاه وقد *** حسر الصباح نقابه أو أسفرا

12

سدكت بدجلة ساريات ركابنا *** يرصدنها للورد إغياب السرى

13

وإذا طلعن من الرفيف فإننا *** خلقاء أن ندع العراق ونهجرا

14

قل الكرام فصار يكثر فذهم *** ولقد يقل الشيء حتى يكثرا

15

أبلى صديقيك الصديق إذا اهتدى *** لتغير الأيام فيك تغيرا

16

أأخي لو صرف الحريص عنانه *** ليفوته ما فاته ما قدرا

17

باعد دنيآت المطامع وارض بي *** في الأمر أمهل فيه أن أتخيرا

18

إن ترم إسحاق بن كنداجيق بي *** أرض فكل الصيد في جوف الفرا

19

أو بلغتنيه الركاب فقد أنى *** لمقلقل في الأرض أن يتدبرا

20

غمر إذا نقلت إليه بضاعة *** للشعر أوشك علقها أن يشترى

21

إن حز طبق غير مخطئ مفصل *** أو قال أنجح أو تدفق أغزرا

22

والوعد كالورق النضير تأودت *** فيه الغصون ونجحها أن يثمرا

23

نثني عليه ولم يكن إثناؤنا *** قولا يعار ولا حديثا يفترى

24

ما قلت إلا ما علمت وإنما *** كنت ابن جوب الأرض سيل فخبرا

25

والشكر من بعد العطاء ولم يكن *** ليعم نبت الأرض حتى تمطرا

26

طلق يضيء البشر دون نواله *** والبشر أحسن ما تأمل أو ترى

27

لا يكمل القسم الذي أوتيته *** حتى تلذ العين منه منظرا

28

من معدن الشرف الذي إفرنده *** في وجه وضاح الأصائل أزهرا

29

وأرومة في الملك خاقانية *** تعتم أفنانا وتكرم عنصرا

30

أخلق بذي السيفين أو صدق به *** أن يعمل السيفين حتى يحسرا

31

ما زيد أنملة على استحقاقه *** فيقل صبر منافس أو يضجرا

32

ما قلد السيفين إلا نجدة *** والحرب توجب أن يقلد آخرا

33

قد ألبس التاج المعاود لبسه *** في الحالتين مملكا ومؤمرا

34

إن كان قدم للغناء فما لمن *** يمسي ويصبح عاتبا أن أخرا

35

لم تنكر الخرزات إلف ذؤابة *** يحتل في الخزر الذوائب والذرى

36

شرف تزيد بالعراق إلى الذي *** عهدوه بالبيضاء أو ببلنجرا

37

مثل الهلال بدا فلم يبرح به *** صوغ الليالي فيه حتى أقمرا

38

أدى علي ما عليه موردا *** للأمر عند المشكلات ومصدرا

39

أخزى عدوك معلنا ومساترا *** وكفاك أمرك سائسا ومدبرا

40

متقبل من حيث جاء حسبته *** لقبوله في النفس جاء مبشرا**

**قال يمدح الحسن بن وهب:

1

ما أنت للكلف المشوق بصاحب *** فاذهب على مهل فليس بذاهب

2

عرف الديار وقد سئمن من البلى *** ومللن من سقيا السحاب الصائب

3

فأراك جهل الشوق بين معالم *** منها وجد الدمع بين ملاعب

4

ويزيده وحشا تقارض وحشها *** وصلين بين أحبة وحبائب

5

ترعى السهولة والحزون يقينها *** حدين بين أظافر ومخالب

6

لم يمش واش بينهن ولا دعا *** بينا لهن صدى الغراب الناعب

7

ما كان أحسن هذه من وقفة *** لو كان ذاك السرب سرب كواعب

8

هل كنت لولا بينهم متوحما *** أن امرأ يشجيه بين محارب

9

عمري لقد ظلمت ظلوم ولم تجد *** لمعذل فيها بوعد كاذب

10

سدت مجانبة وخلفني الهوى *** عن هجرها فوصلت غير مجانب

11

وإذا رجوت ثنت رجائي سكتة *** من عاتب في الحب غير معاتب

12

لو كان ذنبي غير حبك إنه *** ذنبي إليك لكنت أول تائب

13

سأروض قلبي أن يروح مباعدا *** لمباعد ومقاربا لمقارب

14

وإذا رأيت الهجر ضربة لازب *** أبدا رأيت الصبر ضربة لازب

15

وشمائل الحسن بن وهب إنها *** في المجد ذات شمائل وجنائب

16

ليقصرن لجاج شوق غالب *** وليقصرن لجاج دمع ساكب

17

فالعزم يقتل كل سقم قاتل *** والبعد يغلب كل وجد غالب

18

ولقد بعثت العيس تحمل همة *** أنضت عزائم أركب وأكائب

19

يشرقن بالليل التمام طوالعا *** منه على نجم العراق الثاقب

20

يمتتن بالقربى إليه وعنده *** فعل القريب وهن غير قرائب

21

وإذا رأيت أبا علي فالعلا *** لمشارق من سيبه ومغارب

22

يبدو فيعرب آخر عن أول *** منه ويخبر شاهد عن غائب

23

بطرائق كطرائق وخلائق *** كخلائق وضرائب كضرائب

24

ومواهب كعبية وهبية *** يجبن في الإفضال فوق الواجب

25

يعلو على علة بوفد أبوة *** يتوهمون هناك وفد كواكب

26

كانوا بذاك عصابة كعصائب *** في مذحج وذؤابة كذوائب

27

وأرى التكرم في الرجال تكارما *** ما لم يكن بمناسب ومناصب

28

يرمي العواذل في الندى من جانب *** عنه ويرميه الندى عن جانب

29

حتى يروح متاركا كمعارك *** بجميعه ومسالما كمحارب

30

قهر الأمور بديهة كروية *** من حازم وقريحة كتجارب

31

فل الخطوب وقد خطبن لقائه *** فرجعن في إخفاق ظن خائب

32

هتكت غيابتها بأبيض ماجد *** فكأنما هتكت بأبيض قاضب

33

فهم أرق من الشآب وفطنة *** ردت أقاصي الغيب رد الهارب

34

ومكارم معمورة بصنائع *** فكأنها ممطورة بسحائب

35

وغرائب في الجود تعلم أنها *** من عالم أو شاعر أو كاتب

36

لله أنت وأنت تحرز واحبا *** سبقين سبق محاسن ومواهب

37

في توبة من تائب أو رهبة *** من راهب أو رغبة من راغب

38

أعطيت سائلك المحسد سؤله *** وطلبت بالمعروف غير الطالب

39

علمتني الطلب الشريف وربما *** كنت الوضيع من اتضاع مطالبي

40

وأريتني أن السؤال محلة *** فيها اختلاف منازل ومراتب

41

وبسطت لي قبل النوال عناية *** بسطت مسافة لحظي المتقارب

42

وعرفت ودك في تعصب شيعتي *** ووجوه إخواني وعطف أقاربي

43

فلئن شكرتك إنني لمعذر *** في واجب ومقصر عن واجب**

**قال يمدح إسماعيل بن شهاب

1

ما على الركب من وقوف الركاب *** في مغاني الصبا ورسم التصابي

2

أين أهل القباب بالأجرع الفر *** د تولوا لا أين أهل القباب

3

سقم دون أعين ذات سقم *** وعذاب دون الثنايا العذاب

4

عرجوا فالدموع إن أبك في الربـ *** ـع دموعي والإكتئاب اكتئابي

5

وكمثل الأحباب لو يعلم العا *** ذل عندي منازل الأحباب

6

فإذا ما السحاب كان ركاما *** فسقى بالرباب دار الرباب

7

وإذا هبت الجنوب نسيما *** فعلى رسم دارها والجناب

8

عيرتني المشيب وهي بدته *** في عذاري بالصد والاجتناب

9

لا تريه عارا فما هو بالـ *** ـشيب ولكنه جلاء الشباب

10

وبياض البازي أصدق حسنا *** إن تأملت من سواد الغراب

11

عذلتني في قومها واسترابت *** جيئتي في سواهم وذهابي

12

ورأت عند غيرهم من مديحي *** مثل ما كان عندهم من عتابي

13

ليس من غضبة عليهم ولكن *** هو نجم يعلو مع الكتاب

14

شيعة السؤدد الغريب وإخوا *** ن التصافي وأسرة الآداب

15

هم أولو المجد إن سألت فإن كا *** ثرت كانوا هم أولي الألباب

16

ومتى كنت صاحبا لذوي السؤ *** دد يوما فإنهم أصحابي

17

وكفاني إذا الحوادث أظلمـ *** ـن شهابا بغرة ابن شهاب

18

سبب أول على جود إسما *** عيل أغنى عن سائر الأسباب

19

لاستهلت سماؤه فمطرنا *** ذهبا في انهلال تلك الذهاب

20

لا يزور الوفاء غبا ولا يعشـ *** ـق غدر الفعال عشق الكعاب

21

مستعيد على اختلاف الليالي *** نسقا من خلائق أتراب

22

عاد منها لما بداه إلى أن *** خلته يستملها من كتاب

23

فهو غيث والغيث محتفل الود *** ق وبحر والبحر طامي العباب

24

شمر الذيل للمحامد حتى *** جاء فيها مجرورة الهداب

25

عزمات يضئن داجية الخطـ *** ـب ولو كان من وراء حجاب

26

يتوقدن والكواكب مطفا *** ة ويقطعن والسيوف نوابي

27

ترك الخفض للدنيء وقاسى *** صعبة العيش في المساعي الصعاب

28

سام بالمجد فاشتراه وقد با *** ت عليه مزايدا للسحاب

29

واحد القصد طرفه في ارتفاع *** من سمو وكفه في انصباب

30

ثرة من أنامل ظلن يجريـ *** ـن على الخابطين جري الشعاب

31

وسمي له تمنى معاليـ *** ـه وكلب مشتقة من كلاب

32

وإذا الأنفس اختلفن فما يغـ *** ـني اتفاق الأسماء والألقاب

33

يا أبا القاسم اقتسام عطاء *** ما نراه أم اقتسام نهاب

34

خذ لساني إليك فالملك للألـ *** ـسن في الحكم عدل ملك الرقاب

35

صنتني عن معاشر لا يسمى *** أولوهم إلا غداة سباب

36

من جعاد الأكف غير جعاد *** وغضاب الوجوه غير غضاب

37

خطروا خطرة الجهام وساروا *** في نواحي الظنون سير السحاب

38

أخطأوا المكرمات والتمسوا قا *** رعة المجد في غداة ضباب**

سينية ألبحتري

دكتور عثمان قدري مكانسي

النفس الإنسانية هي واحدة لا تتغير على مر الدهور وكر العصور ، تأسى وتحزن ، تنتشي وتتألم . تحوز ما تتشوف إليه فتسعد ، ويخطئها ذلك أحياناً فتشكو .

وترى الحكيم العاقل يكتسب العظات من هذا وذاك ، فيرسلها حِكَماً تنقش على جدار الزمن ، فتتلقفها النفوس ، وتغتذي منها العقول .

هذا شاعرنا العظيم أبو الوليد البحتري يقف على إيوان كسرى ، فيستلهم الحادثات كنوزاً من العبر ، ويستنبط من صروف الدهر العِظات والدروس ، فيرسلها أبياتاً تزداد بريقاً وتوهجاً لآلئ بلاغة ، وضياء معرفة .

فهو يصون نفسه عما يشينها ، ويتماسك لتقلبات الدهر ، فلا يتضعضع لجفاء الناس ، إنما يبتعد عمن يتناساه ، ويرحل عنه .

وتراه يسلي نفسه بعبر الماضين الذين كانوا ملء العين والبصر ، فصاروا أثَراً بعد عين . .. هكذا الدنيا ، فما ينبغي لعاقل ان يركن إليها …

كان إيوان كسرى مضرب المثل في الأنس والعمران ، تقصده الجموع ترتجي الحظوة عند صاحبه ، وتخطب ودّه ، وتلتمس رضاه . فأمسى مضرب المثل في انقطاع السرور وذهاب السلطة ، وتفاهة الحياة الدنيا ، والدمار والهلاك .. وقل ما شئت من تعبيرات تدل على أن ما له بداية صائر -لا محالة - إلى نهاية …

أولو الأبصار والعقول ? وحدهم - يعلمون علم اليقين أنهم في دار اختبار ، فهم يسابقون الزمن للفوز بدار البقاء … ويا سعادتهم حين يصلون إليها غانمين …

  • البحتريّ :

هو أبو عبادة الوليد بن عبيد الطائي ، و اشتهر بالبحتري نسبة إلى" بحتر"وهي قبيلة يمنية الأصل ، ولد بمنبج في الشام ، و نشأ في قبائل طيء ،و تنقل بين القبائل البدوية ، وتأثر بفصاحتها ثم استقر في بغداد و مدح الخليفة المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان . تتلمذ في الشعر على يد أبي تمام و لكنه لم يولع مثله بالمحسنات كما أنه لم يتأثر بالفلسفة و لم يتعمق في المعاني كأستاذه أبي تمام ، إنما برع في جمال التعبير و انتقاء الألفاظ و القدرة على التصوير ، حتى قال النقاد : " المتنبي و أبو تمام حكيمان ، و إنما الشاعر البحتري " توفي سنة 284هـ .

مناسبة القصيدة :

كانت " المدائن" عاصمة بلاد الفرس قبل أن يفتحها المسلمون ، أما مقر الملك فيها فيُدعى " القصر الأبيض " و في وسطه “إيوان كسرى” قاعة ُ عرش كسرى . وعلى جدرانها رسمت معركة أنطاكية التي دارت بين الفرس و الروم . وقد أصبح هذا القصر من الآثار الرائعة بعد زوال دولة الفرس . و كان البحتري الشاعرالمقرب للخليفة العباسي المتوكل ، فلما قتل حزن عليه و رثاه ، فضاق به "المنتصر بالله "ابن المتوكل الذي كانت له يد في قتل أبيه ،فجفاه ، و فترت العلاقة بينهما ، فامتلأت نفس البحتري هما وغمّاً ،و ذهب إلى المدائن في رحلة يسلي بها نفسه ، فوقف أمام الإيوان الدارس يصفه وصفا حسيا رائعا ،ثم انتقل إلى تاريخهم و عظمتهم .

و القصيدة تقع في ستة وخمسين بيتا ، عشرة منها في ذكر حاله و شكوى دهره ، وستة في السبب التاريخي لهذه الوقفة ،ثم ستة في ذكر عظمة الفرس ،و ستة في ذكر أحوال خاصة. وما بقي وصف للإيوان وقد تفنن فيه الشاعر في الوصف ،و قد فاضت خواطره و تأملاته و آلامه

و فيها يذكر جفاء (المنتصر )ابن المتوكل ، و يذكر رحلته إلى بلاد الفرس و نفسه مليئة بالحزن لاغتيال المتوكل ، فيقول:

صنت نفسي عما يدنس نفسي *** وَتَرَفَّعتُ عَن جَدا كُلِّ جِبسِ

وَتَماسَكتُ حينَ زَعزَعَني الدَهـ *** ـرُ التِماسًا مِنهُ لِتَعسي وَنَكسي

بُلَغٌ مِن صُبابَةِ العَيشِ عِندي *** طَفَّفَتها الأَيّامُ تَطفيفَ بَخسِ

وَبَعيدٌ مابَينَ وارِدِ رِفْهٍ *** عَلَلٍ شُربُهُ وَوارِدِ خِمسِ

وَكَأَنَّ الزَمانَ أَصبَحَ مَحمو *** لًا هَواهُ مَعَ الأَخَسِّ الأَخَسِّ

وَاشتِرائي العِراقَ خُطَّةُ غَبنٍ *** بَعدَ بَيعي الشَآمَ بَيعَةَ وَكسِ

لاتَرُزني مُزاوِلًا لِاختِباري *** بَعدَ هَذي البَلوى فَتُنكِرَ مَسّي

وَقَديمًا عَهِدَتني ذا هَناتٍ *** آبِياتٍ عَلى الدَنِيّاتِ شُمسِ

وَلَقَد رابَني نُبُوُّ ابنُ عَمّي *** بَعدَ لينٍ مِن جانِبَيهِ وَأُنسِ

وَإِذا ماجُفيتُ كُنتُ جَديرًا *** أَن أَرى غَيرَ مُصبِحٍ حَيثُ أُمسي

حَضَرَت رَحلِيَ الهُمومُ فَوَجَّهـ *** ـتُ إِلى أَبيَضِ المَدائِنِ عَنسي

أَتَسَلّى عَنِ الحُظوظِ وَآسى *** لِمَحَلٍّ مِن آلِ ساسانَ دَرسِ

أَذكَرتِنيهُمُ الخُطوبُ التَوالي *** وَلَقَد تُذكِرُ الخُطوبُ وَتُنسي

وَهُمُ خافِضونَ في ظِلِّ عالٍ *** مُشرِفٍ يَحسِرُ العُيونَ وَيُخسي

مُغلَقٍ بابُهُ عَلى جَبَلِ القَبـ *** ـقِ إِلى دارَتَي خِلاطَ وَمُكسِ

حِلَلٌ لَم تَكن كَأَطلالِ سُعدى *** في قِفارٍ مِنَ البَسابِسِ مُلسِ

وَمَساعٍ لَولا المُحاباةُ مِنّي *** لَم تُطِقها مَسعاةُ عَنسٍ وَعَبسِ

نَقَلَ الدَهرُ عَهدَهُنَّ عَنِ الـ *** ـجِدَّةِ حَتّى رَجَعنَ أَنضاءَ لُبسِ

فَكَأَنَّ الجِرْمازَ مِن عَدَمِ الأُنـ *** ـسِ وَإِخلالِهِ بَنِيَّةُ رَمسِ

لَو تَراهُ عَلِمتَ أَنَّ اللَيالي *** جَعَلَت فيهِ مَأتَمًا بَعدَ عُرسِ

وَهوَ يُنبيكَ عَن عَجائِبِ قَومٍ *** لايُشابُ البَيانُ فيهِم بِلَبسِ

وَإِذا مارَأَيتَ صورَةَ أَنطا *** كِيَّةَ اِرتَعتَ بَينَ رومٍ وَفُرسِ

وَالمَنايا مَواثِلٌ وَأَنوشِر *** وانَ يُزجى الصُفوفَ تَحتَ الدِرَفسِ

في اخضِرارٍ مِنَ اللِباسِ عَلى أَصـ *** ـفَرَ يَختالُ في صَبيغَةِ وَرسِ

وَعِراكُ الرِجالِ بَينَ يَدَيهِ *** في خُفوتٍ مِنهُم وَإِغماضِ جَرسِ

مِن مُشيحٍ يَهوى بِعامِلِ رُمحٍ *** وَمُليحٍ مِنَ السِنانِ بِتُرسِ

تَصِفُ العَينُ أَنَّهُم جِدُّ أَحيا *** ءَ لَهُم بَينَهُم إِشارَةُ خُرسِ

يَغتَلي فيهِم ارتِابي حَتّى *** تَتَقَرّاهُمُ يَدايَ بِلَمسِ

قَد سَقاني وَلَم يُصَرِّد أَبو الغَو *** ثِ عَلى العَسكَرَينِ شَربَةَ خُلسِ

مِن مُدامٍ تَظُنُّها وَهيَ نَجمٌ *** ضَوَّأَ اللَيلَ أَو مُجاجَةُ شَمسِ

وَتَراها إِذا أَجَدَّت سُرورًا *** وَارتِياحًا لِلشارِبِ المُتَحَسّي

أُفرِغَت في الزُجاجِ مِن كُلِّ قَلبٍ *** فَهيَ مَحبوبَةٌ إِلى كُلِّ نَفسِ

وَتَوَهَّمتُ أَنَّ كِسرى أَبَرويـ *** ـزَ مُعاطِيَّ وَالبَلَهبَذَ أُنسي

حُلُمٌ مُطبِقٌ عَلى الشَكِّ عَيني *** أَم أَمانٍ غَيَّرنَ ظَنّي وَحَدسي

وَكَأَنَّ الإيوانَ مِن عَجَبِ الصَنـ *** ـعَةِ جَوبٌ في جَنبِ أَرعَنَ جِلسِ

يُتَظَنّى مِنَ الكَآبَةِ إِذ يَبـ *** ـدو لِعَينَي مُصَبِّحٍ أَو مُمَسّي

مُزعَجًا بِالفِراقِ عَن أُنسِ إِلفٍ *** عَزَّ أَو مُرهَقًا بِتَطليقِ عِرسِ

عَكَسَت حَظُّهُ اللَيالي وَباتَ الـ *** ـمُشتَري فيهِ وَهوَ كَوكَبُ نَحسِ

فَهوَ يُبدي تَجَلُّدًا وَعَلَيهِ *** كَلكَلٌ مِن كَلاكِلِ الدَهرِ مُرسي

لَم يَعِبهُ أَن بُزَّ مِن بُسُطِ الديـ *** ـباجِ وَاستَلَّ مِن سُتورِ الدِّمَقسِ

مُشمَخِّرٌ تَعلو لَهُ شُرُفاتٌ *** رُفِعَت في رُؤوسِ رَضوى وَقُدسِ

لابِساتٌ مِنَ البَياضِ فَما تُبـ *** ـصِرُ مِنها إِلّا غَلائِلَ بُرسِ

لَيسَ يُدرى أَصُنعُ إِنسٍ لِجِنٍّ *** سَكَنوهُ أَم صُنعُ جِنٍّ لِإِنسِ

غَيرَ أَنّي أراه يَشهَدُ أَن لَم *** يَكُ بانيهِ في المُلوكِ بِنُكسِ

فَكَأَنّي أَرى المَراتِبَ وَالقَو *** مَ إِذا ما بَلَغتُ آخِرَ حِسّي

وَكَأَنَّ الوُفودَ ضاحينَ حَسرى *** مِن وُقوفٍ خَلفَ الزِحامِ وَخنسِ

وَكَأَنَّ القِيانَ وَسطَ المَقاصيـ *** ـرِ يُرَجِّعنَ بَينَ حُوٍ وَلُعسِ

وَكَأَنَّ اللِقاءَ أَوَّلَ مِن أَمـ *** ـسٍ وَوَشكَ الفِراقِ أَوَّلَ أَمسِ

وَكَأَنَّ الَّذي يُريدُ اتِّباعًا *** طامِعٌ في لُحوقِهِم صُبحَ خَمسِ

عُمِّرَت لِلسُرورِ دَهرًا فَصارَت *** لِلتَعَزّي رِباعُهُم وَالتَأَسّي

فَلَها أَن أُعينَها بِدُموعٍ *** موقَفاتٍ عَلى الصَبابَةِ حُبسِ

ذاكَ عِندي وَلَيسَت الدارُ داري *** باِقتِرابٍ مِنها وَلا الجِنسُ جِنسي

غَيرَ نُعمى لِأَهلِها عِندَ أَهلي *** غَرَسوا مِن زَكائِها خَيرَ غَرسِ

أَيَّدوا مُلكَنا وَشَدّوا قُواهُ *** بِكُماةٍ تَحتَ السَنَّورِ حُمسِ

وَأَعانوا عَلى كَتائِبِ أَريا *** طَ بِطَعنٍ عَلى النُحورِ وَدَعسِ

وَأَراني مِن بَعدُ أَكلَفُ بِالأَشـ *** ـرافِ طُرًّا مِن كُلِّ سِنخِ وَأُسِّ

معاني بعض المفردات :

-الإيوان : بهو له سقف و ثلاثة جدران ، يقع بين الغرف و يجلس فيه كبار القوم .

  • رحلي : ارتحالي و ما يوضع على البعير للرحيل حضرته جعلته حاضرا .

  • العنس : الناقة القوية الصلبة .

  • أبيض المدائن: القصر الأبيض لكسرى أنوشروان .

  • آل ساسان : ملوك الفرس من نسل أردشير حفيد ساسان مؤسس السلالة الساسانية

  • خافضون : يعيشون برفاهية و اطمئنان

  • مشرف :عال .

  • يحسر : يردها من الإعياء ، يضعف .

  • يخسي : يكل و يخسر أو يعيى.

  • اللبس :الاختلاط و الشبهة و عدم الوضوح .

  • أنطاكية :بلدة بالشام دارت فيها معركة بين الفرس و الروم قبل الإسلام نقشت رسومها على جدران الإيوان ، و صورة أنطاكية :اللوحة الجدارية التي تمثل المعركة

  • ارتعْت :فزعْت

  • المنايا :جمع منية ،و هي الموت .

  • موائل : متحفزات للعمل

  • أنوشروان : ملك الفرس .

  • يزجى : يسوق و يدفع .

  • الدرفس : راية كبيرة ، و هي رمز لتحرير بلاد الفرس على يدي بطلهم (أفريون ) و كانت محلاة بالجواهر الكريمة .

  • على أصفر : على جواد أصفر بمعنى أسود .

  • يختال : يتكبر

  • صبيغة : ثياب مصبوغة .

  • الورس : نبات يستعمل لتلوين الملابس ..

  • الخفوت : الصوت الخافت المنخفض (السكون ).

  • إغماض جرس : انخفاض الصوت .

  • المشيح : فارس يقظ يتقدم و قد احتاط بما وراء ظهره .

  • يهوي : ينقض و يضرب .

  • عامل رمح : أعلاه .

  • مليح :فارس حذر يتقي الطعنات .

  • السنان : حديدة الرمح ، جمعها أسنة .

  • ترس: قطعة من الفولاذ تحمل للوقاية من السيف .

  • تصف العين : تتخيل .

  • يغتلي ارتيابي : يزداد شكي .

  • تتقراهم : تتحسسهم ، أي يلمسهم ليرى أصور مرسومة هم أم أشخاص أحياء يتحاربون ؟

  • الجوب :الترس ، الفتحة الواسعة في الجبل .

  • أرعن : الجبل ذو النتوءات الشاخصة . والأرعن : البناء الغليظ العالي

  • جلس الغليظ المرتفع من كل شيء

  • يتظنّى: يعمل فيه الظن أو الشك .

  • بز : نزع ، أخذ . استل : نزع ،أخذ .

  • الديباج : الحرير الغليظ ، الاإستبرق.

  • الدمقس :الحرير الأبيض الناعم .

  • مشمخر : ضخم و عالي .

  • رضوى : اسم جبل يقع بين المدينة و ينبع .

  • ضاحين : بارزين للشمس في وقت الضحى .

  • حسرى :متلهفين .

  • الحوّ : احمرار يضرب إلى سواد في الشفة.

  • اللعس : سواد يعلوشفة المرأة البيضاء.

  • الخنس : المتأخرون ،والكواكب الخنس هي التي تظهر للناظر و تختفي

  • أراد بالتعزي و التأسي : السلوان وتخفيف الحزن .

** مقتبسات من شعر البحتري

قال البُحتريُّ:

(1) ما الدَّهْرُ أطوَلُ من ليلٍ على كَلِفٍ… ولا الأَسِنَّةُ أمضى من جَوَى الشَّغَفِ

(2) ماذا تُواري ثِيابي مِنْ أخي دَنَفٍ… كأنَّما الجِسمُ منهُ قامةُ الأَلِفِ

(3) ما قالَ يعقوبُ منْ وَجْدٍ: أيا أسَفا… إلاَّ لِدُونِ الذي أَلقَى من الأَسَفِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكَلِفٍ: العاشق الولهان

الجَوَى : ألم الوجد والشوق

يقول: ليل العاشق أطول من الدهر، وألم حشاه أشد من طعنات الأسنَّة

(2) يقول: إنَّ تحت ثيابه أخا دنف: أخا عشق وصبابة، كأن جسمه لنحول قانته حرف الألف

(3) يعقوب هو أبو سيدنا يوسف، ويقصد الشاعر أن حسرته على فراق حبيبه أشد من حسرة يعقوب (النبي) حين فجع بفراق يوسف ابنه

من سخرية البحتري

إذا كانتْ صِلاتُكُمُ رِقاعًا …تُوَقَّعُ بالأناملِ والأكُفِّ

ولم تَكُنِ الرِّقاعُ تَجُرُّ نفعًا … فها خَطِّي خُذوهُ بألفِ ألفِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الرقاع جمع رقعة وهي الورقة المكتوبة أو نحوها

والبيت الأول مع البيت الثاني يصبح المعنى: إذا اقتصر عطاؤكم على رقاع مكتوبة فيها الوعود لا تنجز فخذوا مني همل الرقاع بألوف الألوف. والسخرية هنا واضحة

يا موعدا فات فأبقى الجوى

(1) يا مَوْعِدا فات فأَبقىالجَوى… من مُخلفٍ لِلوعْدِحَلاَّفِ

(2) قَالَ وفَدَّانيفصَدَّقْتُهُ… بِرقَّةٍ مِنْهُوأَعْطافِ

(3) لِسَانُكَ الحُلْوُ الّذيغَرَّني… مِنْكَ وفَدْ أَكثرْتَإِخلاَفِي

(4) أَسْرفتُ في حُبِّك حتَّىلَقَدْ… أَضَرَّ بي عِندكإِسرافي

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجَوَى : ألم الوجد والشوق . حلاف: كثير الحلف

(2) فدَّاني: قال لي: فداؤك نفسي. الأعطاف: هنا جمع عطف وهو ما يرادف الرقة واللطف

(3) أكثرت إخلافي: أي كثر منك إخلاف الوعود

(4) ما زلتُ أسرف في حبك حتى أضرَّ بي هذا الإسراف

هذه أبيات من الغزل الرقيق يصف اشتياقه للشام وأهلها وهو بالعراق

1- تيَّمتْه صبابةٌ واشتياقٌ… وشجاهُ يوم الفراقِ الفراقُ

2- ساعدَتْهُ على البُكا عَبَراتٌ… ساعدَتْها في فيضها الآماق

3- كمْ تُشَقُّ الجيوبُ في مَأْتَمِ البيـ … ـــن وتَدْمَى لهُ الخدودُ الرِّقاقُ

4- أطلقتْ دمعةُ المدامعِ لَمَّا … جَدَّ للبينِ رحلةٌ وانطلاقُ

5- رُوحُهُ بالشَّآمِ في غَمْرةِ الموْ… تِ وجُثمانُهُ حَوَتْه العراقُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- تيَّمهُ: استعبده واسترقهُ . شجاه: أحزنه

2- الآماق: جمع موق وهو محجر الدمع في العين

3- الجيوب: جمع جيب وهو طوق الثوب أو القميص. البين: الفراق . يقول: إن الفراق مدعاة لشق الجيوب ولطم الخدود الرقيقة حتى تدمَى

4- جد جدّ الرحيل فانطلق الدمع من العيون

5- هذا العاشق المفارق جسمه في العراق لكنَّه قد خلف روحه بالشام.

هذه القطعة من بواكير شعر البحتري

1- مُتِّعَا باللِّقاءِ عِنْدَ الفِراق…مُسْتَجِيرَيْنِ بالبُكَا والعَنَاق

2- كَمْ أَسَرَّا هَوَاهُمَا حَذَرَ البَيْنِ ?. وكَمْ كَاتَمَا غَلِيلَ اشْتِياقِ

3- فَأَطَلَّ الفِراقُ فاجتَمَعَا فِيه…،فِرَاقٌ أَتَاهُمَا باتِّفَاقِ

4- كَيْفَ أَدعُو عَلَى الفِراقِ بِبْينٍ …وَغَدَاةَ الفِراقِ كَانَ التَّلاَقي؟

ـــــــــــــــ

1- لم يتمتعا باللقاء إلا في سبيل الفراق عند الوداع فهما بين عناقي وبكاء

2- كم أضمرا الهوى بكتمانه واشتعل فيهما غليل الشوق

3- ولما اتفقا على اللقاء كان اللقاء لقاء افتراق

4- البين: الغياب والبعد. ومن قبيل التلاعب بالألفاظ ، كيف أدعو على الفراق أن يفارقنا وهو سبب في التقائنا

قال يمدح أحمد بن عبد الرحيم الحرَّاني ويستعينه في حاجة له:

1- قَد فقَدْنا الوَفاءَ فَقدَ الحَميمِ، … وَبَكَينَا العُلَى بُكَاءَالرّسُومِ

2- لا أُمِلُّ الزّمَانَ ذَمّاً، وَحَسْبي … شُغُلاً أنْذَمَمْتُ كُلّ ذَميمِ

3- أتَظُنُّ الغِنَى ثَوَاباً لِذِي الهِمّةِ … مِنْ وَقْفَةٍ بِبَابِ لَئِيمِ

4- وَأرَى عِنْدَ خَجْلَةِ الرّدّ منّي … خَطَراً في السّؤالِ، جِدَّ عَظيمِ

5- وَلَوَجْهُ البَخيلِ أحْسَنُ في … بَعْضِ الأحَايينِ مِنْ قَفَا المَحرُومِ

6- وَكَرِيمٌ عَدا، فأعْلَقَ كَفّي، … مُسْتَميحاً في نِعْمَةٍ مِن كَرِيمِ

7- حَازَ حَمدي، وَللرّياحِاللّوَاتي … تَجْلُبُ الغَيثَ، مثلُ حَمدِ الغيومِ

8- عَوْدَةٌ بَعدَبَدْأةٍ مِنكَ كانَتْ … أمسِ، يا أحمَدُ بنُ عَبدِ الرّحيمِ

9- مَاتَأنّيكَ بالظّنِينِ وَلا وَجْهُكَ … في وَجهِ حاجتي بشَتيمِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- حرمنا من الوفاء كحرماننا من الصديق الوفي، وضاع العلا فبكيناه بكاءنا على الأطلال الدوارس

2- لا أتوانى عن ذم الزمان لكنني لا أثقل عليه فأملَّه، ويكفيني أنني أذمُّ كل من يستحق الذم

3- ثوى يثوي ثواءً في المكان: أقام فيه. أتعتقد أن الغنى يأتي لصاحب الهمة في وقوفه على باب اللؤماء.

4- وأرى أن رفض اللئيم لقائي خجلة كبرى تجعل السؤال خطبا جللًا

6- ورب كريم تعلق بيدي يسألني العطاء من كريم

7- فنال ما نشده، ومثله الرياح التي تأتي بالمطر، كحمدنا للغيوم المأمولة

8- ولقد كررتَ عطاءك أمس أيُّها الممدوح

9- التأتِّي: التسهُّل. الظنين: المتهم المظنون به. الشتيم: الكريه

هل أعجبتك هذه المشاركة ؟

من هجاء البحتري
قال يهجو الأحول كاتب أبي الصقر

دجالنا أحول من شؤمه = والناس دجالهم أعور
كلفه حاجاتك يقعد بها = مكلف بالبخل مستهتر
يعلو غريب القبح في وجهه = فيستوي المخبر والمنظر

وقال في ضرطة وهب
أنبل بوهب أنبل بضرطته = إذ صير الناس ذكرها سمرا
فكرما الذي ابتلاه بها = فكان مسكا فصيرته خرا
فاتفق القول من جميعهم = والفحص يبدي لأهله الخبرا
إن الذي حل عقد فقحته = إيداعها طول ليله الكمرا

وقال في صاحب الخراج بحلب
اعجب لظلم زماننا المتواتر = ولأول مما يريك وآخر
تالله أوخذ بالخراج وضيعتي = لحم يطرح في مخالب طائر
ويغلها قوم وأعطي خرجها = حكم لعمرك غير عدل ظاهر
صلى الإله على سدوم فلم يكن = في جنب قصتنا سدوم بجائر
أبلغ أبا العباس حيث أحل من = حلب مكان الغيث فينا الماطر
أتجور عن نظر لنا من بعد ما = سميت من نظر لنا بالناظر
ومنعتني الإنصاف منك ولم تكن = تأباه في بر ولا في فاجر

وقال يهجو الخزاز
الحمد لله على ما أرى = من قدر الله الذي يجري
ما كان ذا العالم من عالمي = يوما ولا ذا الدهر من دهري
يعترض الحرمان في مطلبي = ويحكم الخزار في شعري

وقال يهجو الحسن بن سهل
مجانيق شؤمك منصوبة = على آل وهب تثير الغبارا
صحبتهم حين نالوا الغنى = فكنت الهلاك وكنت الدمارا
إذا ما دلفت إلى نعمة = عصفت برونقها فاستطارا
يبيت عدوك مستأنسا = ويأبى صديقك إلا عثارا
نثرت الأخلاء نثر الجما = ن وأنفقتهم حين تموا بدارا
بلغت بأحمد أقصى الدجيـ = ـل فأمست مغانيه منه قفارا
وهرثمة مات لما رآك = من الخوف تبني عليه المنارا
كفيت الهلالي حرب العبا = د فقر وما كان يرجو قرارا
وجدناك أنبل منه صريعا = لدينا وأبعد منه مغارا
أخي من بني قطن لا يزا = ل يمير القبور ويخلي الديارا
إذا نعم القوم عاينه = تولين يهربن منه فرارا

وقال يهجو أحمد بن صالح وولده
نفقت نفوق الحمار الذكر = وبان ضراطك منا فمر
يقول الطبيب به فالج = فقلت كذبت ولكن قصر
وقد يتوقع موت الحما = ر إلا ببعض منايا الحمر
فقدنا يهودي قطربل = وما فقدناه بإحدى الكبر
عليج يدين بأن لا إلـ = ـه وأن لا قضاء وأن لا قدر
وشتامة لصحاب النبيـ = ـي يزجر عنهم فما ينزجر
إذا جحد الله والمرسليـ = ـن فكيف نعاتبه في عمر
وساور دجلة لولا الحيا = ء ليقطع جريتها بالبدر
فأين الخليفة عما أعد = وعما أفاد وعما ادخر
أيترك ما كان مستخفيا = فكيف بترك الذي قد ظهر
له خلف مثل غرز الجرا = د بعيدون من كل أمر يسر
أيعقوب أختار أم صالحا = وما فيهما من خيار لحر
وكنت وكانا كما قيل للـ = ـعبادي أي حماريك شر
على أن أدناهما سنخة = صغيرهما الفاحش المحتقر
هل ابن القماشية اليوم لي = مقيم على الذنب أم يعتذر
وهل يذكرن سرى أمه = بليل ودلجتها في السحر
وهل يعلمن بأني امرؤ = على ما يسوؤهم مقتدر
عصابة سوء تمادى بها = ضراط الحمير وخضم البقر
وما ساءني أنهم أصبحوا = من الخزي في دار شر وعر
وإن ابن عزرة مستعبر = يبكى على خلل قد دثر
فأهون علي بتلك الدمو = ع ترقرق في الخد أو تنحدر
لعل أبا الصقر يجلو بنا = ظلام الخطوب بيوم أغر
فتى رفعت بيته وائل = إلى حيث ترقى النجوم الزهر

ديوان ألشاعر ألبحتري

أَالبحتري‏ (820 م - 897 م): هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى التنوخي الطائي، أحد أشهر الشعراء العرب في العصر العباسي.

يقال لشعره سلاسل الذهب، وهو أحد الثلاثة الذين كانوا أشعر أبناء عصرهم، المتنبي وأبو تمام والبحتري، قيل لأبي العلاء المعري : أي الثلاثة أشعر ؟ فقال : المتنبي وأبو تمام حكيمان وإنما الشاعر البحتري.

ولد في منبج إلى الشمال الشرقي من حلب في سوريا. ظهرت موهبته الشعرية منذ صغره. انتقل إلى حمص ليعرض شعره على أبي تمام، الذي وجهه وأرشده إلى ما يجب أن يتبعه في شعره. كان شاعراً في بلاط الخلفاء : المتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز بن المتوكل، كما كانت له صلات وثيقة مع وزراء في الدولة العباسية وغيرهم من الولاة والأمراء وقادة الجيوش. بقي على صلة وثيقة بمنبج وظل يزورها حتى وفاته. خلف ديواناً ضخماً، أكثر ما فيه في المديح وأقله في الرثاء والهجاء. وله أيضاً قصائد في الفخر والعتاب والاعتذار والحكمة والوصف والغزل. كان مصوراً بارعاً، ومن أشهر قصائده تلك التي يصف فيها إيوان كسرى والربيع.

ومعنى كلمة البحتري في اللغة العربية : قصير القامة.

ولد البحتري ب منبج من اعمال حلب في سوريا سنة (821م\205 هـ)، ونشأ في قومه الطائيين فتغلبت عليه فصاحتهم، تتلمذ لأبي تمام وأخذ عنه طريقته في المديح ثم اقام في حلب وتعلم هناك ملكة البلاغة والشعر واحب هناك (علوة) المغنية الحلبية التي ذكرها كثيرا في قصائده. ثم تنقل بين البلاد السورية وغيرها، وهو ميدان للقلق والاضطراب، والخلافة ضعيفة لاستيلاء الأتراك على زمام الأمور. فتردد الشاعر في بغداد على دور عليتها. واتصل بالمتوكل فحظي لديه وأصبح عنده شاعر القصر ينشد الأشعار فتغدق عليه الأموال الوافرة.

ولما قتل المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان لبث الشاعر يتقلب مع كل ذي سلطان مستجدياً، حتى عاد سريعا إلى منبج يقضي فيها أيامه الأخيرة فأدركته الوفاة سنة (897م/284ه) ودفن في مدينة الباب.

للبحتري ديوان شعر كبير طبع مراراً في القسطنطينية ودمشق ومصر وبيروت. وقد شرح أبو العلاء المعري قديماً هذا الديوان وسماه عبث الوليد.

لبحتري بدوي النزعة في شعره، ولم يتأثر الا بالصبغة الخارجية من الحضارة الجديدة. وقد أكثر من تقليد المعاني القديمة لفظيا مع التجديد في المعاني والدلالات، وعرف عنه التزامه الشديد بعمود الشعر وبنهج القصيدة العربية الأصيلة إلا أن الشاعرالعراقي فالح الحجية يقول يتميز شعره بجمالية اللفظ وحسن اختياره والتصرف الحسن في اختيار بحوره ة قوافيه وشدة سبكه ولطافته وخياله المبدع

غزله: غزل بديع المعاني متدفق العاطفة، ويلحظ ذلك في القصائد التي بدأها بذكر علوة تلك المغنية التي احبها في حلب فهو حقيقي الشعور متوثب العاطفة. وهو على كل حال عامر بالرقة والحلاوة، مستوفي الجمال الفني. وقد دعي البحتري ((شاعر الطيف)) لإكثاره من ذكر خيال الحبيب…إلخ

الرثاء : أسلوب البحتري في الرثاء فخم جليل تغطي فيه العاطفة الفنية على العاطفة الحقيقية. وأحسن رثائه ما قاله في المتوكل.

الحكم : اجتزأ فيها البحتري بالمعاني الشائعة القريبة المنال ،ابتعد عن التعقيد وكان الأفضل عند من يفضلون سهولة المعاني، ووضوح الألفاظ، وكانت أيضا ألفاظه وليدة الاختبار البسيط.

المديح : يقدم إلى التأنيب والتهديد، وذلك كله في سهولة وحلاوة.

الوصف : البحتري شاعر الوصف

وصف الطبيعة : ضمن البحتري هذا الوصف لوحات عديدة جمع فيها ألواناً مختلفة من مباهج الطبيعة. وقد كانت أوصافه في الطبيعة على الإجمال قليلة الحظ من الابتكار، تقليدية في أغلبها، غير أن البحتري تمكن من ترقية هذا التقليد إلى درجة رفيعة من التفوق والشخصية والاصالة. وقد ابتدع طريقة خاصة تقوم باختيار التفاصيل الطريفة المحسوسة لتأليف لوحات متناسقة تروع بائتلافها وتؤثر بما يبثه فيها من حياه وحركة، وبما يجعل فيها من موسيقى رائعة.

وصف العمران : أولع البحتري بمظاهر العمران ووصف القصور وما إلى ذلك. وقد أبدى في وصفه براعة في تخير التفاصيل الناتئة، ودقة في رسم تلك التفاصيل رسماً حسياً وانفعالاً نفسياً شديداً.

وصف الطبيعة في الأندلس: من الموضوعات التي شاعت في الأندلس وازدهرت كثيراً شعر وصف الطبيعة وهذا موضوع في الشعر العربي منذ العصر الجاهلي إذ وصف الشعراء صحراءهم وتفننوا في وصفها لكن هذا الوصف لم يتعد الجانب المادي وفي العصر الأموي والعباسي عندما انتقل العرب المسلمون إلى البلدان المفتوحة وارتقت حياتهم الاجتماعية أضافت على وصف الطبيعة وصف المظاهر المدنيَّة والحضارة وتفننوا، فمن ذلك فقد وصف الطبيعة عند الشعراء العباسيين أمثال النجدي والصنوبري وأبي تمام وأبي بكر النجدي الذي عاش في بيئة حلب ولكن ما الجديد الذي جاء به الأندلسيون بحيث أن هذا الموضوع أصبح من الأغراض والموضوعات التي عُرف بها أصل الأندلس.

كان البحتري ذا خيال صافٍ وذوق ٍ سليم. وهو من اطبع شعراء العرب. ويرى ان الشعر لمح، ومذهبه فيه مذهب امرئ القيس.

أما فن البحتري فيقوم على زخرف بديعي يأخذ به في اقتصاد وذوق، وعلى موسيقى ساحرة تغمر جميع شعره، وتأتي عن حسن اختيار الالفاظ والتراكيب التي لا يشوبها تعقيد ولا غرابة ولا خشونة بل تجري مؤتلفة في عناصرها وفي تسلسلها، موافقة للمعنى، تشتد في موقع الشدة وتلين في موقع اللين. وموسيقى شعر البحتري من أرقى.

فهارس ديوان الشاعر البحتري
01- الفهرس
02- الشاعر البحتري وديوانه
03- في الهجاء (قال يهجو عدد من الأشخاص)
04- مقتبسات من شعر البحتري
05- سينية ألبحتري
06- في المدح (قال يمدح إسماعيل بن شهاب)
07- في المدح (قال يمدح الحسن بن وهب)
08- في الهجاء (قال يهجو عبيد الله بن عبد الله بن طاهر)
09- في الغزل
10- في الرثاء (قال يرثي غلاما له اسمه قيصر)
11- في الفخر
12- في الرثاء (قال يرثي أخا الصابوني القاضي، وكان قتله سيما)
13- في الرؤثاء (قال يرثي المتوكل)
14- في العتاب (قال يعاتب إبراهيم بن الحسن بن سهل على عربدة كانت منه عليه)
15- في المدح (قال يمدح أحمد بن عبد العزيز بن الشلمغان)
16- في الحماسه (قال يمدح إسحاق بن كنداجيق حين توج وقلد السيفين)
17- شكوى (رجلا من الرؤساء من أهل الرقة ذكره فاستجفاه وشكا سوء عهده )
18- في العتاب ()
19- في العتاب (قال يعاتب إسماعيل بن بلبل)
20- في الوصف (قال يصف الذئب ولقاءه إياه)
21- في الفخر
22- في المدح والوصف (قال يمدح أبا نهشل محمد بن حميد بن عبد الحميد الطوسي، ويصف الفرس والبغل)
23- صُنتُ نَفسي عَمّا يُدَنِّسُ نَفسي
24- إِن تأَملْ مَحاسِنَ الأَصبَهَاني
25- بعَدُوّكَ الحِدْثُ الجَليلُ الوَاقِعُ
26- أغَداً يَشِتُّ المَجدُ وَهْوَ جَميعُ
27- فيم ابتِدارُكُمُ المَلاَمَ وَلُوعَا
28- بَني عُثْمانَ! أنْتُمْ، في غُنَىٍّ
29- وَليُّكُمُ الله الذي لمْ يَزَلْ لَنَا
30- لَكِ عَهْدٌ لَدَيّ غَيرُ مُضَاعِ
31- فَدَتْكَ أكُفُّ قَوْمٍ ما استَطاعوا
32- حَبيبٌ سرَى في خِفيَةٍ، وعَلى ذُعْرٍ
33- شَهيٌّ إلى الأيّامِ تَقْليلُها وَفْرِي
34- أرَاني مَتى أبْغِ الصّبَابَةَ أقْدِرِ
35- أيّها العَاتِبُ الذي لَيسَ يَرْضَى

** في المدح
وقال يمدح أحمد بن عبد العزيز بن الشلمغان
1
أقصرا قد أطلتما تفنيدي *** ومن الجهل لوم غير سديد
2
لتجاوزتما بي اللوم والعذ *** ل كأني شككت في التوحيد
3
أتسومانني الصدود وكالعلـ *** ـقم لو تعلمان طعم الصدود
4
إن من سنة الهوى أن يرى فيـ *** ـه رشيد الأقوام غير رشيد
5
قدكما من ملام من وقفت عيـ *** ـناه بين الدموع والتسهيد
6
أكعهدي نوار أنت أم استحـ *** ـدثت رأيا في نقض تلك العهود
7
أبياض الثغور أم مرض الأجـ *** ـفان أشكو أم احمرار الخدود
8
إن للحب لوعة تترك الجلـ *** ـد إذا خامرته غير جليد
9
مت شهيد الهوى فإن لمن ما *** ت من الحب ضعف أجر الشهيد
10
ملك راحتاه أحنى على العا *** فين من والد ومن مولود
11
كل يوم له عطاء جديد *** يتلقى بوجه شكر جديد
12
أبدعت راحتاه في الجود ما لم *** يك لولا نداه بالموجود
13
لو سعى قبل رفده رفد كف *** لسعى رفده إلى المرفود
14
كم وفود به استجاروا فأضحوا *** بأياديه مستجار الوفود
15
جاد حتى لقال عافيه ما يقـ *** ـسم من رمل عالج أو زرود
16
كل عيد له انقضاء وكفي *** كل يوم من جوده في عيد
17
ما لذيذ الحياة أحلى لديه *** من نجاح يغريه بالموعود
18
بسطة فاتت النجوم علوا *** واغتدت بعد فوتها بالصعود
19
تعجز الريح عن بلوغ مداها *** فهي حسرى في شأوها الممدود
20
ونفاذ يفل مستصعب الخطـ *** ـب بعزم يخد في الجلمود
21
لو تلاقى به الأسود لأعطت *** طاعة المستكين غلب الأسود
22
فإلى بأسه انتساب المنايا *** وإلى جوده انتساب الجود
23
والعلا من فعاله في اجتماع *** واللهى من يديه في تبديد
24
فكأن اللهى اجترمن إليه *** فهي مطلوبة بتلك الحقود
25
تتلقى حوادث الدهر منه *** عزم رأي كالصخرة الصيخود
26
لا يحب الثناء نزرا ولا يجـ *** ـتلب الشكر بالنوال الزهيد
27
غير هيابة إذا استفحل الخطـ *** ـب ولا طائش ولا رعديد
28
لم يضع منهج الصواب ولم ير *** م بسهم في الرأي غير سديد
29
فاز من حارث وخسرو ومن هر *** مز بالمجد والفخار التليد
30
وأطال ابتناءه الحسن القر *** م وعبد العزيز بالتشييد
31
جده الشلمغان أكرم جد *** شفع المجد بالفعال الحميد
32
ترتعي منه في جناب مريع *** مونق النبت طيب المورود
33
ما انتصفنا من الليالي ولا الأيـ *** ـيام إلا بأحمد المحمود
34
حكم السيف في عديد سجستا *** ن وفي النفس منه بعد العديد
35
فكفت منهم بطون سباع *** قبروا جوفها بطون لحود
36
غادرتهم يد المنية صبحا *** بالقنا بين ركع وسجود
37
فهم فرقتان بين قتيل *** قنصت نفسه بحد الحديد
38
وأسير غدا له السجن لحدا *** فهو حي في حالة الملحود
39
فرقة للسيوف ينفذ فيها الـ *** ـحكم قصدا وفرقة للقيود
40
وأقيمت له القيامة في قم *** على خالع وعات عتيد
41
فغدوا إن غدا عليهم حصيدا *** بالعوالي وقائما كحصيد
42
وثنى معلما إلى طبرستا *** ن بخيل يمرحن تحت اللبود
43
فقرى هامهم سيوف المنايا *** فجريح أو مرعف أو مود
44
وكذا الكرد سن للموت فيهم *** بطوال الرماح طول الخلود
45
مثلما سن للسيوف بقزويـ *** ـن وجرجان قطع حبل الوريد
46
عانقتهم ظبا السيوف فلا منـ *** ـصل إلا مغيب في جيد
47
ومشت فيهم الرماح وخيدا *** ووجيفن من بعد ذاك الوحيد
48
وهو المرء ما غزا بلدا بالرأ *** ي إلا كفاه غزو الجنود
49
يغتدي جيشه فتغدو المنايا *** بين راياته وبين البنود
50
ضامنا رزق كل طير كما ضمـ *** ـمن أرزاق كل ضبع وسيد
51
ألفت كفه نجاح المواعيـ *** ـد وأسيافه نجاح الوعود
52
أيد الملك بعد ما ماد ركنا *** ه بسيف الخلاف كل مميد
53
مخمد نار كل حرب ومذك *** جمرها بالرماح بعد خمود
54
كم عزيز أباده فغدا را *** كب عود مركب فوق عود
55
مطلق لم تحزه ساحة حبس *** حبسه في شريطه المشدود
56
فهو كالشاعر استبدت به الفكـ *** ـرة فيما أضل بعد الوجود
57
يحسد الطير فيه ضبع البوادي *** وهو في غير حالة المحسود
58
غاب عن صحبه فلا هو موجو *** د لديهم وليس بالمفقود
59
وكأن امتداد كفيه فوق الـ *** ـجذع في محفل الردى المشهود
60
طائر مد مستريحا جناحيـ *** ـه استراحات متعب مكدود
61
وله صاحب يخاطب عنه *** من نأى عنه فوق شبر الوليد
62
ما له والد يعد سوى الما *** ء ولا أم غير حر الصعيد
63
وعلى ضعف جسمه تفتك القطـ *** ـرة من فيه بالشجاع النجيد
64
أخطب الخلق راجلا فإذا رجـ *** ـجل خاطبت منه عين البليد
65
لا يذود الحديد عن أعظم الأسـ *** ـؤق حتى يذوق طعم الحديد
66
وكذا السيف ليس يرضيك في الغمـ *** ـد ويرضيك ساعة التجريد
67
سائر لفظه بكل صواب *** وهو في بيته أليف قعود
68
وله شعبتان شري وأري *** من ردى قاتل ونيل عتيد
69
كم سعيد أحذاه ثوب شقي *** وشقي أحذاه ثوب سعيد
70
يملأ الكتب من معان تؤام *** وفرادى كاللؤلؤ المعدود
71
يجتليهن في سواد ويجلو *** هن للناس في الثياب السود
72
فتراهن كالعذارى إذا هـ *** ـن تهادين وسط روض مجود
73
ينظم الدر في بطون القراطيـ *** ـس كنظم النظام در العقود
74
يا ابن عبد العزيز هنيت ما خو *** ولت من نعمة ومن تسويد
75
إمرة إثر كتبة قد توالت *** نعم الله فيهما بالمزيد
76
نصر أذكوتكين أصبح معقو *** دا له في لوائك المعقود
77
لم تقلد له قياما بأمر *** فاحتوى غب ذلك التقليد
78
إن يكن في الأنام سعد سعود *** بشريا فأنت سعد السعود
79
يا حليف الندى بك امتد باعي *** وارتوت غلتي وأروق عودي
80
لتجاوزت بالبلاغة ما أعـ *** ـيا على كل سيد ومسود
81
نظر باحث ونظم كنظم الدر *** ر فصلت بينه بفريد
82
يطمع السامعون فيه فإن را *** موه ألفوه فوق بعد البعيد
83
وبيان إذا استعيد تجلى *** جدة باستعادة المستعيد
84
جل عن أن ينال بالفهـ *** ـم أو يدركه الواصفون بالتحديد
85
فهو كالغادة التي نهد الثد *** يان منها أو أشرفا للنهود
86
أو كورد الرياض أو كجنات الـ *** ـكاعب الرود أو كوشي البرود
87
ليس حوك القريض بالغ ما فيـ *** ـك بوصف فيكتفى بالقصيد
88
غير أن القريض أجمع شيء *** لمقيم من العلا وشرود**

** في الرثاء
وقال يرثي المتوكل
1
محل على القاطول أخلق داثره *** وعادت صروف الدهر جيشا تغاوره
2
كأن الصبا توفي نذورا إذا انبرت *** تراوحه أذيالها وتباكره
3
ورب زمان ناعم ثم عهده *** ترق حواشيه ويونق ناضره
4
تغير حسن الجعفري وأنسه *** وقوض بادي الجعفري وحاضره
5
تحمل عنه ساكنوه فجاءة *** فعادت سواء دوره ومقابره
6
إذا نحن زرناه أجد لنا الأسى *** وقد كان قبل اليوم يبهج زائره
7
ولم أنس وحش القصر إذ ريع سربه *** وإذ ذعرت أطلاؤه وجآذره
8
وإذ صيح فيه بالرحيل فهتكت *** على عجل أستاره وستائره
9
ووحشته حتى كأن لم يقم به *** أنيس ولم تحسن لعين مناظره
10
كأن لم تبت فيه الخلافة تلقة *** بشاشتها والملك يشرق زاهره
11
ولم تجمع الدنيا إليه بهاءها *** وبهجتها والعيش غض مكاسره
12
فأين الحجاب الصعب حيث تمنعت *** بهيبتها أبوابه ومقاصره
13
وأين عميد الناس في كل نوبة *** تنوب وناهي الدهر فيهم وآمره
14
تخفى له مغتاله تحت غرة *** وأولى لمن يغتاله لو يجاهره
15
فما قاتلت عنه المنون جنوده *** ولا دافعت أملاكه وذخائره
16
ولا نصر المعتز من كان يرتجى *** له وعزيز القوم من عز ناصره
17
تعرض ريب الدهر من دون فتحه *** وغيب عنه في خراسان طاهره
18
ولو عاش ميت أو تقرب نازح *** لدارت من المكروه ثم دوائره
19
ولو لعبيد الله عون عليهم *** لضاقت على وراد أمر مصادره
20
حلوم أضلتها الأماني ومدة *** تناهت وحتف أوشكته مقادره
21
ومغتصب للقتل لم يخش رهطه *** ولم يحتشم أسبابه وأواصره
22
صريع تقاضاه السيوف حشاشة *** يجود بها والموت حمر أظافره
23
أدافع عنه باليدين ولم يكن *** ليثني الأعادي أعزل الليل حاسره
24
ولو كان سيفي ساعة القتل في يدي *** درى القاتل العجلان كيف أساوره
25
حرام علي الراح بعدك أو أرى *** دما بدم يجري على الأرض مائره
26
وهل أرتجي أن يطلب الدم واتر *** يد الدهر والموتور بالدم واتره
27
أكان ولي العهد أضمر غدرة *** فمن عجب أن ولي العهد غادره
28
فلا ملي الباقي تراث الذي مضى *** ولا حملت ذاك الدعاء منابره
29
ولا وأل المشكوك فيه ولا نجا *** من السيف ناضي السيف غدرا وشاهره
30
لنعم الدم المسفوح ليلة جعفر *** هرقتم وجنح الليل سود دياجره
31
كأنكم لم تعلموا من وليه *** وناعيه تحت المرهفات وثائره
32
وإني لأرجو أن ترد أموركم *** إلى خلف من شخصه لا يغادره
33
مقلب آراء تخاف أناته *** إذا الأخرق العجلان خيفت بوادره**

** في الرثاء

وقال يرثي أخا الصابوني القاضي، وكان قتله سيما

1

أجز من غلة الصدر العميد *** وسكن نافر الجأش الشرود

2

فما جزع الجزوع من الليالي *** بمحرزه ولا جلد الجليد

3

جحدنا سهمة الحدثان فينا *** لو ان الحق يبطل بالجحود

4

وننكر أن تطرقنا المنايا *** كأنا قد خلقنا للخلود

5

فيا ويح الحوادث كيف تعطي *** شقي القوم من حظ السعيد

6

وكيف تجوز إن همت بحكم *** فتحمل للغوي على الرشيد

7

وما برحت صروف الدهر حتى *** أرتنا الأسد قتلى للقرود

8

أعزي الأريحي أبا علي *** عن الخرق الأغر أبي سعيد

9

وما عزيت إلا بحر علم *** نطيف بفيضه عن بحر جود

10

قتيل لم يمهل قاتلوه *** مدى الأجل المؤقت في ثمود

11

تدورك ثأره غضا ولما *** يؤخر للتهدد والوعيد

12

وكان السيف أدنى من وريد الـ *** ـمعين عليه من حبل الوريد

13

وليس دم اللعين وإن شفانا *** كفيا عندنا لدم الشهيد

14

وما أرضتك من مهج الموالي *** غداة رزئتها مهج العبيد

15

فلو علم القتيل وأي علم *** لميت من وراء الترب مود

16

رأى لأخيه عزما أنقذتنا *** صريمته من التلف المبيد

17

سما بالخيل أرسالا ل«سيما» *** فمن شوس إلى الداعي وقود

18

فما انفكت تجول عليه حتى *** تدهدأ رأس جبار عنيد

19

إذا ما الحي أعطى في أخيه الـ *** ـدنيئة فهو كالميت الفقيد

20

ذكرت أخي أبا بكر ففاضت *** دموع غير معوزة الجمود

21

وللفجع العتيق محركات *** مهيجة من الفجع الجديد

22

سلام الله والسقيا سجالا *** على تلك الضرائح واللحود

23

رزايا من شيوخ الأزد ألقت *** علينا كل موهنة هدود

24

نصك لها الجباه إذا احتشمنا *** حياء الناس من لطم الخدود

25

مباك تستزيد الدمع فيها *** وما للدمع فيها من مزيد

26

أقول أبا علي طبت حيا *** وميتا تحت أروقة الصعيد

27

لقد طلبتك من غر المراثي *** قواف مثل أفواف البرود

28

فلا تبعد فما كان المرجى *** نوالك من نوالك بالبعيد

29

هممت بنصرة فعجزت عنها *** وأنت تراد للخطب المفيد

30

ولما لم أجد للسيف حدا *** أصول به نصرتك بالقصيد**

** في الفخر

أجدر وأخلق أن ترن عوائدي *** ويساء خلصاني ويشمت حاسدي

ورد الفراق علي يتلف مهجتي *** يا برح قلبي بالفراق الوارد

ضاقت علي له البلاد بأسرها *** حتى لخلت الأرض كفة صائد

أيشط من أهوى سليما وادعا *** وأروح في ثوب السليب الفاقد

تالله أبقى والأسى بجوانحي *** للبين يسقيني بسم أساود

يا ظبية الخيمات من ذات الغضا *** صدق الوعيد فأين صدق مواعد

ماذا يضرك لو بردت حرارة *** بين الحشا برضاب ثغر بارد

لو بت تخلجك الهموم أويت لي *** ولكان ليلي منك ليل الراقد

يا حادييها لبثا لا تعجلا *** عني بظبيكما النوار الشارد

قولا له يردد فؤاد متيم *** إن كان ليس إلى الوصال بعائد

واها لعينيه اللتين تصدتا *** فانصاع إذ رعناه غير معاند

يا دهر هل تدني إلي ديارها *** من بعد تعذيبي بطول تباعد

يا دهر كم قد سؤتني فوجدتني *** لا أشتكي السوأى ولست بجاحد

حتام لا أنفك منك تسومني *** خسفا وتعسفني بسطوة حاقد

وإذا اضطربت فعن لي وجه الغنى *** أسرعت في منعي انسراع محارد

كم قد سموت بجاهل وبخامل *** لما حططت أخا حجا ومحاتد

أسعدت في كل الأمور جدودهم *** إذ كنت للأحرار غير مساعد

عجبا لأقوام وصلت حبالهم *** ورعيت غيبتهم بكل مشاهد

وسترت عيبهم وكنت مجاهدا *** من رام نقصهم بكل تجاهد

فرأيت غش صدورهم بعيونهم *** والعين في الحالات أعدل شاهد

فعرفت ذاك ولم أدع إدناءهم *** والحلم بين أقارب وأباعد

حتى سمعت عن الضغائن قولهم *** وفعالهم فعل الظلوم الحاسد

فلزمت نفسي لا أكشف غيبهم *** وكففت عنهم ناصحي ومعاضدي

فرأوا جميل العفو ضعفا بعد ما *** كفروا جميل الطول كفر الجاحد

فهناك أمضيت الهوان مشمرا *** فيهم ولم أكذب بقول زائد

فوسمت أوجههم سمات ذللت *** أعناقهم للخلق بعد قلائد

وأبنت نوكهم بقول صادق *** في نثر منثور ونظم قصائد

وجعلتهم ضحك المجالس دهرهم *** وتنزها لمفجع ولسامد

فإذا رأوني مقبلا أبصرتهم *** سفع الوجوه بليغهم كالجامد

وإذا تقلبت ادروا بشناعة *** مرذولة عند اللبيب الناقد

كل يود لي الردى لو ناله *** بالأم يفقد شخصها والوالد

والله أنصر للمسالم ذي الحجى *** والله أخذل للمسيء العاند

قد قلت لو قبل المقال ألا احذروا *** ليثا يقضقضكم بأعبل ساعد

فمضوا على غل الصدور فغودروا *** مثل الهشيم لخابط ولصائد

إن كنت تنكر ما أقول فجارهم *** تعرف خزايتهم بيوم واحد

إن الكريم إذا رأى ذا خسة *** صدف المودة عنه صدف الطارد

لا تعدون أهل المودة والتقى *** تظفر بخير مؤازر ومعاقد**

في الرثاء
قال يرثي غلاما له اسمه قيصر

ملامك إنه عهد قريب *** ورزء ما عفت منه الندوب

تعللني أضاليل الأماني *** بعيش بعد قيصر لا يطيب

تولى العيش إذ ولى التصابي *** ومات الحب إذ مات الحبيب

نصيبي كان من دنياي ولى *** فلا الدنيا تحس ولا النصيب

ضجيع مسندين بكفر توثى *** خفوتا مثل ما خفت الشروب

هجود لم يسل بهم حفي *** ولم تقلب لضجعتهم جنوب

تغلق دورهم عنهم عشاء *** وقد عزوا بها زمنا وهيبوا

تقض أضالعي أنفاس وجد *** لمختضر كما اختضر القضيب

أرثيه ولو صدق اختياري *** لكان مكان مرثيتي النسيب

وكنت وتربهم يحثى عليهم *** كنضو الداء آيسه الطبيب

كفى حزنا بأن الحزن يخبو *** ذكي الجمر عنه واللهيب

أأنسى من يذكرنيه ألا *** نديد ينوب عنه ولا ضريب

وأترك للثرى من كنت أخشى *** عليه العين تومئ أو تريب

وأصفح للبلى عن ضوء وجه *** غنيت يروعني منه الشحوب

ومن حق الأحبة لو أجنت *** رمائمها الجوانح والقلوب

سقى الله الجزيرة لا لشيء *** سوى أن يرتوي ذاك القليب

ملط بالطريق وليس يصغي *** لأنجية الطريق ولا يجيب

تعود الباكيات مجاوريه *** ويزوى النوح عنه والنحيب

وأيهم يعير عليك دمعا *** وآلس دون أهلك والدروب

وما كانت لتبعد عنك عين *** سفوح الدمع لو أني قريب

يرينيك المنى خلسا وأنى *** برؤية من تغيبه الغيوب

وكيف يؤوب من تمضي المنايا *** وقد يمضي الشباب فما يؤوب

ألام إذا ذكرتك فاستهلت *** غروب العين تتبعها الغروب

ولو أن الجبال فقدن إلفا *** لأوشك جامد منها يذوب

لعمري إن دهرا غال إلفي *** ومالي للخؤون لنا الشعوب

فإن ست وستون استقلت *** فلا كرت برجعتها الخطوب

لقد سر الأعادي في أني *** برأس العين محزون كئيب

وأني اليوم عن وطني شريد *** بلا جرم ومن مالي حريب

تعاظمت الحوادث حول حظي *** وشبت دون بغيتي الحروب

على حين استتم الوهن عظمي *** وأعطي في ما احتكم المشيب

وقد يرد المناهل من يحلا *** على ظمإ ويغنم من يخيب

وأيسر فائت خلفا سريعا *** رقاب المال يرزؤها الكسوب

فمن ذا يسأل البجلي عما *** يذم من اختياري أو يعيب

يعنفني على بغتات عزمي *** وكنت ولا يعنفني الأريب

وقد أكدى الصواب علي حتى *** وددت بأن شاني المصيب

لعل أخاك يرقب هل تطاطي *** له مني النوائب إذ تنوب

فأين النفس ذات الفضل عما *** تسكع فيه والصدر الرحيب

فأولى للظلوم لو ان نفسي *** بشيء من مودته تطيب

أيغضب أن يعاتب بالقوافي *** وفيها المجد والحسب الحسيب

وكم من آمل هجوي ليحظى *** بذكر منه يصعد أو يصوب

فكيف بسير متنخلات *** تجوب من التنائف ما تجوب

ينافس سامع فيها أباه *** إذا جعلت بسؤدده تهيب

بلغن الأرض لم يلغبن فيها *** وبعض الشعر يدركه اللغوب

فإلا تحسب الحسنات منا *** لصاحبها فلا تحص الذنوب

أتوب من الإساءة إن ألمت *** وأعرف من يسيء ولا يتوب

له في الغزل

ألا أسعديني بالدموع السواكب *** على الوجد من صرم الحبيب المغاضب

وسحي دموعا هاملات كأنما *** لها آمر يرفض من تحت حاجبي

ألا واستزيريها إلينا تطلعا *** وقولي لها في السر يا أم طالب

لماذا أردت الهجر مني ولم أكن *** لعهدكم لي بالمذوق الموارب

فإن كان هذا الصرم منكم تدللا *** فأهلا وسهلا بالدلال المخالب

وإن كنت قد بلغت يا علو باطلا *** بقول عدو فاسألي ثم عاقبي

ولا تعجلي بالصرم حتى تبيني *** أمبلغ حق كان أم قول كاذب

كأن جميع الأرض حتى أراكم *** تصور في عيني بسود العقارب

ولو زرتكم في اليوم سبعين مرة *** لكنت كذي فرخ عن الفرخ غائب

أراني أبيت الليل صاحب عبرة *** مشوقا أراعي منجدات الكواكب

أراقب طول الليل حتى إذا انقضى *** رقبت طلوع الشمس حتى المغارب

إذا ذهبا هذان مني بلذتي *** فما أنا في الدنيا لعيش بصاحب

فيا شؤم جدي كيف أبكي تلهفا *** على ما مضى من وصل بيضاء كاعب

رأت رغبتي فيها فأبدت زهادة *** ألا رب محروم من الناس راغب

أريد لأدعو غيرها فيردني *** لساني إليها باسمها كالمغالب

يظل لساني يشتكي الشوق والهوى *** وقلبي كذي حبس لقتل مراقب

وإن بقلبي كلما هاج شوقه *** حرارات أقباس تلوح لراهب

فلو أن قلبي يستطيع تكلما *** لحدثكم عني بجم العجائب

كتبت فأكثرت الكتاب إليكم *** كذي رغبة حتى لقد مل كاتبي

أما تتقين الله في قتل عاشق *** صريع قريح القلب كالشن ذائب

فأقسم لو أبصرتني متضرعا *** أقلب طرفي نحوكم كل جانب

وحولي من العواد باك ومشفق *** أباعد أهلي كلهم وأقاربي

لأبكاك مني ما ترين توجعا *** كأنك بي يا علو قد قام نادبي

وقد قال داعي الحب هل من مجاوب *** فأقبلت أسعى قبل كل مجاوب

فما إن له إلا إلي مذاهب *** تكون ولا إلا إليه مذاهبي

المختار من شعر البحتري
أغَداً يَشِتُّ المَجدُ وَهْوَ جَميعُ
أغَداً يَشِتُّ المَجدُ وَهْوَ جَميعُ،وَتُرَدُّ دارُ الحَمدِ وَهْيَ بَقيعُ
بمَسيرِ إبْرَاهيمَ يَحْمِلُ جُودُهُ
جُودَ الفُرَاتِ، فَرَائعٌ وَمَروعُ
مُتَوَجِّهاً تُحْدَى بهِ بَصْرِيّةٌ،خُشْنُ الأزِمّةِ، ما لَهُنّ نُسُوعُ
هُوجٌ، إذا اتّصَلتْ بأسبابِ السُّرَى،قَطَعَ التّنائِفَ سَيرُها المَرْفُوعُ
لا شَهْرَ أعْدَى مِنْ رَبيعٍ، إنّهُ
سَيَبينُ عَنّا بالرّبيعِ رَبيعُ
سأُقيمُ بَعدَكَ، عندَ غيرِكَ، عالِماً
عِلْمَ الحَقيقَةِ أنّني سأضِيعُ
وَصَنَائِعٌ لَكَ سَوْفَ تَترُكُها النّوَىوَكَأنّما هيَ أرْسُمٌ وَرُبُوعُ
وَذكرْتَ وَاجبَ حُرْمتي، فحفظتَها،فَلَئِنْ نَسيتُكَ إنّني لَمُضِيعُ
سأُوَدّعُ الإحسانَ بَعدَكَ واللُّهَى
إذْ حَانَ منكَ البَينُ والتّوْديعُ
وَسأستَقِلُّ لَكَ الدّموعَ صَبَابَةً،وَلَوَ أنّ دِجلَةَ لي عَلَيْكَ دُمُوعُ
وَمِنَ البَديعِ أنِ انتَأيتَ وَلَمْ يَرُحْ
جَزَعي على الأحْشاءِ، وَهوَ بديعُ
وَسَيَنْزِعُ العُشّاقُ عَنْ أحبابِهِمْ
جَلَداً، وَما لي عَن نَداكَ نُزُوعُ
فإذا رَحَلْتَ رَحَلْتَ عَن دارٍ، إذابُذِلَ السّماحُ، فَجارُها مَمْنُوعُ
وَقَطيعَةُ الحَسَنِ بنِ سَهْلٍ إنّها
تَغدو، وَوَصْلي دونَها مَقطُوعُ(1)
بَلْ لَيْتَ شِعْرِي هل تَرَاني قائِلاً:هَلْ للّيالي الصّالحاتِ رُجُوعُ
وَتَذَكُّرِيكَ على البِعَادِ، وَبَيْنَنَا
بَرُّ العِرَاقِ، وَبَحْرُها المَشرُوعُ
يَفديكَ قَوْمٌ ليسَ يوجَدُ مِنهُمُفي المجُدِ مَرْئيٌّ، وَلاَ مَسْمُوعُ
خُدِعوا عَنِ الشّرَفِ المُقِيمِ تَظنّياً
مِنهُمْ بأنّ الوَاهبَ المَخدوعُ
باتَتْ خَلاَئِقُهُمْ عَلى أمْوَالِهِمْوكَأنّهُنّ جَوَاشِنٌ وَدُرُوعُ
قَنِعوا بمَيسُورِ الفَعَالِ، وَأُوهِمُوا
أنّ المَكَارِمَ عِفّةٌ وَقُنُوعُ
كَلاّ، وَكلُّ مُقَصِّرٍ مُتَجَهْوِرٍ،عِنْدَ الحَطيمِ، طَوافُهُ أُسْبُوعُ
لا يَبْلُغُ العَليَاءَ غَيرُ مُتَيَّمٍ
بِبُلُوغِها، يَعصِي لَهَا، وَيُطيعُ
يَحكيكَ في الشّرَفِ الذي حَلّيتَهُبالمَجْدِ، عِلْماً أنّهُ سَيَشيعُ
خُلُقٌ، أتَيْتَ بفَضْلِهِ وَسَنَائِهِ
طَبْعاً، فَجَاءَ كأنّهُ مَصْنُوعُ
وَحَديثُ مَجدٍ منكَ أفرَطَ حُسنُهُ***حَتّى ظَنَنّا أنّهُ مَوْضُوعُ


(1)الحَسَنِ بنِ سَهْلٍ:هو أبو محمد الحسن بن سهل السرخسي، فارسي المولد من وزراء الخليفة المأمون وولاته وقواده، وأخو الفضل بن سهل المعروف بذي الرياستين وابنته هي بوران زوجة المأمون.

ألمصدر :

**المختار من شعر البحتري

إِن تأَملْ مَحاسِنَ الأَصبَهَاني

إِن تأَملْ مَحاسِنَ الأَصبَهَاني***تجدْ طَولهُ أَخا طُولِ بَاعِهْ

أَو تُحصِّلْهُ لاَ تُحصِّل خِلافا***بَيْنَ مَراهُ بَادِياً وسَماعِهْ

يُؤْخدُ الْحلمُ من مَكيثِ تَأَنِّيهِ***ونُجْحُ العِداتِ من إِسراعِهْ

يَنزِلُ القَومُ أَنفُساً وسَجايا***عن تَعَلَّيهِ فوْقَهُمْ وارْتِفاعِهْ

مُنْصبٌ نفسهُ لِمكتَسبِ الحَمْد***يُرى أَنهُ مَكانُ ابتِداعِهْ

يا أبا عبدِ اللهِ عَمَّرَكَ الَّلهُ***،لِعُرفٍ عَمَمتنا باصْطِناعِهْ

أَكْثرُ النَّيلِ ضائِعٌ غير ما***يَسْري إِلي نابهِ الثَّناءِ مُذاعِهْ

لاَ تلُمني إِن ضِقتُ دون قَوَافي***الشِّعرِ أَو كِلتُ للصَّديق بِضاعِهْ

ولضَنَّي بالشِّعّر أَعذَبُ ِمن ضنَّ***وَجيهٍ بِكُتْبهِ ورِقاعِه

إِن هذا القَريضَ نبتٌ من القوْلِ***يزِيدُ الفعَالُ في إِينَاعِهْ

هُو عِلقٌ تاجَرتني فيه***بالْحيلَةِ حتَّى غَبَنْتَنِي بابْتِياعِهْ

ألمصدر :

**المختار منم شعر البحتري

صُنتُ نَفسي عَمّا يُدَنِّسُ نَفسي

صُنتُ نَفسي عَمّا يُدَنِّسُ نَفسي***وَتَرَفَّعتُ عَن جَدا كُلِّ جِبسِ

وَتَماسَكتُ حينَ زَعزَعَني الدَهـ***ـرُ التِماسًا مِنهُ لِتَعسي وَنَكسي

بُلَغٌ مِن صُبابَةِ العَيشِ عِندي***طَفَّفَتها الأَيّامُ تَطفيفَ بَخسِ

وَبَعيدٌ مابَينَ وارِدِ رِفَهٍ***عَلَلٍ شُربُهُ وَوارِدِ خِمسِ

وَكَأَنَّ الزَمانَ أَصبَحَ مَحمو***لًا هَواهُ مَعَ الأَخَسِّ الأَخَسِّ

وَاشتِرائي العِراقَ خُطَّةُ غَبنٍ***بَعدَ بَيعي الشَآمَ بَيعَةَ وَكسِ

لاتَرُزني مُزاوِلًا لِاختِباري***بَعدَ هَذي البَلوى فَتُنكِرَ مَسّي

وَقَديمًا عَهِدَتني ذا هَناتٍ***آبِياتٍ عَلى الدَنِيّاتِ شُمسِ

وَلَقَد رابَني ابنُ عَمّي***بَعدَ لينٍ مِن جانِبَيهِ وَأُنسِ

وَإِذا ماجُفيتُ كُنتُ جَديرًا***أَن أَرى غَيرَ مُصبِحٍ حَيثُ أُمسي

حَضَرَت رَحلِيَ الهُمومُ فَوَجَّهـ***ـتُ إِلى أَبيَضَ المَدائِنِ عَنسي

أَتَسَلّى عَنِ الحُظوظِ وَآسى***لِمَحَلٍّ مِن آلِ ساسانَ دَرسِ

أَذكَرتِنيهُمُ الخُطوبُ التَوالي***وَلَقَد تُذكِرُ الخُطوبُ وَتُنسي

وَهُمُ خافِضونَ في ظِلِّ عالٍ***مُشرِفٍ يَحسِرُ العُيونَ وَيُخسي

مُغلَقٍ بابُهُ عَلى جَبَلِ القَبـ***ـقِ إِلى دارَتَي خِلاطَ وَمُكسِ

حِلَلٌ لَم تَكٌ كَأَطلالِ سُعدى***في قِفارٍ مِنَ البَسابِسِ مُلسِ

وَمَساعٍ لَولا المُحاباةُ مِنّي***لَم تُطِقها مَسعاةُ عَنسٍ وَعَبسِ

نَقَلَ الدَهرُ عَهدَهُنَّ عَنِ الـ***ـجِدَّةِ حَتّى رَجَعنَ أَنضاءَ لُبسِ

فَكَأَنَّ الجِرمازَ مِن عَدَمِ الأُنـ***ـسِ وَإِخلالِهِ بَنِيَّةُ رَمسِ

لَو تَراهُ عَلِمتَ أَنَّ اللَيالي***جَعَلَت فيهِ مَأتَمًا بَعدَ عُرسِ

وَهوَ يُنبيكَ عَن عَجائِبِ قَومٍ***لايُشابُ البَيانُ فيهِم بِلَبسِ

وَإِذا مارَأَيتَ صورَةَ أَنطا***كِيَّةَ اِرتَعتَ بَينَ رومٍ وَفُرسِ

وَالمَنايا مَواثِلٌ وَأَنوشَر***وانَ يُزجى الصُفوفَ تَحتَ الدِرَفسِ

في اخضِرارٍ مِنَ اللِباسِ عَلى أَصـ***ـفَرَ يَختالُ في صَبيغَةِ وَرسِ

وَعِراكُ الرِجالِ بَينَ يَدَيهِ***في خُفوتٍ مِنهُم وَإِغماضِ جَرسِ

مِن مُشيحٍ يَهوى بِعامِلِ رُمحٍ***وَمُليحٍ مِنَ السِنانِ بِتُرسِ

تَصِفُ العَينُ أَنَّهُم جِدُّ أَحيا***ءٍ لَهُم بَينَهُم إِشارَةُ خُرسِ

يَغتَلي فيهِم ارتِابي حَتّى***تَتَقَرّاهُمُ يَدايَ بِلَمسِ

قَد سَقاني وَلَم يُصَرِّد أَبو الغَو***ثِ عَلى العَسكَرَينِ شَربَةَ خُلسِ

مِن مُدامٍ تَظُنُّها وَهيَ نَجمٌ***ضَوَّأَ اللَيلَ أَو مُجاجَةُ شَمسِ

وَتَراها إِذا أَجَدَّت سُرورًا***وَارتِياحًا لِلشارِبِ المُتَحَسّي

أُفرِغَت في الزُجاجِ مِن كُلِّ قَلبٍ***فَهيَ مَحبوبَةٌ إِلى كُلِّ نَفسِ

وَتَوَهَّمتُ أَنَّ كِسرى أَبَرويـ***ـزَ مُعاطِيَّ وَالبَلَهبَذَ أُنسي

حُلُمٌ مُطبِقٌ عَلى الشَكِّ عَيني***أَم أَمانٍ غَيَّرنَ ظَنّي وَحَدسي

وَكَأَنَّ الإيوانَ مِن عَجَبِ الصَنـ***ـعَةِ جَوبٌ في جَنبِ أَرعَنَ جِلسِ

يُتَظَنّى مِنَ الكَآبَةِ إِذ يَبـ***ـدو لِعَينَي مُصَبِّحٍ أَو مُمَسّي

مُزعَجًا بِالفِراقِ عَن أُنسِ إِلفٍ***عَزَّ أَو مُرهَقًا بِتَطليقِ عِرسِ

عَكَسَت حَظُّهُ اللَيالي وَباتَ الـ***ـمُشتَري فيهِ وَهوَ كَوكَبُ نَحسِ

فَهوَ يُبدي تَجَلُّدًا وَعَلَيهِ***كَلكَلٌ مِن كَلاكِلِ الدَهرِ مُرسي

لَم يَعِبهُ أَن بُزَّ مِن بُسُطِ الديـ***ـباجِ وَاستَلَّ مِن سُتورِ المَقسِ

مُشمَخِّرٌ تَعلو لَهُ شُرُفاتٌ***رُفِعَت في رُؤوسِ رَضوى وَقُدسِ

لابِساتٌ مِنَ البَياضِ فَما تُبـ***ـصِرُ مِنها إِلّا غَلائِلَ بُرسِ

لَيسَ يُدرى أَصُنعُ إِنسٍ لِجِنٍّ***سَكَنوهُ أَم صُنعُ جِنٍّ لِإِنسِ

غَيرَ أَنّي أراه يَشهَدُ أَن لَم***يَكُ بانيهِ في المُلوكِ بِنِكسِ

فَكَأَنّي أَرى المَراتِبَ وَالقَو***مَ إِذا ما بَلَغتُ آخِرَ حِسّي

وَكَأَنَّ الوُفودَ ضاحينَ حَسرى***مِن وُقوفٍ خَلفَ الزِحامِ وَخِنسِ

وَكَأَنَّ القِيانَ وَسطَ المَقاصيـ***ـرِ يُرَجِّعنَ بَينَ حُوٍ وَلُعسِ

وَكَأَنَّ اللِقاءَ أَوَّلَ مِن أَمـ***ـسِ وَوَشكَ الفِراقِ أَوَّلَ أَمسِ

وَكَأَنَّ الَّذي يُريدُ اتِّباعًا***طامِعٌ في لُحوقِهِم صُبحَ خَمسِ

عُمِّرَت لِلسُرورِ دَهرًا فَصارَت***لِلتَعَزّي رِباعُهُم وَالتَأَسّي

فَلَها أَن أُعينَها بِدُموعٍ***موقَفاتٍ عَلى الصَبابَةِ حُبسِ

ذاكَ عِندي وَلَيسَت الدارُ داري***باِقتِرابٍ مِنها وَلا الجِنسُ جِنسي

غَيرَ نُعمى لِأَهلِها عِندَ أَهلي***غَرَسوا مِن زَكائِها خَيرَ غَرسِ

أَيَّدوا مُلكَنا وَشَدّوا قُواهُ***بِكُماةٍ تَحتَ السَنَّورِ حُمسِ

وَأَعانوا عَلى كَتائِبِ أَريا***طَ بِطَعنٍ عَلى النُحورِ وَدَعسِ

وَأَراني مِن بَعدُ أَكلَفُ بِالأَشـ***ـرافِ طُرًّا مِن كُلِّ سِنخِ وَأُسِّ

ألمصدر :

.**

** في الفخر
1
إنما الغي أن يكون رشيدا *** فانقصا من ملامه أو فزيدا
2
خلياه وجدة اللهو مادا *** م رداء الشباب غضا جديدا
3
إن أيامه من البيض بيض *** ما رأين المفارق السود سودا
4
أيها الدهر حبذا أنت دهرا *** قف حميدا ولا تول حميدا
5
كل يوم تزداد حسنا فما تبـ *** ـعث يوما إلا حسبناه عيدا
6
إن في السرب لو يساعفنا السر *** ب شموسا يمشين مشيا وئيدا
7
يتدافعن بالأكف ويعرضـ *** ـن عنليا عوارضا وخدودا
8
يتبسمن عن شتيت أراه *** أقحوانا مفصلا أو فريدا
9
رحن والليل قد أقام رواقا *** فأقمن الصباح فيه عمودا
10
بمهاة مثل المهاة أبت أن *** تصل الوصل أو تصد الصدودا
11
ذات حسن لو استزادت من الحسـ *** ـن إليه لما أصابت مزيدا
12
فهي الشمس بهجة والقضيب الـ *** ـغض لينا والرئم طرفا وجيدا
13
يا ابنة العامري كيف يرى قو *** مك عدلا أن تبخلي وأجودا
14
إن قومي قوم الشريف قديما *** وحديثا أبوة وجدودا
15
وإذا ما عددت يحيى وعمرا *** وأبانا وعامرا والوليدا
16
وعبيدا ومسهرا وجديا *** وتدولا وبحترا وعتودا
17
لم أدع من مناقب المجد ما يقـ *** ـنع من هم أن يكون مجيدا
18
ذهبت طيئ بسابقة المجـ *** ـد على العالمين بأسا وجودا
19
معشر أمسكت حلومهم الأر *** ض وكادت من عزهم أن تميدا
20
نزلوا كهل الحجاز فأضحى *** لهم ساكنوه طرا عبيدا
21
منزلا قارعوا عليه العماليـ *** ـق وعادا في عزها وثمودا
22
فإذا قوت وائل وتميم *** كان إذ كان حنظلا وهبيدا
23
ظل ولداننا يغادون نخلا *** مؤتيا أكله وطلعا نضيدا
24
بلد ينبت المعالي فما يثـ *** ـثغر الطفل فيه حتى يسودا
25
وليوث من طيئ وغيوث *** لهم المجد طارفا وتليدا
26
فإذا المحل جاء جاؤوا سيلا *** وإذا النقع ثار ثاروا أسودا
27
يحسن الذكر عنهم والأحاديـ *** ـث إذا حدث الحديد الحديدا
28
في مقام تخر في ضنكه البيـ *** ـض على البيض ركعا وسجودا
29
معشر ينجزون بالخير والشر *** ر يد الدهر موعدا ووعيدا
30
يفرجون الوغى إذا ما أثار الـ *** ـضرب من مصمت الحديد صعيدا
31
بوجوه تعشي العيون ضياء *** وسيوف تعشي الشموس وقودا
32
عدلوا الهضب من تهامة أحلا *** ما ثقالا ورمل نجد عديدا
33
ملكوا الأرض قبل أن تملك الأر *** ض وقادوا في حافتيها الجنودا
34
وجروا عند مولد الدهر في السؤ *** دد والمكرمات شأوا بعيدا
35
وهم قوم تبع خير قوم *** وكفى بالفخار منهم شهيدا
36
بمساع منظومة ألبستهن *** الليالي قلائدا وعقودا
37
عبد شمس شمس العريب أبونا *** ملك الناس واصطفاهم عبيدا
38
وطىء السهل والحزونة بالأبـ *** ـطال شعثا والخيل قبا وقودا
39
وأبو الأنجم التي لا تني تجـ *** ـري على الناس أنحسا وسعودا
40
سائل الدهر مذ عرفناه هل يعـ *** ـرف منا إلا الفعال الحميدا
41
قد لعمري سدناه كهلا وشيخا *** وشبيبا وناشئا ووليدا
42
وطوينا أيامه ولياليـ *** ـه على المكرمات بيضا وسودا
43
لم نزل قط مذ ترعرع نكسو *** ه ندى لينا وبأسا شديدا
44
فهو من مجدنا يروح ويغدو *** في علا لا تبيد حتى يبيدا
45
نحن أبناء يعرب أعرب النا *** س لسانا وأنضر الناس عودا
46
وكأن الإله قد قال في الـ *** ـحرب كونوا حجارة أو حديدا**

** وصف
قال يصف الذئب ولقاءه إياه؛ قال أبو الغوث: قلت لأبي: إن الناس يقولون هذه القصيدة لأبي تمام. فقال : يا بني، قد ضرط أبوك أحسن من هذه القصيدة!

1
سلام عليكم لا وفاء ولا عهد *** أما لكم من هجر أحبابكم بد
2
أأحبابنا قد أنجز البين وعده *** وشيكا ولم ينجز لنا منكم وعد
3
أأطلال دار العامرية باللوى *** سقت ربعك الأنواء ما فعلت هند
4
أدار اللوى بين الصريمة والحمى *** أما للهوى إلا رسيس الجوى قصد
5
بنفسي من عذبت نفسي بحبه *** وإن لم يكن منه وصال ولا ود
6
حبيب من الأحباب شطت به النوى *** وأي حبيب ما أتى دونه البعد
7
إذا جزت صحراء الغوير مغربا *** وجازتك بطحاء السواجير يا سعد
8
فقل لبني الضحاك مهلا فإنني *** أن الأفعوان الصل والضيغم الورد
9
بني واصل مهلا فإن ابن أختكم *** له عزمات هزل آرائها جد
10
متى هجتموه لا تهيجوا سوى الردى *** وإن كان خرقا ما يحل له عقد
11
مهيبا كنصل السيف لو قذفت به *** ذرى أجإ ظلت وأعلامه وهد
12
يود رجال أنني كنت بعض من *** طوته المنايا لا أروح ولا أغدو
13
ولولا احتمالي ثقل كل ملمة *** تسوء الأعادي لم يودوا الذي ودوا
14
ذريني وإياهم فحسبي صريمتي *** إذا الحرب لم يقدح لمخمدها زند
15
ولي صاحب عضب المضارب صارم *** طويل النجاد ما يفل له حد
16
وباكية تشكو الفراق بأدمع *** تبادرها سحا كما انتثر العقد
17
رشادك لا يحزنك بين ابن همة *** يتوق إلى العلياء ليس له ند
18
فمن كان حرا فهو للعزم والسرى *** ولليل من أفعاله والكرى عبد
19
وليل كأن الصبح في أخرياته *** حشاشة نصل ضم إفرنده غمد
20
تسربلته والذئب وسنان هاجع *** بعين ابن ليل ما له بالكرى عهد
21
أثير القطا الكدري عن جثماته *** وتألفني فيه الثعالب والربد
22
وأطلس ملء العين يحمل زوره *** وأضلاعه من جانبيه شوى نهد
23
له ذنب مثل الرشاء يجره *** ومتن كمتن القوس أعوج منأد
24
طواه الطوى حتى استمر مريره *** فما فيه إلا العظم والروح والجلد
25
يقضقض عصلا في أسرتها الردى *** كقضقضة المقرور أرعده البرد
26
سما لي وبي من شدة الجوع ما به *** ببيداء لم تحسس بها عيشة رغد
27
كلانا بها ذئب يحدث نفسه *** بصاحبه والجد يتعسه الجد
28
عوى ثم أقعى وارتجزت فهجته *** فأقبل مثل البرق يتبعه الرعد
29
فأوجرته خرقاء تحسب ريشها *** على كوكب ينقض والليل مسود
30
فما ازداد إلا جرأة وصرامة *** وأيقنت أن الأمر منه هو الجد
31
فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها *** بحيث يكون اللب والرعب والحقد
32
فخر وقد أوردته منهل الردى *** على ظمإ لو أنه عذب الورد
33
وقمت فجمعت الحصى واشتويته *** عليه وللرمضاء من تحته وقد
34
ونلت خسيسا منه ثم تركته *** وأقلعت عنه وهو منعفر فرد
35
لقد حكمت فينا الليالي بجورها *** وحكم بنات الدهر ليس له قصد
36
أفي العدل أن يشقى الكريم بجورها *** ويأخذ منها صفوها القعدد الوغد
37
ذريني من ضرب القداح على السرى *** فعزمي لا يثنيه نحس ولا سعد
38
سأحمل نفسي عند كل ملمة *** على مثل حد السيف أخلصه الهند
39
ليعلم من هاب السرى خشية الردى *** بأن قضاء الله ليس له رد
40
فإن عشت محمودا فمثلي بغى الغنى *** ليكسب مالا أو ينث له حمد
41
وإن مت لم أظفر فليس على امرئ *** غدا طالبا إلا تقصيه والجهد**

** عتاب
وقال يعاتب إسماعيل بن بلبل
1
حرمت رضاك من عدمي وخسري *** وكنت أعده لصروف دهري
2
أردد ليت شعري ما دهاني *** لديك لو انتفعت بليت شعري
3
متى أسأل بسخطك ما جناه *** يقل مستخبر أن لست أدري
4
بلى حضروا وغبت وكان نقصا *** علي حضورهم ومغيب ذكري
5
فإن أضعف عن استصلاح شأني *** فتلك السن شاهدة بعذري
6
وكنت أعد طول العمر غنما *** فعاد بضد ذلك طول عمري
7
لئن حشد الرجال عليك دوني *** لما حشدوا عليك بمثل شعري
8
وإن خدموك بالأبدان إني *** لأبلغ خدمة منهم بفكري
9
إذا سومتهن مسيرات *** كما اتضحت نجوم الليل تسري
10
يجبن الليل من شرق وغرب *** وعرض الأرض من بر وبحر
11
علمت بأن ما قدمت عندي *** حري أن يبر عليه شكري
12
فإلا أحظ منك فليس ذنبا *** علي قصور حظي دون قدري
13
وقد أوشكت أن يتوى رجائي *** ويكدي مطلبي ويخس أمري
14
بوعد بعد وعد تبتديه *** تجرم فيهما سنتي وشهري
15
ولم يقصر وفائي عن مداه *** فيسلمني إلى التقصير عذري
16
ولا شرق امتنانك نقص شكري *** ولا غطى على نعماك كفري
17
إذا بعدت ديارك عن دياري *** دجت شمسي وغاب ضياء بدري
18
ولليوم المغيب عنك شخصي *** أمارة يوم نحس مستمر
19
حلفت بوائل وبما ترقى *** شريك في مناقبها ابن عمرو
20
وشيبان بن ثعلبة المساعي *** وصعب عليها الأعلى ابن بكر
21
لقد نافست في الإحسان حتى انـ *** ـفردت بكل مأثرة وفخر
22
أرى سببي سيقوى بعد ضعف *** إذا أنا بالوزير شددت أزري
23
متى يطلق بعارفة لساني *** فليست من عوارفه ببكر
24
وكم فجئت يداه يدي بغتا *** بنيل من ندى كفيه غمر**