خَواطِر إيمانِيَّه

**خواطر إيمانية (7): القرآن كلام الله

كلّ إنسان يدّعي النبوة، لا بدّ أن يبرهن على صدقه، وأن يكون قادرا على الإتيان بدليل على دعم الله له. وهذا الدليل هو الإتيان بظاهرة تتحدى القوانين الطبيعية يعجز عن الإتيان بها الإنسان، فيتحتم أن يكون الذي أنشأ هذه الظاهرة هو الله ليثبت أن الشخص الذي أتى بها هو نبي مرسل منه. أو بتعبير آخر، أن يأتي هذا النبي بمعجزة.

والحقيقة أن كل الرسل والأنبياء أُيِّدوا بمعجزات. إبراهيم (عليه السلام) أعلم قومه بأنه رسول إليهم من الله ليبلغهم رسالته. وكدليل على صدقه، شاهد الناس العديد من المعجزات على يد إبراهيم. أحد هذه المعجزات ظهرت لما أمر الملك الذي لم يؤمن بالرسالة الإلهية بأن يُحرق إبراهيم حيّا في محرقة عظيمة وأمام الناس، وكان التدخل الإلهي بأنّ النّار لم تحرق جسم إبراهيم، بل كانت بردًا وسلامًا عليه، فأحس بشيء من الانتعاش. فبالنسبة للذين شاهدوا المعجزة فالشكّ في الرسالة التي بُعث بها إبراهيم اندثر تماما وحلّ محله اليقين التّام، فالدّليل كان قاطعًا. وكان نفس الشيء مع موسى (عليه السلام) الذي أتى بالعديد من المعجزات. ولمّا غادر مصر مع قومه كان على موسى أن يقطع البحر، وبالقدرة التي وضعها الله في عصاه استطاع موسى أن يفتح طريقا في البحر وقطعه وقومه مشيا على الأقدام. وعيسى (عليه السلام) أتى بمعجزات لتشهد بصدق رسالته. فبمجرد لمسة من يده كان يبرئ المرضى.

هذه المعجزات أدلّة لا ريب فيها بالنّسبة للذين شاهدوها، ولكن، كلّ هذه المعجزات لم تعد مشاهدة مع غياب الذين أتوا بها. فكيف لأي إنسان في أي زمان كان أن تبلغه رسالة إلهية ومعها معجزة تؤيدها؟

القرآن يردّ على هذا السؤال. محمد (صلى الله عليه وسلم) آخر الأنبياء بلّغ رسالة الله مجسدة في القرآن، وموجهة للإنسانية جمعاء، وصالحة إلى نهاية العالم. فماهي معجزة محمد (صلى الله عليه وسلم)؟

إنه تحدّ موجود في القرآن نفسه. تحدى القرآن كائنا من كان وفي أي زمان، حتى يثبت للإنسانية أن هذا الكتاب هو كلام الله، أن يأتي بنصّ مثله سواء في الأسلوب أو في قوة التعبير. حتى ولو كانت المحاولة بقدر سورة واحدة من أقصر سوره.

في القرآن نستطيع أن نقرأ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ الآية 88 سورة الاسراء.

﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ الآية 38 سورة يونس.

وحتّى نتصوّر القوّة التي تمكّن بها القرآن من إعجاز النّاس الأوائل الذين علموا بهذا التحدي كان من الأنسب تعريف موجز بالظروف المحيطة بمجيء القرآن.

إنه في شبه الجزيرة العربية، في 610 من بداية التأريخ الميلادي، ابتدأ الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) رسالته، وكان سكّان شبه الجزيرة العربية، العرب، يعيشون في جاهلية لا يحسدون عليها، تاريخهم مليء بالحروب القبلية التي لا تنتهي والتي تنشب لأتفه الأسباب. وبالمقارنة مع القوى السياسية في ذلك العهد، البيزنطيين والفرس، كان إنتاج العرب الحرفي ضئيلاً للغاية. بينما عاداتهم ومعتقداتهم كانت جاهلية: كان أكثرهم من الوثنيين ويعبدون اكثر من ثلاث مائة إله. فالتشدد في عاداتهم، وكرههم للبنات، حتى أن الكثيرات منهن يوأدن عند الولادة، هي من الأدلّة على تعصّبهم وانحطاطهم. وفي وسط كل هذه العادات السيئة، تشرق قيمة يفتخر ويعتز بها العرب: إنها لغتهم. هذه اللغة التي يتكلمونها ببراعة فائقة حتى لو كان المتكلم من أبسط سكان الصحراء. وكان هناك الكثير من الشعراء، وقصائدهم لها قيمة كبيرة في مجتمعهم. وكانوا ينظّمون مسابقات في الشعر في مكة بمناسبة توافد الوثنيين للحج. وكان الفائز ينال شرف كتابة قصيدته بأحرف من ذهب كي تعلّق في الكعبة بين أصنام الآلهة المقدسة عندهم. فهكذا نستطيع أن نتصور الى أي درجة كانت اللغة العربية في صميم حياة أهل مكة والعرب جميعا. وفي هذه الظروف جاء التحدي من القرآن للعرب في ما يتقنونه بامتياز.

لذلك نجد أن القرآن لا يمكن نسبته إلا إلى مصدر واحد من مصادر ثلاثة، لأنّه عربي اللغة والأسلوب، فإمّا أن ينسب إلى العرب أو إلى محمد (صلى الله عليه وسلم) أو إلى الله عز وجل. ولنرى الآن هل الفرضيتان الأولى والثانية مقنعتان أم لا. لمّا صدر التحدي بالإتيان بمثل القرآن، كان الإسلام، الدين الجديد، يغزو العقول والقلوب في مكة لدرجة بدأت تقض مضاجع أصحاب السيادة والقوة في المجتمع المكي، ذلك أن الإسلام تصدى لقريش وآلهتها وعقائدها وأفكارها فبين زيفها وفسادها وخطأها وعابها وهاجمها كما هاجم كل العقائد والأفكار الموجودة. وكانت الآيات تنزل متلاحقة بذلك وتنزل مهاجمة لما كانوا يقومون به من أكل الربا، ووأد البنات وتطفيف الكيل واقتراف الزنا، كما كانت تنزل بمهاجمة زعماء قريش وسادتها، وتسفههم وتسفه دين آبائهم وأحلامهم وتفضح ما يقومون به من تآمر ضد الإسلام. الكثير من الناس دخلوا في الإسلام فقط لسماعهم القرآن البديع الأسلوب والمعنى، أمّا أعداء الدعوة من سادة قريش الخائفون على زوال نفوذهم ومصالحهم الدنيوية، والعرب الذين تصدوا للإسلام الذي لا يزال في المهد، فكان الأولى والأجدر بهم أن يردّوا على تحدي القرآن لو كان ذلك في مقدرتهم. ولكانوا أثبتوا بذلك أنّ إنسانا يقدر على كتابة نص بنفس قوة النص القرآني، وأنّ القرآن في النّهاية ما هو إلّا عمل بشري. ولكنهم بدلًا من ذلك عمدوا إلى العنف المادي والنفسي لمحاولة وأد الدين في مهده. هذا التصرف دلّ على عدم قدرتهم على مجابهة التحدي ومجابهة الإسلام بالفكر والدليل الذي كان من المفروض أن يكون الحل الأسهل، وبهذا يتضح أنه لا يمكن نسبة القرآن إلى العرب والتحدي قد وُجه إليهم بالأساس. أما الفرضية الثانية فتشير إلى أن القرآن هو من إبداع محمد (صلى الله عليه وسلم)، وأنّ هذه عبقرية منه.

فتفسير عجز فطاحلة اللغة - العرب - أمام القرآن بوصف محمد (صلى الله عليه وسلم) بالعبقريّ الذي جاء بالقرآن من عنده تفسير غير مقنع. فالتاريخ عدّد لنا أمثلة كثيرة من العباقرة حتى أنه بإمكاننا أن نعطي مفهوما دقيقا لهذا اللفظ. فالذي يجمع بين كل العباقرة، أنّهم بالإضافة إلى كونهم موهوبين في مجالاتهم فإنّهم يتمتعون بحيوية عقلية أكبر بكثير من المعدل الطبيعي. وهذا ما يجعلهم يبدعون في مجال من المجالات. فالفزيائي (آينشتاين) مثلاً قد مكَّنه هذا التفوق من الوصول قبل غيره إلى نظريته الشهيرة المتعلقة بالنسبية، وإدخال مفاهيم جديدة مكنت من الانتباه إلى بعض الظواهر الفيزيائية. ولكن شهرة (آينشتاين) وأعماله لا يمكن أن تنسينا أنه في عصره وجد العديد من العلماء الكبار الذين ساهموا بفعالية في التقدم العلمي. ففي مجال الميكانيكا الكمية ظهر في عصر (آينشتاين) باحثون من أمثال (فيرمي) و(بوهر) و(شرودنجر)، وقد تركوا كذلك أثرهم في التاريخ. فهؤلاء العلماء كان باستطاعتهم فهم أعمال (آينشتاين) لدرجة أنّهم تمكنوا من إعادة صياغتها بل ونقدها أيضا. وهذا الأمر يمكن تعميمه: إذا تميز عبقري في مجتمع معيّن سنجد في نفس هذا المجتمع أشخاصا آخرين يمكن أن يصلوا إلى مستواه. فالعبقري لا يمكنه أن يتحدى ويُعجز كل إنسان في كل مكان وكل زمان أن يقوم بأعمال في مستوى أعماله.

في النهاية، العبقري هو قبل كل شيء إنسان محدود في طاقته البدنية والعقلية. فإذا كان قادرا على الإبداع فآخرون يمكنهم مضاهاته وحتى التفوق عليه، وما هي في الغالب إلّا مسألة وقت. أما القرآن فهو يعجز الإنسانية جمعاء منذ 14 قرنا، بداية من أولئك الذين كانوا يتقنون اللغة العربية بدرجة أكبر بكثير من الناطقين بها في عصرنا هذا. ونؤكِّد هنا على نقطة وهي: أنّ القرآن كما يتحدى الناطق باللسان العربي يتحدى أيضا الإنسان الذي لا يعرف أي كلمة من العربية. فكيف سنحس بقوة القرآن إذا لم نكن نستطيع قراءة العربية أو أن مستوانا ضعيف نسبيا فيها، فهل سنقف؟ لا، بل يكفي ملاحظة تصرف أصحاب اللّسان العربيِّ الأكثر اتقانا للعربيّةِ مقابِل تحدي القرآنِ لهم واستخلاص النّتيجة. فمثلاً: إن لم نكن نحن بذاتنا نمارس ألعاب القوى، ولكن كنّا متابعين لأخبار ألعاب القوى. نستطيع التأكيد بكل بساطة بأن قطع مسافة 100متر في 10 ثوان هو في متناول أسْرعِ العدّائين. بينما في المقابل، لو أنّ رجلا تحدّى الجميع أن يصلوا إلى نفس سرعته في العدو وقطع 100متر في ثانية واحدة، وأنت تعلم أنّ أبْطال العدْوِ العالمِيين يقِرّون بعجزهِم ولا يجْرؤون حتّى أن يحلموا بمجرّدِ الإِقترابِ مِن هذا الرقمِ القياسيِ لهذا الإنسان، فلن تجد أيّ تفسير إلّا تدخّل العناية الإلهية لمصلحتِه. ونفس الشيء عند ملاحظة حالة أكثر الناسِ اتقانا للّغةِ العربيةِ وهم عاجِزون تماما أمام تحدي القرآن، وبهذا نصل إلى نتيجة واحدة قطعية:

الشكل الأدبِيّ للقرآن ليس في متناول البشر، إذًا، فمن خلق البشر وخلق القدرة في البشرِ على الكلامِ هو المصدر الحتمي للقرآن وهو الله سبحانه وتعالى.

ولا نستطيع التهرّب من هذه الحقيقة بادّعاءِ العبقريةِ لمحمد (صلى الله عليه وسلم). فهل وجدنا أبدا، في ذاكِرتنا الإنسانية، أن عبقريا استطاع أن يعجز قومه وكذلك كل الإنسانية، بأن يأتوا بنص مماثل حتى ولو لجزء بسيط من عمله الأدبي؟ لا، فإنه من غير المعقولِ نسبة القرآنِ إلى محمد بن عبدِ الله (صلى الله عليه وسلم). فلم يبقَ إلا الانصياع أمام التفسيرِ الوحيدِ الممكنِ: القرآن هو بدون أدنى شكّ كلام الله الخالق سبحانه وتعالى. وهذه حقيقة مطلقة، والإنسان الذي يريد السعادة بكل إصرار، يجب أن يولي اهتماما شديدا بهذا الكتاب الذي لا تساوي كل الكنوز التي في الدنيا الكلام الذي يحتويه.

منقووووووووووووول

.**

**خواطر إيمانية (6): الحاجة إلى الرسل

الآن، وبعد أن أجبنا عن سؤال “من أين أتيت؟”، وذلك بالدليل القاطع على وجود الله والاستنتاج الصحيح لبعض صفاته، فلنركز على السؤالين الأساسيي حسب الترتيب الزمني: “لماذا أتيت، وإلى أين أنا ذاهب؟”

الغاية من الحياة ومصيرنا بعدها، هما من القضايا ذات الأهمية القصوى بالنسبة لنا، وفي الوقت نفسه، نعجز تماما عن حل هذه القضايا إذا بحثنا عن أجوبة مباشرة في الإنسان والكون والحياة. بالفعل، فالمادة المحيطة بنا مع تعدد خصائصها، لا تعطينا أدنى معلومة عن الغاية من وجودنا ولا عن المصير الذي سنؤول إليه بعد هذه الحياة. هذا العجز عن الإجابة، سيقودنا إلى الرجوع إلى الذي لا تخفى عنه خافية، لا في الماضي ولا في المستقبل، ولا في معنى الحياة ولا في معنى الموت. فيجب الاتّجاه نحو الله للبحث عن الأجوبة المنشودة، بما أن التاريخ والتجربة الشخصية لكل منّا تظهر أنّ الله لا يخاطب مباشرة كل إنسان، ولكنه يخاطب فقط من اصطفى من البشر، لتكون مهمتهم إيصال رسالته إلى بني البشر أمثالهم. هؤلاء البشر هم الرسل، ونحن في حاجة أكيدة لهم من هذه الزاوية.

ومن ناحية أخرى، استوجب المضي قدما في الحياة على الإنسان مجابهة العديد من المشاكل وإيجاد حلول عملية لها ليضعها حيز التطبيق. والعديد من هذه المشاكل ستدرس وتحلل بطرق مختلفة حسب وجهة النظر في الحياة المتبنّاة من طرف الأفراد. والحلول المختارة ستكون غالبا متناقضة تماما. وتفسير هذا التناقض سنبحث عنه في ذات طبيعة الإنسان.

الإنسان وُهِب عقل، وطاقة حيوية بمثابة محرك يدفعه للنّشاط. وهذه الطاقة الحيوية ذاتها تتجزأ إلى حاجات وغرائز. وهذه الحاجات والغرائز تتطلب طبيعيا الإشباع. في حالة عدم إشباع حاجة يتعرض الإنسان إلى الموت. وهذا صحيح بالنسبة للحاجات العضوية والتي هي الأكل والتنفس والنوم. ومن ناحية أخرى، يؤدي عدم إشباع الغرائز إلى الشعور بعدم التوازن والقلق، ولكنه لا يؤدي إلى الموت. فالغرائز ثلاثة أنواع وهي ثلاثة فقط: غريزة حب البقاء وغريزة النوع وغريزة التدين. أمّا غريزة حب البقاء فهي ذلك السعي من الإنسان للمحافظة على حياته والهروب من الموت، ومن مظاهرها العادية في حياتنا اليومية نجد ردة الفعل تجاه شيء قادم بقوة للاصطدام بك، والسعي إلى الرفاهية والتعلق بها لنسيان الأشياء المزعجة كالموت مثلا، وحبّ السلطة الذي يمنح شعورا وهميا بعدم الاكتراث أو الخوف من الموت.

وغريزة النوع تدفع الفرد للبحث عن العيش في جماعة وما يترتب عنه، وهذه الغريزة تظهر مثلا، في القيم الأخلاقية والإنسانية وفي مشاعر الحب وفي العلاقات الجنسية وفي الروابط العائلية. والغريزة الأخيرة المكتسبة حصريا عند الإنسان من دون الحيوان هي غريزة التدين. وهي ذلك الميل عند الإنسان للبحث عن قوة أكمل منه. هذه الغريزة تجعل منطلقها ذلك الإحساس بالضعف والعجز الذي يشعر به كل إنسان في نفسه. فالموت والأمراض والفشل والتعب أوضاع حاضرة دائما نصب أعيننا لتكريس هذا الاحساس. التاريخ والأحداث الواقعية تثبت أنها أي غريزة التدين قانون يخضع له كل إنسان. الكل - دون أيّ إستثناء - مدفوعون إلى البحث عن كائن أو شيء يقدّسونه، يعينهم على خوض غمار الدنيا ويحتمون به. هذا التقديس يمكن أن يأخذ شكل القرابين والتضحية بالحيوانات تقربا لصنم أو آلهة. وكذلك يمكن أن يأخذ شكل الارتباط المبالغ فيه بمغنّ أو ممثلة، لدرجة القيام بتضحيات لمجرد الإحساس بالقرب أكثر ما يمكن من نجمه المفضّل. ومن الممكن أن تتوجه غريزة التدين إلى حب وعشق غير محدود للمال او لمجموعة لوحات لرسام مشهور.

والاستجابة لهذه الحاجات العضوية والغرائز لا تكون بإعطائها الحرية في الإشباع، وترك العنان لها دون الرجوع إلى العقل لاختيار طريقة الإشباع. فالنتيجة لمن يتركون لأهوائهم العنان في معترك الحياة لإشباع حاجاتهم العضوية وغرائزهم كما يشتهون واضحة للعيان: تصرفات متطرفة مناقضة للطبيعة الإنسانية، فإدمان شرب الخمر وتعاطي المخدرات هي أمثلة في ترك الهوى والشهوة تتحكم. والمثلية واستغلال الأطفال جنسيا هي أمثلة على ذلك في نطاق إشباع غريزة النوع. وبالنسبة لإشباع غريزة حب البقاء، فهناك وضعيات متطرفة ناتجة عن محاولة الإشباع الخاطئ لهذه الغريزة، من الواضح أنها غير ملائمة للإنسان وتردي به إلى المهالك. فمثلا: يمكن للإنسان أن تسيطر عليه القيم المادية وينبذ القيم الأخرى اللّازمة لتوازنه واستقامة حياته: القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية. بصفة خاصة، عدم التوازن هذا يولّد الأنانية، واستباحة كل الوسائل مثل الدوس على الضعفاء بهدف الثراء. وكذلك غريزة التدين يمكن تحويلها بالمغالطة تحويلا رجعيا، إذا أصبح الشيء المقدّس مجرد نجم مشهور…

فهذه التصرّفات المنحطّة ما هي إلّا نتيجة توهّم الإنسان أنه يمكنه بمفرده تحديد الخير والشرّ في كلّ أفعاله. وهذا لأنه قاس أفعاله قياسًا خاطئًا على الأشياء، فهو يرى أن الطعم الحلو في الشيء يستطيع أن يميزه عن الطعم المالح، لأنّ كلًا منهما ممكن التحديد عن طريق حاسة التذوق، والحسن يميزه في الأشياء عن القبح كذلك، أما في الأفعال فهو لا يستطيع بحواسه أن يتذوق أو يحس بالحسن والقبح فيها كإحساسه بالأشياء، لأن الحكم عليها بالحسن والقبح أو بالخير والشر آت من ظروف واعتبارات خارجة عن الفعل نفسه، ففعل القتل مثلاً، يكون وصفه بالحسن أو القبح بناء على اعتبارات خارجية والظروف المحيطة به، ففي حال قتل المعاهد أو المستأمن، أو قتل المؤمن، يوصف القتل بأنه قبيح، أما القتل دفاعًا عن النفس والعرض، أو في الجهاد في سبيل الله، فيوصف هنا بأنه حسن، مع أن الفعل في الحالتين هو واحد وهو القتل، والإحاطة الكاملة بهذه الاعتبارات الخارجية لإصدار الحكم الصحيح عليها هي مستحيلة للإنسان لأن عقله محدود، فهو قاصر عن إدراك خفايا الأمور كلها والحكم عليها، فالحكم بالحسن والقبح والخير والشر إذًا هو خارج حقل الحواس وخارج الإلمام العقلي الكامل. وكما سبق أن رأينا في الجزء الخاص بالتفكير، فإنه عندما نصف شيئا خارج العالم المحسوس، وبدون الاعتماد على معطيات موثوقة، فإنّه لا يمكن تفادي الوقوع في الخيال والخطأ. فالعقول البشرية لا يمكن أن تتوافق كلها على مساندة الرأي بأنّ الإعدام يجب تطبيقه على المجرمين، وأنّها عقوبة عادلة، ولكنّهم في المقابل يلتقون على كلمة سواء بأن الإجّاص له طعم حلو وأنّ العشب لونه أخضر. ولهذا السبب، وفي حياتنا اليومية، نلاحظ أنّ ما كان حكمنا عليه بأنّه خير في الماضي، أصبح شرا اليوم والعكس صحيح. وما هو مقبول هنا، مجرّم في مكان آخر.

فالحكم البشريّ على الحسن والقبح والخير والشر هو بالفعل لا يعتمد عليه. فكيف سيتسنى الإشباع بالطّريقة الصحيحة للحاجات العضوية والغرائز، إذا كان الإنسان لا يستطيع أساسًا أن يميز تمييزًا صحيحًا وشاملًا بين ما يصلح له وما يضرّه؟ وبما أنّه صار جليا عدم قدرتنا الإستجابة بالكيفية المثلى لغرائزنا وحاجاتنا العضوية، فلم يبقَ لنا إلا طريق واحد يحوز على ثقتنا التامة والمطلقة: وهو الإنصياع لخالقنا، فخالقنا يعرفنا معرفة مطلقة ويعلم جيدا ما يصلح لنا وما لا يصلح. وهذا يمثل أحد الأسباب الأساسية التي جعلتنا نبحث بشغف الذي يتطلع للعثور على أعظم كنز في الكون، عن خطاب الله تعالى الذي أتى به الرسل.

وعلى هذا، لو أن كثيرا من الأشخاص ادّعوا أنهم يحملون رسالة من الله. فكيف سنعرف الصادق من الكاذب؟ وحتى لا ندخل في متاهة، كان من الأصلح الاهتمام بدراسة النصوص المنسوبة إلى الله خاصة. والعمل يتلخص في التمييز بين ما هو قادم من الخالق وما هو مجرد إنتاج بشريّ. فما هو قادم من الله سيتّسم بالعلم المطلق والإبداع بعكس النص البشري الموصوم بصفات الكائن الضّعيف، غير القادر على الإلمام ولا التنبؤ بأي شيء. وبناء على ذلك، لا بد أن نجد في الأعمال البشرية آثار النقصان وعدم الكمال: فالأخطاء والتناقضات صفة إنسانية.

أمّا النصّ الإلهي: فلا يمكن أن يشوبه أي أثر من الضّعف.

والقرآن يعلن أنه كلام الله وأنّه لا بدّ منه لإرشاد المخلوق البشري. فلندرس هذا الكتاب الذائع الصيت ومبرّرات هذا الإعلان لنحدّد إذا كان فعلا يتّسم بالصّفة الإلهية.

منقوووووووووووول**

**خواطر إيمانية (5): وجود الله

من الطبيعي أن يتبادر سؤال إلى ذهننا بشأن النظام: هل هو نابع عن إرادة أم لا؟

هذا السؤال ينتظر الإجابة إما بنعم أو بلا. والإجابتان لا يمكن التوفيق بينهما: فواحدة من الاثنين بالتأكيد صحيحة والأخرى خاطئة لا محالة. فيكفينا إذًا دراسة أحد الفرضيتين: عندما نبرهن على أن الفرضية الأولى صحيحة أو خاطئة بصفة مؤكدة، نكون قد أقمنا الدليل المؤكد في نفس الوقت على صحة أو خطأ الفرضية الثانية.

الفرضية الأولى تقول أن هذا النظام الذي نعرفه غير نابع من إرادة، وهو موجود بهذا الشكل المحدد بدون أي اختيار مسبق. وبعبارة أخرى، النظام إنما هو وليد الصدفة.

الفرضية الأخرى تتبنى أنه إذا وجد نظام فهذا يعني أن هناك إرادة اختارت التفاصيل اللامتناهية له وحافظت على شكله الذي نعرفه.

لنفحص الفرضية الأولى ونضعها على المحك في الواقع.

تُعرّف الصدفة بأنها الأحداث غير المتوقعة. وكثيرون يعتقدون أن الإنسان والكون والحياة هم نتيجة لتطور غير متوقع، ويؤيدون فكرتهم بعد التركيز المحوري على أحداث لا يمكن توقعها في نطاق الفكر الإنساني. كالرقم الذي يظهر عند رمي الزهر. ولكن لو فكرنا بتركيز أعلى حول المسألة لوجدنا أنّ هذه الفرضيّة سخيفة، بل ومضحكة.

إذا كان صحيحا أنّ بعض الظواهر المعقدة تتعدى توقعاتنا كبشر لعلمنا المحدود، فهذا لا يتعارض مع أن الكثير من الظواهر الأخرى يمكن توقعها. وبسبب وجود هذا العدد الذي لا يحصى من الظواهر المتوقعة وجدت كل العلوم التجريبية مثل: البيولوجيا، الكيمياء، الميكانيكا، البصريات، الترموديناميكا، إلى آخره…، فإذا أطلقت القلم من يدي، فأنا متأكد تماما أنّه سيسقط على الأرض بفعل الجاذبية. فهذا التوقع لما سيحدث ممكن لوجود نظام لا يتغير يفرض حصول الحدث، إذًا فتوقع حدث واحد يكفي بكل تأكيد لنفي وجود الصدفة المطلقة. فلو كانت الصدفة مطلقة لكان تأثيرها على كل الأحداث التي تحيط بنا. فما هو واقع، وما هو موجود في هذه اللحظة لا يوجد أي سبب منطقي لوجوده في اللحظة التالية. ولو كانت الصدفة مطلقة لما تمكن أيّ نظام من الثبات والاستمرار، وسنرى في كل جزء من الثانية عالما مختلفا تماما عن العالم الذي سبقه! وستكون الفوضى المطلقة!

فبما أنّ هذا النظام ثابت في الزمن فلا يمكن أن تكون الصدفة مصدرا له. وعلى ذلك فإن الفرضية الأولى تأكَدَ خطؤها. وبناء عليه فإن الفرضية الثانية صحيحة بدون أدنى شك ومن غير أيّ جدال. أي يوجد بكل تأكيد وبعكس الصدفة إرادة أوجدت وحافظت ليس فقط على هذا النظام، بل وعلى الأشياء التي تنصاع له: الإنسان والكون والحياة.

في هذه المرحلة من البحث الفكري وبعد الاستنتاج السابق يتبادر إلى الذهن هذا السؤال: " من أين أتت هذه الإرادة المنظّمة والمتسببة في وجود الإنسان والكون والحياة؟".

هنا أيضا، يمكننا تصنيف جميع الأجوبة الممكنة لهذا السؤال في فرضيتين شاملتين متناقضتين تماما. الأولى أنّ هذا النظام هو إرادة العالم المادي نفسه أو أي مكون من مكوناته. والثانية أن النظام نابع عن إرادة من خارج العالم المحسوس. واحدة فقط من هاتين الفرضيتين حقيقة مطلقة.

لنتفحص الفرضية الأولى على ضوء الواقع الذي نعيش فيه. بداية، لنصف عالمنا المحسوس بصفة عامة ومن زاوية تبرز اهتمامات الإنسان.

في الواقع، يوصف العالم المحسوس تدقيقا بهذه الجملة “الإنسان يعيش في الكون”. ومنها يفصّل العالم المحسوس إلى مكوناته الأساسية ألا وهي الإنسان والكون والحياة. ولفظ الحياة هنا يقصد به إطارها البيولوجي والفردي. بينما الكون يشمل كل ما هو محسوس، غير الإنسان والحياة. بعض وجهات النظر تعطي للإنسان أو للكون أو للحياة القدرة على خلق ذاتها وتأمين استمرارها. وهذا خطأ لأنه يتعارض أساسا مع طبيعة هذه المكونات. فالإنسان والكون والحياة أشياء عاجزة بداهة، وهي عاجزة لأنّها محدودة ومحتاجة إلى غيرها. الإنسان عاجز لأنّه محدود في كل شيء ولا يستطيع الاستقلال عن محيطه. الإنسان محدود في وزنه، في سرعته عندما يجري، في قدراته العقلية، إلى آخره… الغذاء الذي يحتاجه للبقاء على قيد الحياة، والهواء الذي يجب أن يتنفسه، أمثلة تبرهن على أنّ الإنسان محتاج لمحيطه ولا يستطيع الاستقلال عنه. الحياة أيضا عاجزة لأنها محدودة في مدتها ومحتاجة إلى المادة العضوية التي توفر لها أسباب وجودها. أما الكون الذي هو مجموع أجرام محدودة هو أيضا عاجز. وهذا ملاحظ من فحص أي جرم لاستنتاج أنه بالفعل عاجز.

فالشمس مثلاً عاجزة لأن مقاساتها، رغم عظمها، محدودة: فهي لا تتعدى قيمة معينة. والقوانين التي تتحكم فيها وتجعلها غير مستقلة عن النجوم المحيطة بها، مظهر آخر لطبيعتها الضعيفة والعاجزة، حركتها مرتبطة بالكواكب وبغيرها من النجوم وبالمجرات. إذًا فكل جرم محدود في حجمه. فلو افترضنا جدلا وجود نجم (أو مادة) محسوسة مقاساتها لا محدودة، فيفترض أنّها تجتاح وتغطي كل ما هو متاح من فضاء يحيط بنا! بالطبع ليس هذا واقع الحال، فالمواد التي تحيط بنا ونحن أنفسنا نختلف تماما في طبيعتنا. الكون المكون من مجموع أجرام كلها عاجزة، أيّا كانت كثرتها، هو بالضرورة عاجز في كليّته.

إذًا، فبالنّظر إلى كل ما يحيط بنا وبالنّظر في أنفسنا برهنّا أن الإنسان والكون والحياة أشياء عاجزة، وبعبارة أخرى، كل ما يشتمل عليه عالمنا المحسوس والمعروف هو عاجز وضعيف. والعجز يعني أننا نخضع لأوضاع وأفعال وأننا لا نكتفي ذاتيًا لأنفسنا ونحتاج إلى قوة خارجة عنا ونخضع لإرادتها، فالأشياء العاجزة لا يمكن أن تكون وراء وجود الإنسان والكون والحياة، كما أنها لا تستطيع أن تضمن بقاءها واستقرارها. فإذا كان هذا ليس بواقع الحال والشيء العاجز كانت له السيادة على مصدر محدوديته وعدم استقلاليّته، فلماذا لا يستطيع تخطيه؟

إذًا، فإنّ هذه الإرادة العليا، التي هي وحدها السبب في محدودية الأشياء المحسوسة وعدم استقلاليّتها، وهي من خارج العالم المحسوس.

فالخلاصة هي أن الإنسان والكون والحياة، كلها أشياء عاجزة وارتكزت في وجودها على إرادة عليا خارجة عنها استخرجتها من العدم: أي هي التي خلقتها. وهي كذلك التي تضمن بقاءها واستقرارها.

هذه الإرادة العليا تعرّف بأسماء مختلفة حسب اللغات: الله، DIEUX، GOD ،YAHVE.

هذه الأسماء المختلفة ترمز إلى حقيقة واحدة، إلى الخالق الأزلي الواجب الوجود… وهو الله تعالى.

يمكن أن نتساءل لماذا خالق واحد وليس أكثر من واحد، كل خالق مهتم بقسم من المخلوقات. إله خلق مثلا الريح، وآخر الماء، وآخر النار، إلى آخره…، الإجابة عن هذا موجودة أيضًا في العالم المحسوس نفسه.

فالمادة التي تحيط بنا خاضعة إلى منظومة من القوانين التي هي في غاية التناسق والتناغم، وهي قوانين في غاية التكامل والترابط. فالإنسان في حاجة تامة للأوكسجين كما النباتات لا تستطيع العيش بدون ثاني أوكسيد الكربون. فنجد قانونا يمكن الإنسان والحيوان من إنتاج ثاني أوكسيد الكربون اللازم للنبات، بينما وبصفة متوازية، حسب قانون آخر، تنتج النباتات بدورها الأوكسيجين الذي يستهلكه الإنسان. لو كان هناك إرادات متعددة وراء الوجود والاستقرار لهذا العالم، لوجدنا بالضرورة آثارا للتّناقضات والاختلافات في المخلوقات. إله يريد بشرا وآخر لا يريد. إله يريد إنسانا برأسين ويد واحدة، وآخر يريد إنسانا من غير أيد، إلى آخره… العيش في العالم سيكون مستحيلا! فلا بد أن يكون صاحب الإرادة واحداً..

والسؤال الآخر الملح: وخالق هذا العالم من الذي خلقه؟ يكفي التفكير في طبيعة الخالق حتى نستنتج أن هذا السؤال لم يكن لِيُسأل من البداية. الخالق اصطلاحا هو القدير (عكس المخلوق العاجز)، والذي تحتاجه كل المخلوقات، ولا يحتاج هو لأحد. إذًا افتراض أن يكون القدير قد خُلِق، فهذا يعني انه احتاج لغيره وهذا لا يستقيم وهو غير معقول. وحتى لو وضعنا هذه الفرضية. فالنتائج التي سنصل إليها ستبرهن على خطئها. لو أنّ الذي نعتقد أنه الخالق كان مخلوقا لغيره، فليس هو الخالق إذًا، بل هو مخلوق وهذا الذي خلقه هو الخالق الحقيقي. وبما أنّ الخالق مستحيل أن يخلق نفسه - لكي يخلق نفسه لا بد أن يكون أولا موجوداً قبل أن يخلق نفسه، فهذا يعني أنه موجود وغير موجود في نفس الوقت، وهذا مستحيل، ومن هنا فلا يوجد إلّا رأي واحد صالح ينطبق على علاقة الخالق بالزمن: وهو أنّ الخالق أزليّ، ليس له بداية ولا نهاية، وهو موجود قبل وجود هذا العالم وسيظل موجودا بعد زواله.

وهناك صفة أساسية لله يمكن استنتاجها من العالم المحسوس: وهي العلم المطلق، فالله تعالى يعلم كل شيء، ولا يخرج عن علمه أي شيء. فالدقة اللّامتناهية التي خلقت بها كل أجزاء هذا الكون المترامي الأطراف تثبّت الوقار والإجلال في قلوبنا للخالق العظيم العليم. هذا العلم، للذي خلق أشياء شديدة التعقيد، تجمع بين الفعالية والجمال، لا يمكن مقارنته مطلقا مع علم البشر المحدود.

منقوووووووووووووووول

.**

**خواطر إيمانية (4)

اليقين والنسبية

يتهرب الكثيرون من التسليم بالحقائق القطعية، قائلين تلك الجملة النمطية الجاهزة: “إن كل حقيقة هي نسبية”. يريدون القول أن الفكرة يمكن أن تكون صائبة ولكن الفكرة المناقضة لها ربما تكون صحيحة أيضا.

وللبرهنة على هذا الموقف سيلجئون دون تردد إلى أمثلة من العلوم التجريبية، حيث الكثير من المبادئ العلمية التي كانت معتبرة خاطئة في الماضي هي صحيحة ويعمل بها الآن والعكس صحيح أيضا. هذا الرأي الخاطئ يحمله الكثيرون ممن يعتمدون على قاعدة الحل الوسط لحل جميع مشاكل الإنسان. والحل الوسط يفهم منه إيجاد توافق بين الأفكار التي يمكن أن تكون متناقضة تماما. بينما البحث عن الحقيقة الخالصة لا يقبل بالتوافقات: فالتسليم بـ “أنا موجود” كحقيقة، ثم التسليم بالعكس “أنا غير موجود” كحقيقة أيضاً، شيء لا يقبله عاقل. لا يمكن أن نجد حلا وسطا بين " أنا موجود" و"أنا غير موجود". واحدة من هاتين الفكرتين خاطئة قطعا! إذًا، فالأمثلة التي تدل على أن الأفكار ليست نسبية لا تحصى ولا تعد وهي بالتالي لا تخضع للتوافقات أو الأهواء. “أنا موجود”، “الكون موجود”، “الشمس تأتينا بالدفء”، “الريح يحرك السحاب”، “الإنسان يموت”، “الناس يأكلون”، إلى آخره… هذه حقائق مطلقة ولا تدع مجالا للشك في خطأ الأفكار المناقضة لها.

أما الرأي بعدم وصول كل الأفكار إلى درجة الجزم القاطع بصحتها، فهذا صحيح قطعا. رغم أن الأمر يستوجب التوقف عنده وتمعّن النظر فيه حتى يتسنى لنا ترتيب مختلف الأنواع الفكرية. فالفكر الذي يحصل دائما على درجة الجزم القاطع يتعلق بوجود الشيء أو الظاهرة من خلال الإحساس بما يدل عليها. أما التحديد الدقيق لطبيعة الشيء أو الظاهرة يمكن أن يتسرب إليه الشك. لنأخذ مثلا، الطارق الذي بباب بيتك، مجرد سماع هذا الطرق المتكرر على الباب يمكّنك من الجزم القاطع أنّ هناك مصدرا أو سببا لهذا الصوت وهو الطارق على الباب. أنت إذًا تجزم قاطعاً بوجود الظاهرة المنتجة للصوت وهو الطارق. ولكنّك بطبيعة الحال غير متأكد من طبيعة أو ماهية هذا الطارق: هل هو صديقك، عون البريد، شخص لا تعرفه، إلى آخره…، هذه الملاحظة يجب أن تكون حاضرة دائما في أذهاننا عند دراسة أي ظاهرة. فالدراسة يمكن أن توصلنا إلى الجزم القاطع بوجود الظاهرة مع وجود شكّ بطبيعتها أو ماهيتها. ولا يجب أن يسبب لنا هذا أي قلق لأنه لا يوجد فيه تناقض ونجده حتى في أبسط الحالات كالطرق المتكرر على الباب.

المادة والنظام

الآن، وبعد أن بيّنا بعض المحددات والضوابط للعملية الفكرية، لنركز كل طاقتنا الفكرية للإجابة الجازمة عن الأسئلة الأساسية. فمن أين نبدأ؟

سنتوقف عند أمر جزئي وبديهي جدا: نحن نعيش في عالم من النظام. فمنذ أن رأينا النور نلاحظ عالما خاضعا لكمية هائلة لا تحصى من القوانين الطبيعية. نحن بأنفسنا نخضع لأنواع عديدة من القيود تولد فينا شعورا بالضعف - بل هو الضعف بعينه وليس شعورًا فحسب، فعلا، هذا النظام يرسخ فينا صفات الكائن الضعيف وكذلك كل ما يحيط بنا لا يخرج عن تلك الصفة. النظام واضح في المادة، ونحن جزء منها. فهي تخضع مثلا لقانون الجاذبية. ومن بين الكثير من نتائج هذا القانون نلاحظ أن الإنسان، الحيوان، الماء، المعادن، …إلخ، تنجذب إلى مركز الأرض. ومن ناحية أخرى، فهذا القانون ينتج تجاذبا بين الأرض والقمر يترتب عليه أمور منها دوران القمر حول الأرض مع دورانه حول نفسه، والجاذبية التي يمارسها القمر على الأرض تنظّم ظاهرة المد والجزر. وكذلك الجاذبية بين الأرض والشمس تجعل الأرض تدور حول الشمس مع دورانها حول نفسها منتجة توالي الليل والنهار. هذه الآلية تعمل باستمرار ودقة وفعالية منقطعة النظير. حسب معطيات دقيقة جدا: تدور الأرض حول نفسها، في 23 ساعة 56 دقيقة و4 ثوان، محددة اليوم، وتدور حول الشمس، في 365,2422 يوم، محددة السنة. علماء الفلك متفقون على أنّ أيّ انحراف بالنسبة لهذه المعطيات الدقيقة سينتج سلسلة من التفاعلات ستغير من تركيبة المنظومة الشمسية إلى الحد الذي تستحيل معه الحياة.

ولو نظرنا لأي شيء في هذا العالم أو الكون مهما كبر أو صغر، سنجد حضورا دائميا وتناسقا تاما للقوانين المفروضة عليه. الكائنات الحية من نباتات وحيوانات وإنسان يحتاجون للغذاء. هناك حلقات من الآليات الكبيرة والمعقدة تؤمن استمرارية هذه الكائنات عبر الماء والأرض. يساق الماء، بعد تبخره، في شكل سحاب ويعاد توزيعه على مساحة الأرض في شكل مطر أو ثلج. هذا الماء يوصل العناصر المغذية الضرورية لنمو النباتات. الحيوانات العشبية يمكن أن تأكل النباتات، وهي بدورها يمكن أن تُفترس من طرف الحيوانات آكلة اللحوم لتتم بذلك الحلقة الغذائية. ولو نظرنا إلى أنفسنا سنجد أنّنا نخضع لقانون الحياة والموت. لا أحد فينا اختار أن يوجد في هذه الحياة ورغم ذلك ولدنا وعشنا في هذه الحياة وارتبطنا بها. من ناحية أخرى لا أحد يستطيع منع الموت المحتوم. ومر جسمنا من مرحلة الضعف للرضيع إلى مرحلة القوة النسبية للكهل ويعود للضعف الشديد حين الهرم، وكل هذا رغما عنا. نتألّم من شدّة الحر أو البرد. نصاب بأمراض مزعجة، نحس بالتعب بعد الجهد الكبير. وهذه أيضا قوانين تمثّل حدودا لا نتخطاها وتبعية لا يمكن التخلص منها بيننا وبين بيئتنا التي نعيش فيها. ما ذكرناه لا يتعدى بعض الأمثلة، ونستطيع أن نذكر ما لا يحصى من الأمثلة التي تتّحد كلها في إثبات هذه الحقيقة: إنّنا وكل شيء يحيط بنا نخضع لنظام أو آلية مكوّنة من عدد لا يحصى من القوانين.

لاحظوا بأن المسار البحثي الحالي يعتمد بالفعل على الفكر المستنير. بحيث لا ينحصر تفكيرنا على جزء من العالم المحسوس، بل يتجه نظرنا إلى العديد من المواضيع التي تنير وتكشف بعضها البعض.

ما هو إذًا سبب هذا النظام المعقد والمتناغم والرائع؟ سنجيب على هذا السؤال بشكل منهجي في الحلقة المقبلة.

منقوووووووووووووووول**

**خواطر إيمانية (3)

العملية الفكرية

لإيجاد مفهوم واضح ودقيق للعملية الفكرية سنسترشد بمثال من الحياة العملية اليومية: لنفرض أن ابنك او أخاك الصغير عرض عليك ثمرة من الحمضيات وسألك: “هل آكلها؟”، فكانت إجابتك: “إن هذه ثمرة الآرنج وهي تشبه البرتقالة ولكن طعمها مرّ جدا ولن تستطيع تحمل مرارتها.” فماذا حدث بداخلك قبل أن تجيب على هذا السؤال؟

قبل كل شيء هناك طفل يطرح سؤالا وهو يشير إلى ثمرة من الحمضيات موجودة في العالم المحسوس، إذًا، فهي حقيقة لا شكّ فيها. بصفة عامة، نقطة البداية لكل فكر أنّه يستند إلى واقع، بمعنى:

إمّا أنّه شيء محسوس من العالم المادي.

وإما أنّه شيء غير محسوس ولكن يستدلّ على وجوده من خلال أثره في الواقع المحسوس وهو ما يسمى بالحقيقة المبنية على الواقع.

غياب الواقع يمنع كل فكر ولكن لا يمنع النشاط الدماغي الذي يدخل تحت مسمى الخيال، الحلم أو التخمين لأنه منقطع عن الواقع، فكيف ستجيب على هذا الطفل بطريقة معقولة لو لم يشر لك إلى شيء؟ فالواقع في المثال الذي نحن بصدده، ثمرة، لها لون معين وشكل معين…

في مرحلة ثانية ستنظر إلى الثمرة المعنية وتلمسها ربما تشمها، ويأتي هنا المكون الثاني للفكر وهو الإحساس بالواقع عبر واحد أو أكثر من الحواس الخمسة، فبدون إحساس ستنقطع العملية الفكرية، فكيف ستعرف نوع الثمرة إن كانت ملفوفة في غلاف ورقي؟

بعد ذلك تتذكر الأشكال والألوان والروائح والأحاسيس الموجودة مسبقًا في ذهنك عن ثمرة الآرنج، وتربطها طبيعيا بالشيء الذي ينتظر التعريف. فتحكم عليه أنه بالفعل ثمرة آرنج، وهكذا وصلت المعلومات عن الواقع المراد معرفته إلى الدماغ الذي سيربط الأحاسيس الجديدة تلقائيا بالمعلومات السابقة الموجودة لديه. ولكي تتم هذه العملية يفترض أن يكون الدماغ قادرا على الربط بطريقة صحيحة بين المعلومات الجديدة والمعارف المكتسبة. وخلافا لدماغ الآدمي فإن دماغ الحيوان غير قادر على الربط. أما ما يرشد الحيوان، حين تكون أمامه احتمالات مختلفة، فإنه إحساس غريزي وليس اختيارًا عقليًا ناتجًا عن عملية فكرية فعلية مثل ما يحدث عند الإنسان. وكذلك عدم قدرة الدماغ لدى المريض عقليا على الربط الصحيح تمنعه من إصدار أحكام معقولة، وتمنعه كذلك من التفكير.

فالعقل الطبيعي يستطيع الربط إذًا بين الواقع المحسوس في الحاضر، والمعارف والمعلومات السابقة الموجودة في الذاكرة. هذه المعلومات السابقة هي المكون الرابع والأخير لأي عملية فكرية، فكل ما تعلمناه في السابق يعتبر ركيزة لفهم الواقع الحاضر، ففي مثال ثمرة الآرنج، تعريف الحمضيات وخصائص الآرنج كوّنت المعارف التي مكنتنا من إصدار الحكم.

والخلاصة أن أيّ عملية فكرية مهما كانت معقدة أو بسيطة تتكون من أربعة أجزاء:

  • واقع

  • إحساس بهذا الواقع

  • دماغ قادر على الربط

  • معارف ومعلومات سابقة ذات علاقة بالواقع

ولو تخلفت أي واحدة من هذه المكونات فلن يكون هناك فكر، ولو أوصلت العملية الفكرية لنتيجة غير معقولة أو خاطئة يجب البحث عن العيب في واحد أو أكثر من هذه المكونات الأربعة. وفي الواقع العملي هذا الوصف المفصّل للفكر له فائدة كبيرة جدا، فبسبب هذا التعريف المفصل استطعنا التوصل إلى فهم أعمق لكل المشاكل التي يمكن أن تعطّل العملية الفكرية.

فالكثير من الناس يحملون أفكارا خاطئة أو غير معقولة لأنهم يصدرون أحكامهم انطلاقا من عملية فكرية على أشياء غير واقعية، أو لأن إحساسهم بالواقع موضوع الدرس غير كافٍ أو غير واضح، أو أنّ عملية الربط مشكوك في صحّتها، أو أنّ المعلومات السابقة والمتعلقة بموضوع البحث غير كافية!

بعد دراسة شروط التفكير، لنهتم الآن بمختلف مستوياته أو درجاته

الأفكار السطحية ? العميقة - المستنيرة

التّحليل التّالي سيغطّي كل فروع ومستويات الفكر، وحتى يتسنّى فهم الأفكار المطروحة سيتركّز بحثنا حول مثال من الواقع. لنفرض أنّنا نريد شراء طاولة. فما هي مختلف المستويات الفكرية التي سنستند عليها لإتمام الصفقة؟

الطريقة العملية الأولى تتمثل في التجول داخل معرض للأثاث… فما أن يقع نظرنا على طاولة أعجبنا لونها الجميل نقرر شراءها فورا. في هذه الحالة كان فكرنا سطحيا. فالفكر السطحي يتمثل في ملاحظة الشيء وتكوين رأي مباشر عنه دون فهمه. وأكبر وأهم نقاط الضعف لهذا النوع من الفكر تتمثل في أنّ إصدار الحكم بناء على المظهر الخارجي يترتب عليه أحيانا خطأ في الحكم. ويمكن أن يتخفّى وراء المظهر الخارجي - اللون الجميل في مثالنا - العديد من العيوب.

ولكي يكون اختيارنا أدقّ نستطيع قبل كل شيء أن نتساءل: من أي خشب صنعت هذه الطاولة؟ وما هي درجة صلابتها؟ وهل هي محمية جيدا ضد الرطوبة؟ هل لها عجلات؟ وهل يمكن طيّها؟ إلى آخره… فالأجوبة عن هذه الأسئلة ستقودنا إلى تعميق فهمنا لموضوع تفكيرنا: وهو الطاولة في هذا المثال. وبعبارة أخرى فلقد مررنا من الفكر السطحي إلى الفكر العميق. وبصفة عامة، يتمثل الفكر العميق في بحث الشيء ودراسته بعمق ثم إصدار الحكم عليه. ورغم تفوقه الجليّ على الفكر السطحي، غير أنّ الفكر العميق يمكن أن يكون غير كاف في كثير من الحالات. فيمكن أن نكون ملمين بكل الخصائص الفنية والتقنية للطاولة، ونقوم فعلا بشرائها، ولكن عند إرادتنا وضعها في المنزل نفاجأ بعدم جدوى هذه الصفقة. كأن اكتشفنا أنّ الطاولة كبيرة جدّا ولن نستطيع وضعها في أي مكان. أو أنّ لونها أو شكلها لا يتناسق مع الأثاث الموجود في المنزل. ويمكن كذلك أن نندم على تخصيص كل ذلك المبلغ لشراء الطاولة مقارنة بإمكانياتنا المالية وأنه كان من الأجدر إنفاق ذلك المبلغ في أمر أهم أو أولى من الطاولة، إلى آخره…

فلو كان اختيارنا مبنيا على تصور واضح لطرق الاستعمال الممكنة للطاولة إضافة إلى إلمامنا بكل خصائصها، فإن ذلك سيزيد من ثقتنا في صحة قرارنا بالشراء. وهذا التصور يمكن أن يكون كما يلي:

ما هو الدور الذي ستقوم به قطعة الأثاث هذه، هل هي طاولة للزينة أو للسفرة؟

ما هي مقاساتها؟ وهل مقاسات المكان الذي ستوضع فيه كافية؟

احتواؤها على أدراج سيكون نافعا أم لا؟

هل ستكون متناسقة في اللون والشكل مع قطع الأثاث الأخرى في الغرفة؟

هذا التوسع في فكرنا حول موضوع الطاولة، ليشمل كل جوانبها وما يتعلق بها يحسّن من فهمنا ويجعل اختيارنا أكثر رشدا. وبهذا نكون قد مررنا من التفكير العميق إلى الفكر المستنير. ويتمثل الفكر المستنير في بحث الشيء ودراسته بعمق مع الأخذ بعين الاعتبار كل الأشياء المحيطة والمتعلقة به، ثم إصدار الحكم عليه، وهو بعبارة أخرى إلقاء الضوء الكافي على موضوع البحث من كل جوانبه. وتشمل هذه المستويات الثلاثة جميع أفكارنا، وكل فكرة لا يمكن إلا أن تكون سطحيّة أو عميقة أو مستنيرة.

وباعتبار هذا التصنيف للأفكار، فرُبَّ قائل يقول: "لا شك أن الفكر المستنير أحسن من الفكر العميق الذي بدوره أحسن من الفكر السطحي، ولكن الفكر المستنير يتطلب مجهودا عقليا أكبر مقارنة بالفكر العميق أو السطحي، فهل القرب أكثر ما يمكن من الحقيقة يستحق هذا المجهود العقلي الكبير؟ وماذا لو وجد ألف سبب جعلني أخطئ في شراء طاولة لأني اكتفيت بالفكر السطحي، ففي النهاية، النتائج ليست كارثية؟ الإجابة أنّه في حالة الطاولة هذا صحيح، رغم أنّه من المستحسن استعمال الفكر الأكثر فعالية أي الفكر المستنير في كل الأحوال، لنتفادى بذلك الاختيارات المتسرعة والسطحية. ولكن ما يترتب على اختيار خاطئ بسبب استعمال الفكر السطحي في بعض الأحيان، لن يكون إلا بسيطا نسبيا بالنظر لحياتنا في مجملها. وبالمقابل، هناك مواضيع تستوجب منا استعمال الفكر المستنير. وذلك لأنّ نتائج بعض الأفكار يمكن أن يترتب عليها تأثير هام على مركز اهتماماتنا وأولوياتنا في الحياة وجدول أعمالنا اليومي ومشاريعنا…

عندما نذكر الاختيارات الكبرى في الحياة يتبادر إلى الذهن في هذا السياق اختيار نوع الدراسة، أو المهنة، أو الإنسان الذي سيكون زوجا لي بقية حياتي…ولكن، هناك مسائل أهم وذات تأثير أكبر على سعادتنا المنشودة، والتي لو لم تحل بطريقة فعالة صحيحة ستتركنا نشعر بعدم الرضا والضيق كلما ذكرناها. وهي بكل تأكيد الأسئلة الأساسية التي ترتكز على أجوبتها المسيرة الإجمالية لحياتنا. فكما قلنا من قبل، أنها تتلخص في هذه الكلمات البسيطة :“من أين أتيت؟ لماذا أنا هنا؟ وإلى أين أذهب؟”. فإنّه في مواجهة هذه الأسئلة الثلاث، وبأخذنا واقعا شاملا كالإنسان والكون والحياة، سيلعب الفكر المستنير الدور الأكبر بدون أي منازع.

منقوووووووووووووووول

.**

**خواطر إيمانية (2)

كيف نجيب عن الأسئلة الأساسية؟

الصواب والخطأ

أيا كانت المسائل بسيطة أو صعبة مثل العقدة الكبرى أو الأسئلة الأساسية فالسلاح الوحيد لمجابهتها هو قدرتنا على التفكير، فبه نتقدم في الحياة وذلك بحل المسائل العديدة التي تعترضنا في معيشتنا اليومية لكي نتمتّع بحياة هنيئة، فالتفكير يجنبنا الخوض في مسارات غير مأمونة العواقب أو مشاريع فاشلة. ولهذا وجب علينا وضع كل قدراتنا العقلية للإجابة عن الأسئلة الأساسية وحل العقدة الكبرى حلا جازما و نهائيا حتى نعيش باطمئنان غير خائفين من المصير المحتوم الذي هو الموت.

والطريق إلى الحقيقة إنما يمر عبر الواقع المادي الملموس في هذه الحياة ولا يمر أبدا عبر الخيال والتخمين كما يتوهم البعض.

لنذكِّر أولا بالمفاهيم الأساسية التي ينساها البعض وتؤدي بهم إلى متاهة يصعب الخروج منها. نحن هنا نبحث عن الحقيقة والصواب ونستبعد كل ما هو خطأ أو غير حقيقي، ومن البديهي في كل المجالات أنّ التمييز بين فكرة صحيحة وأخرى خاطئة، بعد مجابهتها بالواقع المحسوس الذي نعيش فيه، هو مطابقة الفكرة الصحيحة للواقع. لنضرب مثلا بسيطا هنا: “الخشب يطفو على الماء”، هذه فكرة تحمل حكما على الواقع المحسوس، ولكي نصنّفها في خانة الأفكار الصحيحة أو الخاطئة يكفي أن نجابهها بالواقع، أيّ أحد يمكنه ملاحظة صحّة هذه الفكرة بمجرد وضع قطعة خشب في الماء، بينما فكرة “أن الماء يغلي على 40 درجة مئوية” خاطئة، فلو وضعنا ميزانا حراريا في ماء يغلي لكانت قراءتنا 100 درجة مئوية. وقس على ذلك جميع الافكار، اقتصادية كانت أو تاريخية أو سياسية.

أما الخيال والتخمين فإنه يوصلنا إلى نتائج ممكنة أو مستحيلة، وإن انطلقت من أفكار صحيحة وواقعية ولكن بطريقة الاستنتاج المجرد غير مأمون الصحة، فبتصور النسر وهو يطير عاليا في السماء، وهذا طبعا معقول، نستطيع أيضًا أن نتخيل هذا النسر وهو يطير في الفضاء الخارجي للأرض، حيث تنعدم الجاذبية ولا وجود للأكسجين، ولكن هذا التخيل واقعيا مستحيل الحدوث فهو خطأ…، لذلك فخلافا لما يدّعيه الكثيرون فإن الخيال والتخمين لا يوصلان إلى الحقيقة لإمكانية تسلل الأفكار الخاطئة المخالفة للواقع بسهولة إلى خيال الإنسان، فتفسد بالتالي كل الأفكار المستنتجة من الفكرة الأولى والصحيحة بداية.

وكذلك لا يجب السماح للعواطف أن تشوّش أو تربك عملية البحث عن الحقيقة لإمكانية الميل بشدة لفكرة خاطئة، مثل الاعتقاد بدوام الشباب أو التنكّر لحقيقة واقعية مثل إصابة أحد المقربين إلينا بمرض خطير، فلا يجب إذًا السماح للمشاعر العاطفية بالسيطرة على عقولنا لدرجة إنكار الحقائق الملموسة.

هناك عامل آخر يمكن أن يكون عقبة في طريق بحثنا عن الحقيقة ألا وهو البيئة الاجتماعية، فيمكن أن تكون للمحيط الاجتماعي القريب منا كالعائلة مثلا، أفكار خاطئة على موضوع أو مسألة، وترفض تقبّل فكرة، مخالفة لأفكارها، رغم صحتها، والمجتمع برمته يحاول التأثير على أفراده حتّى يتبنّوا تصوراته وآرائه بقطع النظر عن صوابها أو خطئها.

خلاصة القول أنّ الكثير من الأشواك والحواجز تعترض الباحثين عن الحقيقة وعلينا أن نتفادى كل هذه المعوقات بالجد والحزم في عمليتنا الفكرية.

ونظرا لأهمية الجواب الصحيح عن الأسئلة الأساسية أو حل العقدة الكبرى كان لا بد من استعمال أرقى مستويات التفكير، ولتحقيق هذا الهدف، وكذلك استكشاف وتفادي الأخطاء أو انسداد السبل أمام العملية الفكرية، كان لزاما أن نعرّف العملية الفكرية بجميع مكوناتها الجزئية وطريقة عملها، وبذلك نضمن السير الصحيح للتفكير ونتجنّب الأحكام المسبقة، ثم نستعرض ونقارن مختلف مستويات التفكير حتى نستعمل أرقاها للبحث عن الحقيقة المنشودة، والإجابة الصحيحة والجازمة عن الأسئلة الأساسية وحل العقدة الكبرى نهائيا.

لنذكّر أولاً بالدّور المركزي للتفكير في حياة الإنسان.

الأهمية القصوى للتفكير في حياة الانسان

لم يتفوق الإنسان على الحيوانات والنباتات والجمادات إلا بقدرته على التفكير، فباستعمال العقل يتصرّف الإنسان في حياته ويرتقي. يرسم مستقبله باتخاذ بعض التدابير، فيرفض ما يحدده عقله من قرارات خاطئة ويتمسك بما أرشد إليه عقله من صواب القرارات، ومن ناحية أخرى فالتاريخ والهندسة المعمارية والرياضيات والميكانيكا والإلكترونيات والبيولوجيا والطب، الى آخره… هي أنشطة متعددة المنافع نشأت من عملية عقلية مركّزة ودقيقة فكان من حق الإنسان أن يتميّز بمثل هذه الثمرات، لقدرته على التفكير. وبالنظر للحياة الإنسانية من حولنا نجزم أن التفكير المثمر يلعب أهم الأدوار في حياة الإنسان بل الإنسانية جمعاء. وبصفة عامة، وبناء على ما تقدم فالإهتمام بطبيعة النشاط الدماغي وفهم آلياته المختلفة أمر في غاية الأهمية.

والطريقة التي تجري بها العملية الفكرية ومقوماتها وأنواعها ومستوياتها ومدى قدرتها وفعاليتها وحدودها، لها تأثير مباشر على مدى فعالية البحث عن الحقيقة أو الآراء الصحيحة في مواجهة مشاكل الحياة.

بداية، لنصف بوضوح العملية الفكرية في حد ذاتها وبعبارة أخرى لنجيب عن هذا التساؤل: “ماذا يحدث بداخلي بين الاستعداد للحكم على أمر ما، والإصدار الفعلي لهذا الحكم”.

وبالفعل لو فصّلنا مكونات الفكر الجزئية لوجدناها لا تتعدى الأربعة والحلقة التالية ستهتم بتفاصيل هذه المكونات الجزئية للفكر.

منقوووووووووووووووول

**خواطر إيمانية (8): لماذا أنا موجود؟

قبل الانتهاء من طرح الحلِّ للعقدةِ الكبرى عند الإنسان بالعقيدة الاسلامية، وذلك بالأدلّةِ القطعيةِ، نريد التذكير بالمسلك الذى اتبعناه والنتائج التي توصلنا إليها.

في أول الأمر، صغنا الأسئلة الأساسية في هذه الكلمات البسيطة والجامعة المانعة “من أين أتيت، ولماذا أتيت، وإلى أين أذهب؟”. ثم شدّدنا على الأهمية القصوى للإجابة الدقيقة والمستفيضة عن هذه الأسئلة، فالبحث العميق الذي سنخوضه يفرض علينا إدراكا واضحا في الذهن لمفهوم الحقيقة: أي أنه لا تكون الفكرة حقيقة إلّا إذا كانت مطابقة للواقع. ثم عيّنّا بعض السبل المتشعِّبة والمؤدية إلى متاهات، والتي تحيد بالباحث عن الحقيقة بعيدا عن الهدف المنشود: الخيال والتخمين والعواطف والبيئة. وأنّ الجواب الفعّال للأسئلة الأساسية لا بد أن يأتي من طريق الفكر المستنير. فتطرّقنا للتّعريف بالفكر ومكوناته الجزئية، ثم الفكر المستنير وما يميزه عن المستويات الفكرية الأخرى. وكان لا بدّ من توضيح حول موضوع اليقين والنسبية، لأنّ هذه الأفكار كانت منبعا لكثير من الالتباس عند العديد من الأشخاص. وبعد الانتهاء من هذا العمل التمهيدي، دخلنا في صلب الموضوع. نقطة البداية لبحثنا العملي كان ذلك النظام المسيِّر للمادة، والذي كان شديد التعقيد وبديعا في نفس الوقت. لا أحد يمكنه إنكار وجوده، وهو حاضر في كل المستويات لتأطير هذا الإنسان الذي يعيش في الكون. وبعد بيان استحالة أن يكون النظام رهينا للصدفة، توصلنا إلى أنّه نشأ عن إرادة عليا مطلقة العلم. عندها ورد التساؤل عن هوية هذه الإرادة العليا، وبما أن الإنسان والكون والحياة أشياء عاجزة أساسا، ولا يمكن أن يكونوا لا سببا في وجود أنفسهم ولا القوانين التي تسيرهم. بل على العكس، لا يمكنهم إلّا الانصياع إلى القوانين الكونية الناشئة عن إرادة بدون شك خارجة عن العالم المحسوس. فالواقع مليء بالشواهد التي تدلّ على هذه الإرادة. وهي إرادة الخالق الواحد الأزلي الواجب الوجود العليم بكل شيء. فلمّا تساءلنا عن الغاية من الحياة والمصير بعد الموت، وجدنا أنفسنا عاجزين عن الإدلاء بأجوبة قاطعة لاقتصار فكرنا على العالم المحسوس. وكان الحل الوحيد الممكن هو أن يرشدنا الله عن طريق رسله. فكانت الحاجة للرسل من هذه الزاوية. ومن ناحية أخرى، فالله الذي يعلم كل شيء عن الإنسان في أدقّ تفاصيل تكوينه، هو الوحيد الذي يمكنه إعطاء الإنسان الطريقة الصحيحة التي يشبع بها مجموع حاجاته وغرائزه. وهذا هو السبب الثاني الذي يجعلنا نحتاج إلى الرسل.

بقي أن نعرف الرسالة الأصليّة من الخالق. وكان القرآن الذي تحدى وأعجز أكثر العرب إتقانا للّغة العربية، أن يأتوا بمثله، وهو بالتأكيد في شكله الأدبي، كان المعجزة الشّاملة والخالدة، وهو إذًا كلام الله الخالق سبحانه وتعالى.

والآن، بما أننا أثبتنا، بشكل قاطع، أن القرآن كلام الله، لا بد أن يصبح هذا الكتاب هو المرجع لإكمال الأجوبة على أسئلتنا الأساسية من ناحية، وتنظيم حياتنا على أساس هذه الأجوبة من ناحية أخرى. فلا يمكننا أن نسمح بمرور الرحلة القصيرة التي منحت لنا في الحياة، بدون الاهتمام الكافي بالأسئلة التي هي في غاية الأهمية. ولا يمكننا كذلك أن نسمح لأنفسنا بإشباع حاجاتنا وغرائزنا بطريقة فوضويّة حسب أهوائنا، حتى لا يصيبنا الخسران. فيجب من الآن وإلى آخر يوم في العمر أن يكون هدف وجودنا في هذه الدنيا حاضرا في أذهاننا باستمرار. فالهدف من وجودنا ليس تحصيل القدر الأوفر من المتعة الجسدية في هذه الحياة، كما يتصور الكثيرون.

ولكن، هذا الهدف يتلخص في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ سورة الذاريات الآية 56.

هذه الآية الجامعة تعبر بكل وضوح بأنّ الهدف الوحيد الذي من أجله خلقنا هو عبادة الله. والأكيد أن في هذه العبادة تكمن السعادة المطلقة والرضا والطمأنينة الأبدية. وفي نفس الوقت، لو أخذت هذه الآية بمفردها لوضعتنا أمام التساؤل عن المعنى الدقيق للعبادة. هل المقصود هنا العبادات المفروضة كالصلاة والصوم والحج إلى آخره…؟ هل العبادة تعني بصفة أولى تبنِّي القيم الأخلاقية العالية، أو أنّ العبادة تكمن في إنفاق الأموال على الأعمال الخيرية؟ هل يجب على العابد أن يعزل نفسه عن العالم فيعيش كالكاهن في الأديرة؟ والوحيد القادر على الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها الكثير هو الله سبحانه وتعالى. وبما أنه بيّن لنا أنّ الغاية الوحيدة من وجودنا هي عبادته وحده، فإنه جلّ جلاله فصّل لنا الطريقة التي بها تقبل منا هذه العبادة. وهذه العبادة ليست محصورة في صلاة وصوم، بل هي شاملة لكل مناحي الحياة، فأنت تعبد الله سبحانه بطاعتك إياه والامتثال لأحكامه في كل أمور حياتك، والعبادة العظمى له تعالى تكون بحمل رسالته إلى العالمين فيدخلون في دين الله أفواجاً، وهذه هي الإجابة الصحيحة والشاملة عن سؤال “لماذا أتيت؟”، فأنت أتيت إلى هذه الدنيا وأصبحت مسلماً لتنشر الخير والهداية في ربوع الدنيا بحمل دين الإسلام! قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾

أما السؤال الأخير “إلى أين أذهب؟” فإنّ الله يبيّن لنا الإجابة كذلك.

فهو سيجازي بالسعادة المطلقة والأبدية في الجنّة الذين يعبدونه بالطريقة التي فرضها سبحانه وتعالى العليم بكل شيء. أما الذين لا يؤمنون بآيات الله الخالق ورسالته، فسيعيشون الشقاء الأبدي في عذاب جهنم والعياذ بالله، حفظنا الله أجمعين من هذه العاقبة.

فإذا أردنا السعادة في الحياة الدنيا وفي الآخرة وجب علينا دراسة الشريعة الإلهية في القرآن والسنة وما أرشدا إليه والتقيد بها، وحمل هذه الرسالة إلى الناس لنكون بحق شهداء عليهم يوم القيامة.

منقوووووووووووول

.**

**خواطر إيمانية (1)

الخطوة الأولى في الإسلام

الأسئلة الأساسية

تخيل أنك نائم في قطار أثناء رحلة…

ماذا يحدث بداخلك عندما تستيقظ وتبدأ بالخروج تدريجيا من حالة النوم؟

من الطبيعي أن تتسارع إلى ذهنك أسئلة عديدة.

ستكون أسئلة تشبه ما يلي:

“أين أنا؟ من أين أتيت؟ لماذا أنا هنا؟ وإلى أين أذهب؟”.

لو تفكرت قليلا… سواء أكنت في رحلة أم لم تكن… بعد نوم عميق أوفي كامل وعيك… لوجدت أن هذه الأسئلة راودت فكرك عديد المرات خلال مسيرة حياتك. بل إنها أخذت في بعض الأحيان بُعدا أوسع لتشمل “رحلة” الحياة بأكملها.

لو صمّمت بجدّ على أن تكون رؤيتك في الحياة أوضح، ستتشكل أمام عينيك سلسلة من الأسئلة المحيرة ذات علاقة بما سبق من التساؤلات، ستسأل نفسك مثلا: ماذا كنت قبل وجودي في هذه الحياة؟ من أين أتى هذا الكون؟ والذي أنا فيه مجرد عابر سبيل؟ ومن الذي يؤمّن بقاءه؟ ماذا ينتظرني بعد موتي؟ لا شيء؟ حياة أخرى؟ لو كانت هناك حياة أخرى فكيف ستكون؟ إلى آخره…

هل من الضروري الإجابة عن كل هذه الأسئلة؟ وهل لو بقيت من دون أجوبة سيكون الأمر مزعجا؟

لننظر أولا إذا كان مهمّا أن نجد لها أجوبة:

إن إعطاء الأولوية لموضوع على موضوع آخر أمر طبيعي. ولهذا نعتبر أن البقاء في صحة جيدة لسنوات طويلة أحسن من أن نكون كذلك ليوم واحد فقط. ومن ناحية أخرى يعتبر الطالب سقوطه في مادة واحدة أقل خطورة من سقوطه في جميع المواد.

ولنتساءل: هل الإجابة الصحيحة عن تلك الأسئلة هي أقل أهمية من النجاح في امتحان دراسي؟ هل هي أقل أهمية من أن نكون في صحة جيدة طوال حياتنا؟ أو لنقل بعبارة أخرى: ما مدى أهمية ما يترتب عن الإجابة عن هذه الأسئلة الثلاث الأساسية؟

لنفحص معا ما يترتب عن الإجابة عن كل واحد من هذه الأسئلة.

لو عرفت من أين أتيت سأستنتج أنه يجب علي أن أشكر طوال حياتي المتسبب في وجودي… أو أن أعيش مع فكرة أن مصدر وجودي لا يمكن تفسيره جذريا. وهذان التصوران الأساسيان يدفعان نحو طريقتين مختلفتين جذريا للسير في الحياة! فلو عرفت من أين أتيت، سأعرف أيضا مصدر العالم المحيط بي لأن المسألتين مترابطتين، وبالتالي سأعرف بصفة أساسية ما يربطني بغيري من البشر والحيوانات والأرض والكواكب وما يميزني عنهم… فسلوكي مع كل ما يحيط بي سيتأثر جذريا بتلك المعرفة أو الإجابة.

وإذا عرفت إلى أين سأذهب بعد الموت، تلك البوابة إلى الزمن اللامحدود… وإذا عرفت كذلك سبب وجودي فسيكون بإمكاني أن أقرر إذا كان ما بعد الحياة يستحق أن أعمل له أو أن أتجاهله. فبالإجابة عن هذه الأسئلة سأتمكن من اختيار اتجاهي و طريقة حياتي بكل وضوح.

وبذلك نكون قد أتينا بأجوبة شاملة تصلح أن تكون علامات نسترشد بها لحل كل المشاكل الجزئية في الحياة اليومية. وبعبارة أخرى، الإجابة عن الأسئلة الأولية والأساسية، تعني:

  • التحديد الدقيق للغاية من حياتنا وقيمتها الفعلية.

  • معرفة ما هو أولوي ومصيري في الحياة وما هو ثانوي.

  • تحديد مقياس ثابت للأفعال يمكّننا من تصنيف ما يوافق أو يخالف وجهة نظرنا في الحياة.

  • ترسيخ أفكار أساسية تمكننا أن نستند عليها بثبات لكي نقيّم بوضوح الأحداث اليومية ومجرياتها.

بعد أن تعرفنا على أهمية ما يترتب على هذه المسائل الأساسية، هل نستطيع أن ندّعي أن هناك شيء أهم في حياتنا من حلّ هذه المسائل كلّها؟!

بالطبع لا! مهما كانت “خطورة” المشاكل في الحياة، فإنها تبقى دائما ثانويّة بالنّظر إلى مصدر وجودنا في مجمله ومكانتنا في هذا العالم ومآلنا بعد الموت.

والإجابة عن هذه الأسئلة الأساسية ليس بالأمر الهيِّن، فيكفي ملاحظة كل التناقضات في الرؤى والأفكار الموجودة حولنا حتى نتنبّه لصعوبتها. إذًا فلا مناص من أن تكون الطريقة والأدوات في مستوى التحدي. سنركز إذًا أولا على صلاحية تفكيرنا وجودة دراستنا.

سيكون هذا موضوع الجزء القادم والذي سيهتم بالتمهيدات الأولية قبل الدخول في صلب الموضوع ألا وهو: الإجابة الصحيحة عن الأسئلة الأساسية أو حل العقدة الكبرى.

منقوووووووووووووووول**

خَواطِر إيمانِيَّه

*المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي منتدى الزاهد.