حياة محمد ( صلى الله عليه وسلم )

حياة محمد وسموها

هذا الروح السامي في تسامحه هو الذي يجب أن يسود العالم إذا أريد أن تستقر في العالم كلمة السلام ليسعد الناس به. وهذا الروح هو الذي يجعل كل دراسة لحياة من أوحى الله هذا الكلام إليه، دراسة علمية خالصة لوجه العلم وحده، جديرة بأن تجلو أمام العلم من المسائل النفسية والروحية ما يهدي الإنسانية طريقها إلى الحضارة الجديدة التي تلتمسها. وكل تعمق في هذه الدراسة يكشف عن أسرار كثيرة ظن الناس زمنا أن لا سبيل إلى تعليلها تعليلا علميّا، ثم إذا مباحث علم النفس تفسرها وتجلوها واضحة للمتعقلين. فحياة محمد، كما رأيت، حياة إنسانية بلغت من السموّ غاية ما يستطيع إنسان أن يبلغ، وكانت لذلك أسوة حسنة لمن هداه القدر أن يحاول بلوغ الكمال الإنساني من طريق الإيمان والعمل الصالح. أيّ سموّ في الحياة كهذا السموّ الذي جعل حياة محمد قبل الرسالة مضرب المثل في الصدق والكرامة والأمانة، كما كانت بعد الرسالة كلها التضحية في سبيل الله وفي سبيل الحق الذي بعثه الله به، تضحية استهدفت حياته من جرائها للموت مرّات، فلم يصده عنه أن أغراه قومه، وهو في الذروة منهم حسبا ونسبا، بالمال وبالملك وبكل المغريات!

بلغت هذه الحياة الإنسانية من السموّ ومن القوّة ما لم تبلغه حياة غيرها، وبلغت هذا السموّ في نواحي الحياة جميعا. وما بالك بحياة إنسانية اتصلت بحياة الكون من أزله إلى أبده، واتصلت بخالق الكون بفضل منه ومغفرة! ولولا هذا الاتصال، ولولا صدق محمد في تبليغ رسالة ربه، لرأينا الحياة على كر الدهور تنفي مما قال شيئا. لكن ألفا وثلثمائة وخمسين سنة انقضت وما يزال بلاغ محمد عن ربه آية الحق والهدى. وبحسبنا على ذلك مثلا واحدا نضربه: ذلك ما أوحى الله إلى محمد أنه خاتم الأنبياء والمرسلين. انقضت أربعة عشر قرنا لم يقل أحد خلالها إنه نبيّ أو إنه رسول رب العالمين فصدّقه الناس. قام في العالم أثناء هذه القرون رجال تسنّموا ذروة العظمة في غير ناحية من نواحي الحياة فلم توهب لأحدهم هبة النبوّة والرسالة. ومن قبل محمد كانت النبوّات تتواتر والرسل يتتابعون فينذر كلّ قومه أنهم ضلّوا ويردّهم إلى الدين الحق، ولا يقول أحدهم إنه أرسل للناس كافة أو إنه خاتم الأنبياء والمرسلين، أمّا محمد فيقولها فتصدّق القرون كلامه. ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وهدى ورحمة للعالمين.

وغاية ما أرجو أن أكون قد وفقت لما قصدت إليه من هذا البحث، وأن أكون قد مهّدت به السبيل إلى مباحث في موضوعه أكثر استفاضة وعمقا. ولقد بذلت من الجهد في ذلك ما وسعته طاقتي وما يسرّه الله لي.

(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) «1» .


(1) سورة البقرة آية 286.

عصبة الأمم الإسلامية

ردّ النبي الأمراء إلى إماراتهم والملوك إلى ممالكهم. ولقد كانت بلاد العرب في آخر عهده عصبة أمم عربية إسلامية، ولم تكن فيها مستعمرة خاضعة لمكة أو ليثرب. كان العرب يومئذ جميعا سواسية أمام الله في إيمانهم المتين به وكانوا جميعا يدا واحدة على من اعتدى عليهم أو حاول فتنتهم عن دينهم. وظلت الأمم الإسلامية من بعد ذلك وإلى عهد الانحلال عصبة أمم إسلامية، مقرّ الخليفة فيها هو مقرّ العصبة. لم تستأثر دار الخلافة بالسلطة الروحية ولا استأثرت بالعلم ونوره؛ بل كانت كل الأمم الإسلامية لا تعرف سلطة روحية غير أمر الله. وكانت العواصم الإسلامية كلها عواصم للعلم والفن والصناعة؛ وظلّ ذلك شأنها حتى تغير المسلمون للإسلام، وأنكروا مبادئه الكريمة، ونسوا أخوّة المؤمنين، ونسوا أن المرء لا يكمل إيمانه حتى يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه. هنالك غلبت عليهم الأثرة. وهنالك لعبت السياسة المدمرة أدوارها فصار السيف حكما. ومن يأخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ. لذلك نهضت أوربا المسيحية منذ القرن الخامس عشر الميلادي إلى حياة روحية جديدة، ربما كانت تفيد العالم حقّا لولا أن أسرع إليها الفساد الذي لم يكن منه بدّ بسبب تفرّق المسيحية شيعا. على أنها في فترة النهوض هذه واجهت الأمم الإسلامية التي نسيت الإسلام فأخذتها بالسيف وظلّت ممعنة في أخذها به، ثم جعلته بينها وبين الأمم الإسلامية حكما. ومتى حكم السيف فقل على العقل وعلى العلم وعلى الخير وعلى المحبة وعلى الإيمان بل على الإنسانية نفسها العفاء.

وحكم السيف العالم اليوم هو سبب هذه الأزمة الروحية والنفسية التي يجتازها العالم ويئن من هولها. وقد آمنت الدول التي تحكم العالم بالسيف أثناء الحرب الكبرى الماضية، أي منذ عشرين سنة، بهذه الحقيقة فأرادت أن تقرّ حكم السلام في العالم، وأقامت عصبة الأمم لتحقيق هذه الغاية. وعهدة هذه العصبة تتلخص كلها في قوله تعالى: (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) «1» .

روح السلام في العالم

لكن روح السلام لم تسد العالم بعد؛ لأن أساس الحضارة الغالبة فيه هو الاستعمار؛ الاستعمار القائم على أساس القوميات وتنافسها ومحاولة كل دولة قويّة استغلال الدول الضعيفة. ومن حق كل أمة مغلوبة على أمرها، بل أوّل واجب عليها أن تعمل لتحطيم نير الغالب. ولذلك كان الاستعمار بذرة الثورة والحرب ونواتهما. فما بقي الاستعمار فلن يكون للسلام الغلب ولن تضع الحرب أوزارها إلا ظاهرا، وستظل الأمم ينظر بعضها إلى بعض نظرة التوجّس والحذر، بل نظرة التربّص للاغتيال. وأنّى يكون سلام وهذه النفسية باقية! إنما يكون السلام يوم يغيّر الناس في مختلف أمم الأرض ما بأنفسهم، ويوم يؤمنون بالسلام إيمانا حقّا، ويقيمون على أساسه تعاليمهم، ويجمعون أمرهم بإخلاص على الوقوف في وجه كل محاول تعكير صفوه.

وإنما يكون ذلك يوم لا يكون الاستعمار أساس حضارة العالم، ويوم يرى الناس جميعا في مختلف بقاع الأرض أن واجبهم الأوّل أن يعين قويّهم ضعيفهم، وأن يرحم كبيرهم صغيرهم، وأن يهذّب عالمهم جاهلهم وأن ينشروا لواء العلم في نواحي الأرض جميعا، حرصا على أن يسعد الناس به، لا على أن يتّخذ أداة لاستغلال الشعوب باسم العلم، وباسم الصناعة التي تستفيد من العلم.

يوم يؤمن العالم كله بهذا المبدأ، ويوم يشعر الناس جميعا بأن العالم كله وطن لهم وأنهم جميعا إخوة يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه- يومئذ يسود بين الناس التسامح وتسود بينهم المودّة، ويومئذ يتخاطبون بلغة غير التي يتخاطبون اليوم بها، ويتبادلون الثقة فيما بينهم وإن بعد بينهم المزار، ويعملون الخير جميعا لوجه الله؛ ويومئذ تنتفي الخصومة والبغضاء، وتعلو كلمة الحق ويسود السلام الوجود كله، ويرضى الله عن الناس ويرضون عنه.

يقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) «2» .

السمو في التسامح أساس السلام

أرأيت في باب التسامح أفسح من هذا الأفق!! من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم، لا فرق بين المؤمنين ومن لم تبلغهم دعوة الإسلام على حقيقتها من غير تشويه من اليهود والنصارى والصابئين «3» .

ويقول جلّ شأنه: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) «4» .

أين هذا مما يسود العالم اليوم باسم الحضارة الغربية، من تعصب للقومية وللدين وما يجرّه هذا التعصب من حروب وكوارث!


**(1) سورة الحجرات آيتا 9 و 10.

(2) سورة البقرة آية 62.

(3) روى الطبري في تفسير هذه الآية: أن الذين آمنوا هم الذين صدقوا رسول الله، والذين هادوا هم اليهود، وإنما سموا اليهود من قولهم إنا هدنا إليك أي تبنا. والنصارى هم أتباع عيسى؛ وتسميتهم النصارى هي في قول نسبة إلى الناصرة وهي القرية التي ولد بها عيسى بفلسطين وفي قول آخر لقول عيسى: من أنصاري إلى الله، فسمي أنصاره نصارى. والصابئون هم في رأي: الذين يعبدون الملائكة، وفي رأي آخر: قوم يقولون لا إله إلا الله وليس لهم كتاب ولا نبي ولا عمل إلا قول لا إله إلا الله، وفي رأي ثالث:: أن الصابئين لا دين لهم. وفسر ابن جرير الآية بأنه تعالى يعني بقوله (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) من صدق وأقر بالبعث بعد الممات يوم القيامة وعمل صالحا فأطاع الله فلهم أجرهم عند ربهم، أي فلهم ثواب عملهم الصالح عند ربهم. وأما قوله، (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) فإنه يعني به جل ذكره، لا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال القيامة ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الدنيا وعيشها عند معاينتهم ما أعد الله لهم من الثواب والنعيم المقيم عنده. وقد أورد بن جرير بعد ذلك أن هذه الآية نزلت في نصارى هدوا سلمان الفارسي إلى دينهم وذكر له أحدهم أن نبيا سيظهر في بلاد العرب ودله على إمارات نبوته ونصح له أن يتبعه إن لحقه. فلما أسلم سلمان وذكر للنبي أمر هؤلاء النصارى قال له النبي: هم يا سلمان من أهل النار، فاشتد ذلك على سلمان فأنزل الله هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا) إلخ. وفي رأي. أن الله نسخ هذه الآية بقوله: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) . لكن ابن جرير يضيف: إن الذي قلنا من التأويل الأول أشبه بظاهر التنزيل لأن الله جل ثناؤه لم يخصص بالأجر على العمل الصالح مع الإيمان بعض خلقه دون بعض منهم. والخبر بقوله من آمن بالله واليوم الآخر عن جميع ما ذكر في أول الآية. وربما أمكن القول تأييدا لرأي ابن جرير في تأويل الآية: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) أنها إنما تنصرف إلى المسلمين الذين يبتغون غير الإسلام دينا بعد أن ولدوا في الإسلام أو آمنوا به. فأما من ولد غير مسلم، ولم تبلغه رسالة الدعوة الإسلامية على حقيقتها من غير تشويه، فشأنه شأن الذين سبقوا رسالة محمد أو عاصروه ولم يعرفوا رسالته على حقيقتها (راجع تفسير الطبري الجزء الأول صفحة 253 إلى 257) .

(4) سورة آل عمران آية 199.**

مذهب المتأخرين من المسلمين

هذه الحال التي صوّرها الشيخ محمد عبده أدّت إلى ذيوع مبادئ متناقضة نشرها أصحابها على أنها من الإسلام وأنها بعض ما أمر به الله ورسوله. من هذه المبادئ مذهب الجبرية الذي صوّره المتأخرون تصويرا يخالف ما جاء في القرآن. قد رأيت تصوير القرآن لهذا المذهب فيما سبق. أمّا أولئك المتأخرون فدعوا إلى القعود والاستسلام، وقالوا إن العيش ليس بالسعي ولا التدبير، وإنما هو بالرزق وبالتقدير، دون أن يكون لعمل الإنسان فيه فضل. وهذه جبرية مخطئة أتاحت لبعض أهل الغرب أن يتّهم الإسلام بها باطلا من غير حق. ومن هذه المبادئ مذهب ازدراء المادة وعدم الأخذ منها بأيّ نصيب، وهذا مذهب الرواقيين اليونانيين، وهو مذهب انتشر في بعض العصور عند طوائف من المسلمين مع مخالفته لقوله تعالى: (وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا) . ومع هذه المخالفة كان لهذا المذهب أدب مترامي الأطراف في العصر العباسيّ وما بعده، والقرآن إنما يدعو إلى قصد السبيل؛ فلا يرضى هذا الحرمان، كما أنه لا يرضى الإباحية التي زعم إيرفنج أنها غمست المسلمين في الترف وصرفتهم عن الجهاد، وهو بالأمم الإسلامية إلى حيث هي اليوم.

الإسلام والمسيحية وقصد السبيل

ويزعم الكاتب الأمريكي أن المسيحيّة تدعو إلى الطهر والإيثار على نقيض ما يتقوّله هو على الإسلام.

ولست أريد أن أوازن بين الإسلام والمسيحية في هذه المسألة، لأنهما فيها متفقان غير مختلفين. وكثيرا ما تجرّ الموازنة إلى جدل وتنابز لا خير للمسيحية ولا للإسلام فيه. لكني ألاحظ، وأقف عند الملاحظة، أن بين سيرة عيسى عليه السلام وما ينسب إلى المسيحية، من دعوة إلى الرواقية والإمعان في الزهد، إختلافا بينا. فلم يكن المسيح رواقيّا؛ بل كانت أولى معجزاته أن أحال الماء خمرا في عرس «قانا الجليل» حيث كان مدعوّا، وحيث أراد ألا يحرم الناس الخمر بعد نفادها. وهو لم يكن يأبى دعوة الفريسيين إلى مادبهم الفخمة، ولا كان يأبى على الناس أن يستمتعوا بأنعم الله. وسيرة محمد في ذلك أشدّ إمعانا في قصد السبيل. صحيح أن عيسى كان يدعو الأغنياء إلى البرّ بالفقراء ومحبتهم من غير منّ. والقرآن في هذا وفي الدعوة إليه أبلغ ما عرف البشر، وقد تاكد القارئ من ذلك عند الكلام عن الزكاة وعن الصدقة، ما يغنينا عن معاودة القول فيه.

وحسبنا ردّا على إيرفنج وأمثاله أن القرآن دعا إلى قصد السبيل في كل شيء.

بقيت العبارة الأخيرة من كلام إيرفنج: هذه العبارة التي يعيرنا الغرب بمثلها على حين هي عار الغرب ووصمته وجرثومة القضاء على كبريائه وعلى حضارته. يقول إيرفنج: «إن بقاء الهلال حتى اليوم في أوربا، حيث كان يوما ما بالغا غاية القوّة، إنما يرجع إلى اختيار الدول المسيحية الكبرى، أو يرجع بالأحرى إلى تنافسها. ولعل الهلال باق ليكون دليلا جديدا على أن. «من أخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ» .

من أخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ

«من أخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ» ، هذه آية الإنجيل يوجهها إيرفنج باسم المسيحية إلى الإسلام. يا عجبا! لعل لإيرفنج من العذر أنه قالها منذ قرن مضى حيث لم يكن الإستعمار الغربيّ في تعبيرنا، المسيحي في تعبيره، قد بلغ من الشره والجشع ومن الأخذ بالسيف ما بلغ اليوم. ولكن الماريشال أللّنبي، الذي استولى على بيت المقدس في سنة 1918 باسم الحلفاء، قد قال مثل هذه العبارة إذ نادى عند هيكل سليمان: «اليوم انتهت الحروب الصليبية» . وقال الدكتور بيترسن سميث في كتابه عن سيرة المسيح: «إن هذا الإستيلاء على بيت المقدس كان حربا صليبية ثامنة أدركت المسيحية فيها غايتها» . ولقد يكون من الحق أن هذا الإستيلاء لم ينجح بمجهود المسيحيين، وإنما نجح بمجهود اليهود الذين سخّروهم ليحققوا حلم إسرائيل القديم فيجعلوا أرض المعاد وطنا قوميّا لليهود.

الإسلام لم يأخذ بالسيف

«من أخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ» . لئن صدقت كلمة الإنجيل هذه على قوم لهي أشدّ ما تكون صدقا اليوم على أوربا المسيحية. أما الإسلام فلم يأخذ بالسيف؛ ولن يؤخذ لذلك بالسيف. وأوربا المسيحية قد أخذت بالسيف في العصر الأخير إمعانا في الإباحية والترف مما ينسبه إيرفنج باطلا للإسلام والمسلمين. أوربا المسيحية تقوم اليوم بالدور الذي قام به المغول والتتار حين اتشحوا ظاهرا برداء الإسلام ثم فتحوا الممالك دون أن يبعثوا بتعاليم الإسلام فيها، فحقّت عليهم وعلى المسلمين الكلمة، وكان هذا التدهور والانحلال الذي أصاب الشعوب الإسلامية. وأوربا المسيحية اليوم أقلّ فضلا من أولئك التتار والمغول. فالممالك التي فتحها هؤلاء سرعان ما دخلت في الإسلام حين رأت عظمته وبساطته. أمّا أوربا فلا تغزو لتنشر عقيدة ولا لتدعو إلى حضارة. إنما هي تريد استعمارا، وتريد أن تجعل من العقيدة المسيحية مطية هذا الاستعمار. لذلك لم تنجح الدعابة التبشيرية الأوربية لأنها دعابة غير مخلصة. وهي لم تنجح ولن تنجح في الأمم الإسلامية خاصة؛ لأن عظمة الإسلام وبساطته وأخذه بحكم العقل والعلم لا تجعل لآية دعاية دينية أملا في النجاح بين أبنائه.

«من أخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ» . هذا حق. وهو إن انطبق على المتأخرين من المسلمين الذين غزوا ليفتحوا الممالك وليستعمروا لا ليدفعوا عن أنفسهم وعن عقيدتهم، لهو اليوم أشدّ انطباقا على هذا الغرب الذي يغزو ويفتح ليذلّ الشعوب ويستعمرها. فأمّا المسلمون الأولون من عهد النبي وخلفائه ومن جاؤا بعدهم فلم يغزوا للفتح والاستعمار، وإنما غزوا دفاعا عن عقيدتهم حين هدّدتها قريش وحين هدّدها العرب، ثم حين هدّدها الروم وهدّدها الفرس. وهم في هذا الغزو لم يفرضوا على أحد دينهم؛ فلا إكراه في الدين. وهم في هذا الغزو لم يقصدوا إلى الاستعمار، فقد ترك النبي ملوك العرب وأمراءها على إمارتهم وممالكهم؛ إنما أرادوا حرية الدعوة للعقيدة. ولما كانت العقيدة الإسلامية قوية بالحق الذي تنادي به، قوية بأنها لا تجعل فضلا لعربي على عجمي إلا بالتقوى، وبأنها لا تجعل لغير الله على الإنسان سلطانا، أسرعت إلى الانتشار في ربوع الأرض كلها كما تسرع كل حقيقة صادقة إلى الإنتشار. فلمّا جاء المتأخرون ممن دخلوا في الإسلام وغزوا للفتح وأخذوا بالسيف أخذوا من بعد ذلك بالسيف. لكن الإسلام لم يأخذ بالسيف ولن يؤخذ بالسيف. هو لم يأخذ بالسيف شيئا قط، بل استولى على العقول والقلوب والضمائر بقوّة سلطانه. لذلك تعاقبت على أممه دول حكمتها وقهرتها وتحكمت فيها؛ فلم يغير ذلك من إسلامها ولا غير من إيمانها. وما تزال أوربا الينوم تحكم الشعوب الإسلامية وتتحكم فيها، ولن يغير ذلك من إيمانها بالله شيئا. فأمّا الذين يأخذون المسلمين اليوم بالسيف فمصيرهم، كي تصدّق عليهم كلمة الإنجيل، أن يؤخذوا بالسيف جزاء وفاقا.

المال والبنون والباقيات الصالحات

ومع أن هذه الحجج دامغة في الغرض الذي سقتها له، فإنني لا أستطيع أن أغفل حجة أخيرة اعتبرها بالغة؛ تلك هي الحجة المستفادة من قوله تعالى: (الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا) «1» .

فليس شيء في الحياة يحفزنا للعمل والسعي كما يحفزنا كسب الرزق وطلب المال. ففي سبيل الله ينفق الأكثرون من الناس أعظم الجهد ويقومون بما يفوق الطاقة أحيانا. ونظرة يلقيها الإنسان على عالمنا الحاضر تنبئ عما يهتز به هذا العالم من دأب ومشقة، ومن سلم وحرب، ومن ثورات واضطرابات، في سبيل المال.

في سبيله تقلب الملوكيات جمهوريات، وفي سبيله تراق الدماء وتزهق الأنفس والبنون! أفلاذ أكبادنا التي تمشي على الأرض، أيّة مشقة لا نحتملها من أجلهم! وأيّ مرّ لا يحلو مذاقه ما دام يؤدي إلى طمأنينتهم وإلى كفالة رخائهم ومجدهم!! كل عسير يصبح في جانب سعادتهم يسيرا، وكل صعب يصبح في سبيل رضاهم سهلا.

بل إن من الناس من يستهين في سبيل المال والبنين بما يحسبه مستحيلا عليه لولا المال والبنون. ومن الناس من يبالغ في ذلك ليضحي في سبيله بهناءته، بل بحياته.

ومع ذلك فالمال والبنون زينة الحياة الدنيا. وليست الزينة شيئا إلى جانب الجوهر. ولا يضحّي بالجوهر في سبيل الزينة إلا الجهلاء والحمقى: إلا المرأة التي تستهين بصحتها لتظهر جميلة سويعة أو سويعات من زمان، وإلا الشابّ المغرور الذي يضحي بعقله وبكرامته وسط صحب يسخرون منه حين يحسب أنه سيدهم لأنه يبعثر بينهم ماله، وإلا أمثال هؤلاء من المأفونين الذين يخدعهم المظهر عن الحقيقة، واليوم عن الغد.

والذين يسعون لزينة الحياة من مال وبنين وينسون ما سواهما ليسوا أقل من هؤلاء أفنا وحمقا. فالمال والبنون زينة. أمّا جوهر الحياة فالباقيات الصالحات من أعمال الخير. ولهذه الباقيات الصالحات يجب أن نبذل من السعي والجهد أكثر مما نبذل لزينة الحياة من مال وبنين.

أرأيت سمو الغاية التي تصوّرها هذه الآية من الذكر الحكيم؟ فأنت إذا بذلت جهودك ودمك في سبيل الزينة؛ وجب أن تبذل روحك وقلبك في سبيل الجوهر، ووجب أن تخضع الزينة للجوهر ووجب لذلك أن تجعل كل حياتك وكل مالك وكل بنيك مقصودا بها هذا الجوهر من الباقيات الصالحات، فهي خير عند ربك ثوابا وخير أملا.

كيف انقلب تفكير المسلمين

كيف انقلب الأمر في تفكير المسلمين من هذا المنطق السليم الواضح إلى اعتقادات لا تتفق معه في شيء؟

أشرنا إلى ذلك لماما في البحث الأول من هذه الخاتمة حين أشرنا إلى تبدّل الأمر عند المسلمين بحكم الغزاة الذين توالوا على الإمبراطورية الإسلامية منذ انتهاء العهد العباسي، كما أشرنا في تقديم الطبعة الثانية إلى ما كان من تبدّل من الشورى في الصدر الأوّل إلى ذلك الملك العضوض أيام الأمويين، فإلى الحق الإلهيّ أيام العباسيين.

وبدع الكلمة الآن في شيء من تفصيل ذلك إلى المغفور له الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده؛ إذ يقول في كتاب «الإسلام والنصرانية» ما نصه:

أقوال الشيخ محمد عبده

«كان الإسلام دينا عربيّا، ثم لحقه العلم فصار علما عربيّا بعد أن كان يونانيّا، ثم أخطأ خليفة في السياسة فاتخذ من سعة الإسلام سبيلا إلى ما كان يظنه خيرا له. ظن أن الجيش العربي قد يكون عونا لخليفة علويّ؛ لأن العلويين كانوا ألصق ببيت النبيّ صلى الله عليه وسلّم. فأراد أن يتخذ له جيشا أجنبيّا من الترك والديلم وغيرهم من الأمم التي ظن أنه يستعبدها بسلطانه، ويصطنعها بإحسانه، فلا تساعد الخارج عليه ولا تعين طالب مكانه من الملك، وفي سعة أحكام الإسلام ما يبيح له ذلك. هنالك استعجم الإسلام وانقلب عجميّا.

«خليفة عباسيّ أراد أن يصنع لنفسه ولخلفه، وبئس ما صنع بأمته ودينه. أكثر من ذلك الجند الأجنبي وأقام عليه الرؤساء منه؛ فلم تكن إلا عشية أو ضحاها حتى تغلّب رؤساء الجند على الخلفاء واستبدّوا بالسلطان دونهم وصارت الدولة في قبضتهم. ولم يكن لهم ذلك العقل الذي راضه الإسلام، والقلب الذي هذّبه الدين، بل جاؤا إلى الإسلام بخشونة الجهل يحملون ألوية الظلم. لبسوا الإسلام على أبدانهم، ولم ينفذ منه شيء إلى وجدانهم. وكثير منهم كان يحمل إلهه معه يعبده في خلوته، ويصلي مع الجماعات لتمكين سلطته. ثم عدا على الإسلام آخرون كالتتار وغيرهم ومنهم من تولّى أمره. أيّ عدوّ لهؤلاء أشد من العلم الذي يعرّف الناس منزلتهم، ويكشف لهم قبح سيرهم! فمالوا على العلم وصديقه الإسلام ميلتهم، أمّا العلم فلم يحفلوا بأهله، وقبضوا عنه يد المعونة. وحملوا كثيرا من أعوانهم أن ينتظموا في سلك العلماء وأن يتسربلوا بسرابيله ليعدّوا من قبيله، ثم يضعوا للعامة في الدين ما يبغض إليهم العلم ويبعد بنفوسهم عن طلبه. ودخلوا عليهم وهم أغرار من باب التقوى وحماية الدين. زعموا الدين ناقصا ليكملوه، أو مريضا ليعلّلوه، أو متداعيا ليدعموه، أو يكاد أن ينقضّ ليقيموه.

«نظروا إلى ما كانوا عليه من فخفخة الوثنية، وفي عادات من كان حولهم من الأمم النصرانية، فاستعاروا من ذلك للإسلام ما هو براء منه. لكنهم نجحوا في إقناع العامة بأن في ذلك تعظيم شعائره، وتفخيم أوامره. والغوغاء عون القائم، وهم يد الظالم؛ فخلقوا لنا هذه الاحتفالات، وتلك الاجتماعات، وسنّوا لنا من عبادة الأولياء والعلماء والمتشبهين بهم ما فرق الجماعة، وأركس الناس في الضلالة، وقرروا أن المتأخر ليس له أن يقول بغير ما يقول المتقدّم، وجعلوا ذلك عقيدة حتى يقف الفكر وتجمد العقول. ثم بثوا أعوانهم في أطراف الممالك الإسلامية ينشرون من القصص والأخبار والآراء ما يقنع العامة بأنه لا نظر لهم في الشئون العامة، وأن كل ما هو من أمور الجماعة والدولة فهو مما فرض فيه النظر على الحكام دون من عداهم؛ ومن دخل في شيء من ذلك من غيرهم فهو متعرّض لما لا يعنيه؛ وأن ما يظهر من فساد الأعمال؛ واختلال الأحوال، ليس من صنع الحكام وإنما هو تحقيق لما ورد في الأخبار من أحوال آخر الزمان، وأنه لا حيلة في إصلاح حال ولا مال، وأن الأسلم تفويض ذلك إلى الله، وما على المسلم إلا أن يقتصر على خاصة نفسه.

ووجدوا في ظواهر الألفاظ لبعض الأحاديث ما يعينهم على ذلك، وفي الموضوعات والضعاف ما شدّ أزرهم في بث هذه الأوهام. وقد انتشر بين المسلمين جيش من هؤلاء المضلّين، وتعاون ولاة الشر على مساعدتهم في جميع الأطراف، واتخذوا من عقيدة القدر مثبّطأ للعزائم، وغلا للأيدي عن العمل. والعامل الأقوى في حمل النفوس على قبول هذه الخرافات إنما هو السذاجة وضعف البصيرة في الدين وموافقة الهوى. أمور إذا اجتمعت أهلكت. فاستتر الحق تحت ظلام الباطل، ورسخ في نفوس الناس من العقائد ما يضارب أصول دينهم ويباينها على خط مستقيم، كما يقال.

«هذه السياسة، سياسة الظلمة وأهل الأثرة، هي التي روّجت ما أدخل على الدين مما لا يعرفه، وسلبت من المسلم أملا كان يخترق به أطباق السموات، وأخلدت به إلى يأس يجاور به العجماوات … فجلّ ما تراه الآن مما تسميه إسلاما فهو ليس بإسلام، وإنما حفظ من أعمال الإسلام صورة الصلاة والصوم والحج ومن الأقوال قليلا منها حرّفت عن معانيها. ووصل الناس بما عرض على دينهم من البدع والخرافات إلى الجمود الذي ذكرته وعدوّه دينا. نعوذ بالله منهم ومما يفترون على الله ودينه. فكل ما يعاب الآن على المسلمين ليس من الإسلام وإنما هو شيء آخر سمّوه إسلاما» «2» .


**(1) سورة الكهف آية 46.

(2) الإسلام والنصرانية من صفحة 122 إلى 125.**

حكم العقل والإيمان بالخوارق

هذه الظاهرة هي الانفصال أو ما يشبهه أول الأمر بين حكم العقل ومنطقه والإيمان القائم على المعجزات والخوارق. فقد آزر الله كلا من أنبيائه بمعجزة لقومه حتى يصدقوه، ولم يصدقه مع ذلك منهم إلا القليل. ولم تكفهم عقولهم ومنطقها ليدركوا أن الله خلق كل شيء، وأنه الملك الحق لا إله إلا هو.

ولمّا قضى الله أن يبعث موسى من مصر، خرج منها قبل بعثه خائفا يترقب حتى ورد ماء مدين وتزوّج من أهلها. فلما أذن الله له أن يعود ( … نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ. وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ. اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ) «1» . ولم يؤمن سحرة فرعون بدعوة موسى حتى لقفت عصاه ما صنعوا. إذ ذاك ألقي السحرة سجّدا قالوا: آمنّا بربّ هارون وموسى. ومع ذلك ظلّ بنو إسرائيل في غيهم حتى قالوا لموسى أرنا الله جهرة. ولما قبض موسى عادوا يذكرون عبادة العجل. وجاءهم وليس هذا الحادث بالبعيد في ظلمات التاريخ، فهو لا يرجع إلى أكثر من خمسة وعشرين قرنا. وهو مع ذلك صريح في الدلالة على غلبة منطق الحس على منطق العقل، والتصوّر المادي على التصوّر الروحي؛ وبعد أن انقضت عليه خمسة قرون أو ستة جاء عيسى يدعو قومه إلى الله يؤيده الله بروح القدس من عنده. ولما كان عيسى يهوديّا، حسب اليهود أول ما نمى إليهم خبره، أنه نبيهم المنتظر ليرد إلى أرض المعاد ملكها المضاع، وكانوا أكثر لهفة على هذا الملك بعد أن طال عليهم حكم الرومان وقسوتهم. على أنهم انتظروا ليتبينوا الحق من أمر عيسى. أفتراه خاطبهم بمنطق العقل وحده؟ كلا! بل كانت المعجزة طريقة إلى إقناعهم. ولئن صحت الرواية المسيحية لقد كان تحويله الماء خمرا في عرس «قانا الجليل» أول ما لفت نظر الناس إليه. وبعد ذلك كانت معجزة الأرغفة والسمكات ومعجزات إبراء المرضى وإحياء الموتى هي التي طوّعت له أن يقوم بتعليم الناس من طريق القلب والعاطفة دون أن يكون للعقل ومنطقه الحظ الأوّل في تعاليمه. لكن هذا الحظ كان مع ذلك أوفر من حظّ من سبقه من الرسل. كانت تختلط في تعاليمه دعوة العاطفة إلى الرحمة والمغفرة والمحبة بدعوة عقلية غير مدعومة بالدليل المنطقيّ إلى ملكوت الله. فإذا تسرب الشك الى النفوس في أمر هذه الدعوة العقلية أذن الله بمعجزة جديدة تزيد الناس بالمسيح تعلقا وعليه إقبالا. وكان من معجزاته إبراء الأبرص والأكمه وإحياء الميت أن بلغت بمن اتّبعوه في تعلّقهم به مدى بعيدا، حتى حسبه بعضهم ابن الله، وحسب آخرون أنه الله تجسد على الأرض ليفتدي خطايا البشر. وهذا صريح في الدلالة على أن منطق العقل لم يكن إلى ذلك العهد قد بلغ من النضج ما يجعله وحده قديرا على إدراك الحقيقة العليا في أمر الخالق جلّ شأنه، وأنه أحد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

العلوم العقلية

في هذا الزمن الذي جاء فيه موسى وعيسى كانت علوم مصر الفرعونية وفلسفتها وتشريعها قد انتقلت إلى اليونان وإلى رومية، وغزت بسلطانها وبمنطقها الأفكار، وأوحت إلى الفلسفة اليونانية وإلى الأدب اليوناني خير ما فيهما. وكانت يقظة العقل ومنطقه قد نبّهت الناس إلى أن الخوارق لا تنهض بذاتها دليلا عقليّا على شيء.

وكان من أثر ذلك أن جعلت الفلسفة اليونانية من جوارها للمسيحية في مصر وفلسطين والشام ما عدّد مذاهب المسيحية، على ما أشرنا إليه في أثناء هذا الكتاب. وقد كتب الله في سنته أن يكون منطق العقل تاج هذه الحياة الإنسانية، على ألّا يكون منطقا جافيا خاليا من العاطفة ومن الروح، بل على أن يكون منطقا توفيقيّا، ينتظم العقل والعاطفة والروح جميعا حتى يستطيع اكتناه غاية ما تستطيعه الإنسانية من أسرار الكون. وكذلك كتب الله في لوح هذا الوجود أن يقوم نبيّ الإسلام داعيا إلى الحق بمنطق العقل تؤازره العاطفة والروح، وأن تكون معجزة هذا المنطق البالغة في الكتاب الكريم الذي أوحاه إلى نبيه، به أكمل الله للناس دينهم وأتمّ عليهم نعمته، وبه توّج الرسالات وختمها. وإنما كان ذلك بعد هذا المجهود العظيم المتصل الذي قام به الأنبياء والرسل ووجّهوا به الإنسانية في تطوّرها الروحي حتى بلغت الدعوة الإسلامية إلى صفاء التوحيد وإلى الإيمان بالله وحده.

ولتكمل هذه العقيدة أحيط الإيمان بها بما ذكرنا من فرائض في البحث الأوّل من هذه الخاتمة. وليصل المؤمن إلى الذروة منها يجب أن يدأب للوقوف على سنّة الله في الكون دأبا يتصل حتى يبعث الله الأرض ومن عليها. وهذا ما بدأ به المسلمون في الصدر الأول وفي العصر الذي تلاه حتى آن للزمن أن يدور دورته.هذه الحجج التي قدّمت تدحض ما أوّل به المستشرقون الجبريّة الإسلامية، وما أوّلوا به ما جاء في القرآن عن القضاء والقدر وكتاب الأجل. وهي تثبت بوجه لا يحتمل أيّ ريب، أن الإسلام دين سعي وكفاح وجهاد في نواحي الحياة الروحية والعلمية والدينية والدنيوية جميعا، وأن الله كتب في سنّة الكون أن الإنسان إنما يجزى بعمله، وأنه جلّ شأنه لا يظلم أحدا ولكن الناس أنفسهم يظلمون. وهم يظلمون أنفسهم حين يظنون أنهم يصلون إلى رضا الله بالقعود والتواكل باسم التوكل على الله.


(1) سورة القصص آيات من 30 إلى 32.

أعمال بني الإنسانية

وأعمالنا نحن بني الإنسان ليست خيرا كذلك لذاتها ولا شرّا لذاتها، بل للغاية التي توجّه إليها والأثر الذي يترتب عليها. أليس القتل إثما محرّما! لكن الله مع ذلك إذ يحرّم القتل يقول: (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) . والقتل بالحق لا إثم فيه. (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ) . والجلّاد الذي يقتل مجرما حكم عليه بالقتل، والرجل الذي يقتل نفسا دفاعا عن نفسه، والجندي الذي يقتل دفاعا عن وطنه، والمؤمن الذي يقتل حتى لا يفتنه أحد عن دينه، هؤلاء جميعا لا يرتكبون إثما ولا معصية حين يقتلون.

هم إنما يؤدّون لله حقّا فرضه الله عليهم ولهم عنه جزاء المحسنين. وما يقال في القتل يقال كذلك في غيره من الأعمال المتداولة بين الخير والشر. فالعالم الذي يكتشف بعض المدمرات للدفاع عن وطنه أو لما تفيد هذه المدمرات العالم حين السلم، وصانع الأسلحة وكل عامل وكل إنسان على الأرض، إنما يعمل الخير أو يرتكب المعصية حسب الوجهة التي يولي وجهه شطرها والأثر الذي يترتب على عمله.

باب التوبة

هذه إرادة الله وهي سنّته في الكون، ولمّا كان الله قد خلق الناس بعضهم فوق بعض درجات في الاستعداد لإدراك هذه السنّة، فجعل منهم من يحصرون كل نشاطهم في البقعة التي ينشأون فيها وهي تثميرها والقيام عليها، ووهب آخرين موهبة الصناعة، وجعل لغير هؤلاء وأولئك من المواهب في الأعمال والفنون والعلوم ما لا يتيسّر لهم معه الاهتداء إلى هذه السنّة، ولمّا كانت معرفتها أساسية للإنسان كي يهتدي في الحياة، فقد وهب لأفراد موهبة النبوّة واصطفى آخرين لرسالاته ليبينوا لنا الخير والشر، ووهب لآخرين مواهب العلم والمنطق ليكونوا ورثة الأنبياء فيهدونا إلى ما يجب علينا أن نعمله وما يجب علينا أن نتجنبه، وركّب فينا قوى العقل والعاطفة لندرك ما يلقى إلينا من التعاليم، فنروض أنفسنا برياضتها كي نحسن التوجه في الحياة إلى الخير وكي نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر. فإذا التبس الأمر مع ذلك على بعض الناس فارتكبوا المعصية فجزتهم الجماعة عن معصيتهم، احتفاظا بكيانها أن تجني هذه المعصية عليه، لم يكن ذلك سدّا بينهم وبين التوبة والأوبة إلى الحق. فمن ارتكب الخطيئة أو الإثم بجهالة ثم حاسب نفسه وغيّر ما بها وعاد إلى الله طائعا منيبا، غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وتاب عليه. ومن ثم كان للخاطئ والآثم أن يستفيد من عبر الأيام وأن يطهّر قلبه، وأن يرجع إلى طريق الحق تائبا فيقبل الله منه، إنه هو التوّاب الرحيم.

هذا التصوير للحياة. يوفّق ما بين مذاهب فلسفية شتى يحسب أصحابها أن لا سبيل إلى التوفيق بينهما. فهو صريح في أن الوجود إرادة (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) . والكون يمثل ما يقع عليه الحس وما ينقطع الحس دونه. وللكون سنن ثابتة نستطيع في حدود علمنا الواقعيّ أن نقف منها على ما يهديناا العقل إليه، وما يزداد بازدياد مجهودنا للكشف عنه. والخير قوام الكون. ولكن الشرّ يغالبه فيه ويكاد يتغلّب عليه أحيانا. ومغالبة الخير للشر هي هذا التطوّر المنشئ الذي خطا بالكون وبالإنسانية خطوات واسعة حتى بلغت من طريقها إلى الكمال ما بلغته اليوم.

التطور الرّوحي في الحياة

وأنت ترى أن هذا التصوير ينطوي على فكرة التقدّم إلى الكمال كخير ما عرف التفكير الفلسفي تصويرا من نوعه. يدلّك على ذلك، فضلا عما سبق تصوير القرآن للتطور الروحي في الحياة منذ خلق الله الأرض ومن عليها. فقد خلق الله السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش. أفهذه الأيام الستة من أيامنا على الأرض أم هي أيام يصح فيها قوله تعالى: (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) «1» . ليس هذا محل بحثنا وإن وجدت فيه نظريّة التطوّر، وإنه بعض سنة الله في الكون، مجالا للقول فسيحا. وخلق الله آدم وحواء وقال للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى. ولم يردّ إبليس عن إبائه أن علّم الله آدم الأسماء كلها. قال تعالى: (وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ. فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ. وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ. فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ. قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ.

قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ. قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ. يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) «2» . وهبط آدم وحوّاء من الجنة بعض ذرّيتهما لبعض عدوّ. هبطوا يجاهدون في الحياة بما وهب لهم الله من قوّة، وتتعاقب فيها أجيالهم حتى تتم كلمة ربك.

القسوة والتعصب أول الأمر

وكانت القسوة وكان التعصّب أوّل مظهر لحياة الإنسان على الأرض. يقول تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ. إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ.

فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ. فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ.

مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) «3» .

وظاهر ما في قتل الأخ أخاه من استئثار وحسد وقسوة طبع وغلظ كبد. لكن الأخ التقيّ الذي يخاف الله لم يرد، حين قال له أخوه: لأقتلنّك، أن يستغفر الله له، بل قال له: إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار، وهذه غلبة الطبيعة الإنسانية ومنطق القصاص على السموّ الروحي وجمال العفو.

وكثر بنو آدم على الأرض وأرسل الله إليهم النبيين مبشرين ومنذرين. لكنّهم أصرّوا على ضلالهم، وبقيت حياتهم الروحية جامدة وقلوبهم مقفلة. أرسل نوحا إلى قومه فنادى فيهم: أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم، فكذّبه قومه وما آمن معه إلا قليل. وتواترت النبوّات بعد نوح، وتواترت الرسالات بالدعوة إلى الله وحده؛ فتغلب جمود الناس عليها وقعدت عقولهم دون إدراكها واتخذوا من مظاهر الخلق آلهة. وكلما جاءهم رسول من عند ربهم ففريقا كذبوا وفريقا يقتلون. لكن جمودهم تزعزع بتواتر الرسالات التي كانت بذورا صالحة أبطأ نباتها، غير أنها تركت مع ذلك أثرها. وهل ذهبت كلمة الحق ضياعا أو هباء في يوم من الأيام!. ولئن دفع الغرور الناس لينأوا بجانبهم عنها وليستهزئوا أكثر الأمر بصاحبها لقد كانوا يستعيدونها إذا خلوا إلى أنفسهم يسألونها عن مبلغ الحق فيها. وكان الذين يدركون ما تنطوي عليه من حق قلة وكانوا يستكبرون.

كانت مصر على عهد الفراعنة يؤمن كهنتها بالوحدانية، ويعلّمون الناس غيرها ويعددون لهم آلهتهم.

وإنما دعاهم إلى ذلك حرصهم على الاحتفاظ بسلطانهم على الناس وجاههم فيهم؛ حتى لقد حاربوا موسى وأخاه هارون حين جاآ يدعوان فرعون إلى الله ويطلبان أن يرسل معهما بني إسرائيل.

ويذكر القرآن نبأ هؤلاء الأنبياء الذين تعاقبوا على الإنسانية أجيالا طوالا فظلّت ممعنة في الضلال إلا قليلا هدى الله إلى الحق. وفي قصص الأنبياء ظاهرة يقف عندها النظر، ويحسن بنا، لبيانها، أن نرجع إلى عهد موسى وعيسى وما كان بعدهما من رسالة محمد عليه السلام.


**(1) سورة الحج آية 47.

(2) سورة الأعراف الآيات من 19- 27.

(3) سورة المائدة الآيات من 27- 32.**

الفكرة الفلسفية في الجبرية الإسلامية

ولو أدرك المستشرقون الجبرية الإسلامية على نحو ما صوّرناها هنا لقدّروا فكرتها الفلسفية البالغة غاية السموّ، العميقة غاية العمق، والتي تصوّر الحياة تصويرا يصف أدق النظريات العلمية والفلسفيّة التي وصل إليها التفكير في مختلف عصوره، وما ناله فيها من تطوّر وتقدّم. وهذه الفكرة الفلسفيّة الإسلامية فكرة توفيقية لا تضيق بالجبرية العلمية، ولا بالعالم كإرادة وتمثّل، ولا بالتطور المنشئ «1» ، بل هي تسلك هذه المذاهب جميعا في نظامها على أنها بعض سنن الكون والحياة. ولئن لم يتّسع المقام هنا لبسط هذه الصورة لأحاولنّ مع ذلك إيجازها بكل ما أستطيع من دقة ووضوح. وأحسب الذين يتلون ما أكتب يوافقونني على أن سموّ الفكرة وانفساح مداها وعمقها قد بلغ الغاية من كل ما نعرف من نظريات حتى اليوم، وأنها تفسح الطريق إلى ما قد يسمو إليه الفكر الإنساني من بعد.

وأريد قبل أن أبدأ هذا الإيضاح الوجيز أن أثبت هنا ملاحظتين أرجو ألّا ينساهما في هذا المقام أحد:

أولاهما أنني لا أقصد من ذلك إلى معارضة نظرية مسيحية. فما جاء به عيسى قد أقرّه الإسلام كما ذكرت غير مرة في غضون هذا الكتاب. وإنما جاء الإسلام جامعا ومتّوجا للنبوّات والرسالات التي سبقته. ولقد أثبتت الأناجيل قول المسيح لأصحابه: «ما جئت لأنقض الناموس ولكن جئت لأكمله» . كذلك أثبت القرآن إيمان المسلمين بإبراهيم وموسى وعيسى والنبيين من قبل. وإنما جاء الإسلام مكملا لما أرسلهم الله به، مصححا لما حدث من تحريف أتباعهم الكلم عن مواضعه والثانية أن المذهب الفلسفي الإسلامي الذي استنبطته من القرآن قد سبقني إليه غيري، ولكن على نحو غير النحو الذي أقرره اليوم؛ وإنما اهتديت في هذا النحو بهدى القرآن ونهجت فيه نهج الطريقة العلمية الحديثة. فإن وفّقني الله للصواب فله جل شأنه الفضل والمنة. وإن جفاني التوفيق في شيء منه كان من أكبر التحدث بنعمة الله أن يهديناي أولو العلم إلى ما جفاني التوفيق فيه.

وأوّل ما يقرّره القرآن أن لله في الكون سننا ثابتة لا تحويل لها ولا تبديل. والكون ليس أرضنا وما عليها وكفى، ولا هو محصور فيما يقع عليه حسّنا من كواكب وأفلاك، وإنما الكون مجموع ما خلق الله من محسوس وغير محسوس، حاضر وغيب. وحسبك أن تتصوّر هذا لتدرك حقّا أننا لم نؤت من العلم إلا قليلا. فهذا الأثير بيننا وبين الكواكب، وهذه الكهربا التي تملأ الأثير وتملأ أرضنا، وهذه الأبعاد الشاسعة التي تفصل بيننا وبين الشمس وما هو أبعد من الشمس من أفلاك. وما وراء الأفلاك التي تبعد عن الشمس بألوف السنين الضوئية؛ ثم ما وراء ذلك من لا نهايات لا سبيل لخيالنا أن يحيط بها وعند الله علمها- هذا كله يجري على سنّة ثابتة لا تتغيّر. وما مع نعرفه من هذا كله معرفة علمية، على حدّ تعبيرنا اليوم، قليل يختلط فيه الخيال بالواقع، ثم يتضاءل الواقع إلى جانب الخيال حتى يبلغ غاية الضالة، ثم يبقى هذا الواقع مع ذلك غاية ما نعلم وما نقيم عليه أقيستنا وما نقرّر على ضوئه ما نسميه سنن الكون والحياة. ولو أننا أردنا أن نطلق للخيال عنانه لنتصوّر ضالة هذا الذي نعرف لانفسح أمامنا مجال الأمثال بما يضيق عنه هذا المقام. افترض مثلا أن أهل المرّيخ أقاموا عندهم «مذيعا» قوّته مائة مليون كيلوات ليسمعونا أهل الأرض ما يدور عندهم وليرونا إياه من طريق (التليفيزيون) أترانا بعد ذلك نستطيع أن نمسك علينا عقولنا؟ والمرّيخ ليس أبعد الكواكب عنا ولا أشدّها ازورارا عن الاتصال بنا.

وهذا الكون الذي لم نؤت من علمه إلا قليلا يؤثّر كلّ ما فيه في وجود أرضنا وما عليها. فلو أنّ واحدا من هذه الأفلاك اختلف بقدر من الله مداره، لتغيّرت سنّة الكون، ولتغيرت لذلك حياتنا القصيرة الضئيلة المتأثرة بكل ما حولنا، وبأتفه ما حولنا. وهي أكثر تأثرا وخضوعا بطبيعة الكون لعظائم ما في الكون وجلائله.

وهي في تأثرها ذاك قد تسلك سبيل الخير وقد تنحرف عنها. وهي في سلوكها هذه السبيل وفي انحرافها عنها لا تندفع في هذه أو أو تلك من الناحيتين بحكم ما يؤثر فيها من عوامل الحياة وحده، بل بحكم استعدادها كذلك لتلقّي آثار الحياة، وسلطانها على ذاتها في تلقي هذه الآثار. ورب عامل معيّن أثر في نفوس كثيرين آثارا مختلفة، فاندفعت كل واحدة منها إلى ناحية، كانت إحداها الفيصل بين الخير والشر، ثم كانت سائرها درجات نحو الخير ودرجات نحو الشر.

فما في الحياة من خير أو شرّ إنما هو أثر لما يقع بين عوامل الحياة والنفس الإنسانية من تفاعل. ومن ثمّ كان الخير والشر بعض ما في الكون من آثار سننه الثابتة، وكان لذلك من مستلزمات وجوده، كما أن السالب والموجب من مستلزمات وجود الكهربا، وكما أن وجود بعض المكروبات من مستلزمات الحياة لجسم الإنسان.

وليس شيء شرّا لذاته ولا خيرا لذاته، بل للغاية التي يوجّه إليها، وللأثر الذي يترتب عليه. فما يكون شرّا أحيانا يكون ضرورة ملحّة وخيرا محضا أحيانا أخرى. ومن المدمّرات التي تستعمل في الحروب لإهلاك ملايين بني الإنسان وتخريب أبدع ما أقام الناس من الآثار ما له أيام السلم أكبر الفائدة. فلولا الديناميت لتعذّر شق الأنفاق ومدّ السكك الحديدية خلالها؛ ولتعذّر الكشف عن المناجم التي تحتوي أثمن الكنوز وأنفس الأحجار والمعادن. والغازات الخانقة التي يلقي المحاربون قذائفها على الوادعين من أبناء الأمة التي تحاربهم،

والتي تعتبر لذلك عارا وشنارا على الإنسانية ومظهرا من مظاهر وحشيتها وجبنها؛ هذه الغازات تصلح في السلم لأغراض نافعة أعظم النفع، منقذة للإنسانية من كثير من الأمراض المعدية وأهوالها. فمن هذه الغازات ما تنقى به المياه من المكروبات الضارّة كغاز الكلور، ومنها ما يصلح في حياة السفن إذ يقتل بعضه الجرذان فيها، ويدلّ بعضه على مواطن الغازات الآخرى التي تعرّض حياة الملّاحين للخطر.

وقديما خيّل إلى الناس أن من الحشرات والطيور والحيوان ما لا فائدة البتة من وجوده، ثم تبين لهم بعد البحث والدرس ما لهذه الحشرات والطيور والحيوان من فائدة للإنسان، حتى لقد صدرت في ممالك مختلفة قوانين تحمي هذه الخلائق من القتل أو الصيد تقديرا لخيرها للإنسانية. والذين درسوا هذه الخلائق قد لاحظوا أنها أشدّ حرصا على مسالمة الحياة المحيطة بها في حدود الاحتفاظ بوجودها كي تقوم بقسطها من الخير الذي فطرت على القيام به، وأنها لا تؤذي إلا دفاعا عن نفسها حين يهاجمها مهاجم أو يغريها مغر بالأذى.


(1) الجبرية العلمية، والعالم كإرادة وتمثل، والتطور المنشئ، مذاهب فلسفية غربية يقول بأولها الفلاسفة الواقعيون، (positivistes) ، ويقول شوبنهور بالثاني، ويقول برجسن بالثالث، ولا يتسع المقام لشرحها.

المراجع العربية

  • القرآن الكريم.

  • تفصيل آيات القرآن الحكيم، لچول لابوم، نظمه بالعربية محمد فؤاد عبد الباقي.

  • كتب الحديث.

  • تفسير الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (مطبعة بولاق الأميرية سنة 1329 هـ) .

  • أسباب النزول لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، وبهامشه الناسخ والمنسوخ، لأبي القاسم هبة الله بن سلامة أبي النصر (مطبعة هندية سنة 1315 هـ) .

  • الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، لأبي جعفر النحاس (مطبعة السعادة) .

  • زاد المعاد في هدى خير العباد، لشمس الدين أبي عبد الله الدمشقي المعروف بابن القيم الجوزي (المطبعة اليمنية بمصر سنة 1324 هـ) .

  • سيرة سيدنا محمد رسول الله، المعروفة بسيرة ابن هشام، لأبي محمد عبد الملك بن هشام (طبعة جتنجن سنة 1274 هـ بعناية المستشرق وستنفلد) .

  • الطبقات الكبرى، لمحمد بن سعد كاتب الواقدي (بمطبعة برل بليدن سنة 1322 هـ) . عنى بطبعه وتصحيحه إدورد سخوّ.imp.brill.leiden

  • المغازي، لأبي عبد الله محمد بن عمر الواقدي (طبعة البعثة المعمدانية المسيحية بكلكتا سنة 1855 م) .

  • تاريخ الرسل والملوك، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (مطبعة برل بليدن) . عنى به بارت ونلدكي.

  • المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، لأحمد بن محمد بن أبي بكر الخطيب القسطلاني (مطبعة شاهين) .

  • البداية والنهاية في التاريخ، لابن كثير الدمشقي (مطبعة السعادة) .

  • الشفاء للقاضي عياض (نسخة خطية بمكتبة جعفر ولي) .

  • الأصنام، لابن الكلبيّ (مطبعة دار الكتب المصرية) .

  • الإعلام بأعلام بيت الله الحرام، لقطب الدين النهرواني (مطبعة بركهاوس بلييزج) .

  • أخبار مكة، لأبي الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد الأزرقي (مطبعة بركهاوس بليپزج brockhaus leipzig )

  • فجر الإسلام للأستاذ أحمد أمين.

  • في الأدب الجاهلي، للدكتور طه حسين.

  • قصص الأنبياء، للأستاذ الشيخ عبد الوهاب النجار.

  • الوحي المحمدي، للسيد محمد رشيد رضا صاحب المنار.

  • تفسير الفاتحة ومشكلات القرآن، عن الشيخ محمد عبده.

  • الإسلام والنصرانية، للشيخ محمد عبده (مطبعة المنار) .

  • الرحلة الحجازية، لمحمد لبيب البتانوني.

  • اليهود في بلاد العرب، للدكتور إسرائيل ولفنسون.

  • محمد المثل الكامل، للأستاذ محمد أحمد جاد المولى.

  • الإسلام الصحيح، لمحمد إسعاف النشاشيبي.

  • فتح العرب لمصر، للدكتور ألفرد بتلر، ترجمة الأستاذ محمد فريد أبو حديد (مطبعة دار الكتب المصرية) .

  • مفتاح كنوز السنة لفنسنك، ترجمة محمد فؤاد عبد الباقي (مطبعة مصر) .

  • الإسلام والتجديد في مصر، تأليف تشارلس آدمز وترجمة الأستاذ عباس محمود.

  • دائرة معارف القرن العشرين، للسيد محمد فريد وجدي.

المراجع الأجنبية

  • the spirit of islam, by sayed ameer aly.

-life of mahomet ,by washington irving.

  • life of mohammed, by sir william muir.

-the prophet ofthe desert ,by khaled goba.

  • mohammad, by margoliouth.

-heroes and hero worship ,by tohomas carlyle.

  • la vie de mahomet, par emile dermenghem.

-essai surlhistorire des arabes ,par caussin de perceval.

  • lislam, par lammens.

-les grands inities ,par eduouard schure.

  • dictionnaire larousse, art. mahomet.

-encyclopaedia britannica ,art mahomet.

  • historians history of the world.

تقدير وشكر

نوّهت، في آخر الطبعة الأولى لهذا الكتاب؛ بما بذله لي المغفور له محمد طلعت حرب باشا، وكان يومئذ مدير بنك مصر وشركاته، من مختلف صور العون، فكان له فضل معاونتي أكبر المعاونة في الإسراع إلى إصدار الكتاب وفي أن أجعل من نسخ تلك الطبعة العشرة الآلاف ألفا للجمعية الخيرية الإسلامية. ونوّهت كذلك بتأنّق المرحوم محمود بك خاطر مدير مطبعة مصر يومئذ تأنقا أظهر الكتاب لقرّائه في خير ثوب له. وذكرت معاونة المرحوم الأستاذ عبد الرحيم محمود المصحح بدار الكتب في تصحيح الكتاب وضبط الأعلام والآيات فيه، كما ذكرت ما للأساتذة الخطاطين محمد حسني، وسيد إبراهيم، والمرحوم مصطفى بك غزلان من فضل في تنسيق صحفه الأولى، وما للأساتذة إبراهيم الأبياري، وعبد الحفيظ شلبي والشيخ أحمد عبد العليم البردوني، وعلي أحمد الشهداوي، المصححين بدار الكتب، من مجهود في وضع فهارسه. وأشرت إلى الأستاذ علي فودة الذي كان عوني وعون الأستاذ عبد الرحيم محمود في التصحيح. واعتذرت لسائر من عاونوني عن عدم ذكر أسمائهم مخافة أن يجني النسيان على بعضهم، وكررت الشكر لهؤلاء جميعا حين صدرت الطبعة الثانية.

وقد تواتر العون منذ ظهور الطبعة الأولى إلى أن تمت الطبعة الثانية من كثيرين لا أنسى لهم فضلهم. فقد تفضل الأستاذ الشيخ أحمد مصطفى المراغي وكان يومئذ مدرسا بكلية اللغة العربية بالأزهر، فراجع الكتاب في نسخته الخاصة وبعث بها إليّ وعلى هوامشها بعض ملاحظات لغوية أخذت بالكثير منها في الطبعة الثانية.

كذلك أرسل إليّ غير واحد مثل هذه الملاحظات، فأعرتها ما هي جديرة به من العناية. وأرسل إليّ بعض الأصدقاء مؤلفات لهم راجعتها، واستعنت بها. من ذلك كتاب صديقي الفلسطيني الأستاذ إسعاف النشاشيبي (الإسلام الصحيح) . ومنها كتابان للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، أحدهما (مفتاح كنوز السنة) الذي ترجمه عن المستشرق فنسنك ثم أكمله، والآخر (تفصيل آيات القرآن الحكيم) الذي وضعه على نظام المستشرق جول لا بوم. وهذا الكتاب الأخير جم الفائدة لكل من أراد الرجوع إلى القرآن في مباحثه؛ فهو يجمع ما جاء في الكتاب في كل موضوع جمعا دقيقا نظامه غاية الدقة. وقد رجعت فيما خلا ذلك إلى كتب أخرى أضفتها إلى سجل المراجع.

ومنذ بدأت الطبعة الثانية بمطبعة دار الكتب رأيت رجال الدار جميعا يبدون من العناية بالكتاب ما لا يبدي إنسان أكثر منه لو أن الكتاب كان كتابه. كان ذلك شأن مدير الدار يومئذ الأستاذ محمد (بك) أسعد برّاده، ومدير المطبعة الأستاذ محمد نديم، وشأن القسم الأدبي كله بدار الكتب برياسة المرحوم الأستاذ أحمد زكي العدوي. وكم من مرة شاركني رجال هذا القسم الأدبي في تحقيق بعض مسائل اختلفت عليها كتب الحديث وكتب السيرة، كي تصل إلى غاية ما يستطاع من الدقة والضبط وكم من مرة اشتركنا في تحقيق لفظ من الألفاظ، أو تركيب من التراكيب من حيث اللغة وعلومها، لتنفي كل دخيل على الكتاب ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. والقسم الأدبي هو الذي وضع من هوامش الكتاب التنبيه إلى مواضع الآيات من سور القرآن، وشرح بعض الألفاظ اللغوية التي رآها في حاجة إلى الشرح.

وقد تفضل المغفور له الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي فاطلع على ما جدّ في الطبعة الثانية من فصول.

أما العناية بالطبع وإخراج الكتاب لقرائه على ما رأوه من دقة وتأنق فيرجع فضلها إلى الأستاذ محمد نديم مدير المطبعة وإلى أعوانه من رجال الفن في الطباعة. وهم في ذلك إنما يعملون بقوله عليه السلام: «إن العبد إذا عمل عملا أحبّ الله أن يتقنه» .

ورأيت حقّا عليّ، عند الطبعة الثالثة، أن أضاعف الشكر لرجال دار الكتب وللقائمين على مطبعتها.

فقد حالت مشاغلي دون الاشتراك في هذه الطبعة بأكثر من مراجعة التجارب الأخيرة والإذن بالطبع. فأما ما خلا ذلك من وضع عناوين الصفحات ومن المزيد في دقة الضبط، فالفضل فيه لهم، ولما بيني وبين رجال الدار جميعا، وعلى رأسهم مديرها يومئذ الدكتور منصور فهمي باشا من مودّة صادقة.

لذلك فإن كل شكر أبذله لهم وكل تقدير مني لجميلهم دون مجهودهم قدرا. فليتولّ الله جزاءهم على حسن صنيعهم. وعنده جلّ شأنه حسن الجزاء.

واليوم، ولمناسبة هذه الطبعة الرابعة التي طبعت من جديد بمطبعة مصر، أرى حقّا عليّ أن أشكر للأستاذ يوسف بهجت مدير المطبعة وللأستاذ محمد إبراهيم عثمان رئيسها ولجميع رجال مطبعة مصر ما بذلوا من همة وعناية، حتى خرج الكتاب في هذا الثوب القشيب من الدقة وجمال الطبع وأناقته. كما أشكر للأستاذ أحمد عبد العليم البردوني معاونته الصادقة في ضبط فهرس هذه الطبعة.

وفي هذه الطبعة الخامسة يسرني أن أشكر للدكتور سيد نوفل مدير الإدارة التشريعية بمجلس الشيوخ، دقة المراجعة لتجاربها ولتجارب الطبعة الرابعة.

وأحمد الله وأرجو أن يوفقنا للخير ولحسن أداء واجبنا في الحياة.

محمد حسين هيكل

عمل الخير عبادة

وما البرغوث وما الحصاة وما الإنسان إلى جانب الكون؟! بل ما الإنسانية كلها إلى جانب الكون؟ هذا الكون الفسيح يحاول خيالنا العاجز تصوير حدوده بالزمان والمكان وبالأزل والأبد، وبأمثال هذه الألفاظ التي لا سبيل لنا غيرها إلى أن نرسم لأنفسنا صورة من الكون ناقصة غاية النقص، يتفق نقصها مع ما أوتينا من العلم، وما أوتينا من العلم إلا قليلا. وهذا القليل قد هدانا إلى أن سنّة الله في الكون سنّة نظام وعدل لا تبديل لها ولا تحويل. وإنما نهتدي إلى هذه السنّة وقد جعل الله لنا السمع والأبصار والأفئدة لنشهد بديع صنعه ونقف في الكون على سنّته، فنسبّح بحمده ونعمل الخير بأمره. وعمل الخير عن إيمان هو أرقى مظهر لعبادة الله لقوم يعقلون.

الموت خاتمة حياة وبدء حياة

فأمّا الموت فخاتمة حياة وبدء حياة. لذلك لا يجزع منه إلا الذين ينكرون الحياة الآخرة ويخشونها لسوء صنيعهم في الحياة الدنيا. أولئك لا يتمنّون الموت بما كسبت أيديهم؛ وإنما يتمنى الموت صدقا المؤمنون حقّا والذين عملوا في الدنيا صالحا.

يقول تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) «1» . ويقول جل شأنه مخاطبا نبيّه: (وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ. كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ) «2» . ويقول: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً. بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) «3» . ويقول: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) «4» .

هذه الآيات قويّة غاية القوّة تنقض ما يقال عن دعوة الجبرية الإسلامية للقعود وعدم السعي. فالله خلق الموت والحياة ليبلو الناس أيّهم أحسن عملا. وعملهم في الحياة، وجزاؤهم عنه بعد الموت. فإذا لم يعملوا، وإذا لم يمشوا في مناكب الأرض ويأكلوا من رزق الله، وإذا لم يصّدّقوا مما آتاهم الله، وإذا لم يؤثروا على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، عصوا الله، وكان من يفعل ذلك كله أحسن منهم عند الله عملا وأحسن في الآخرة جزاء ومثوبة. والله يبلونا في الحياة بالخير والشرّ فتنة. وعلينا أن نميّز بعقولنا بين الخير والشرّ. فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرّة شرّا يره. ولئن لم يصبنا إلا ما كتب الله لنا ليكونن ذلك أشدّ إمعانا بنا في سبيل الخير لنرى الخير. وسواء علينا بعد ذلك اختارنا الله إليه أقوياء عاملين مجاهدين، أم رددنا إلى أرذل العمر لكيلا نعلم من بعد علم شيئا. فليس مقياس الحياة عدد السنين التي يقضي المرء فيها، وإنما مقياسها ما يقوم به الإنسان فيها من أعمال باقيات صالحات. والذين يتوفّون في سبيل الله أحياء عند ربهم، وهم أحياء بيننا بذكرهم. وكم من أسماء باقية على مرّ الدهور والقرون لأن أصحابها وهبوا أنفسهم ومجهوداتهم للخير؛ فهم بيننا معشر الأحياء وإن كان الله قد اختارهم إليه منذ مئات السنين.

(فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) . هذا هو الحق، وهو وحده الذي يتفق مع سنّة الكون. فللإنسان أجل لا يعدوه، كما أن للشمس وللقمر مواقيت للكسوف والخسوف لا تتغير، لا تستقدم ولا تستأخر. وهذا الأجل المحتوم أدعى إلى أن يسارع الإنسان إلى الخيرات، وأن يعمل صالحا، وأن يبذل في ذلك كل جهده؛ فهو لا يدري متى تكون منيّته، فإذا جاءت فجزاؤه ما قدّم. وإن أمامنا كل يوم لدليلا على أن الأجل قدر لا مفرّ منه، فمن الناس من يأتيه الموت فجأة ولا يعرف أحد له مرضا. ومنهم المريض الذي يكافح مرضه ويئن من أهواله عشرات السنين حتى يردّ إلى أرذل العمر. وطائفة من الأطباء اليوم يقولون إن الإنسان يولد وفي تكوينه جرثومة انتهاء حياته، وإن الأمد الذي تعمل فيه هذه الجرثومة لتبلغ غايتها يمكن معرفته لو استطعنا معرفة الجرثومة نفسها. ومعرفة هذه الجرثومة ليس بالأمر المستطاع، فهي قد تكون مادية في الجسم كامنة في عضو من أعضائه الرئيسية أو غير الرئيسية، وقد تكون معنوية في التفكير متصلة بتلافيف المخ تدفع صاحبها إلى المغامرة وإلى المخاطرة، أو إلى الشجاعة والإقدام. والله الذي أحاط بكل شيء علما، عنده علم الساعة التي تحين فيها منية كل إنسان بحكم سنّة الكون التي لا تحويل لها ولا تبديل.

رسل الله من أبناء الشعب

ومن آيات رحمته جلّ شأنه أنه لا يعذّب حتى يبعث رسولا يهدي الناس إلى الحق ويبين لهم سبيل الخير، ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابّة، لكنه يؤخّرهم إلى أجل مسمّى ليسمعوا إلى الرسل فيتّبعوا الهدى ولا تغرّهم الحياة الدنيا بزخرفها … ولم يبعث الله رسله من الملوك ولا من الأغنياء وذوي الجاه ولا من العلماء؛ وإنما بعثهم من أبناء الشعب. فإبراهيم نجّار وأبوه نجّار. وعيسى نجّار الناصرة. وغير واحد من الأنبياء كانوا رعاة غنم؛ ومن هؤلاء خاتمهم عليه الصلاة والسلام. وإنما يبعث الله رسله من أبناء الشعب ليدلّ عباده على أن الحقيقة ليست في ملك الأغنياء ولا الأقوياء بل هي في ملك من يبتغي الحق لوجه الحق وحده. والحقيقة الأزلية الخالدة أن المرء لا يكمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم؛ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ولا تجزون إلا ما كنتم تكسبون. والحقيقة الكبرى أن الله حق، لا إله إلا هو.

الموت خاتمة حياة وبدء حياة؛ خاتمة الحياة الدنيا وبدء الحياة الآخرة. ولسنا نعلم من أمر الحياة الدنيا إلا قليلا. لسنا نعلم إلا ما تتصل به حواسّنا، وترشدنا إليه عقولنا، وتكشف لنا عنه قلوبنا. أمّا الحياة الآخرة فلا علم لنا من أمرها إلا ما علّمنا الله منه. وسنن الكون فيها غيب علينا، علمه عند عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال. فحسبنا ما ذكر الله في كتابه العزيز من أمرها وأنها دار الجزاء، ولنعدّ أنفسنا في الدار الدنيا بعملنا وبعزمنا أمورنا وبتوكلنا بعد ذلك على الله لهذا الجزاء العدل؛ فأمّا ما وراء ذلك فأمره لله وحده.

أفيرى الذين يلفون لفّ واشنطون إيرفنج من المستشرقين وغير المستشرقين مبلغ خطئهم في تصوير الجبرية الإسلامية؟ إننا لم نثبت هنا شيئا غير ما ورد في القرآن الكريم؛ لأننا لا نريد أن نضع الأمر موضع مجادلة في آراء المتكلمين والمتصوّفة وغيرهم من فرق المسلمين وفلاسفتهم. وإيرفنج أبلغ خطأ حين يزعم أن القضاء والقدر وكتاب الأجل إنما نزل ما نزل من القرآن فيه بعد غزوة أحد ومقتل حمزة سيّد الشهداء فيها. فمن الآيات التي اقتبسنا هنا آيات مكية نزلت قبل الهجرة وقبل أن تبدأ غزوات المسلمين. وإنما يقع إيرفنج ومن على شاكلته في هذا الخطأ لأنهم لا يعنّون أنفسهم ببحث مسألة هذا مبلغ خطرها بحثا علميّا دقيقا، بل يصوّرون لأنفسهم عن الإسلام الفكرة التي تتفق مع ميولهم المسيحية ثم يلفقون لها الدليل بما تهوى أنفسهم، ظنّا منهم أن دليلهم يقنع قرّاءهم ثم لا يفنده بعدهم أحد.


**(1) سورة الملك آية 2.

(2) سورة الأنبياء آيتا 34، و 35.

(3) سورة الجمعة الآيات من 5 إلى 7.

(4) سورة الأنعام آية 60.**

أفيرى أولئك المستشرقون سمو الجبرية الإسلامية وانفساح مداها؟! وهل يرون فساد ما يزعمونه من أنها تدعو إلى القعود عن السعي أو قبول المذلة أو الرضا بالخضوع لغير الله!؟ ثم هي من بعد تجعل باب الرجاء في مغفرة الله ورحمته مفتوحا دائما لمن تاب وأناب. فما يزعمونه من أنها تدعو المسلم إلى النظر لما يصيبه من خير أو شر على أنه بعض ما كتب الله فيقعد لذلك صابرا محتملا الضرّ والمذلّة، بعيد عن الحقيقة في أمر هذه الجبرية التي تدعو إلى دوام الدأب ابتغاء رضا الله، وإلى عزم الأمر قبل التوكل على الله. فإذا لم يوفق الإنسان للخير اليوم، فليعمل لعله يوفق له غدا؛ وله من دائم الرجاء في الله أن يسدد خطاه وأن يتوب عليه وأن يغفر له، خير حافز إلى التفكير المتصل والسعي الدائب لبلوغ الغاية من رضا الله، إيّاه يعبد وإياه يستعين، منه جل شأنه الهدى، وإليه يرجع الأمر كله.

ما أعظم القوّة التي تبعثها هذه التعاليم السامية إلى النفس! وما أوسع أفق الرجاء الذي تفتحه أمامها! فأنت موفق للخير ما ابتغيت بعملك وجه الله. وأنت إن أضلك الشيطان مقبولة توبتك ما غالب عقلك هواك فغلبه وعاد بك إلى الصراط المستقيم. والصراط المستقيم هو سنة الله في خلقه، سنة نهتدي إليها بقلوبنا وعقولنا، وبتفكيرنا فيما خلق الله، وبدأبنا في السعي لمعرفة أسراره. فإذا ظلّ من الناس بعد ذلك من يشرك بالله، ومن يبغي الفساد في الأرض، ومن يعميه الإستئثار عن كل معنى من معاني الأخوة، فإنما هو المثل الذي يضربه الله للناس ليروا عاقبة أمر الله فيه لتكون لهم العبرة من مثله. وهذا عدل الله في الناس ورحمته بهم جميعا، لا يحول دونهما ولا يحدّ منهما أن يضلّ ضال فيناله العذاب جزاء ما قدمت يداه.

ولكن! لماذا يفكر الناس ولماذا يعملون والموت لهم بالمرصاد، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون؟ ولماذا يفكر الناس ولماذا يعملون وقد كتب للسعيد منهم أن يكون سعيدا وعلى الشقي منهم أن يكون شقيّا؟ هذا تكرار للسؤال الذي أجبنا عنه سقناه قصدا، لننظر في مسألة كتاب الأجل من ناحية أخرى: فما كتب الله إنما هو سنّة الكون من قبل أن يبرأ الكون، ومن قبل أن يقول له كن فيكون، ولا أدلّ على دقة هذا التصوير من قوله تعالى: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) . ومعنى هذا أن الرحمة صفة لله وسنّة من سننه في الكون وليست فرضا فرضه على نفسه؛ فالفرض لا يجوز عليه جلّ شأنه. ويقول الله تعالى:

(وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) . فإذا ضلّ قوم لم يبعث الله لهم رسولا قضت سنّة الله ألا يعذّب منهم أحدا. وعلم الله باثار سنته في الكون بديهيّ لكل من آمن بأن الله هو الذي خلق الكون. فإذا بعث الله لقوم رسولا ثم قضت سنّة الكون ومشيئة الله فيه أن يصرّ إنسان من هؤلاء القوم على الضلال بعد إذ دعي إلى الهدى، فإساءته على نفسه وهو لغيره عبرة ومثل.

ومن السذاجة القول بأن هذا الذي ضلّ فجوزي بضلاله قد ظلم ما دام الضلال قد كتب عليه. نقول من السذاجة بدل أن نقول من التجديف؛ لأن أبسط قسط من التفكير يهديناا إلى أن من ضلّ يظلم نفسه ولا يظلمه الله. وقد يكفينا في بيان ذلك مثل الأب البار العطوف يدني النار من طفله، فإذا أراد أن يمسكها بعد بها عنه مشيرا إليه أنها تحرقه. ثم هو يدنيها منه مرّة بعد مرة، ولا بأس بأن تحترق إصبع الطفل كي يكون له من حسه الذاتي ما ينبهه إلى الحقيقة الملموسة التي تظل ماثلة أمامه طيلة حياته. فإذا أقدم بعد رشاده فأمسك بالنار أو ألقى بنفسه فيها فجزاؤه ما يصيبه منها، ولا تثريب على أبيه، ولا يطلب أحد إلى هذا الأب أن يحول بينه وبينها. كذلك مثل الأب الذي يدل ابنه على مضرّة القمار أو الخمر، فإذا بلغ الابن رشاده واجترح ما نهاه عنه أبوه فأصابه الشر لم يكن أبوه ظالما إياه، وإن كان في مقدوره أن يحول بينه وبين ما يصنع. وأبوه أبعد عن ظلمه

إن كان في ترك الابن يجترح من ذلك ما يجترح مزدجر وعبرة لأهله وإخوته، فإذا كان الأهل والإخوة يعدّون بالمئات أو بالألوف في مدينة كثرت فيها أسباب الغواية بطبيعة نواميسها، فمن الخير ومن العدل أن يكون فيما يصيب بعض هؤلاء من الآثار المحتومة جزاء أعمالهم ما تستقيم به أمور هذه الجماعة على أسف منها لما أصاب الظالمين من أبنائها. وهذه أبسط صور العدل على ما نتصوره في جماعتنا الإنسانية، فما بالك بها حين نتصورها بالنسبة للعالم كله وملايين الملايين من خلائقه في لا نهايات الزمان والمكان! إن ما يصيب فردا أو جماعة بظلمهم، في هذه الصورة التي يكاد يعجز عن تصورها خيالنا، إنما هو العدل في أبسط صوره.

لو أننا نسبنا الظلم لأب ترك ابنه الذي ضل يلقى جزاء ضلاله ما دام الضلال قد كتب عليه، لحق علينا أن ننسب الظلم لأنفسنا لأننا نقتل برغوثا يؤذينا اتقاء وخوفا من عدوى ينقلها إلينا قد تكون وبالا علينا وعلى الجماعة إذا انتقلت منا إلى غيرنا، أو لأننا نفتّت حصاة في المرارة أو الكلى خيفة ما تجره علينا من آلام وشقوة، أو لأننا نبتر عضوا من أعضائنا مخافة أن يستشري منه الفساد إلى سائر الجسم فيقتله. ولو أننا لم نفعل، لأن ذلك قد كتب علينا، ثم شقينا أو هلكنا فلا نلومنّ إلا أنفسنا بما يصيبنا من السوء ما دام الله قد فتح لنا باب الشفاء كما فتح للمذنب باب التوبة. والجاهلون وحدهم هم الذين يقبلون الألم والشقاء زعما منهم أنه كتب عليهم؛ وذلك حماقة منهم وسخف. فكيف بنا ونحن نرى قتل البرغوث واستئصال الحصاة وبتر العضو المريض عدلا كل العدل، وإن كان قد كتب في سنة الكون أن يؤذي البرغوث وأن ينقل إلى الإنسان العدوى وأن تفسد الحصاة وأن يفسد العضو المريض سائر الجسد فيقضي عليه- كيف بنا ونحن نرى هذا ألا نعتبر سذاجة بلهاء لا مسوّغ لها إلا الإستئثار الضيق الأفق أن نقف من أمر هذه العدالة عند ذواتنا، وألّا نعدّيها إلى الجماعة الإنسانية كلها، وألّا نعدّيها أكثر من ذلك إلى الكون كله!؟

القرآن والقضاء والقدر

ألم يعتمد هؤلاء الذين ينسبون تواكل المسلمين في هذه العصور الأخيرة إلى دينهم على ما جاء في القرآن من آيات القدر، كقوله تعالى: (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا) «1» . وكقوله:((وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) «2» . وكقوله: (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) «3» . وكقوله: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) «4» .

إن يكن ذلك ما يعتمدون عليه فقد فاتهم معنى هذه الآيات وأمثالها، وما تصوره من صلة وثيقة بين العبد وربه، ودعاهم ذلك إلى الظن بأن الإسلام يدعو إلى التواكل مع أنه الدين الذي يدعو إلى الجهاد وإلى الإستشهاد وإلى الإباء والأنفة، كما يقيم حضارته على أساس من الإخاء والرحمة.

والواقع أن هذه الآيات وما جرى مجراها تصور حقيقة علمية قرّرتها كثرة فلاسفة الغرب وعلمائه وأطلقوا عليها مذهب الجبرية كذلك، ونسبوا الجبر فيها إلى سنّة الكون ومجموع الحياة فيه بدل أن ينسبوها إلى الله وعلمه وقدرته. وهذا المذهب الذي تقرّه كثرة فلاسفة الغرب أقلّ سعة وتسامحا وانطباقا على خير الجماعة الإنسانية من المذهب الفلسفي الذي يستخلص من القرآن الكريم، كما سنرى من بعد. وهذه الجبرية العلمية تذهب إلى أنّ ما لنا من اختيار في الحياة إنما هو اختيار نسبي ضئيل القدر وأن القول بهذا الإختيار النسبي يرجع إلى ضرورات الحياة الإجتماعية من ناحية عملية أكثر مما يرجع إلى حقيقة علمية أو فلسفية. فلو لم يتقرر مذهب الاختيار لتعذّر على الجماعة أن تجد أساسا تقيم عليه تشريعها، وحدودها، وتنظم بذلك حياتها، وتفرض به على كل إنسان جزاء تصرّفاته جزاء جنائيّا أو مدنيّا. صحيح أن بين العلماء والفقهاء من لا يقيمون أساس الجزاء على الجبر ولا على الاختيار، وإنما يقيمون على ما يحدث من ردّ الفعل الذي تقوم به الجماعة محافظة على كيانها، كما يقوم الفرد بمثله محافظة على كيانه. وسيان عند الجماعة إذ تقوم برد الفعل هذا أن يكون الفرد مختارا وأن يكون غير مختار. على أن الاختيار في التصرّف ما يزال الأساس للجزاء عند أكثر الفقهاء، ودليلهم عليه أن مسلوب الحرية والاختيار، كالمجنون والصغير والسفيه، لا يجزى عن عمله ما يجزى الرشيد الذي يميز بين الخير والشر. فإذا تخطينا هذه الاعتبارات العملية في الفقه والتشريع وأردنا أن نخلص إلى الحقيقة العلمية والفلسفية، ألفينا الجبرية هي هذه الحقيقة. فليس لأحد اختيار للعصر الذي يولد فيه، ولا للأمة التي يولد من أبنائها، ولا للبيئة التي ينشأ بينها، ولا لأبويه وفقرهما وغناهما، وفضلهما ونقصهما، ولا لأنه ذكر أو أنثى، ولا لما يحيط به من أحداث لها، أغلب الأمر، الأثر الأكبر في توجيه أعماله وحياته. وقد عبّر الفيلسوف الفرنسي «هيبّوليت تين» عن هذا المذهب بقوله: «المرء ثمرة بيئته» . وقد ذهب غير واحد من العلماء والفلاسفة في تأييد ذلك إلى حدّ القول بأن علمنا لو استطاع أن يصل من معرفة سنن الحياة الإنسانية وأسرارها إلى مثل ما وصل إليه من معرفة سنن الأفلاك، لاستطاع أن يحدّد بالدقّة مصير كل فرد وكل أمة، كما يحدّد الفلكيون بالدقة مواقيت كسوف الشمس وخسوف القمر. مع ذلك لم يقل أحد في الغرب ولا في الشرق بأن هذا المذهب الجبري يحول بين المرء والسعي للنجاح في الحياة أو يحول بين الأمم والوثوب إلى خير مكان، ولم يقل أحد بأن هذا المذهب يؤدّي إلى تدهور الأمم التي تأخذ به. هذا مع أن المذهب الجبريّ في الغرب لا تؤيّده في السعي والعمل آيات كالتي تلوت من آيات القرآن عن تبعة الإنسان عن عمله (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى) . أفلا ينهض هذا وحده دليلا على تحامل المستشرقين الذين يزعمون أن جبريّة الإسلام قد أدّت إلى تدهور الأمم الآخذة به؟

بل إن الجبرية الإسلامية لأكثر حضّا على السعي إلى الخير والفضل وإلى ابتغاء الرزق من الجبرية الغربية. فكلتاهما متّفقة على أن للكون سننا لا تحويل لها ولا تبديل، وأن ما في الكون جميعا خاضع لهذه السنن، وأن الإنسان خاضع لها خضوع سائر ما في الكون. لكن الجبرية الغربيّة تخضع المرء لبيئته ووراثته خضوع إذعان لا محيص عنه ولا مفرّ منه وتجعل إرادة الإنسان بعض ما يخضع لبيئته، فلا سبيل له لذلك إلى أن يغير نفسه. فأمّا القرآن فيدعو إرادة كل فرد للتوجّه بحكم العقل إلى ناحية الخير، ويذكر لهم أنه إذا كان قد قدّر لهم الخير فيما كسبت أيديهم، وأنهم لا ينالون هذا الخير اعتباطا من غير سعي.

يقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) «5» . ففي مقدورهم إذا أن يفكروا وأن يتدبّروا بعد أن هداهم الله بكتبه إلى الواجب عليهم، وبعد أن دلّهم أنبياؤه ورسله على طريق الحق، وبعد أن دعوا إلى النظر في الكون وتدبّر سننه ومشيئة الله فيه. ومن يؤمن بهذا، ومن يوجّه نفسه وجهته، فلن يصيبه إلا ما كتب الله عليه. فإذا كان قد كتب عليه أن يموت في سبيل الحق أو الخير الذي أمر الله به فلا خوف عليه، وهو وأمثاله أحياء عند ربهم يرزقون، أية دعوة إلى الإقدام وإلى السعي وإلى الإرادة كهذه الدعوة؟ وأين فيها ما يزعم إيرفنج والمستشرقون من تواكل؟!

التواكل ليس من التوكل على الله في شيء. فالتوكل على الله لا يكون بقعود المرء والتخلف عن أمر ربه، بل بالعمل الجدّيّ لما أمر به. وذلك قوله تعالى: (فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) . فالعزم والإرادة يجب إذا أن يسبقا التوكل. وأنت ما عزمت ثم توكلت على الله بالغ نهاية أمرك بفضل منه. وأنت ما ابتغيت وجهه وحده، وما خشيته وحده، وما سلكت سبيله وحده، مهتد إلى الخير بحكم سنة الله في الكون، وسنّة الله لا تحويل لها ولا تبديل. وأنت بالغ هذا الخير، أدّى بك سعيك إلى النجاح والفوز، أو أدى بك إلى الموت. وما ينالك من الخير فمن عند الله. أمّا ما يصيبك من مكروه فيما كسبت يداك وباتباعك سبيلا غير سبيل الله.

فالخير كله بيد الله، والضلال والشر من نزع الشيطان وعمله …

أمّا علم الله بكل ما يقع في الوجود قبل أن يبرأ الله الوجود، وأنه جلّ شأنه (لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) «6» فيرجع إلى أن الله برأ للكون سننا لا تحويل لها ويجب أن تنشأ عنها آثارها. وإذا كان العلماء يذهبون إلى ما قدمنا من أن العلم الواقعي يستطيع إذا عرف أسرار الحياة الإنسانية وسننها، أن يعرف ما قدّر لكل فرد ولكل أمة على وجه اليقين، كما يعرف مواقيت الكسوف والخسوف، فإن الإيمان بالله يقتضي حتما الإيمان بعلمه بكل شيء من قبل أن يبرأ العالم. وإذا كان المهندس الذي يصنع «تصميم» دار أو قصر ويراقب تنفيذ هذا التصميم، يستطيع أن يعلم مدى ما يعيش هذا البناء وما قد تتعرض له أجزاؤه المختلفة على مضيّ السنين، وكان علماء الاقتصاد يذهبون إلى أن السنن الاقتصادية تهداهم على سبيل القطع إلى معرفة ما ينشأ في حياة العالم الاقتصادية من أزمة أو رخاء، فإن مناقشة علم الله بكل صغيرة وكبيرة مما خلق في الكون تجديف لا يقبله عقل منطقي. وهذا العلم لا يصح أن يقف الناس عن التفكير في مالهم، والعمل جهد الطاقة لاتباع جادة الحق وتنكب طريق الضلال؛ فعلم الله غيب عليهم وهم مهتدون آخر الأمر إلى الحق ولو بعد حين. والله قد كتب على نفسه الرحمة، وهو يقبل توبة التائب من عباده ويعفو عن كثير. وما دامت رحمته وسعت كل شيء فليس لإنسان أن ييأس من الاهتداء إلى الحق والخير ما دام ينظر في الكون ويتدبر ما فيه. وليس لإنسان أن يقنط من رحمة الله إذا هداه نظره آخر الأمر سبيل الله. وإنما الويل لمن ينكر إنسانيته ويستكبر عن النظر والتفكير ابتغاء الهدى. أولئك يعاندون الله ولا يبتغون وجهه، وأولئك ختم الله على قلوبهم، فلهم جهنم ولهم سوء الدار.


**(1) سورة آل عمران آية 145.

(2) سورة الأعراف آية 34.

(3) سورة الحديد آية 22.

(4) سورة التوبة آية 51.5)

(5) سورة الرعد آية 11.

(6) سورة سبأ آية 3.**

إسلام عمر بن الخطاب

وكان عمر بن الخطاب يومئذ رجلا في فتوّة الرجولة، بين الثلاثين والخامسة والثلاثين. وكان مفتول العضل، قويّ الشكيمة، حاد الطبع، سريع الغضب محبّا للهو والخمر، وفيه إلى ذلك برّ بأهله ورقة لهم.

وكان من أشدّ قريش أذى للمسلمين ووقيعة فيهم. فلما رآهم هاجروا إلى الحبشة ورأى النجاشي حماهم، شعر لفراقهم بوحشة، وبما لفراقهم وطنهم من ألم يحزّ في الكبد ويفري المهجة. وكان محمد يوما مجتمعا مع أصحابه الذين لم يهاجروا في بيت عند الصفا، ومن بينهم عمّه حمزة وابن عمه عليّ بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة وغيرهم من سائر المسلمين. وعرف عمر اجتماعهم، فقصد إليهم يريد أن يقتل محمدا كي تستريح قريش وتعود إليها وحدتها بعد أن فرّق أمرها وسفّه أحلامها وعاب آلهتها ولقيه نعيم بن عبد الله في الطريق وعرف أمره فقال له: «والله لقد غشتك نفسك من نفسك يا عمر! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على وجه الأرض وقد قتلت محمدا؟! أفلا ترجع إلى أهل بيتك وتقيم أمرهم!» ، وكانت فاطمة أخت عمر وزوجها سعيد بن زيد قد أسلما. فلما عرف عمر من نعيم أمرهما كرّ راجعا إليهما ودخل البيت عليهما، فإذا عندهما من يقرأ عليهما القرآن. فلما أحسّوا دنوّ داخل عليهم اختفى القارئ وأخفت فاطمة الصحيفة. وسأل عمر: ما هذه الهيمنة التي سمعت؟ فلما أنكرا صاح بهما: لقد علمت أنكما تابعتما محمدا على دينه، وبطش بسعيد.

فقامت فاطمة تحمي زوجها فضربها فشجّها. فهاج إذ ذاك هائج الزوجين وصاحا به: نعم أسلمنا، فاقض ما أنت قاض. واضطرب عمر حين رأى ما بأخته من الدم، وغلبه برّه وعطفه، فارعوى وسأل أخته أن تعطيه الصحيفة التي كانوا يقرؤن. فلما قرأها تغيّر وجهه وأحس الندم على صنيعه، ثم اهتزّ لما قرأ في الصحيفة وأخذه إعجازها وجلالها وسموّ الدعوة التي ندعو إليها، فزاد جانب البر غلبة عليه. وخرج وقد لان قلبه واطمأنت نفسه؛ فقصد إلى مجلس محمد وأصحابه عند الصفا. فاستأذن وأعلن إسلامه، فوجد المسلمون فيه وفي حمزة للإسلام منعة وللمسلمين حمّى.

وفتّ إسلام عمر في عضد قريش، فأتمرت مرة أخرى ما تصنع. والحقّ أن هذا الحادث عزّز المسلمين بعنصر جديد قويّ غاية القوة، جعل موقف قريش منهم وموقفهم من قريش غير ما كان، واستتبع ما بين الطرفين سياسة جديدة مليئة بأحداث وتضحيات وقوىّ جديدة أدّت إلى الهجرة وإلى ظهور محمد السياسيّ الى جانب محمد الرسول.

سفارة عثمان بن عفان

ثم إنه عليه السلام حاول أن يمتحن صبر قريش مرة أخرى بإرسال رسول يفاوضهم؛ فدعا إليه عمر بن الخطاب كي يبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له.

قال عمر: «يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي، وليس بمكة من بني عديّ بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إيّاها وغلظتي عليها. ولكني أدلك على رجل أعزّ بها مني: عثمان بن عفان» . فدعا النبي عثمان زوج ابنته وبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش. فخرج عثمان في رسالته، فلقيه لأوّل ما دخل مكة أبان بن سعيد فأجاره الزمن الذي يفرغ فيه من رسالته. وانطلق عثمان إلى سادة قريش فأبلغهم رسالته.

قالوا: يا عثمان؛ إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. قال ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول الله، إنما جئنا لنزور البيت العتيق ولنعظم حرمته ولنؤدي فرض العبادة عنده. وقد جئنا بالهدي معنا، فإذا نحرناها رجعنا بسلام. وأجابت قريش بأنها أقسمت لن يدخل محمد مكة هذا العام عنوة. وطال الحديث وطال احتباس عثمان عن المسلمين، وترامى إليهم أن قريشا قتلته غيلة وغدرا. ولعل سادة قريش كانوا في هذه الأثناء يبحثون مع عثمان عن صيغة توفقّ بين قسمهم ألا يدخل محمد هذا العام مكة عنوة، وبين حرص المسلمين على أن يطوفوا بالبيت العتيق ويؤدّوا إلى رب البيت فرضه. ولعلهم قد أنسوا إلى عثمان وكانوا في هذه الأثناء يبحثون وإيّاه عن تنظيم علاقاتهم بمحمد وتنظيم علاقات محمد بهم.

بيعة الرضوان:

مهما يكن من الأمر فقد قلق المسلمون بالحديبية على عثمان أشدّ القلق، وتمثّل أمامهم غدر قريش وقتلهم إيّاه في هذا الشهر الذي لا تجيز فيه أديان العرب جميعا لعدوّ أن يقتل في حرم الكعبة ولا في حرم مكة عدوه، وتمثل أمامهم غدر قريش برجل ذهب إليهم في رسالة سلم وموادعة، ووضع كلّ منهم يده على قبضة سيفه؛ سمة النذير وسمة البطش والغضب. ودخل في روع النبي عليه السلام أن قريشا قتلت عثمان فغدرت في الشهر الحرام فقال: «لا نبرح حتى نناجز القوم» . ودعا أصحابه إليه وقد وقف تحت شجرة في هذا الوادي فبايعوه جميعا على ألا يفرّوا حتى الموت. بايعوه وكلهم ثابت الإيمان، قويّ العزيمة. ممتليء حماسة للانتقام ممن غدر وقتل. بايعوه بيعة الرضوان التي نزل فيها قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) «1» .

فلمّا أتمّ المسلمون البيعة ضرب عليه السلام بإحدى يديه على الآخرى بيعة لعثمان كأنه حاضر معهم بيعة الرضوان. وبهذه البيعة اهتزت السيوف في غمودها، وتبدّى للمسلمين جميعا أن الحرب آتية لا ريب فيها، وجعل كلّ ينتظر يوم الظفر أو يوم الاستشهاد بنفس راضية وفؤاد مرتاح وقلب مطمئن. وإنهم لكذلك إذ ترامى إليهم أن عثمان لم يقتل، ثم لم يطل بهم الأمر حتى جاء عثمان بنفسه إليهم. على أن بيعة الرضوان هذه بقيت مع ذلك، كبيعة العقبة الكبرى، علما في تاريخ المسلمين كان محمد يستريح إلى ذكره لما كشف عنه من متانة الروابط بينه وبين أصحابه، ولما دل عليه من مبلغ إقدامهم على خوض مخاطر الموت لا يخافون، ومن أقدم على مخاطر الموت خافه الموت وعنت له جبهة الحياة وكان من الفائزين.

رسالة قريش إلى محمد

عاد عثمان فأبلغ محمدا ما قالت قريش. فهم لم تبق عندهم ريبة في أنه وأصحابه إنما جاؤا حاجبين معظّمين للبيت. وهم يقدّرون أنهم لا يملكون منع أحد من العرب عن الحج والعمرة في الأشهر الحرم. وهم مع ذلك قد خرجوا من قبل تحت راية خالد بن الوليد لقتاله وصدّه عن دخول مكة، وقد وقعت بين بعض رجالهم وبعض رجاله مناوشات. فإذا هم بعد الذي حدث تركوه يدخل مكة تحدّثت العرب بأنهم انهزموا أمامه، فتضعضعت في نظر العرب مكانتهم وسقطت هيبتهم. لذلك هم يصرّون على موقفهم منه هذا العام إبقاء على هذه الهيبة واستبقاء لتلك المكانة. فليفكر وإيّاهم، وهذا موقفه وموقفهم، لعلهم جميعا يجدون من هذا الموقف مخرجا، وإلّا فليس إلا الحرب يدخلونها طوعا أو كرها. بل إنهم لها لكارهون في هذه الأشهر، تقديرا لحرمتها الدينية من ناحية، ولأنها من ناحية أخرى، إذا لم تحترم اليوم حرمتها ووقعت الحرب فيها، لم يأمن العرب في مستقبل أيّامهم أن يجيئوا إلى مكة وأسواقها مخافة انتهاك الأشهر الحرم مرّة أخرى، فيجني ذلك على تجارة مكة وعلى أرزاق أهلها.

المفاوضات بين الفريقين

واتصل الحديث وعادت المفاوضات بين الفريقين كرة أخرى. وأوفدت قريش سهيل بن عمرو وقالوا له: أئت محمدا فصالحه، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنّا عامه هذا. فو الله لا تحدّث العرب عنا دخلها علينا عنوة أبدا. فلمّا انتهى سهيل إلى الرسول جرت محادثات طويلة للصلح وشروطه كانت تنقطع في بعض الأحيان، ثم يعيد اتصالها حرص الجانبين على النجاح. وكان المسلمون من حول النبيّ يسمعون أمر هذه المحادثات ويضيق بعضهم بأمرها صبرا، لتشدّد سهيل في مسائل يتساهل النبي في قبولها. ولولا ثقة المسلمين المطلقة بنبيهم، ولولا إيمانهم به، لما ارتضوا ما تمّ الاتفاق عليه، ولقاتلوا ليدخلوا مكة أو لتكون الآخرى.

فقد ذهب عمر بن الخطّاب في أعقاب المحادثات إلى أبي بكر ودار بينهما الحديث الآتي:

عمر- أبا بكر، أليس برسول الله؟!

أبو بكر- بلى؟!

عمر- أولسنا بالمسلمين؟!

أبو بكر- بلى!

عمر- فعلام نعطي الدّنيّة في ديننا؟!

أبو بكر- يا عمر الزم غرزك «2» فإني أشهد أنه رسول الله!

عمر- وأنا أشهد أنه رسول الله!

وانقلب عمر بعد ذلك إلى محمد وتحدّث وإيّاه بمثل هذا الحديث وهو مغيط محنق. لكن لم يغيّر من صبر النبيّ ولا من عزمه؛ وكلّ الذي قاله في ختام الحديث لعمر: «أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيّعني» ثم كان بعد ذلك من صبر محمد حين كتابة العهد ما زاد في حفيظة بعض المسلمين فقد دعا عليّ بن أبي طالب وقال له: «أكتب بسم الله الرحمن الرحيم» . فقال سهيل: «أمسك، لا أعرف الرحمن الرحيم، بل رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك» . قال رسول الله: «أكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله» … ثم كتبت العهدة بين الطرفين وفيها أنهما تهادنا عشر سنين، في رأي أكثر كتّاب السيرة، وسنتين في قول الواقدي، وأن من أتي محمدا من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن جاء قريشا من رجال محمد لم يردّوه عليه، وأنه من أحب من العرب مخالفة محمد فلا جناح عليه، ومن أحبّ مخالفة قريش فلا جناح عليه، وأن يرجع محمد وأصحابه عن مكة عامهم هذا على أن يعودوا إليها في العام الذي يليه فيدخلوها ويقيموا بها ثلاثة أيام ومعهم من السلاح السيوف في قربها ولا سلاح غيرها.


(1) سورة الفتح آية 18.

(2) الغرز: الرحل.

حرص محمد على السلم

وبينما كان محمد بفكر كانت فرسان مكة تبدو على مرمى النظر، يدلّ مرآها على أنه لا سبيل للمسلمين إلى درك غايتهم إلا أن يقتحموا هذه الصفوف اقتحاما، وأن تدور معركة تقف فيها قريش مدافعة عن كرامتها وعن شرفها وعن وطنها؛ معركة لم يردها محمد، وإنما حملته قريش عليها حملا وألزمته خوض غمارها إلزاما.

إن المسلمين ممن معه لا تنقصهم الحمية، وقد تكفيهم سيوفهم إذا جردت من غمودها لدفع عدوان المعتدي؛ لكنه يفوت بذلك قصده وقد يجعل لقريش عند العرب حجة عليه، وهو أبعد من هذا نظرا أكثر حنكة وأدق سياسة. إذا … نادى في الناس قائلا من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ وكذلك ظل مستقرّا رأيه على سلوك سياسة السلم التي رسم منذ خرج من المدينة ومنذ اعتزم الذهاب إلى مكة حاجا.

وخرج رجل يسلك بهم طريقا وعرا بين شعاب مضنية وجد المسلمون في سلوكها مشقّة أي مشقة، حتى أفضت بهم إلى سهل عند منقطع الوادي الذي سلكوا فيه ذات اليمين حتى خرجوا على ثنيّة المرار مهبط الحديبية من أسفل مكة. فلما رأت خيل قريش ما صنع محمد وأصحابه ركضوا راجعين أدراجهم ليقفوا مدافعين عن مكة إذا دهمها المسلمون. ولمّا بلغ المسلمون الحديبية بركت القصواء (ناقة النبي) وظن المسلمون أنها جهدت.

فقال رسول الله: «إنما حبسها حابس الفيل عن مكة. لا تدعوني قريش إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها» . ثم دعا الناس إلى النزول. فقالوا له: «يا رسول الله، ما بالوادي ماء ننزل عليه» .

فأخرج هو سهما من كنانته فأعطاه رجلا نزل به إلى بئر من الابار المنثورة في تلك الأنحاء، فغرزه في الرمال من قاع البئر فجاش الماء، فاطمأن الناس ونزلوا.

تفكير المعسكرين

نزلوا، ولكن قريشا بمكة لهم بالمرصاد، وهي تؤثر الموت على أن يدخلها محمد عليهم عنوة. فهل يعدون لقريش عدّة النزال فيحاربوها حتى يحكم الله بينهم وبينها وحتى يقضي الله أمرا كان مفعولا؟! في هذا فكر بعضهم وفي احتماله فكرت قريش. لئن حدث ذلك وانتصر المسلمون لقد قضي على قريش عند العرب كلها قضاء أخيرا، وقد تعرّضت قريش لأن ينزع منها سدانة الكعبة وسقاية الحاجّ وكل ما تفاخر به العرب من مراسم ومناسك دينية. ماذا تصنع إذا؟ وقف المعسكران يفكر كلّ في الخطّة التي يتّبع؛ فأمّا محمد فظلّ على خطّته التي رسم منذ أخذ للعمرة عدّته، خطة السلم والجنوح عن القتال إلا أن تهاجمه قريش أو تغدر به، وهنالك لا يبقي من انتضاء السيف مفرّ. وأمّا قريش فتردّدت ثم رأت أن توفد إليه من رجالها من يتعرّف قوّته من ناحية، ومن يصدّه عن دخول مكة من ناحية أخرى. وجاءه بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة يسألونه ما الذي جاء به. فلمّا اقتنعوا من حديثه بأنه لم يأت يريد حربا وإنما زائرا للبيت معظما لحرمته، رجعوا إلى قريش يريدون إقناعهم ليخلّوا بين الرجل وأصحابه وبين البيت العتيق. لكن قريشا اتّهموهم وجبهوهم وصاحوا بهم: وإن كان جاء لا يريد قتالا فو الله لا يدخل علينا عنوة أبدا ولا تتحدّث بذلك عنّا العرب. ثم بعثت قريش رسولا لم يسمع إلا ما سمع من قبله، ولم يغامر بأن يتّهم عند قريش. وكانت قريش تعتمد فما أعدّت من قتال محمد على حلفائها من الأحابيش «1» ، ففكرت أن توفد سيدهم لعله إذا رأى أن محمدا لا يسمع له ولا يتفاهم وإياهم، ازداد لقريش نصرة فزادهم على محمد قوة. وخرج الحليس سيد الأحابيش قاصدا معسكر المسلمين. فلمّا رآه النبيّ مقبلا أمر بالهدي أن تطلق أمامه، لتكون تحت نظره دليلا ماديّا على أن هؤلاء الذين تريد قريش حربهم إنما جاؤا حاجبين معظمين البيت، ورأى الحليس الهدي سبعين بدنة تسيل عليه من عرض الوادي قد تأكلت أوبارها؛ فتأثر لهذا المنظر وثارت في نفسه ثائرات دينية، وأيقن أن قريشا ظالمة هؤلاء الذين لا يريدون حربا ولا عدوانا. فانقلب إلى قريش دون أن يلقى محمدا وذكر لهم ما رأى. فلمّا سمعوا حديثه غاظهم وقالوا له: اجلس، فإنما أنت أعرابيّ لا علم لك. وغضب الحليس لمقالتهم وأنذرهم أنه ما حالفهم ليصدّ عن البيت من جاء معظما إيّاه. وأنهم إن يخلّوا بين محمد وما جاء به نفرّ بالأحابيش من مكة.

وخشيت قريش عاقبة غضبه، فاسترضوه وطلبوا إليه أن ينظرهم حتى يفكروا في أمرهم.

سفارة عروة بن مسعود

ثم رأوا أن يوفدوا حكيما يطمئنون إلى حكمته، فتحدّثوا في ذلك إلى عروة بن مسعود الثقفيّ. فاعتذر لهم بما رأى من تعنيفهم وسوء مقابلتهم لمن سبقه من رسلهم. فلمّا اعتذروا له وأكدوا أنه عندهم غير متهم وأنهم يطمئنون إلى حكمته وحسن رأيه، خرج إلى محمد وذكر له أن مكة بيضته، وأنه إن يفضضها على أهله المقيمين بها بمن جمع من أوشاب الناس ثم انصرف هؤلاء الأوشاب عنه، كان العار الخالد لقريش عارا لا يرضاه محمد وإن اتّصلت الحرب بينه وبين قريش ما اتّصلت. فصاح أبو بكر بعروة منكرا أن ينصرف الناس عن رسول الله. وكان عروة يتناول لحية محمد وهو يكلمه، وكان المغيرة بن شعبة واقفا على رأس الرسول يضرب يد عروة كلما تناول لحية محمد، مع علمه عروة هو الذي دفع عنه قبل إسلامه ثلاث عشرة دية عن قتلى كان المغيرة قتلهم. ورجع عروة بعد أن سمع من محمد مثل ما سمع الذين سبقوه من أنه لم يأت يريد حربا وإنما جاء معظما البيت مؤدّيا فرض ربه. فلما كان عند قريش قال لهم: «يا معشر قريش، إني جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشيّ في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه. لا يتوضّأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، وأنهم لن يسلموه لشيء أبدا، فروا رأيكم» .

سفارة محمد إلى قريش

وطالت المحادثات على النحو الذي قدّمنا. ففكر محمد في أن يرسل قريش ربما لم يكن لديهم من الإقدام ما يقنعون به قريشا بالرأي الذي يرى، فبعث من جانبه رسولا يبلغهم رأيه. لكنهم عقروا جمل هذا الرسول، وأرادوا قتله لولا أن منعته الأحابيش فخلّوا سبيله. وقد دلّ أهل مكة بتصرّفهم هذا على ما يسودهم من روح الخصومة والبغضاء مما قلق له صبر المسلمين، حتى لقد فكر بعضهم في القتال. وفيما هم كذلك يتبادلون الرسل يحاولون أن يصلوا إلى اتفاق، كان بعض السفهاء من قريش يخرجون ليلا يرمون عسكر النبيّ بالحجارة؛ حتى خرج منهم أربعون أو خمسون رجلا يوما ليصيبوا من أصحاب النبي، فأخذوا أخذا وجيء بهم إليه. أفتدري ماذا صنع؟ عفا عنهم وخلّى سبيلهم تشبثا منه بخطّة السلم واحتراما للشهر الحرام أن يسفك فيه دم في الحديبية وهي من حرم مكة. وبهتت قريش حين عرفوا هذا، وسقطت كل حجة لهم يريدون أن يزعموا بها أن محمدا يريد حربا، وأيقنوا أن كل اعتداء من جانبهم على محمد لن تنظر إليه العرب إلا على أنه غدر دنيء، لمحمد الحقّ في أن يدفعه بكل ما أوتي من قوة.


(1) الأحابيش: أحياء من القارة (قوم من العرب رماة) سموا بذلك لاسودادهم، أو لتجمعهم أو نسبة إلى حبشى (بضم الحاء وسكون الباء) جبل بأسفل مكة.

بيت النبي ونساؤه

ومع هذا الذي أسلفنا من تعديل الدين الجديد نظرتهم لصلات ما بين الرجل والمرأة، فقد ظلوا فيما سوى ذلك كما كانوا من قبل أو على مقربة منه. وكثيرا ما كان أحدهم يحب أن يدخل على النبي بيته، وأن يمكث عنده وأن يتحدث إليه وأن يتحدث إلى نسائه، وقد كانت مهامّ النبوة العظمى أكبر من أن تدع محمدا يشغل نفسه بحديث هؤلاء الذين يجيئون إليه، والذين يتحدثون إلى نسائه وما ينقل نساؤه إليه من أحاديثهم، لذلك أراد الله أن يخلي نبيه من هذه المشاغل الصغرى، فأنزل عليه الآيات: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً) «1» .

وكما نزلت هذه الآية حديثا للمؤمنين وإرشادا لهم إلى واجبهم إزاء النبيّ وأزواجه، نزلت الآيتان الآتيتان كذلك موجهتين إلى أزواج النبي في هذا الشأن نفسه. قال تعالى: (يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى. وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) «2» .

التمهيد الاجتماعي للجماعة الإسلامية

هذا هو التمهيد الإجتماعي الجديد الذي أراده الإسلام للجماعة الإنسانية. أقام أساسه على تغيير نظرة الجماعة إلى ما بين الرجل والمرأة من صلات، وأراد أن يمحو من النفوس تسلّط فكرة الجنس واعتبارها وحدها المتغلبة على كل اعتبار، وأراد بذلك أن يوجه الجماعة وجهتها الإنسانية العليا التي لا تنكر على الإنسان استمتاعه بالحياة استمتاعا لا يضعف من حرّيته في أن يريد- ومن باب أولى لا يسلبه هذه الحرية في أن يريد- والتي تجعل من الإنسان صلة ما بين الكائنات جميعا، فيرتفع به من مراتب زراعة الأرض ومن الصناعة ومن تجارة الحياة أيّا كانت، لتسمو به إلى مجاورة القدّيسين والاتّصال بالملائكة المقرّبين. وقد جعل الإسلام من الصوم والصلاة والزكاة وسائل لهذا السموّ؛ بما تنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، وبما تطهر النفس والقلب من شوائب الخضوع لغير الله، وبما تقوّي من أسباب الأخوّة بين المؤمنين، ومن الاتّصال بين الإنسان وسائر ما في الكون.

غزوة بني لحيان

هذا التنظيم للحياة الاجتماعية رويدا رويدا، تمهيدا للانتقال العظيم الذي أعدّ الإسلام له الإنسانية، لم يمنع قريشا والعرب أن تتربّض بمحمد الدوائر، ولم يمنع محمدا أن يكون دائم الحذر، سريعا إلى النشاط لإلقاء الرعب في قلوب خصومه عند الحاجة. من ذلك أنه، بعد ستة أشهر من القضاء على بني قريظة- شعر بشيء من الحركة في ناحية مكة، ففكر في أن ينتقم لخبيب بن عدي وأصحابه ممن قتل بنو لحيان عند ماء الرّجيع منذ سنتين. على أنه لم يجهر بقصده خيفة أن يتّخذ العدو الحيطة لنفسه. فأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرّة، فأخذ قوّاته ويممّ بها شمالا. فلما اطمأن إلى أن قريشا وجيرانها لم يبق منهم من يفطن لمقاصده، انتقل راجعا إلى ناحية مكة وأغذّ السير مسرعا حتى بلغ منازل بني لحيان بعران. لكن قوما رأوه أوّل انحداره إلى الجنوب فعرف منهم بنو لحيان قصده إيّاهم، فاعتصموا برؤس الجبال هم ومتاعهم. وفات النبيّ أن يصيبهم، فبعث أبا بكر في مائة راكب حتى بلغوا عسفان على مقربة من مكة. ثم كرّ رسول الله قافلا إلى المدينة في يوم قائظ بلغ من قيظه أن كان النبيّ يقول: «آئبون تائبون إن شاء الله لربنا حامدون. أعوذ بالله من وعثاء السفر وكابة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال» .

غزوة بني قرد

ولم يكد محمد يقيم بالمدينة ليالي بعد أوبته إليها حتى أغار عيينة بن حصن على أطرافها، وكان بظاهرها إبل ترعى يحرسها رجل وامرأته فقتل عيينة وأصحابه الرجل وساقوا الإبل واحتملوا المرأة وانصرفوا يحسبون أنهم من اللّحاق بمنجاة. لكن سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي قد غدا يريد الغابة متوشحا قوسه ونبله؛ فلما مرّ على ثنيّة الوداع وأشرف على ناحية من سلع، وأبصر القوم قد اقتادوا الإبل واحتملوا المرأة، فصاح:

واصباحاه! وجعل يشتدّ في أثر القوم حتى إذا اقترب منهم رماهم بالنبل، وهو في أثناء ذلك لا ينفك يصيح.

وبلغ محمدا صياح سلمة. فنادى في أهل المدينة: الفزع الفزع؛ فترامى الفرسان إليه من مختلف النواحي، فأمرهم فانطلقوا في أثر القوم، وجهز هو قوّاته وسار على رأسها يتبعهم حتى نزل بالجبل من ذي قرد. كان عيينة ومن معه قد أغذّوا السير مسرعين يريدون اللحاق بغطفان نجاة من المسلمين. ولكن فرسان المدينة أدركوا مؤخّرتهم واستخلصوا شطر الإبل منهم ولحق بهم محمد فأعانهم؛ ونجت المرأة المؤمنة التي كان العرب قد احتملوها. وأراد جماعة من أصحاب النبي أخذت منهم الحماسة كل مأخذ أن يتأثروا عيينة، فردّهم رسول الله، أن علم أن عيينة وأصحابه قد أدركوا غطفان واحتموا بهم. ورجع المسلمون إلى المدينة، وجاءت امرأة الحارس في آثارهم على ناقة المسلمين. وكانت المرأة قد نذرت إن أنجتها الناقة لتنحرنّها قربانا إلى الله، فلما أخبرت النبي بنذرها قال: «بئس ما جزيتها أن حملك الله عليها ونجّاك بها ثم تنحرينها. إنه لا نذر في معصية الله ولا فيما لا تملكين» .

غزوة بني المصطلق

وأقام محمد بالمدينة بعد ذلك قرابة شهرين. ثم كانت غزوة بني المصطلق بالمريسيع، هذه الغزوة التي يقف عندها كل كاتب وكل مؤرّخ لسيرة النبيّ العربيّ؛ لا لأنها غزوة ذات قيمة، أو لأن المسلمين أو عدّوهم أبلوا فيها بلاء خارقا للعادة، بل لأن الشقاق كاد يفشو بعدها في صفوف المسلمين، فحسمه الرسول بأحسن ما يكون عزيمة وحزما، ولأن من أثرها أن تزوّج الرسول من جويرية بنت الحارث، ولأن هذه الغزوة أثمرت حديث الإفك عن عائشة حديثا كان موقفها منه، وهي لمّا تزل في السادسة عشرة، موقف إيمان وقوة تحطّمت على جنباتهما وعنت لجلالهما كل الوجوه.

فقد بلغ محمدا أن بني المصطلق، وهم فرع من خزاعة، يجتمعون في حيهم على مقربة من مكة، وأنهم يحرّضون عليه يريدون قتله وعلى رأسهم قائدهم الحارث بن أبي ضرار. ووقف محمد من أحد البدؤ على سرّ جمعهم فأسرع في الخروج ليأخذهم على غرّة، كعادته في أخذ أعدائه. وجعل لواء المهاجرين لأبي بكر، ولواء الأنصار لسعد بن عبادة. ونزل المسلمون على ماء قريب من بني المصطلق يقال له المريسيع، ثم أحاطوا ببني المصطلق ففرّ من جاؤا لنصرتهم. وقد قتل من بني المصطلق عشرة ولم يقتل من المسلمين إلا رجل يقال له هشام بن صبابة، أصابه رجل من الأنصار وهو يحسبه خطأ من العدو. ولم يجد بنو المصطلق، بعد قليل من التراشق بالنبال، مفرّا من التسليم تحت ضغط المسلمين القويّ السريع، فأخذوا أسرى هم ونساؤهم وإبلهم وماشيتهم.


(1) سورة الأحزاب آية 53.

(2) سورة الأحزاب آيتا 32 و 33.

مسألة صلب المسيح
ومسألة أخرى يختلف فيها الإسلام والنصرانية، وكانت مثار جدل بينهما في عهد النبيّ: تلك مسألة صلب عيسى ليفتدي بدمه خطايا الخلق. فالقرآن صريح في نفي أن اليهود قتلوا المسيح أو صلبوه، إذ يقول:
(وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) «1» .
ولئن كانت فكرة افتداء المسيح بدمه خطايا إخوته من بني آدم جميلة لا ريب ويستحق ما كتب فيها دراسة من نواحيه الشعرية والخلقية والنفسية، لقد كان المبدأ الذي قرّره الإسلام من أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وأنّ كل أمرئ يوم القيامة مجزىّ بأعماله إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ، يجعل التقريب المنطقيّ بين العقيدتين غير ممكن، ويجعل منطق الإسلام من الدقة بحيث لا تجدي معه محاولات التوفيق، مع التناقض الواضح بين فكرة الافتداء وفكرة الجزاء الذاتي. (لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً) «2»

الروم والمسلمون
هل فكر أحد من نصارى يومئذ في هذا الدين الجديد وفي إمكان التوفيق بين فكرة التوحيد فيه وبين ما جاء به عيسى؟ نعم، وآمن به منهم كثيرون. ولكن الروم الذين اغتبط المسلمون بنصرهم واعتبروه نصرا للأديان الكتابية؛ لم يكلف سادتهم أنفسهم مؤونة البحث في الدين الجديد، ولم يلبثوا أن نظروا إلى الأمر من ناحيته السياسية، وفكروا فيما يصيب ملكهم إذا تمّ للدين الجديد الغلب. لذلك بدؤا يأتمرون به وبأهله،
حتى أرسلوا جيشا عرموما عدّته مائة ألف في رواية، ومائتا ألف في رواية أخرى، مما أدّى إلى غزوة تبوك. وقد انسحب فيها الروم أمام المسلمين الذين خرجوا ومحمد على رأسهم لدفع عدوان لم يكن له ما يسوّغه.
من يومئذ وقف المسلمون والنصارى موقف خصومة سياسية حالف النصر فيها المسلمين قرونا متتالية امتدّت إمبراطوريتهم في أثنائها إلى الأندلس غربا وإلى الهند والصين شرقا. وآمنت أكثر أجزاء هذه الإمبراطورية بالدين الجديد واستقرّت فيها لغته العربية. فلما آن لدورة التاريخ أن تدور، طرد النصارى المسلمين من الأندلس، وحاربوهم الحروب الصليبية، وأخذوا يطعنون في دينهم ونبيهم طعنا كله فحش وكذب وافتراء؛ ونسوا في فحشهم ما بلّغ محمد عليه السلام في أحاديثه، وما بلّغ القرآن في الوحي الذي نزل عليه، من رفع مقام عيسى عليه السلام إلى المستوى الذي رفعه الله إليه.

كتّاب المسيحية ومحمد
جاء في موسوعة لآروس الفرنسيّة خلال العرض لآراء كتّاب المسيحية إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر ممن نالوا من محمد شرّ نيل ما يأتي: «بقي محمد مع ذلك ساحرا ممعنا في فساد الخلق، لصّ نياق، كردينالا لم ينجح في الوصول الى كرسي البابوية، فاخترع دينا جديدا لينتقم من زملائه. واستولى القصص الخيالي والخليع على سيرته. وسيرة باهورميه (محمد) تكاد تقيم أدبا من هذا النوع. وقصة محمد التي نشرها رينا وفرانسيسك ميشيل سنة 1831 تصوّر لنا الفكرة التي كانت لدى أهل العصور الوسطى عنه. وفي القرن السابع عشر نظر بيل في تاريخ أبي القرآن نظرة تاريخية. مع ذلك ظلّت مقرّرات ظالمة ثابتة في نفسه عنه. على أنه يعترف مع ذلك بأن النظام الخلقي والاجتماعي الذي أقامه لا يختلف عن النظام المسيحي لولا القصاص وتعدّد الزوجات» .
وإن واحدا من المستشرقين الذين عرضوا لحياة محمد بشيء من الإنصاف ذلك هو الكاتب الفرنسي إميل درمنجم- ليذكر بعض هذا الذي كتب إخوانه في الدين فيقول «3» : «لمّا نشبت الحرب بين الإسلام والمسيحية اتّسعت هوّة الخلف وسوء الفهم بطبيعة الحال وازدادت حدّة. ويجب أن يعترف الإنسان بأن الغربيين كانوا السابقين إلى أشدّ الخلاف. فمن البزنطيين من أوقروا الإسلام احتقارا من غير أن يكلّفوا أنفسهم- فيما خلا جان داماسيين- مؤونة دراسته. ولم يحارب الكتّاب والنظامون مسلمي الأندلس إلا بأسخف المثالب. فقد زعموا أن محمدا لص نياق، وزعموه متهالكا على اللهو، وزعموه ساحرا، رئيس عصابة من قطّاع الطرق، بل زعموه قسّا رومانيّا مغيطا محنقا أن لم ينتخب لكرسي البابوية.. وحسبه بعضهم إلها زائفا يقرّب له عباده الضحايا البشرية. وإن چبيردنوچن نفسه، وهو رجل جدّ، ليذكر أن محمدا مات في نوبة سكربيّن؛ وأن جسده وجد ملقى على كوم من الرّوث وقد أكلت منه الخنازير، وذلك ليفسر السبب الذي من أجله حرّم لحم ذلك الحيوان. وذهبت الأغنيات إلى حدّ أن جعلت محمدا صنما من ذهب وجعلت المساجد الإسلامية برابيّ ملأى بالتماثيل والصور!! وقد تحدث واضع أغنية أنطاكية حديث من رأى صنم «ماحوم» مصنوعا من ذهب ومن فضة خالصين وقد جلس فوق فيل على مقعد من الفسيفساء. أمّا أغنية رولان التي تصوّر فرسان شارلمان يحطّمون الأوثان الإسلامية فتزعم أن مسلمي الأندلس يعبدون ثالوثا مكوّنا من ترفاجان وماهوم وأبلون.
وتحسب «قصة محمد» أن الإسلام يبيح للمرأة تعدّد الأزواج!


(1) سورة النساء آيتي 157 و 158.
(2) سورة لقمان 33.
(3) راجع كتاب در منجم (حياة محمد) ص 135 وما بعدها.

المسيحيون المتعصبون ومحمد

ولقد يعجب الإنسان أن يظل تعصب المسيحية على الإسلام بهذه الشدة في عصر يزعمون أنه عصر النور والعلم، وأنه لذلك عصر التسامح وسعة الأفق. ويزداد الإنسان عجبا إذ يذكر المسلمين الأوّلين وكيف كان اغتباطهم بانتصار المسيحية على المجوسية عظيما حين ظفرت جيوش هرقل بأعلام فارس وكسرت عسكر كسرى. فقد كانت فارس صاحبة النفوذ في جنوب شبه جزيرة العرب منذ أخرج كسرى الأحباش من اليمن.

ثم إن كسرى وجّه جيوشه- سنة 614 ميلادية- تحت إمرة قائد من قوّاده يدعي شهر براز «1» لغزو الروم، فظهر عليهم حين التقى بهم بأذرعات وبصرى، أدنى الشام إلى أرض العرب، فقتلهم وخرب مدائنهم وقطع زيتونهم. وكان العرب، ولا سيما أهل مكة، يتتبعون أخبار هذه الحرب بتلهف وشغف؛ فقد كانت القوّتان المتناحرتان أكبر ما تعرف أمم الأرض يومئذ، وكانت بلاد العرب تجاورهما، وتخضع بعض أجزائها لفارس وتتاخم الروم بعض أجزائها الآخرى. وشمت كفار مكة بالمسيحيين وفرحوا لهزيمتهم؛ لأنهم أهل كتاب كالمسلمين، وحاولوا أن يلصقوا بدينهم عار أندحارهم. أمّا المسلمون فشقّ عليهم أمر الروم لأنهم أهل كتاب مثلهم، فكان محمد وأصحابه يكرهون أن يظهر المجوس عليهم. وأدّى هذا الخلاف بين مسلمي مكة وكفّارها إلى تنادر الفريقين وإلى تهكم الكفار بالمسلمين، حتى أبدى أحدهم من السرور أمام أبي بكر ما غاظه ودفعه إلى أن يقول: لا تعجل بالمسرّة، فسيأخذ الروم بثأرهم. وأبو بكر معروف بالهدوء ووداعة النفس. فلما سمع الكافر قوله أجابه متهكما: كذبت. فغضب أبو بكر وقال: كذبت أنت يا عدوّ الله! وهذا رهان عشرة جمال على أن تغلب الروم المجوس قبل عام. وعرف محمد أمر هذا الرهان فنصح إلى أبي بكر أن يزيد في الرهان وأن يطيل المدة. فزاد أبو بكر في الرهان إلى مائة بعير إن هزمت الفرس قبل تسع سنين. وانتصر هرقل سنة 625 وهزم فارس واسترد منها الشام واستعاد الصليب الأعظم وكسب أبو بكر رهانه. وفي النبوءة بهذا النصر نزل قوله تعالى في صدر سورة الروم: (الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.

وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) .

المبادئ الأولية في الدينين

كان اغتباط المسلمين يومئذ بانتصار هرقل والنصارى عظيما، وظلّت صلة الإخاء بين الذين اتبعوا محمّدا والذين آمنوا بعيسى عظيمة طوال حياة النبيّ وإن تكرر بين الفريقين ما كان من مجادلة، على خلاف ما كان بين المسلمين واليهود من تهادن أوّل الأمر ثم عداوة استمرّت وكان لها من الآثار والنتائج الدامية ما أجلى اليهود عن شبه جزيرة العرب جمعاء. ومصداق ذلك قوله تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) «1» .

ثم إنك لترى الدينين يصوّران الحياة والخلق صورة تكاد تكون واحدة. وهما في تصوير الإنسانية ومبدأ خلقها سواء: خلق الله آدم وحوّاء وأسكنهما الجنة وأوحى إليهما ألّا يسمعا إلى نزع الشيطان فيأكلا من الشجرة فيخرجهما من الجنة. والشيطان عدوّهما الذي أبى أن يسجد لآدم فيما أوحاه الله لمحمد، والذي أبى أن يقدّس كلمة الله، على رواية كتب النصارى المقدّسة، ووسوس الشيطان لحوّاء وزيّن لها، فزيّنت لآدم فأكلا من شجرة الخلد فبدت لهما سوآتهما، فاستغفرا ربهما فبعثهما على الأرض بعض ذرّيتهم لبعض عدوّ، يغريهم الشيطان فيضلّ قوم ويقاوم الهلاك آخرون. ولتقوى الإنسانية على حرب الغواية بعث الله نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى والنبيين، وبعث مع كل رسول كتابا بلسان قومه مصدّقا لما بين يديه ليبيّن لهم. وكما يقوم في صف الشيطان أنصاره من أرواح الشر، تقوم الملائكة تسبّح بحمد ربها وتقدّس له. وهؤلاء وأولئك يتنازعون أسباب الحياة والكون جميعا حتى يوم البعث، يوم تجزى كلّ نفس بما كسبت ولا يسأل حميم حميما.

وإنك لتجد في القرآن من ذكر عيسى ومريم وإكرام الله لهما وتقديمه إياهما ما تشعر معه حق الشعور بهذا الإخاء، وما يجعلك تسائل: ما بال المسلمين والنصارى إذا ظلوا على القرون خصوما متقاتلين؟ والجواب عن سؤالك أنّ بين الإسلام والنصرانية خلافا على مسائل أساسية كانت موضع جدل شديد في عهد النبيّ، وأن لم يتعدّ الأمر الجدل إلى العداوة والبغضاء. فالنصرانية لا تقرّ بنبوّة محمد كما يقرّ الاسلام بنبوّة عيسى، والنصرانية تقول بالتثليث، والإسلام ينكر كل ما سوى التوحيد أشد الإنكار. والنصارى يؤلهون عيسى ويتلمّسون الدليل على ألوهيته في أنّه تكلّم في المهد وأوتي من المعجزات ما لم يؤته غيره مما هو عمل الخالق جلّ شأنه. وهم كانوا أيّام الإسلام الأولى يحاجون المسلمين في ذلك بالقرآن ويقولون: أو ليس يقرّ القرآن الذي نزل على محمد رأينا حين يقول: (إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ. وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ. قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ. وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ، وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ، وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) «2»


(1) سورة المائدة آية 82.

(2) سورة آل عمران الآيات من 45 الى 49.

فالقرآن قد ذكر إذا أنّه يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين طيرا، ويخبر بالغيب، وكل هذه خصائص إلهيّة. هذا رأي نصارى عهد النبي الذين كانوا يحاجونه ويجادلونه ويذهبون إلى عيسى إله مع الله. ولقد ذهبت طائفة منهم إلى تأليه مريم أن ألقى الله إليها بكلمته. وكان أصحاب هذا الرأي من نصارى ذلك العهد يعتبرون مريم ثالث الثلاثة. الآب والإبن والروح القدس. ولم يكن أصحاب هذا القول بألوهية عيسى وأمه إلا طائفة من طوائف النصرانية الكثيرة المتفرّقة يومئذ شيعا وأحزابا.

مجادلة النصارى للنبي

كان نصارى شبه الجزيرة يجادلون محمدا على اختلاف نحلهم على أساس مذاهبهم. فكانوا يقولون إن المسيح هو الله، ويقولون هو ولد الله، ويقولون هو ثالث ثلاثة، وكان القائلون بألوهيته يحتجون بما سبق بيانه. ويحتج القائلون بأنه ولد الله بأنّه لم يكن له أب يعلم، وأنّه تكلّم في المهد صبيا مما لم يقع لأحد من بني آدم. ويحتج القائلون بأنه ثالث ثلاثة بأن الله يقول أمرنا وخلقنا وقضينا، ولو كان واحدا لقال أمرت وخلقت وقضيت. وكان محمد يستمع لهم جميعا ويجادلهم بالتي هي أحسن. وهو لم يكن في جدالهم يشتدّ في جدال المشركين وعبّاد الأصنام، بل كان يحاجّهم بالوحي من طريق المنطق ومن كتبهم وما جاء فيها. فالله تعالى يقول: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً. وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) «1» وقال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ.

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) «2» وقال جل شأنه: (وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) «3» .

تقول المسيحيّة بالتثليث وبأن عيسى ابن الله، والإسلام ينكر إنكارا صريحا باتّا أن يكون لله ولد. (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) «4» . (ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ) «3» . (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) «5» .

والإسلام دين توحيد في أشدّ معاني التوحيد صفاء وقوة، وفي أشد معاني التوحيد بساطة ووضوحا. وكل ما يمكن أن يلقي ظلا على فكرة التوحيد أو صورته ينكره الإسلام ويراه كفرا. (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ)

«6» .

فمهما يكن للصورة المسيحية في التثليث من صلة تاريخية ببعض الأديان القديمة فهي ليست من الحق عند محمد في شيء. إنما الحق هو الله وحده، لا شريك له، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فلا عجب إذا أن تكون بين محمد ونصارى عهده تلك المجادلة بالتي هي أحسن، وأن يؤيد الوحي محمدا بما تلوت من الآيات.


(1) سورة المائدة آيتا 17، 18.

(2) سورة المائدة آيتا 72 و 73.

(3) سورة المائدة الآيات من 116 الى 118.

(4) سورة الاخلاص.

(5) سورة مريم آية 35.

(6) سورة آل عمران آية 58.

تقديم الكتاب
محمد عليه الصلاة والسلام
بهذا الاسم الكريم تنطق ملايين الشفاه، وله تهتز ملايين القلوب كل يوم مرّات. وهذه الشفاه والقلوب به تنطق وله تهتزّ منذ أربعمائة وألف سنة إلا خمسين. وبهذا الاسم الكريم ستنطق ملايين الشفاه وتهتزّ ملايين القلوب إلى يوم الدين. فإذا كان الفجر من كل يوم وتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أهاب المؤذّن بالناس أن الصلاة خير من النوم، ودعاهم إلى السجود لله والصلاة على رسوله، فاستجاب له الألوف والملايين في مختلف أنحاء المعمورة يحيون بالصلاة رحمة الله وفضله متجلّيين في مطلع كل نهار. وإذا كانت الظهيرة وزالت الشمس أهاب المؤذّن بالناس لصلاة الظهر، ثم لصلاة العصر فالمغرب فالعشاء. وفي كل واحدة من هذه الصلوات يذكر المسلمون محمدا عبد الله ونبيّه ورسوله في ضراعة وخشية وإنابة، وهم فيما بين الصلوات الخمس ما يكادون يسمعون اسمه حتى تجف قلوبهم بذكر الله وبذكر مصطفاه. كذلك كانوا وكذلك سيكونون حتى يظهر الله الدين القيم ويتم نعمته على الناس أجمعين.

الإمبراطورية الإسلامية الأولى
ولم يك محمد في حاجة إلى زمان طويل ليظهر دينه وينتشر في الخافقين لواؤه، فقد أكمل الله للمسلمين دينهم قبيل وفاته، ويومئذ وضع هو خطّة انتشار الدين فبعث إلى كسرى وإلى هرقل وإلى غيرهما من الملوك والأمراء كي يسلموا، ولم تمض خمسون ومائة سنة من بعد ذلك حتى كان علم الإسلام خفاقا من الأندلس في غرب أوروبا إلى الهند وإلى التركستان وإلى الصين في شرق آسيا، وبذلك وصلت الشام والعراق وأفغانستان، وقد أسلمت كلها، ما بين بلاد العرب ومملكة ابن السماء، كما وصلت مصر وبرقة وتونس والجزائر ومرّاكش ما بين أوروبا وإفريقيّة ومبعث محمد عليه السلام. ومن يؤمئذ إلى يومنا هذا بقي علم الإسلام مرفوفا على هذه الربوع جميعا، خلا الأندلس التي أغارت النصرانية عليها فعذّبت أهلها وأذاقتهم ألوانا من الشدّة والبأس. ولم يطق أهلها صبرا على الحياة، فعاد منهم من عاد إلى إفريقيّة، وردّ الهول والفزع من أرتدّ منهم عن دينه ودين أبيه إلى دين العتاة والمعذّبين.
على أن ما خسره الإسلام في الأندلس من غرب أوروبا كان له عنه العوض حين فتح العثمانيون القسطنطينية ومكنّوا لدين محمد فيها. هنالك امتدّت كلمته إلى البلقان كلها، وانبلج نوره في روسيا وفي بولونيا، وخفقت أعلامه على أضعاف ما كانت تخفق عليه من أرض إسبانيا. ومن يوم انتشر الإسلام في صولته الأولى إلى يومنا لم يتغلّب عليه من الأديان متغلّب، وإن تغلّب على أممه من شدائد الظلم وألوان التحكم ما جعلها أشدّ بالله إيمانا، ولحكمه إسلاما، وفي رحمته وفي غفرانه أملا ورجاء.

الإسلام والمسيحية
هذه القوّة التي انتشر الإسلام بها سرعان ما وقفته وجها لوجه أمام المسيحية وقفة نضال مستميت. لقد تغلّب محمد على الوثنية، ومحا من بلاد العرب، كما محا خلفاؤه الأوّلون من بلاد الفرس والأفغان وطائفة كبيرة من بلاد الهند، أثرها. ولقد تغلّب خلفاء محمد على المسيحية في الحيرة واليمن والشام ومصر إلى مهد المسيحية مدينة قسطنطين. أفقدر على المسيحية ما قدّر على الوثنية من اضمحلال وهي دين كتاب من الأديان التي أشاد بها محمد ونزل الوحي بنبوّة صاحبها؟ وهل قدّر لهؤلاء العرب، عرب البادية الزاحفين من شبه الجزيرة الصحراوية القاحلة، أن يضعوا أيديهم على حدائق الأندلس وبزنطية وسائر البلاد المسيحية؟ الموت ولا هذا! واستمر القتال بين أتباع عيسى وأتباع محمد قرونا متتالية. ولم يقف القتال عند حرب الأسنّة والمدافع، بل تعدّاها إلى ميادين الجدل والنضال الكلامي، جاء المقاتلون فيها بأسماء محمد وعيسى، وجعل كل فريق يلتمس الوسيلة لتأليب السواد واستثارة حماسة الجماهير وتعصّبها.

المسلمون وعيسى
على أن الإسلام حال بين المسلمين وبين الحط من مقام عيسى، أنه عبد الله آتاه الكتاب وجعله نبيا، وجعله مباركا أينما كان، وأوصاه بالصلاة والزكاة ما دام حيّا، وبرّا بوالدته ولم يجعله جبارا شقيّا فسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيّا. أمّا المسيحيون فقد جعل الكثيرون منهم يعرّضون بمحمد وينعتونه بأوصاف يبرأ منها المهذّب من الرجال، شفاء لما في نفوسهم من غلّ، واستفزازا وحفزا لشهوات الناس الدنيا. وعلى رغم ما يقال من أن الحروب الصليبية وضعت أوزارها منذ مئات السنين ظلّ تعصّب الكنيسة المسيحية على محمد على أشدّه إلى عصور قريبة. ولعله كذلك ما يزال إن لم يك أشدّ، وإن كان خفيا يعمل في ظلمات التبشير بالدون من الوسائل. ولم يقف الأمر عند الكنيسة بل تعدّاها إلى كتّاب وفلاسفة في أوروبا وفي أمريكا لم تك تصلهم بالكنيسة صلة تذكر.


(1) يذكر الدكتور بتلر في كتابه (فتح العرب لمصر) أن اسم هذا القائد خوريام، وأن (شهربرز) و (شهربراز) و (شراوزيه) وغيرها من الأسماء التي لقب بها في الكتب المختلفة ليست إلا تحريفا للاسم الفارسي (شهر- وزر) وهو لقب معناه (الخنزير البري للملك) رمزا للقوة الباسلة، فكانت صورته مائلة لذلك على خاتم فارس القديمة وكذلك على خاتم أرمينية. (راجع فتح العرب لمصر ص 53) .