المسألة الثامنة :
لقد اجمع المسلمون على قرآن واحد هو المتواتر بعد استبعاد الآحاد منه أي ليس لهم إلا قرآن واحد , وفي المقابل لم يجمعوا على كتاب واحد في الحديث , ولا يزال المسلمون مختلفون في الآحاديث , هذا أخذ ما لم يأخذه غيره , وهذا يردَ ما أثبته غيره , وآخر يستدرك على الصحاح , حتى وجدت عشرات كتب الحديث الصحيحة . ولو كانت أخبار الآحاد تفيد العلم لما جاز لهم . ولما جاز لأحدهم ترك شئ من حديث رسول الله بعد ثبوته عند غيره من المحدثين .
المسألة التاسعة :
عند تصنيف الحديث من حيث القوة والعلو في السند , جعل الفقهاء أقوى الأحاديث ما كان متفقاً عليه عند البخاري ومسلم وخرجاه في الصحيحين ويأتي دونه في المرتبة ما تفرد به البخاري دون مسلم وخرجه , ودونه ما كان على شرطي البخاري ومسلم ولم يخرجاه , ثم دونه ما كان على شرط البخاري ولم يخرجه , ثم دونه ما كان على شرط مسلم ولم يخرجه , ثم ما كان صحيحاً عند غيرهما وليس على شرطيهما .
وهذا يدل دلالة واضحة على أن خبر الواحد لا يفيد العلم عند الفقهاء ولو كان يفيد العلم لأصبحت كل الأحاديث درجة واحدة , ولا معنى لهذا التصنيف , وهذا مردود بإجماع .
المسألة العاشرة :
عند تعارض الأخبار وهذا أمر واقع بلا خلاف , يجري الترجيح بينهما ورد أحد المتعارضين , إما من جهة الرواية , وإما من جهة الدراية , وهناك تفصيل يطول بحثه عند جميع الفقهاء . وقول القائل إن خبر الواحد يفيد العلم يكون بذلك أبطل ما هو معمول به عند جميع الفقهاء في باب الترجيح بين الأدلة في الفقه الإسلامي لاستواء جميع الأخبار واستحالة رد أحدهما , وبذلك لا ينضبط للمسلمين فقه .
زد على ذلك اضطراب العقيدة , وهذا من أخطر الأمور على المسلمين عقيدة وفقهاً . وسأضرب أمثلة على ذلك :
المثال الأول :
فقد ورد في الصحيح أن الله تعالى خلق السموات والأرض في سبعة أيام . وهذا يعارض القطعي مما جاء في القرآن بنص على أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام . وبذلك يرد خبر الواحد ولا يعتقد بما فيه .
المثال الثاني :
وكذلك ورد في الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله ) . وورد في القرآن الكريم (( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر )) وهذا التعارض إذا جرى التوفيق بينهما وإزالة التعارض , يحمل الدهر في الآية على الزمن , وفي الحديث على أنه اسم من أسماء الله تعالى وبهذا نكون قد أزلنا التعارض ووقعنا في أمر اعتقادي حيث أثبتنا لله اسماً هو الدهر , وهذا مخالف لما عند المسلمين .
المثال الثالث :
وقد ورد أيضاً في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنَّ من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله دخل الجنة , وعندما قال معاذ لرسول الله عند سماعه , ألا أبشر بها يا رسول الله ؟ قال : لا , فيتكلون ) ثم يقول معاذ : " ولولا مخافة أن أموت كاتم علم ما حدثت به "
وهذا معارض للقرآن من عدة وجوه , يعارض قوله تعالى :" با أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك , فإن لم تفعل فما بلغت رسالته " . فكيف ينهى الرسول عن البلاغ ؟ وكيف يتوفى الله نبيه وهو لم يبلغ شيئاً من الوحي ؟ وهذا مناقض لعقيدة المسلمين . وكيف يكون من توفي عنهم رسول الله يتكلون , ومن توفي عنهم معاذ لا يتكلمون , فانظر رحمك الله لعظم الأمر وقبح القول وفحشه لمن يقول أن خبر الواحد يفيد العلم .
زد على ذلك ما ورد من التعارض الكثير في موضوع الأحكام الشرعية , فقد رد عمر خبر المرأة التي قالت إن زوجها طلقها في عهد رسول الله وجاءته ولم يجعل لها نفقة ولا سكنى , وقد رد عمر هذا الخبر على مسمع من الصحابة رضوان الله عنهم وكل هذا يبطل القول بأن خبر الواحد يفيد العلم .