حمل الدعوة - واجبات وصفات

**(2)

إن حامل الدعوة معرّض لهذه الفتنة لدى اعتقاله ، فسامع من الأعداء أمرين : اتهام أفكاره وأحكامه وتشويهها بصنوف الأباطيل والأكاذيب ليزعزعوا ثقته بها ويشككوه فيها ، والثناء على أفكارهم هم وأحكامهم هم رغم بيان عوارها وفسادها ، وإلباسها لبوس الإسلام والحق والصلاح ، كل ذلك من أجل أن يلبسوا على حامل الدعوة دينه ودعوته ، ويصرفوه عن حمل الدعوة ، فليحذر حامل الدعوة من التعرّض لهذه الفتنة ، وليتخذ لها أهبته واستعداده ، فإن ما لدى الأعداء من صنوف العذاب الجسدي والنفسي ، وألوان القهر والإذلال لهو أخف كثيراً من عذاب الضعف في الدنيا والآخرة إن هو فُتن وافتُتن ، فلم يثبت على الدعوة ولم يتمسك بالمبدأ ، ولم يحافظ على نقاء الأفكار والأحكام الشرعية وقَبِلَ أن يتخلى عن شيء ولو قليل منها ، وأن يزيد فيها ما ليس منها .

وكما حاول أهل مكة أن يفتنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعوة أو عن شيء منها ، فقد حاولوا أيضاً أن يصرفوه عن حمل الدعوة والثبات عليه كذلك ، وبذلوا في ذلك جهدهم ، وفاوضوه كثيراً ، وعرضوا عليه المُلك والمال والشرف والجاه ، وهي أسلحة أعداء الله في كل زمان ومكان ، علّه يترك حمل الدعوة وما يصاحبه من شتم آلهتهم وتحقير دينهم وتسفيه أحلامهم وعقولهم ، ولكنه rأبى أشد الإباء واستمر على موقفه المبدئي في حمل الدعوة والتبليغ عن ربه عز وجل ، جاء في سيرة ابن هشام عن محمد بن كعب القرظي : "… فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ابن أخي إنك منّا حيث قد علمت من السِّطة في العشيرة والمكان في النسب ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرّقت به جماعتهم ، وسفّهت به أحلامهم ، وعبت به آلهتهم ودينهم ، وكفّرت به من مضى من آبائهم ، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها ، قال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل يا أبا الوليد أسمع ، قال يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئتَ به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت تريد به شرفاً سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك ، وإن كنت تريد به مُلكاً ملّكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيّاً تراه لا تستطيع ردّه عن نفسك طلبنا لك الطبّ وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرّئك منه ، فإنه ربما غلب التابع على الرّجل حتى يداوى منه ، أو كما قال له ،

حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله rيستمع منه قال : أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ قال : نعم ، قال : فاسمع مني قال : أفعل ، فقال : { بسم الله الرحمن الرحيم حم * تنزيل من الرحمن الرحيم * كتاب فُصِّلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون * بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهمم لا يسمعون * وقالوا قلوبنا في أكنّة مما تدعونا إليه } ، ثم مضى رسول الله r فيها يقرؤها عليه ، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يسمع منه ، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد ثم قال : قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت ، فأنت وذاك " ، وجاء في السيرة أيضاً قولةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهورة : " والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته " ، وجاء ما رواه الطبراني من طريق مسور ومروان وما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية قولته المشهورة أيضاً : " فما تظن قريش فو الله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثي الله حتى يظهرني الله أو تنفرد هذه السالفة " .

إن حامل الدعوة معرّض لهذه المقاومة والصدّ له عن حمل الدعوة والاستمرار فيه ، فقد يعرضون عليه التعاون معهم وجني الأموال الطائلة ، وقد يعرضون عليه الوظائف العالية والجاه العريض ، فإن لم ينجحوا واستمر حامل الدعوة على موقفه الثابت أعملوا في جسده العصي والسياط ، وصبّوا عليه ألواناً من التعذيب الجسدي والنفسي ، وأذاقوه فنوناً من الأذى ، وسجنوه السنين والأعوام ، فمن ضعف عندئذٍ فاستجاب لهم فقد سقط إلى غضب الله وعقابه ، ومن ثبت ونجا وسلم فعند الله المثوبة له والمنزلة العالية .

إن الثبات على الدعوة ، أي على مجموعة الأفكار والأحكام الشرعية التي يحملها ويدعو الناس إليها واجب عظيم يجب القيام به بكل طاقة مستطاعة ، ولا يصح مطلقاً أن يحمل فكراً واحداً غير شرعي ، ولا حكماً واحداً غير إسلامي ، وليحاذر من أن يعلق بأفكاره وأحكامه ما يسرّ به أعداء الدعوة وأعداء الإسلام من أفكار وأحكام باطلة فاسدة ليست من شرع الله ، وإن قال بها العلماء والفقهاء الواقفون على أعتاب السلاطين ، أو الذين أخذوا الأحكام ودرسوا الشريعة حسب المنهاج الذي وضعه الكفار وعملاؤهم ليحرفوا المسلمين عن الفهم الصحيح للإسلام ، ويصرفوهم عن دينهم الحق . فإنما النصر مع الثبات على الحق ولو كان ثقيلاً ، ولو كان شاقّاً ، ولو رُمي بكل ما في قاموسهم القذر من وصفٍ جارح ونعتٍ قادح ، فالحق أحق أن يتبع سيما ونحن في زمان سيطرة الإعلام وأجهزته وأدواته على عقول الناس ، وقدرته على إلباس الباطل ثوب الحق ، والفساد ثوب الصلاح .

وكما ثبت رسول الله rعلى الدعوة وعلى حملها ، فقد ثبت صحابته رضوان الله عليهم ثباتاً لا نظير له ، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً ومعروفة ومشهورة ، وما قصة تعذيب بلال في بطحاء مكة وثباته على الحق ، وما قصة آل ياسر وتعذيبهم برمضاء مكة وصبرهم بخافية على أحد ، فعلى الشباب حَمَلة الدعوة أن يخلفوا صحابة رسول الله r في زمانهم هذا ، فيُحيوا ذكراهم ويعيدوا سيرتهم ، ويجدّدوا تاريخهم بالإقتداء بهم في الثبات على الحق والاستمرار فيه حتى نصر الله .

تم الفراغ منه في الساعة الرابعة والنصف

من بعد ظهر اليوم التاسع والعشرين من

رمضان عام 1416 ، الموافق للثامن عشر

من شباط عام 1996م . **

**الثبات لحامل الدعوة"حمل الدعوة" كلمتان ثنتان ، " حمل " و " الدعوة " ، فالحمل شيء والدعوة شيء آخر . أما الدعوة فهي مجموعة الأفكار والأحكام الشرعية ، أو هي الإسلام كلّه ، وأما الحمل فهو التبليغ ، بمعنى أنه تبليغ الناس الأفكار والأحكام الشرعية ، وقد سبق أن قلنا إن حمل الدعوة هو عمل الأنبياء والمرسلين ، وعمل من تبعهم وسار على نهجهم ، وإن حمل الدعوة هو أفضل عمل وأكرمه على الإطلاق ، وحيث أن حمل الدعوة هو كذلك ، فإنه ولا شك من أعظم الواجبات ، بل إن جميع الواجبات الشرعية لا تتم إلا به ومحصّلة له .

إن المسلم مأمور أمراً جازماً بأداء الواجب والقيام به ، وعدم تركه والتخلّي عنه ، بمعنى أن المسلم مأمور أمراً جازماً بالثبات على فعل الواجب وإلا أثم ، فالثبات على فعل الواجب واجب ولا شك ، ومن الواجب حمل الدعوة ، فحمل الدعوة واجب ، والثبات عليه واجب كذلك ، فإذا قلنا إن الثبات واجب على حامل الدعوة ، فإننا نعني أنه واجب عليه في الحمل ، وواجب عليه في الدعوة ، ولا يصح قصر الثبات على أحدهما دون الآخر ، فيجب على كل مسلم حمل الدعوة ، ويجب بالتالي على كل حامل دعوة الثبات على الدعوة ، أي الثبات على مجموعة الأفكار والأحكام الشرعية والتمسك بها والمحافظة عليها لأنها وحدها هي الحق ، وهي من عند الله ، وإن ما سواها باطل وهو من عند غير الله ، وبالتالي لا يكون دعوة ، ولا يكون إسلاماً ، كما أن على حامل الدعوة أن يثبت على الحمل ، أي يثبت على تبليغ مجموعة الأفكار والأحكام الشرعية ولا يتوقف عنه مهما كانت الظروف والعقبات ، وإلا كان تاركاً لحمل هذه المجموعة وداخلاً في سخط الله سبحانه ، فالثبات كما هو مطلوب في الدعوة هو كذلك مطلوب في الحمل ، ولا فضل لمسلم ثبت على أحدهما دون الآخر ، بل يصح القول إنه لا خير في مسلم ثبت على أحدهما دون الآخر ، وويل لمسلم لم يثبت على كلا الأمرين ، لأن عاقبته النار وبئس المصير .

إن أعداء الدعوة وأعداء الإسلام يعملون جاهدين لضرب الثبات على الدعوة بنفس القوة والعزم لضرب الثبات على الحمل ، أما بخصوص ضرب الثبات على الدعوة فإنهم يعملون جاهدين على تشويه الدعوة وإلصاق التهم بها ، وإدخال أفكار الكفر وأحكامه فيها ، فتراهم مثلاً يُدخلون الديمقراطية - وهي نظام كفر - في الدعوة أي في الإسلام ، ويُدخلون الحريات - وهي أفكار كفر - في الدعوة أي في الإسلام ، ويدخلون العدالة الاجتماعية - وهي حكم كفر - في الدعوة أي في الإسلام ، يريدون من ذلك أن يلبسوا على المسلمين دينهم ، فلا يعودون يفرّقون بين الحق والباطل ، ولا بين ما هو من عند الله وما هو من وضع البشر ، وذلك حتى يفسدوا على حملة الدعوة دعوتهم ، ويُنهوا ثبات المسلمين وحَمَلة الدعوة على دينهم ودعوتهم ، وهذا كان حال أعداء الإسلام ولا زال ، قال تعالى في سورة البقرة : { … ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردّوكم عن دينكم إن استطاعوا … } ، فمن حمل الدعوة وجب عليه أن يثبت عليها ، ويرفض هذه المحاولات من أعداء الدعوة وأعداء الإسلام ، ووجب عليه أن يحافظ ويتمسك بكل ما لديه من أفكار وأحكام شرعية ويرفض ما سواها حتى تبقى أفكاره وأحكامه نقية صافية ، فالثبات على المبدأ ، والتمسك والمحافظة على الأفكار والأحكام الشرعية ورفض ما سواها يحبط مساعي أعداء الدعوة وأعداء الإسلام ويرد كيدهم في نحورهم .

وأما بخصوص الثبات على الحمل ، فإن الأعداء يفتحون المعتقلات والسجون ، ويشهرون العصي والسياط ، ويحاربون حَمَلة الدعوة بقطع الأرزاق وحتى بقطع الأعناق ، يعلنون الحرب على حَمَلة الدعوة في كل المجالات ليحولوا بينهم وبين حمل الدعوة والثبات عليه والاستمرار فيه ، فمن فتن في دعوته فقد فتن ، ومن ترك حمل الدعوة استجابة لطلب الأعداء فقد سقط وحقّق المفتون والساقط لأعداء الدعوة وأعداء الإسلام ما يصبون إليه ويطمحون إليه .

إن الله سبحانه قد حذّرنا من عدم الثبات على الدعوة وعلى الإسلام تحذيراً بالغ الشدة ، فقال في سورة الإسراء : { وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً * إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً } فهذا تحذير بالغ الشدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه كان سيعذب ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة لو هو فُتن وصُرف عن شيء ولو قليلٍ من أفكار الرسالة وأحكامها ، أي عن شيء قليل من الدعوة ، راكناً إلى كفار مكة ملبياً لهم شيئاً مما يطلبون منه ، وقال سبحانه في سورة الحاقة : { ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين } وهذا أيضاً تحذير شديد من التلاعب بالدعوة بالتقوّل على الله ما لم يقل ، وإدخال فكر أو حكم في دين الله ليس منه ، فمن فعل أذلّه الله وقتله دون أن يملك أحدٌ نصره وعونه ، وهذان التحذيران بالغا الشدة موجّهان إلى حَمَلة الدعوة ، فمن ركن منهم إلى أعداء الدعوة وأعداء الإسلام بأن أجابهم إلى ما طلبوا كأن وافق على مهادنتهم وتخلّى عن واجب ذم أفكارهم وأحكامهم ورموزهم ببيان زيفها ومخالفتها لشرع الله ومعاندتهم لدين الله ، وتوقف عن كشف خططهم وكيدهم للإسلام والمسلمين ، وأظهر رضاه وقبوله بفعالهم ، وأقرّ ظلمهم وبرّره لهم ، ورضي أن يتهم أفكاره هو وأحكامه هو بالبطلان وعدم الصلاح للعصر مثلاً ، وأن الفكر الفلاني أو الحكم الفلاني غير صحيح أو غير مشروع استجابة لمطالبهم وخضوعاً لإرادتهم فقد فتن ، لا فرق بين الافتتان عن فكر شرعي أو حكم شرعي واحد أو عن أفكار وأحكام شرعية عديدة ، فكل ذلك فتنة وافتتان يوجب لصاحبه العذاب في الدنيا والآخرة ضعف ما يعذّب به المعذّبون والعياذ بالله .**

**(2)

إن حمل الدعوة هو أشرف عمل يقوم به إنسان ، وهو أعظم مصدر لجني الحسنات ونوال الدرجات والمنازل ، فلا يصح أن يطمع بذلك من أراده بعمل سهل وجهد بسيط ، وأمن وأمان ، فحمل الدعوة لا يعني التفوّه بالكلام والتشدّق بالقول في المجالس حتى إذا اهتزت له عصا أو سمع تهديدات انكفأ على وجهه ونكص على عقبيه ، ظانّاً أن حمل الدعوة لعبةٌ وألهية لتمضية الوقت وإظهار البراعة .

إن البلاء والعذاب أمران لا بد من حصولهما أثناء حمل الدعوة ، وإن الصّبر والتحمّل أمران لا بد من وجودهما لدى حامل الدعوة ، وكلما أخلص حامل الدعوة وكلما نشط وقدّم كلما اشتد عليه البلاء والعذاب وبالتالي كلما احتاج لمزيد من صبر وتحمّل ، فالأنبياء والرسل أولاً ، وحملة الدعوة المخلصون الصادقون النشطون ثانياً ، ويأتي سائر المسلمين بعد ذلك حسب الصدق والإخلاص في سلّم البلاء والعذاب والصبر عليهما وتحمّلهما ، فعن سعد بن أبي وقاص قال : " قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء ؟ قال : الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل ، يُبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه وإن كان في دينه رقّة خُفّف عنه ، وما يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على ظهر الأرض ليس عليه خطيئة " رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان والدارمي والحاكم ، ورواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ، وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الصالحين يُشدّد عليهم وإنه لا يصيب مؤمناً نكبةٌ من شوكة فما فوق ذلك إلا حطّت به عنه خطيئة ورُفع بها درجة " رواه أحمد وابن حبان والبيهقي وصححه هو والذهبي .

فلينظر كل مسلم وخاصة حامل الدعوة لنفسه ، فإن كان مُبتلى بشدّة فليحمد الله ، وإن كان غير مُبتلى أو كان بلاؤه خفيفاً فليعلم أن دينه فيه رقّة ، فعليه أن يقويه بالإقدام على الواجبات والإكثار من الطاعات ، وتعديل خط سيره ، ولا يخدعنّ نفسه بتبريرات وتأويلات فاسدة ، فإن الميزان يوم القيامة لا يثقل بها ، بل ربما بها خف ونقص ، لأن التبريرات والتأويلات هذه تحول دون التمسك بالحق والثبات عليه ، فتكون معاصي وآثاماً .

إن البلاء والعذاب وإن كانا مكروهين لدى النَفس البشرية إلا أن الله سبحانه ينزلهما بمن يحب من عباده الصالحين فضلاً منه وكرماً وإنعاماً بالخير ، فمن كانت منزلته عند الله نازلة ارتفع بالصبر على البلاء والعذاب منزلةً ، ومن كانت آثامه كثيرة حُطّت آثامه حطّاً ، قال تعالى في سورة البقرة : { … وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم … } ، وعن أبي هريرة قال : قالرسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل فلا يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلّغه إياها " رواه ابن حبان وأبو يعلى ، وعن أبي هريرة أيضاً قال : قالرسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ، ورواه أحمد وابن حبان والحاكم .

إن البلاء في ذاته شر ، وإن العذاب شرّ كذلك ، وإنهما أمران لا بد لحامل الدعوة من مجابهتهما ، وقد أمره رب العزة بالتحلي بالصبر والتحمل حيالهما ، فمن امتثل لأمره سبحانه ، فصبر على البلاء وتحمّل العذاب فإنه بذلك يُحيل الشرّ خيراً والأذى نعمة وفضلاً ، فالصبر باب عظيم من أبواب الخير لا يجوز لمسلم أن يدير ظهره إليه ، ولا أن يجتنبه ويتخلى عنه ، وإلا فَقَدَ خيراً عميماً هو في أمس الحاجة إليه ، فعن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنه من يستعفّ يعفّه الله ، ومن يتصبّر يصبّره الله ، ومن يستغن يغنه الله ، ولن تُعطوا عطاء خيراً وأوسع من الصبر " رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي .

إن الله سبحانه كما يصبّ البلاء على من يحبّ من عباده فإنه يهبه الصبر لملاقاة هذا البلاء ، فهما أمران متلازمان لدى المؤمنين الصالحين المخلصين ، فكما أن من لا يصيبه بلاء ففي دينه خفة ورقة ، فكذلك من لا يملك الصبر ففي دينه خفة ورقّة ، أحدهما يدل على الآخر ويرشد إلى وجوده ، وكلاهما يدل على مدى فضل صاحبه عند ربه ، فعن عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يؤتى بالشهيد يوم القيامة فينصب للحساب ، ويؤتى بالمتصدق فينصب للحساب ، ثم يؤتى بأهل البلاء ولا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ، فيصبّ عليهم الأجر صبّاً ، حتى إن أهل العافية ليتمنون في الموقف أن أجسادهم قرضت بالمقاريض من حسن ثواب الله لهم " رواه الطبراني وأبو نعيم ، وصدق الله العظيم القائل في سورة الزمر : { … إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب } .

على هذا الصعيد يجب على المسلم أن يحمل الدعوة ، يسير في حملها وهو متبيّن موطئ قدميه ، غير غافل عن أية خطوة يخطوها ، لأنه يسير في حقل مزروع بالألغام ، لا يمكنه قطعه واجتيازه بدون أداة الصبر والتحمل ، فبالصبر والتحمل يتغلب على كل بلاء ، ويصمد لكل عذاب ، ويتصدى لكل مكروه ، ولهذا جاء ذكر الصبر في كتاب الله تعالى في حوالي مائة موضع ، وما ذاك إلا لخطورته وفضله .

ونزيد على ما سبق بالقول إن من أصيب بمصيبة فأراد أن يحولها في الدنيا إلى خير ، فليعمل بما روته أم سلمة ، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول إنّا لله وإنا إليه راجعون اللهم آجُرني في مصيبتي وأَخلِف لي خيراً منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها … " رواه أحمد ومسلم .

وإذا ما تعرض حامل الدعوة للتعذيب من قبل أعداء الدعوة فليقتدِ برسول الله rبأن يدعوا الله سبحانه بدعاء رسول الله rلدى تعذيب أهل الطائف له عندما ذهب لدعوتهم ، فعن محمد بن كعب القرظي أن رسول الله صلى الله عليه وسلمدعا قائلاً : " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس . يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين وأنت ربي ، إلى مَن تكلني ، إلى بعيدٍ يتجهمني أم إلى عدوٍّ ملّكته أمري ؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُنزل بي غضبك ، أو يحلّ عليّ سَخَطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك " رواه ابن هشام في السيرة ، ورواه البغوي في التفسير ، ورواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق عبد الله بن جعفر .**

**الصبر على البلاءإنه ما من أمة أو شعب أو قوم إلا ولهم عقائد يعتنقونها ، وأفكار يحملونها ، وأحكام ينظمون بها أمورهم ، ارتضوا لأنفسهم هذه العقائد والأفكار والأحكام وألفوها مع مرور الزمن ، وصاروا مستعدين للدفاع عنها ، لأنها غدت جزءاً من حياتهم وهذه سنة الله في خلقه لا تتخلف في الأمم والشعوب والأقوام ، ولهذا رأينا أنه ما من نبي أو رسول جاء قومه بعقائد وأحكام جديدة مغايرة لما هم عليه إلا ورفضوه ورفضوا ما يدعوهم إليه ، وكذبوه وآذوه ، ودافعوا عما ألفوا وارتضوا من العقائد والأفكار والأحكام ، فنال النبي أو الرسول من صنوف الأذى وألوان العذاب ما نجده مبثوثاً في كتاب الله سبحانه ، قال تعالى في سورة الأنعام : { ولقد كُذبت رسلٌ من قبلك فصبروا على ما كُذِّبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدّل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين } ، وقال سبحانه في سورة الزخرف : { وكم أرسلنا من نبي في الأولين * وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به بستهزؤون } .

وحيث أن أتباع الأنبياء والرسل يحملون الدعوات من بعدهم ، فإنهم هم كذلك كانوا يتعرضون للأذى والتعذيب ، ويكفي مثالاً على ذلك قوله تعالى في سورة البروج : { قتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود * إذ هم عليها قعود *وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود } . وما جاء في الحديث الشريف عن خبّاب بن الأرتّ قال : " شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بُردةً في ظل الكعبة ، قلنا له ألا تستنصر لنا ، ألا تدعو الله لنا ؟ قال : كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض ويجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصدّه ذلك عن دينه ، ويمشط بأمشاط من الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصدّه ذلك عن دينه ، والله ليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون " رواه البخاري وأحمد والنسائي وأبو داود .

وقد نال رسولَ الله صلى الله عليه وسلمونال أصحابَه من أذى قريش وقبائل العرب ما هو معروف ومشهور ، ويكفي مثالاً على ذلك ما جاء في البداية والنهاية لابن كثير : " وقال البخاري حدثنا عياش بن الوليد …حدثني عروة بن الزبير سألت ابن العاص فقلت أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله rقال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حِجْر الكعبة إذ أقبل عليه عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقاً شديداً ، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال : أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم … الآية " . وما جاء في البداية والنهاية : " عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلموكانوا ثمانية وثلاثين رجلاً ألح أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور ، فقال : يا أبا بكر إنّا قليل فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته ، وقام أبو بكر في الناس خطيباً ورسول الله r جالس فكان أوّل خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله r، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين فضُربوا في نواحي المسجد ضرباً شديداً ووُطئ أبو بكر وضُرب ضرباً شديداً ، ودنا منه الفاسق عقبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويحرفهما لوجهه ، ونزا على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه ، وجاء بنو تيْم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر ، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ولا يشكّون في موته … " .

ولكن الأنبياء والرسل وكذلك أتباعهم من بعدهم ما كانوا ليدعوا حمل الدعوة وتبليغ الشرائع والأحكام ، بل كانوا يصبرون ويصبرون على ما يلاقونه حتى يحكم الله بينهم وبين أقوامهم ، وما عُرف أن نبياً أو رسولاً أو أتباع نبي أو رسول تركوا حمل الدعوة وتخلوا عن حمل الأمانة من تعذيب أصابهم ، أو تكذيب واستهزاء تعرضوا له ، فكما أن سنة الله في خلقه

أن الأمم والشعوب والأقوام يدافعون عن عقائدهم وأفكارهم وأحكامهم ، فإن سنة الله في خلقه أن الأنبياء والرسل وأتباعهم من حملة الدعوة يصبرون على الأذى والتعذيب حتى يحكم الله بينهم وبين أقوامهم وينزل نصر الله عليهم ، فالآية المذكورة قبل قليل : { ولقد كذبت رسلٌ من قبلك فصبروا على ما كُذِّبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدّل لكلمات الله } صريحة الدلالة على ما نقول . فالصبر على العذاب والأذى سنة لا تتخلف في كل من يحمل الدعوة من أنبياء وأتباع على مرّ العصور والدهور ، ولم يحصل ولا مرة واحدة أن نبياً أو رسولاً أو حتى جُمْلة الأتباع لنبي أو رسول تعرضوا لأذى أو عذاب فتركوا حمل الدعوة واستجابوا لمراد أقوامهم ، لأن ذلك لو حصل لكان خارقاً للسّنّة ، ومبدلاً لكلمات الله .

وعلى هذا فإن حامل الدعوة يجب أن يعرف منذ اللحظة الأولى لحمل الدعوة أنه مُقدم على مجابهة قومه وشعبه ، ومتعرّض قطعاً للأذى والعذاب ، فإذا ما تعرض فعلاً للأذى والعذاب استقبله بالصبر والتحمّل لأنه قد هيّأ نفسه مقدماً لكل هذا ، وإلا لم يكن صادقاً في حمل الدعوة ولا عالماً بمقتضياته ، فيسقط على جانبي الطريق ، ولا يبقى إلا الصادق ، وإلا العالم بمقتضيات حمل الدعوة فحسب ، وهذه أيضاً سنة لا تتبدل ولا تتحوّل ، فالله تعالى يقول في سورة محمد : { ولنبلونّكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوَ أخباركم } ويقول سبحانه في سورة السجدة : { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } ويقول جل جلاله في سورة العنكبوت : { ولقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين } .

إن حمل الدعوة يعني ضرب العقائد والأفكار والأحكام المألوفة لدى الناس ، واستبدال عقائد وأفكار وأحكام بها ، كما يعني التعرض للأذى والعذاب وما يجب حياله من التحلي بالصبر والتحمّل ، وانتظار الفرج والنصر من رب العالمين ، هذا هو ما يعنيه حمل الدعوة بأوجز عبارة ، فمن حمل الدعوة فليحملها على هذا الأساس ، وليهيئ نفسه للسير بكل خطواتها ، ولا يصح أن يمنّي نفسه الأماني بأنه ربما تعدّى إحدى هذه الخطوات فسلم ونجا من العذاب والأذى ، أو جاءه النصر في أول الطريق .**

**(2)

وليعلم كل مسلم وحامل للدعوة خاصة أن الإخلاص في العبادة عصمة من غواية الشيطان ، من تمسّك به نجا وسلم ، وإلا ضلّ وغوى ، وانحرف عن الصراط المستقيم ، فقد جاء في سورة الحجر قوله تعالى يذكر قصة إبليس : { قال ربّ بما أغويتني لأزيّننّ لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلَصين * قال هذا صراط عليّ مستقيم * إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } ، فبيّن سبحانه أن إبليس كان يدرك أن المخلصين من عباد الله معصومون من فتنته وغوايته ، وأما غيرهم فهم أتباعه الغاوون ، فعباد الله الذين لا سلطان لإبليس عليهم والناجون من حبائله هم المخلصون وحدهم دون سواهم ، وكلمة المخلصين الواردة في الآية قرئت بفتح اللام - المخلَصين - وتعني من أخلصهم الله واصطفاهم لعبادته ، وقرئت بكسر اللام - المخلِصين - وتعني من أخلصوا العبادة لله ، وكلا القراءتين جاءت بطريق التواتر ، ومعنى اللفظين متقارب .

إن الإخلاص في القول أن تقول ما تقول امتثالاً لأمر الله وسعياً وراء مرضاته فقط ، وإن الإخلاص في العمل أن تعمل العمل امتثالاً لأمر الله وسعياً وراء مرضاته فقط ، أما إن كان القول أو العمل وفق الحكم الشرعي ولأجل غرض دنيوي وشخصي في آن واحد ، أي كانا امتثالاً لأمر الله وسعياً وراء مرضاته إضافة إلى تحقيق غرض دنيوي ونفع شخصي ، انطبق عليهما حديث أبي أمامة الباهلي : " إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتُغي به وجهه " ، إلا أن يكون القول أو العمل المطلوبان شرعاً إنما أمر الله بهما لتحقيق غرض دنيوي ونفع شخصي فلا بأس ، لأن صاحبهما في هذه الحالة إنما يمتثل أمر الله ويسعى وراء مرضاته بالقول أو بالعمل ، فالتجارة من بيع وشراء وتوكيل وحوالة ، والزواج من عقد ونفقة وكفالة وولاية ، والتطبيب من تشخيص داء ووصف دواء وإجراء عمليات ، وسائر أعمال المعاش والكسب لا بأس بما يقال فيها وما يعمل ابتغاء الغرض الدنيوي والنفع الشخصي ما دامت تُؤدّى كلُّها وفق الحكم الشرعي ، أما العبادات وهي تعني شكر الخالق المنعم المتفضل وحمده وعبادته فلا يصح فيها الشرك وإلا حبطت ولم تقبل ، وذلك كالجهاد وحمل الدعوة وإقامة الصلاة وأداء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله والتصدق على الفقير وإحسان العمل وقراءة القرآن وذكر الله وسائر العبادات ، فهذه يجب أن تتجه النية فيها إليه سبحانه ، فإنما الأعمال - أي العبادات هنا - بالنية وإنما لامرئ ما نوى ، فمن نوى حمل الدعوة إرضاء لله وامتثالاً لأمره فنيته لله ، ومن حملها تكسّباً أو إظهاراً للعلم والفهم أو سعياً وراء الجاه والذكر كانت وبالاً عليه ولا يقبلها الله منه ، فحمل الدعوة عبادة ينطبق عليها ما ينطبق على سائر العبادات ، فيجب أن يكون فيها الإخلاص الخالص لله سبحانه ، يحملها المسلم امتثالاً لأمر الله وسعياً وراء مرضاته فحسب ، لأنه بذلك إنما يوجّه عبادته للخالق المنعم المتفضل وحده لا شريك له ، فلا الجهاد بغير إخلاص النية ، ولا حمل الدعوة بغير إخلاص النية ، ولا أية عبادة بغير إخلاص النية تقبل ويرضى الله عن صاحبها وفاعلها ، فحتى يجاهد مسلم ، وحتى يحمل الدعوة مسلم ، وحتى يعبد الله مسلم يجب أن يكون الجهاد خالصاً لله ، وأن يكون حمل الدعوة خالصاً لله ، وأن تكون عبادته كلها خالصة لله ، وإلا كان مشركاً شركاً أصغر أو أكبر ، خفياً أو ظاهراً ، وهذا كله يحول دون نوال رضوان الله ويُقحم صاحبه في نار جهنم .

إن الإخلاص في حمل الدعوة كالإخلاص في أية عبادة هو الكفيل بقبولها ، وبدون الإخلاص يقع الشرك المحبط للأعمال كلها ، فلينتبه حامل الدعوة إلى هذه المسالة ، وليولها كل عناية واهتمام .**

الإخلاص في حمل الدعوة

إن هذا الكون كله بما فيه الإنسان مخلوق لله ، وإن الله وحده هو خالق هذا الكون بما فيه الإنسان ، وهذه حقيقة عند العلماء والعقلاء ، وهي عقيدة للمؤمنين ، فالإنسان مخلوق لله ، والله وحده هو خالقه ، خلق روحه وجسمه وغرائزه وحاجاته العضوية وصفاته الفطرية ، ومن هذه الصفات الفطرية أنه يشكر من أنعم عليه ويحمد من تفضل عليه ، وإلا كان ناكراً للجميل جاحداً للنعمة والفضل ، وهذه الصفة الفطرية عامة في الإنسان أينما كان ، فإذا أنعم أحدٌ عليك بنعمة ، وحباك أحد بعطية سارعت إلى شكره وبادرت إلى حمده دون تردد وتفكير ، لأنها صفة أصيلة فيك وفطرة فطرت عليها ، وهذه الصفة الفطرية لا تدفعك لشكر غير المنعم ولحمد غير المتفضل ، فمن أهداك هدية شكرته هو ، ومن أعطاك عطية حمدته هو ، وليس مطلوباً ولا مقبولاً أن تشكر غير المُهدي ، أو تحمد غير المعطي ، كما أنه ليس مطلوباً ولا مقبولاً أن تشكر مع المهدي غيره ، أو تحمد مع المعطي شخصاً آخر ، لأن ذلك مغاير ومخالف للصفة الفطرية ، ويأباها العقل السويّ .

إن الله سبحانه فطر الإنسان على هذه الصفة ، فهي أصيلة فيه عميقة في نفسه ، وحيث أن الله سبحانه هو الخالق وهو المنعم المتفضل علينا ، أنعم علينا بنعمة الخلق من عدم ، وتفضل علينا بما لا يحصى من النعم لم يشاركه أحد في كل ذلك ، فإن الصفة الفطرية فينا تدفعنا وتقتضي منا أن نبادر إلى شكره وحمده وحده لا نشرك في الشكر والحمد معه سواه ، وهذا المعنى هو أصل الدين ، وهو الغاية الرئيسية من إنزال الشرائع كلها ، فالله هو الخالق المنعم المتفضل ، والإنسان هو المنعم عليه المتفضَّل عليه ، فكان عليه واجب الشكر والحمد لله وحده دون سواه ، وهذا المعنى موجود في قوله تعالى في سورة الروم : { فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ، فالدين القيم هو ما فطر الله الناس عليه فطرة لا تتغير ، وهو التوجه إلى الله وحده دون سواه في الشكر والحمد والعبادة ، ونحن نقول إن الإسلام دين الفطرة ، وهذه الآية الكريمة قد شرحت أصل الدين الفطري بأنه يعني التوجه بالعبادة إلى الله وحده دون أي انحراف بهذا التوجه إلى غيره ، أي توحيد الله بالعبادة دون شرك ، وهذا المعنى هو ما جاءت به أيضاً الآية الكريمة في سورة الذاريات : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ، وهو المعنى نفسه نجده مختصراً في قولِه ( لا إله إلا الله ) ، ومعناها لا معبود سوى الله .

وباستحضار هذا المعنى لأصل الدين نستطيع إدراك مدى قبح الشرك ، ذلك أن الشرك هو الخروج على هذه الفطرة ، والتضادّ مع أصل الدين ، وهو يعني التوجه بالشكر والحمد والعبادة إلى غير المنعم المتفضل الخالق إلى جانب التوجه بالشكر والحمد والعبادة إلى المنعم المتفضل الخالق ، وربما تمادى الشرك إلى شكر غير المنعم وحمد غير المتفضل وعبادة غير الخالق فقط ، وترك شكر المنعم وحمد المتفضل وعبادة الخالق كليّة ، والمشركون حالهم أنهم أقاموا وجوههم للدين مائلاً منحرفاً إلى غير الجهة والقصد المطلوبين ، في حين أن أصل الدين يعني خلوص العبادة لمن يستحقها فقط ، ولهذا يصح أن نقول إنّ المشرك فاسدة فطرته ، شاذ في صفته ، منحرف في توجهه ، ولهذا استحق هذا الوعيد الشديد الوارد في سورة النساء في موضعين : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء … } ، وهذا المعنى هو أيضاً ما يجب استحضاره عندما نقرأ ما رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه كما تُنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء " ثم يقول أبو هريرة : واقرأوا إن شئتم : { فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله } الآية . رواه مسلم . فالله سبحانه خلق الإنسان على الفطرة ، بمعنى على الدين القيم ، أو الدين الحنيف ، أو العبادة الخالصة لله سبحانه ، فيأتي اليهودي والنصراني والمجوسي فيغيرون فطرة أبنائهم ويحرفونها ليجعلوا عبادتهم مصروفة لغير الله أو متجة لله وغيره معاً ،

مخالفين الأمر الإلهي بعبادة الله وحده دون سواه ، لأنه وحده المستحق للعبادة ، لأنه وحده الذي خلق وأنعم وتفضل ، فالحمد لله على نعمة الإسلام الذي جاء بالفطرة وهي التوجه بالشكر والحمد والعبادة لمستحقها وهو الخالق المنعم المتفضل وحده ، فعلى كل مسلم إدراك هذه الحقيقة ، والاعتقاد بهذه العقيدة ، وأن يعض عليها بالنواجذ وليحذر وهو يتوجه في عبادته لربه من إشراك غير الله في التوجه والعبادة ، لأنه الشرك ، ولأنه الظلم ، ولأنه الضلال ، ولأن العاقبة الخلود في النار ، وليحرص على فطرته وصفته الأصيلة وهو التوجه بالشكر والحمد والعبادة لمن خلق وأنعم وتفضل وهو الله وحده دون سواه .

إن الله سبحانه ما أنزل ديناً إلا وأنزله على الفطرة ، فالدين الذي نزل على نبي الله موسى نزل على الفطرة ، والدين الذي نزل على نبي الله عيسى نزل على الفطرة ، ثم إن أتباع هاتين الديانتين من المتأخرين قاموا بتحريف التوراة والإنجيل ، فأفسدوا الدين القيم والفطرة اللذين نزل الدينان عليهما ، واتخذوا العزير والمسيح ندّين لله سبحانه ، فوقعوا في الشرك ، فأرسل الله نبيه محمداً rبدين الإسلام ليرد الناس إلى الدين القيم ويعيدهم إلى الفطرة التي فطرهم عليها ، وهي توحيد الله وإخلاص العبادة لله ، وحتى لا يقع المسلمون فيما وقع فيه من قبلهم من شرك . فقد تكفّل سبحانه بحفظ كتابه المنزل من التحريف فقال في سورة الحجر : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ، إضافة إلى أن نصوص الكتاب وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شدّدت النكير على الشرك كما لم تشدد على غيره مثله ، وركّزت على الإخلاص في العبادة ، وتوحيد الله سبحانه ، وهذه جملة من النصوص في ذلك :

أ - قال تعالى في سورة الأعراف : { قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون } .

ب - وقال سبحانه في سورة الزمر : { قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين * وأمرت لأن أكون أول المسلمين * قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم * قل الله أعبدُ مخلصاً له ديني } .

ج - قال جل جلاله في سورة فصلت : { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين } .

د - عن عبد الله بن مسعود قال : " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أيُّ الذنب أعظم عند الله قال أن تجعل لله نداً وهو خلقك … " رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأحمد .

هـ - عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله تبارك وتعالى : أنا أغنى الأغنياء عن الشرك ، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه " رواه مسلم وأحمد ، ورواه ابن ماجة بلفظ " … من عمل عملاً وأشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو للذي أشرك" .

و - عن معاذ بن جبل قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد قال الله ورسوله أعلم قال : أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ، أتدري ما حقهم عليه قال الله ورسوله أعلم ، قال أن لا يعذّبهم " رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد .

إن الشرك يقابله الإخلاص ، فحتى ينجو المسلم من الشرك خفيِّه وظاهره ، صغيره وكبيره يجب أن يتحلى بالإخلاص في كل ما يقول ويعمل ، فالإخلاص يطرد الشرك ويحمي صاحبه منه ، وبدون الإخلاص يقع في الشرك ، فبقدر ما يسعى المسلم وخاصة حامل الدعوة للنجاة من الشرك بقدر ما يجب أن يتمسّك بالإخلاص والإخلاص الخالص فيما يصدر عنه من قول أو فعل ، فبالإخلاص يكون الفلاح والنجاة ، عن أبي ذرّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال : " قد افلح من أخلص قلبه للإيمان وجعل قلبه سليماً ولسانه صادقاً ونفسه مطمئنة وخليقته مستقيمة وجعل أذنه مستمعة وعينه ناظرة … " رواه أحمد والبيهقي بسند حسّنه الهيثمي ، وعن جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاث لا يغل عليهن قلب المؤمن : إخلاص العمل ، والنصحية لولي الأمر ، ولزوم الجماعة ، فإن دعوتهم تكون من ورائه " رواه أحمد والطبراني بسند جيد

، وعن أبي هريرة أنه قال : " قيل يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أوّل منك لما رأيت من حرصك على الحديث ، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً مخلصاً من قلبه أو نفسه " رواه البخاري ، ورواه أحمد بلفظ " … لمن يشهد أن لا إله إلا الله مخلصاً يصدّق قلبه لسانه ولسانه قلبه " ، وعن يعقوب بن عاصم أنه سمع رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما قال عبد قط لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مخلصاً بها روحه مصدقاً بها قلبُه لسانَه إلا فتق له أبواب السماء حتى ينظر الله إلى قائلها ، وحُق لعبدٍ نظر الله إليه أن يعطيه سُؤله " رواه النسائي ورواه الترمذي مختصراً من حديث أبي هريرة ، فالفلاح ونوال الشفاعة ونظر الله الذي يحقق نوال المطلوب إنما تحصل بإخلاص العبادة لله ، وعكسها من عكسه ، وليعلم المسلم وحامل الدعوة خاصة أن العمل الصالح لا يكفي ، فلا يصح أن يقف المسلم أمام جمع من الناس يدعوهم إلى الإسلام ويعلمهم الأحكام ويحمل إليهم الدعوة إن كان يريد من ذلك أن يقول الناس عنه إنه عالم ، ولا يصح أن يُظهر حامل الدعوة وأي مسلم موظفٍ في دائرةٍ أو شركة النشاط في العمل والاندفاع فيه إن كان يقصد من ذلك نوال منزلة وحظوة عند مسؤوله ، ولا يجوز لحامل الدعوة ولأي مسلم أن يصلي أمام الناس صلاة طويلة بخشوع وتبتل على غير عادته في صلاته وحيداً قاصداً من ذلك إظهار تقواه وحسن عبادته ، ولا يقبل الله من متصدق في جمع من الناس إن كان إنما تصدّق ليقال عنه إنه فاعل خير ، ولا يجوز إلا أن تكون الأعمال كلها لله ، ولله وحده ، وإلا دخلها الشرك الصغير أو الكبير ، والخفي أو الظاهر ، فأحبط العمل كله ، فعن أبي أمامة الباهلي قال : " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ما له ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شيء له ، فأعادها ثلاث مرات يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شيء له ، ثم قال : إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتُغي به وجهه " رواه النسائي ، ورواه أبو داود وأحمد بلفظ " … رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عَرَضاً من عَرَض الدنيا … ، فالجهاد وهو سنام الإسلام وعبادة من أعظم العبادات لا ينفع صاحبَه بشيء عند ربه إن هو أشرك في توجّهه إلى الله معه غيره فيه ، لأن الله كما مرّ قبل قليل لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له .**

**القرآن والكون

أنزل الله سبحانه القرآن على محمد بن عبد الله بلغة قومه من العرب ، وجعله آيات ، وجعل هذه الآيات مقروءة ومفهومة لمن يعرف العربية ، ورغم أن هذه الآيات التي تشكل كل مجموعة منها سورة من القرآن منزلة باللغة العربية على نبي عربي يعيش بين العرب أيام كانوا يعتزون بلغتهم ويدّعون الفصاحة والبلاغة ، فإن الله سبحانه قد تحدى هؤلاء العرب في مكة أن يأتوا بمجموعات منها ، فقال تعالى في بادئ الأمر في سورة هود : { أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } ، فلما عجزوا تحداهم الله سبحانه أن يأتوا بمجموعة واحدة منها فقال في سورة يونس : { أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } فلما عجز عرب مكة ، وانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة تحدّى الله سبحانه سائر العرب هذه المرة أن يأتوا بمجموعة واحدة منها ، فقال في سورة البقرة : { وإن كنتم في ريب مما نزّلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين } ، فعجز سائر العرب عن الإتيان بسورة واحدة ، وخسروا التحدي .

والناظر في هذه المسألة يقف متسائلاً : كيف عجز العرب عن الإتيان بمثل سورة واحدة من القرآن ولو بلغت ثلاث آيات كسورة الكوثر وهم أهل الفصاحة وأرباب اللغة ؟ والجواب على ذلك هو أن القرآن صنف من التعبير جديد لم يعهده العرب ولم يعرفوه عبر تاريخهم ، فالتعبير العربي إما نثر بأنواعه المعروفة ، وإما شعر بأنواعه المعروفة ، أي هو صنفان فحسب ، وهذان الصنفان هما في مقدورهم لأنهم هم مبتدعوهما ، ولم يكن يخطر ببالهم مطلقاً أن يكون في لغتهم صنف ثالث من أصناف التعبير ، وهنا كان الإعجاز في القرآن الكريم ، فالإعجاز هو أن القرآن صنف ثالث لا عهد للعرب به ، ولا قدرة لديهم عليه ، وإن التحدي في العادة لا يكون إلا في أمرٍ يدّعي أصحابه البراعة فيه والإتقان له ، وإلا لم يكن للتحدي جدوى ، وحيث أن العرب يدّعون البراعة في اللغة العربية وإتقانها ، وأنهم أهل فصاحة وبلاغة وبيان ، فإن تحدي الله لهم في لغتهم وأساليب التعبير فيها هو تحدٍّ في موضعه ، أرأيت لو أنك تحديت أمياً بأن يكتب فعجز أكنت تقيم عليه الحجة بأنك تملك الإعجاز ؟ أرأيت لو أنك تحديت عالم رياضيات بأن يقوم بتشريح جثة فعجز أكان يصلح هذا العجز منه حجة لك بأنك تملك الإعجاز ؟ كلا طبعاً ، فالتحدي لا يكون إلا في أمر يدّعي صاحبه أنه عالم به بصير به قادر عليه ، فإن عجز عن الإتيان بما ادّعى أنه عالم به ، فهو الأمر المطلوب وهو إقامة الحجة عليه ، والعرب لم يكونوا يتقنون ويبدعون سوى التعبير بلغتهم ويدّعون العلم التام بأساليب التعبير فيها ، فكان التحدي في هذه المسألة حاسماً ومفحماً لهم ، فالقرآن كلام معجز ، والإعجاز فيه آت من حيث أنه جاء بصنف جديد من التعبير لا هو نثر ولا هو شعر ، وإنما هو قرآن لا قدرة لأحد على الإتيان بمثله حتى ولو وقف عليه وتعلّمه ، فصار للغة العربية ثلاث أصناف في التعبير : النثر ، والشعر - وهما مقدور عليهما من قبل العرب - والتعبير القرآني ، وهو الذي لا قدرة للعرب عليه ، وهذه الميزة لم تتوفر لغير اللغة العربية مطلقاً .

وحيث أن الله سبحانه قد أنزل هذا القرآن على محمد بن عبد الله ليكون معجزته التي يثبت بها نبوته وأنه مرسل من ربه عز وجل ، وحيث أن هذا القرآن المعجزة يتشكل من جمل ، فإن هذه الجمل فيها الإعجاز الدالّ على أن الله سبحانه هو قائل هذه الجمل وهو منزلها على نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم، لهذا أطلق التعبير القرآني كلمة آية وآيات على هذه الجمل ، والسبب في هذا الإطلاق أن الآية في اللغة هي العلامة أو الأَمارة الدالّة على شيء ، وحيث أن هذه الجمل بسبب كونها معجزة تدل على القائل القدير وهو الله سبحانه فإنه سبحانه سمّاها آيات ، أي علامات دالة على وجوده سبحانه . فالقرآن يتشكل من جمل ، كل جملة منه علامة دالة على وجود الله ، لأن غير الله لا يستطيع الإتيان بمثلها ، قال تعالى في سورتي البقرة وآل عمران : { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق } ، وقال جلّ جلاله في سورة آل عمران : { ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم } ، وقال أيضاً في سورة آل عمران : { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات …} ، وقال في سورة يونس : { الر تلك آيات الكتاب الحكيم } .

فالقرآن سَمّى جُمَله التي يتشكل منها آيات ، بمعنى علامات دالاّت على وجود الحق سبحانه .

ولننظر الآن في هذا الكون الواسع وما يتشكل منه .

إن الناظر في هذا الكون يجد أن كل جِرْمٍ ، بل كل شيء يتكون الجِرْم منه أو عليه هو أيضاً معجز لا قدرة للبَشر على الإتيان بمثله ، وحيث أن هذه المخلوقات وجودها معجز ، فإن مما لا شك فيه أنه يصح أن يطلق عليها مجتمعة أو متفرقة لفظة آيات أو آية لنفس المعنى المقصود لآيات القرآن الكريم ، فكما أن جمل القرآن معجزة ولذلك أطلق عليها لفظة آيات ، فإن مخلوقات هذا الكون لا شك في إعجازها ، ولهذا يطلق عليها هي الأخرى لفظة آيات ، أي علامات دالاّت على وجود خالقها القدير ، ولقد أطلق القرآن الكريم على الكثير من هذه المخلوقات لفظة آيات ، فقال تعالى في سورة البقرة : { إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفُلْكِ التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبثّ فيها من كل دابّة وتصريفِ الرياح والسّحابِ المسخّر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون } ، وقال سبحانه في سورة يونس : { إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون } وقال جلّ وعلا في سورة فصلت : { ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهنّ إن كنتم إياه تعبدون } وقال سبحانه في سورة الروم : { ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون *ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون * ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمِين * ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون * ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزّل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون * ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوةً من الأرض إذا أنتم تخرجون } ، فقد أطلق سبحانه لفظة الآيات على خلق السموات ، وعلى خلق الأرض ، وعلى اختلاف الليل والنهار ، وعلى السفن الجارية في البحر ، وعلى المطر النازل من السماء ، وعلى جميع دوابّ الأرض ، وعلى تصريف الرياح ، وعلى السحاب بين السماء والأرض ، وعلى الشمس ، وعلى القمر ، وعلى خلق الإنسان ، وعلى التزاوج بين البشر ، وعلى اختلاف الألوان واختلاف الألسن ، وعلى النوم ، وعلى البرق ، كما أطلقها على مخلوقات أخرى وردت في آيات القرآن الكثيرة ، ويكفي أن يقول سبحانه في سورة الجاثية : { إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين } ، وما مرّ قبل قليل في سورة يونس : { … وما خلق الله في السموات والأرض لآيات …} فالكون سموات وأرض وما في هذه السموات والأرض ، فهاتان الآيتان من كتاب الله سبحانه قد أتتا على جميع مخلوقات هذا الكون ، ووصفتها كلها بأنها آيات ، أي علامات دالاّت على وجود الخالق القدير ، ويكفي مثالاً على الإعجاز في خلق هذه المخلوقات قوله سبحانه في الحديث الذي رواه أبو هريرة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " قال الله عز وجلّ : ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرّة أو ليخلقوا حبّة أو شعيرة " رواه البخاري وأحمد ، فالتحدي بخصوص الآيات الكونية كالتحدي الذي جاء بخصوص الآيات القرآنية الوارد في سورة الإسراء : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً } ،

فكما أن البشر يعجزون عن الإتيان بمثل الآيات التنزيلية فإنهم كذلك يعجزون عن الإتيان بمثل الآيات الكونية ، أي أنهم عاجزون عن صياغة مثل جمل القرآن عجزهم عن خلق مثل مخلوقات هذا الكون .

فالقرآن كتاب مقروء مشكّل من آيات ، وأما الكون فكتاب منظور مشكّل من آيات ، وكلا هذين الكتابين تدل آياته على وجود الخالق القدير .**

**مع كتاب الله

أنزل الله سبحانه القرآن على رسول الله r على مدى ثلاثة وعشرين عاماً ، ثلاثة عشر عاماً ، وهو في مكة ، وعشرة أعوام وهو في المدينة ، أنزله بلسان عربي مبين لا ليكون معجزة لمحمد بن عبد الله يثبت صدق نبوته فقط ، ولا ليتخذه المسلمون منهاجاً ونبراساً للعمل والتطبيق فحسب ، وإنما أنزله رب العالمين لأمر ثالث أيضاً هو التعبد بتعلمه وتعليمه ، وبحفظه وتعاهده ، وبتلاوته وترتيله ، فالقرآن كلام يعلو ويسمو على كلّ كلام ، فتعلمه وتعليمه أفضل التعلم والتعليم ، وحفظه وتعاهده أفضل الحفظ والتعاهد ، وتلاوته وترتيله أفضل التلاوة والترتيل ، بل لا تكون تلاوة مع ترتيل إلا للقرآن فحسب ، فينبغي لكلّ مسلم ولحامل الدعوة بشكل خاص أن يتعلم كتاب الله فيقف على معانيه وأحكامه ، ويسترشد بهديه ونوره ، لأن الله سبحانه أنزله ليَعْلَمَه الناسُ ، فقال في سورة فصلت : { كتابٌ فُصّلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون } ، وكما قلنا فإن تعلم القرآن وتعليمه أفضل التعلم والتعليم ، فعن عثمان بن عفان قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم: " خيركم من تعلم القرآن وعلّمه " رواه البخاري ومسلم وأحمد وأصحاب السنن ، وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " تعلموا القرآن واقرأوه فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشوٍّ مسكاً يفوح ريحه في كل مكان … " رواه الترمذي بسند حسن ، ورواه ابن ماجة . قوله كمثل جرابٍ محشوٍ مسكاً يعني مثل وعاء مملوء بعطر المسك الذي هو أطيب العطور ، وقد امتثل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا الهدي النبوي ، فأقبلوا على كتاب الله يتعلمونه ويعملون به سالكين في ذلك ما رواه أبو عبد الرحمن قال : " حدثنا مَن كان يُقرئنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقترؤون من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل ، قالوا فعلمنا العلم والعمل " رواه أحمد والحاكم وصححه هو والذهبي .

إن حامل الدعوة محتاج في حمله للدعوة لأن يتسلح بالعلم بالعقيدة وأفكارها ، وبالأحكام الشرعية ، وإن أهمّ العلم وأفضله العلمُ بما جاء في كتاب الله منها ، فعلى حامل الدعوة أن يقف على ما في كتاب الله من العقيدة وأفكارها ، ومن الأحكام الشرعية .

كما ينبغي لحامل الدعوة أن يحفظ من القرآن ما يتيسر له منه حتى يستطيع قراءته في صلاته وخاصة صلاة الفجر التي يُسن الإكثار فيها من قراءة القرآن ، قال تعالى في سورة الإسراء : { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا } ، إضافة إلى أن حفظ آيات الله كلما كان أكثر كلما حقق المسلم لنفسه مزيد فضل ومنزلة عند ربه ، وهو ما ينبغي لحامل الدعوة أن يحرص عليه ، فعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يقال لصاحب القرآن اِقرأ وارْتَقِ ورتّل كما كنت ترتل في الدنيا ، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأُها " رواه أبو داود وأحمد وابن ماجة وابن حبان والترمذي وقال : حديث حسن صحيح . وكما أن العاقل اللبيب إن هو حصّل خيراً احتفظ به ولم يفرط فيه ، فكذلك حامل القرآن وحافظه ، فمن حفظ من القرآن شيئاً لم يفرط فيه بنسيان وإهمال ، ولم يدعه للتفلّت والضياع ، بل داوم على تعاهده ومذاكرته حتى يبقى محفوظاً في صدره ، وإلا فوّت وأضاع خيراً كثيراً ، فعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشدّ تفصّياً من الإبل في عُقُلها " رواه البخاري ومسلم ، قوله أشدّ تفصّياً من الإبل في عقلها يعني أكثر تفلتاً وشروداً من الإبل المربوطة ، وعن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بئسما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت بل نُسِّي ، واستذكروا القرآن فإنه أشدّ تفصياً من صدور الرجال من النَّعَم " رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والدارمي ، ويكفي ما رواه ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخَرِب " رواه الترمذي بسند حسن صحيح ، ورواه الدارمي وأحمد وابن ماجة ، فليحرص حامل الدعوة على الإكثار من حفظ آيات الله ، وليحذر من نسيان ما حفظ منها .

أما بخصوص تلاوة القرآن وترتيله فنقول : إن القرآن أنفس النفائس ، وأثمن الموجودات ، فلا يجوز هجره ، ولا يحل تركه على الأرفف ليعلوه الغبار ، وإنما الأصل في المسلم وخاصة حامل الدعوة أن يبقيه إلى جانبه ، ويحمله في حله وترحاله ويقرأ منه ما تيسر له كل يوم ، يقرأ وهو منشرح الصدر مقبلٌ على ما يقرأ ، فإذا تعب ومالت النفس عن القراءة فليترك حتى لا يقرأ إلا وهو راغب في القراءة ، قال تعالى في سورة المزّمّل : { … فاقرأوا ما تيسر من القرآن … } ، وعن جندب بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلمقال : " إقرأوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه " رواه البخاري ومسلم وأحمد . والقرآن ثلاثون جزءاً يُقرأ في ثلاثين يوماً بمعدل جزء في كل يوم ، أي حوالي عشرين صفحة ، وهذا أعدل القراءة ، إلا أن يكون سجيناً أو مريضاً في الفراش أو يقوم الليل مثلاً فلا بأس من قراءته في أقلّ من ثلاثين يوماً ، فعن عبد الله بن عمرو قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إقرأ القرآن في كل شهر ، قال قلت إني أجد قوة قال فاقرأه في عشرين ليلة قال قلت إني أجد قوة . قال فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك " رواه مسلم والبخاري وأبو داود والنسائي وأحمد ، فأعدل القراءة أن يُقرأ القرآن مرة كل شهر ، إلا أن يجد متسعاً من الوقت كالسجين أو المقعد في فراشه لمرض ، أو الشيخ الهرم الذي لا يقوى على العمل ، أو المفجوع بمصاب يريد أن يتعزى بالقراءة عن مصابه ، أو من هو في مثل هذه الحالات ، وذلك لأن الأمر النبوي قد انصبّ على القراءة مرة في الشهر ، ولم يأذن بقراءته في أقل من شهر إلا لعبد الله بن عمرو ومن هو على مثل حاله ، وليعلم حامل الدعوة أن حمل الدعوة واجب ، في حين أن قراءة القرآن مندوبة ، فلا يصح أن يجعل قراءة القرآن تحول بينه وبين واجب حمل الدعوة ، فما دام يستطيع حمل الدعوة فليحملها ، حتى إذا لم يعد يستطع مواصلة العمل لتعبٍ أو لظروف طارئة فليقرأ القرآن في هذه الظروف والأحوال ، وإن هو زاد على القراءة مرة في الشهر . ولكن على حامل الدعوة أن يحرص على قراءة ما تيسر له من القرآن كل يوم ولو أقل من جزء في اليوم ، ولو أقلّ من حزب في اليوم ، والحزب نصف الجزء ، ولا ينبغي له أن يهمل قراءة القرآن بالكلية ، وإذا قرأ القرآن قرأه مرتلاً ، والترتيل هو التمهل في القراءة وتفريق الحروف وإعطاؤها حقها من النطق ، فالقرآن يقرأ بالمد وعلى تمهّل ، فعن قتادة قال : " سئل أنس كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال كانت مداً ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمدّ بسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم " رواه البخاري وأبو داود . والله سبحانه قد أمر نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يتمهّل في القراءة فقال في سورة الإسراء : { وقرآناً فَرَقْناه لتقرأه على الناس على مُكْثٍ ونزّلناه تنزيلاً } وأمره بترتيل القرآن فنحن مأمورون باتباعه فيه ، فقال في سورة المزّمّل : { … ورتل القرآن ترتيلاً } . والأصل في حامل الدعوة أن يداوم على قراءة القرآن وترتيله ، بحيث لا يمرّ عليه يوم إلا وقرأ شيئاً من القرآن ، حتى إذا ختمه افتتح القراءة بسورة الفاتحة من جديد ، وهكذا كلما ختم ختمة استأنف القراءة ، فعن زرارة بن أبي أوفى " أن النبيصلى الله عليه وسلمسئل أي العمل أفضل ، قال الحالّ المرتحِل ، قيل وما الحالّ المرتحل ، قال صاحب القرآن يضرب من أوّل القرآن إلى آخره ومن آخره إلى أوله كلما حلّ ارتحل " رواه الدارمي ، وروى الترمذي صدره فقط ، فإن فعل ذلك فصار ماهراً في القراءة لطول اشتغاله بها نال مكانة عالية كريمة ، فعن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة ، والذي يقرأ وهو يشتد عليه له أجران " رواه البخاري ومسلم وابن ماجة والنسائي والترمذي وأحمد ، والسَّفَرة هم الملائكة الكتبة في اللوح المحفوظ ، يكون الماهر بقراءة القرآن معهم . لهذا لا يصح بعد الوقوف على هذه المنزلة أن يغفل حامل الدعوة عن النصَب والدأب ليحصلها ، وهو الحريص على كل خير والساعي لكل فضل.

إن القرآن مائة وأربع عشرة سورة تضمّ نيفاً وستة آلاف آية تضم نيّفاً وثلاثمائة ألف حرف ، فإذا عرفنا أن قراءة كل حرف من القرآن تعدل حسنة وربما ضوعفت الحسنةإلى عشر أمثالها علمنا كم من الحسنات ينال قارئ القرآن بقراءته له ، فاندفعنا من ثَمّ إلى قراءة القرآن كلما تيسّر لنا ذلك ، وحرصنا على عدم تفويت هذا الخير العميم ، فعن عبد الله بن مسعود قال : قالرسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب ، ورواه ابن أبي شيبة .

إن الأصل والأجدر بالمسلم أن يقرأ كتاب الله وهو حاضر الذهن ، يعي ويفقه ما يقرأ ، ولْيعلم وهو يقرأ أن كلام الله يجري على لسانه ، فلا يليق بمن هذا حاله أن يقرأ وهو شارد الذهن مشغولاً عنه بغيره ، فإن أبى إلا الانشغال بغيره عنه فليقطع قراءته ، ولينصرف إلى حاجته ، ولا يعود إلى القراءة إلا بعد أن يحصر ذهنه فيما يقرأ ، فإذا مرّ بآية رحمة سأل ربه أن يرحمه ويرحم المسلمين ، وإذا مرّ بآية فيها عذاب تعوّذ بالله من عذاب الله ، وإذا مرّ بآية فيها تنزيه لله نزّه الله وسبّح ، وهكذا يبقى متفاعلاً مع القراءة منغمساً فيها مشغولاً بها عما عداها ، فعن حذيفة بن اليمان " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا مرّ بآية رحمة سأل ، وإذا مرّ بآية فيها عذاب تعوّذ ، وإذا مرّ بآية فيها تنزيه لله عزّ وجلّ سبّح " رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ، فمثلاً إذا قرأ قوله تعالى في سورة البقرة : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب } قال : اللهم أنزل علينا نصرك ، واجعله قريباً يا رب العالمين ، وإذا قرأ قوله سبحانه في سورة المائدة : { وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } قال : اللهم اجعل رزقي حلالاً طيباً واجعلني من المتقين ، وإذا قرأ قوله جلّ جلاله في سورة الشورى : { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون } دعا الله قائلاً : اللهم إني تبت إليك فاقبل توبتي واعفُ عني ، وإذا قرأ قوله عز وجل في سورة ق : { فاصبر على ما يقولون وسبّح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب } قال : سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ، وهكذا .**

**(2)

إن جمهرة المسلمين اليوم قد أحبوا الدنيا ، وأعماهم الهوى عن الالتزام والتقيد بشرع الله ، فضربهم الله بأن سلّط عليهم النصارى واليهود والهندوس يذيقونهم مرّ الذل والهوان ، ويتحكمون بمصائرهم عن طريق حفنة من أهل النار نصبوهم حكاماً على المسلمين ، كل همهم محاربة الإسلام والمسلمين المخلصين الحاملين للدعوة العاملين على تحرير المسلمين من تسلّط هؤلاء الكفار الأعداء ، وليس غريباً أن يستنسر البغاث اليهود علينا ويسلبوننا بعض مقدساتنا ، وهم لا يزيدون في القوة على قوة فأر أمام أسد هصور ، وما ذاك إلا لأننا أحببنا الدنيا وآثرناها على الدار الآخرة فقذف الله في قلوبنا الوهن والضعف أمام الأعداء الكافرين ، فعن ثوبان، قال : قالرسول الله صلى الله عليه وسلم : " يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل : ومِن قلة نحن يومئذ ؟ قال بل أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل . ولينزعنّ الله من صدور أعدائكم المهابة منكم وليقذفنّ الله في قلوبكم الوهن ، فقال قائل : يا رسول الله وما الوهن ؟ قال حبّ الدنيا وكراهية الموت " رواه أبو داود ، ورواه أحمد بلفظ " … أنتم يومئذٍ كثير ولكن يُلقى في قلوبكم الوهن قالوا وما الوهن يا رسول الله قال حبكم الدنيا وكراهيتكم القتال " .

إن حب الدنيا هو اللطمة العنيفة التي لطمت المسلمين أفراداً وجماعات فأحلّتهم من التمسّك بأحكام دينهم وجرّتهم إلى سبيل الضالين الظالمين ، وأوردتهم موارد الردى والهوان ، الذي نعيشه اليوم ، وما أرى أحداً منهم قد سلم من هذه اللطمة واجتاز العقبة الثانية إلا القلة القليلة من ذوي الأعذار ، وإلا من نذروا أنفسهم لحمل الدعوة ، وتحذير المسلمين من حب الدنيا وكراهية الجهاد في سبيل الله وردّهم إلى حب الآخرة والتقيد بأحكام الشرع ، والعمل لإقامة حكم الله في الأرض ، حتى يتم التخلص من تسلط الكفار علينا ، وتعود العزة لنا والنصر ، فحامل الدعوة هو الذي يتمثل الإسلام فيه قولاً وعملاً وخلقاً ، وهو الذي يلتزم بشرع الله كاملاً ، لأن من يترك حمل الدعوة فإنه يأثم إثماً عظيماً ، وربما مات ميتة جاهلية ، وإن كان صوّاماً قوّاماً عابداً ، فالمسلم إن أراد أن يلتزم بالشرع كاملاً وينال رضى ربه سبحانه فإنه فضلاً عن الصلاة والصيام والزكاة والحج والعبادة والذكر واجتناب المعاصي والمنكرات يجب عليه حمل الدعوة وإحياء العمل بالإسلام ، وإلا كان آثماً مقصّراً .

إن الإسلام يأمرنا بأمرين اثنين رئيسين : العمل به ، وحمله إلى الناس ، فالعمل به دون حمله إلى الناس نصف المطلوب ، وحمله إلى الناس دون العمل به نصف المطلوب كذلك ، ولا يتسنى القيام بالمطلوب كله إلا بالأمرين معاً : العمل به ، وحمله إلى الناس ، وهكذا يتضح أن حامل الدعوة الذي يتقيد بشرع الله هو الذي يتمثل الإسلام فيه ، وهو الذي يقوم بكل المطلوب ، وهو الذي يتقي الله حق تقاته ، وهو الذي يصح وصفه بأنه اجتاز العقبة الثانية ، وهي حب الدنيا ، وآثر عليها الآخرة ، وسعى لها سعيها ، فكان من السابقين بإذن رب العالمين .

إن الإسلام لا يمنع المسلم من أخذ نصيبه من الدنيا والتمتع بما فيها من طيبات ، فالله سبحانه يقول في سورة القصص : { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا … } ، ويقول في سورة الأعراف : { قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصّل الآيات لقوم يعلمون } ، ولكن ذلك أي أَخْذ النصيب والتمتع بالطيبات مشروط بالحلال وبحسب شرع الله ، فالمال من الدنيا ، فيصح الحصول عليه بالبيع والشراء مثلاً وليس بالربا والغش مثلاً ، ويصح إنفاقه على المأكل والملبس والمسكن وقضاء الحاجات والتصدّق منه على المحتاجين ، وليس على شراء الخمر وإعداد المآدب التي يقصد منها المراءاة ، وبناء المراقص ودور اللهو . والنكاح من الدنيا فينال بالزواج ولا ينال بالزنا . والملابس من الدنيا فتستعمل في ستر العروة وجلب الدفء وليس للخيلاء والتبختر والتبرج . واللهو من الدنيا فيصح اللهو بتربية الخيل وملاعبة الزوجة وإطلاق الرصاص وأمثال ذلك لقوله r : " كل ما يلهو به الرجل المسلم باطل إلا رمية بقوس ، وتأديبه فرسه ، وملاعبته أهله فإنهن من الحق " رواه الترمذي وأبو داود والدارمي والنسائي وأحمد وابن ماجة من طريق عقبة بن عامر ، ولا يصح اللهو بلعب القمار وحضور حفلات الرقص والغناء ، والسباحة في المسابح المختلطة . والدور من الدنيا فيصح بناء بيت يؤوي صاحبه بقدر حاجته وليس ببناء قصر منيف متعدد الغرف والردهات يتسع لكثير من الأسر إظهاراً للثراء ووفرة المال ، فعن أنس بن مالك : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج فرأى قبة مشرفة فقال ما هذه ، قال له أصاحبه هذه لفلان رجلٍ من الأنصار ، قال فسكت وحملها في نفسه ، حتى إذا جاء صاحبُها رسولَ الله r يسلّم عليه في الناس أعرض عنه ، صنع ذلك مراراً ، حتى عرف الرجل الغضب فيه والإعراض عنه ، فشكا ذلك إلى أصحابه فقال والله إني لأنكر رسول الله r ، قالوا خرج فرأى قبّتك قال فرجع الرجل إلى قبته فهدمها حتى سوّاها بالأرض ، فخرج رسول الله r ذات يوم فلم يرها قال ما فعلت القبة ، قالوا شكا إلينا صاحبها إعراضك عنه فأخبرناه فهدمها ، فقال : أما إنّ كل بناء وبالٌ على صاحبه إلا ما لا ، إلا ما لا ، يعني ما لا بد منه " رواه أبو داود وابن ماجة . وقتال الأعداء وقهرهم وفتح بلادهم من الدنيا فيصح إذا كان جهاداً في سبيل الله ، وابتغاء نشر دين الله ، وليس قتالاً من أجل عَرَض من عَرَض الدنيا ، فعن أبي هريرة : " أن رجلاً قال يا رسول الله رجلٌ يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضاً من عرض الدنيا فقال رسول الله r لا أجر له ، فأعظم ذلك الناس فقالوا عُد لرسول الله r فلعلك لم تفهمه فقال يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عَرَضاً من عرض الدنيا فقال لا أجر له ، فقالوا للرجل عُد لرسول الله r فقال له الثالثة فقال له لا أجر له " رواه أبو داود وأحمد ، وهكذا ، فليحذر المسلمون وليحذر حامل الدعوة من حب الدنيا والتمتع بها بغير ما شرع الله وإيثارها على الآخرة ، وَلْيَسْعَ بسعي الآخرة وليقترب إلى الله سبحانه بالتقوى ، ولينتقل إلى زمرة السابقين المقربين الذين يدخلون الجنة بغير حساب .**

**حُبّ الدنيا

قال تعالى في سورة الواقعة : { وكنتم أزواجاً ثلاثة *فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة * وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة * والسابقون السابقون * أولئك المقربون } . إن الله سبحانه خلق الجنة لتكون مأوى للإنسان إن هو آمن وأطاع ، وخلق النار لتكون عقوبة له إن هو كفر وعصى ، وخلق الدنيا لتكون ساحة اختبار ، فمن فاز دخل الجنة ، ومن فشل عوقب بالنار . أما هذا الاختبار فهو أن على الإنسان أن يجتاز عقبتين إحداهما أعظم من الأخرى ، فإن هو اجتازهما فقد فاز فوزاً عظيماً ودخل الجنة أبداً ، وإن هو لم يجتزهما فقد فشل فشلاً تاماً ودخل النار أبداً ، أما إن هو اجتاز أولاهُما فحسب ولم يجتز الثانية فقد فاز فوزاً متواضعاً ، ودخل النار فترة ثم دخل الجنة أبداً ، أما العقبة الأولى فهي عقبة الكفر ، وأما العقبة الثانية فهي عقبة حب الدنيا ، فمن وقف أمام العقبتين فلم يجتزهما كان كافراً ، وكان من أصحاب المشأمة ، وأما من اجتاز العقبة الأولى وهي العظمى ، ووقف خلفها ولكنه لم يجتز العقبة الثانية كان مؤمناً ، وكان من أصحاب اليمين ، فإن هو اجتاز العقبة الثانية ، كان من المؤمنين المتقين ، وكان من السابقين المقربين .

فالناس أقسام ثلاثة : كفار ، ومؤمنون ، ومؤمنون متقون ، أما العقبة الأولى وهي عقبة الكفر فتُجتاز بشهادة لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، فمن شهد شهادة الحق ، خرج من زمرة الكافرين ودخل في زمرة المؤمنين ، وأما العقبة الثانية وهي عقبة حب الدنيا فتجتاز بتقديم حب الآخرة ، والسعي لها وإيثارها على حب الدنيا والسعي لها وإيثارها ، فمن فعل انتقل إلى زمرة المؤمنين المتقين .

يتبيّن مما سبق أنّ المسلمين وإن نجاهم الله سبحانه من الخلود في النار ، ووعدهم بدخول الجنة ، فإن عليهم حتى ينجوا من عذاب النار المؤقت أن يجتازوا عقبة حب الدنيا ، فمن اجتازها أمن من دخول النار ، ومن لا أصابته النار قليلاً أو كثيراً ، فحب الدنيا هو الحاجز الوحيد أمام المسلمين الذي إن هم اجتازوه فقد عصموا أنفسهم من العذاب واستحقوا الدرجات العليا في الجنة ، وإن هم تنافسوا في الدنيا وأحبوها وآثروها على الآخرة فإنّ أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم بما كسبوا ، وإن شاء غفر لهم ، ثم إذا هم دخلوا الجنة فلن يحصّلوا الدرجات العليا فيها ، وإذاً فإن الخشية على المسلمين آتية من العقبة الثانية ، وهي حب الدنيا وتنافسها ، ولا يخشى عليهم من العقبة الأولى أن يعودوا إليها ثانية بعد أن خلّفوها وراء ظهورهم ، فعن عقبة بن عامر : " صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلمعلى قتلى أُحُد ثم صعد المنبر كالموّدع للأحياء والأموات فقال … إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم " رواه مسلم والبخاري وأحمد ، وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض ، قيل وما بركات الأرض ، قال زهرة الدنيا … " رواه البخاري ومسلم .

وقد جاء التحذير من حب الدنيا وإيثارها على الآخرة في الكثير من الآيات ، فقال تعالى في سورة الأنفال : { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عَرَضَ الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم } ، وقال سبحانه في سورة التوبة : { يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } ، وقال جلّ جلاله في سورة الأعلى : { بل تؤثرون الحياة الدنيا *والآخرة خير وأبقى } وغير ذلك من الآيات ، وكلها تحذر من إيثار حب الدنيا على حب الآخرة ، وأن عاقبة ذلك النار ، وقد بينت الآيات أن حب الدنيا وإيثارها على الآخرة هو مسلك الكفار أهل النار ، فقال تعالى في سورة هود : { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون } وقال سبحانه في سورة إبراهيم : { الله الذي له ما في السموات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد * الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدّون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً أولئك في ضلال بعيد } وقال جلّ جلاله في سورة النازعات : { فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى } لهذا فإن المسلم الفطن ، والمسلم العاقل يجب عليه أن ينجي نفسه من الوقوع في حبائل الدنيا ، ويعمل للآخرة لأنها هي دار القرار ، وهي الحياة الحقيقية ، فعن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله " رواه الترمذي وحسّنه ، ورواه أيضاً أحمد وابن ماجة والحاكم ، والكيّس هو الفطن الذكي ، وعن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الدنيا دار من لا دار له ، ولها يجمع من لا عقل له " رواه أحمد بسند جيد ، ورواه البيهقي ، والغريب هو أن هذه الدنيا التي يتكالب عليها الناس لا قيمة لها ولا وزن ، وأنها إلى جانب الآخرة أشبه بالصفر ، فعن المستورد أخي بني فهر عن النبي rقال : " ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يضع أحدكم إصبعه في اليمّ فلينظر بماذا ترجع " رواه الترمذي ومسلم وابن ماجة وأحمد ، وعن مسهر بن سعد قال : قالرسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء " رواه الترمذي بسند صحيح ، ورواه ابن ماجة ، وعن المستورد بن شداد قال : " كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلمعلى السّخلة الميتة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أترون هذه هانت على أهلها حين ألقوها ، قالوا من هوانها ألقوها يا رسول الله ، قال : الدنيا أهون على الله من هذه على أهلها " رواه الترمذي ، ورواه مسلم من طريق جابر بن عبد الله بمعناه .

فإذا كانت الدنيا تعدل نقطة ماء ، وإذا كانت الدنيا لا تعدل عند الله سبحانه جناح بعوضة ، وإذا كانت الدنيا أهون على الله من سخلة ميتة ، أكان لمسلم عاقل فطن أن يُغَرَّ بها ويدع النعيم المقيم الأبدي في جنات عرضها السموات والأرض ، أما سمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ، ولغدوة في سبيل الله وروحة خير من الدنيا وما فيها " رواه البخاري والترمذي وأحمد من طريق سهل ، فلماذا التنافس والتكالب على موضع سوط وترك ما أعدّه الله في الجنة من جنان واسعات فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ؟ أما سمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر بعد أن أخذ بمنكبه ، أي وضع يده الكريمة على كتفه : " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " رواه البخاري والترمذي وابن ماجة وأحمد ، أما سمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " رواه مسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد ، فلماذا يعيش في الدنيا كأنه مقيم لا يرحل ، رغم أن هذه الدنيا هي بمثابة سجن لا يعود منه الى مأواه وبيته في الجنة إلا أن يخرج منه ؟

والجواب على ذلك هو أن المسلم وإن سمع بهذه الأحاديث إلا أن شيئاً غطّى على عقله وسلب منه فطنته ورُشده ، وهو الهوى ، فالهوى كفيل بقلب المعادلة رأساً على عقب ، كفيل بأن يجعل المسلم العاقل الفطن يفضل الدنيا على الآخرة ، وكفيل بأن يحول بينه وبين التقيد بشرع الله ، وكفيل بأن يوقعه في حمأة المعاصي والمنكرات ، كل ذلك سعياً وراء لذة دنيويّة ، ونفع دنيوي ومصلحة دنيوية وترك ما يؤدي به إلى نعيم الآخرة ورضى الله سبحانه ، فالهوى وحب الدنيا شيء واحد ، وصنف واحد لا ينفصم أحدهما عن الآخر ، يقابلهما خشية الله والعمل للآخرة ، قال تعالى في سورة النازعات : { فأما من طغى* وآثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى * وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى } .

فمن أحب الدنيا فقد تمسّك بالهوى وانقاد له ، ومن أخذ بالهوى وانقاد له فقد أحب الدنيا وزينتها وزخرفها ، وإن الهوى من طبيعته أن يحجب عقل الإنسان عن الصواب والحق ، ويزين له الباطل والمنكر ، فمن زنا أو شرب الخمر أو سرق أو رابى أو قتل مسلماً بغير حق أو ترك إقامة الصلوات أو امتنع عن أداء الزكاة أو اجتنب حمل الدعوة وتحمّل التعذيب والمطاردة في سبيلها فإنما يفعل كل ذلك بدافع الهوى وحبّ الدنيا ، وإلا فإن العقل قادر على التمييز بين خير

الآخرة وشرّ الدنيا وفتنتها ، وعلى التمييز بين سموّ العمل بأحكام الشرع لإرضاء الله وبين هبوط العمل بالمعاصي ومخالفة أحكام الشرع المؤدية إلى سخط الله ، ولولا الهوى الذي يحجب العقل لما ركن مسلم إلى الدنيا وترك السعي للآخرة إلا أن يكون مجنوناً مخبولاً رفع عنه التكليف ، قال تعالى في سورة الكهف : { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه ولا تَعْدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فُرُطا } وقال سبحانه في سورة محمد : { ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أُوتوا العلم ماذا قال آنفاً أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتَّبَعوا أهواءهم } ، فالهوى يغفل القلب عن الحق ، والهوى يطبع على قلب صاحبه ، فمن غفل عن الحق وطبع على قلبه فالمعاصي عمله ، والمنكرات صنيعه ، والدنيا أكبر همه ، ونتيجة كل ذلك الضلالُ وسوءُ العاقبة ، قال تعالى في سورة القصص : { فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضلّ ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين } وقال سبحانه في سورة محمد : { أفمن كان على بينة من ربه كمن زُين له سوء عمله واتبعوا أهواءه**م } .

**(2)

ب - قوله سبحانه في سورة الأنفال : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون } .

ج - قوله جلّ جلاله في سورة الفتح : { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليماً حكيماً } .

الآية الأولى قرنت بين موقف التخويف من قوة العدو وبين زيادة قوة الإيمان ، والآية الثانية قرنت بين تلاوة القرآن وبين زيادة قوة الإيمان ، والآية الثالثة قرنت بين حصول السكينة والطمأنينة من عقد الهدنة مع قريش وبين زيادة قوة الإيمان .

ولكن هذا وذاك لا يعني فعلاً أن هذه الأعمال هي من صُلب الإيمان أو أنها نافية فعلاً لوجوده ، وإنما تعني أن الأعمال هذه ومثلها سائر الأعمال المشروعة ، والتكاليف الشرعية ، لها علاقة مباشرة بالإيمان ، فأعمال الإثم والمعاصي تضعفه ، وأعمال البر تقويه ، ولا تعني غير ذلك ، فالتلازم العضوي الوثيق بين الإيمان والأعمال لا شك فيه بحيث يصح معه إطلاق الإيمان على ما يقويه من أعمال ، وإطلاق الأعمال التي تقويه عليه ، وهذا التلازم العضوي الوثيق يظهر جلياً في كتاب الله سبحانه في أكثر من سبعين موضعاً جاء فيها ذكر الإيمان مقروناً بالعمل الصالح ، ومع ذلك نعود ونؤكد على أن الإيمان باب ، والأعمال باب آخر ، وما إطلاق الإيمان على الأعمال ، وإطلاق الأعمال على الإيمان إلا بسبب التلازم ، وهو من باب المجاز ، وليس من باب الحقيقة والواقع .

والخلاصة هي أن الإيمان وهو التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل ، أو الاعتقاد القلبي ، ليس منفصلاً عن الأعمال بحيث لا تؤثر فيه ولا يتأثر هو بها ، وإنما هو متّصل بالأعمال تؤثر فيه سلباً وإيجاباً ، فأعمال البر والطاعات تزيده قوة ، وأعمال الإثم والمعاصي تزيده ضعفاً ، فالاتصال بين الإيمان والأعمال اتصال وثيق يؤثر كلاهما في الآخر ، ولهذا جاز إطلاق أحدهما على الآخر مع بقاء كل منهما مختلفاً عن الآخر في حقيقته وواقعه .

وعلى هذا ، وحيث أن الإيمان هو الأساس في الدين ، وهو الذي به يتفاضل المؤمنون في الجنة ، فإن المسلم عامة وحامل الدعوة خاصة يجب أن يحرص كل الحرص على بقاء الإيمان في أقوى حالاته ، وأن يحذر كل الحذر من طروء ضعف على الإيمان ، ولا يتسنى له المحافظة على الإيمان الكامل القوي ، وبالتالي نوال الدرجات العليا في الجنة إلا بأداء الواجبات ، والإكثار من فعل المندوبات والطاعات ، وإن من أعظم الواجبات العمل على إنهاض الأمة الإسلامية بالعمل على استئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة ، لأن بإقامتها تقام الأحكام الشرعية بعد تعطّلها ، ويعود الإسلام إلى الحياة بعد غيابه ، وإن الحكم بما أنزل الله لهو من أعظم الواجبات وأثوبها عند الله ، فعن أبي هريرة عن النبي r قال : " حدٌّ يقام في الأرض خيرٌ للناس من أن يمطروا ثلاثين أو أربعين صباحاً " رواه أحمد والنسائي وابن ماجة ، فكيف بالعمل بحدود الله كلها ؟ ولا يتسنى ذلك إلا بقيام الخلافة ، وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله rقال : " من خلع يداً من طاعةٍ لقي الله يوم القيامة لا حجة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " رواه مسلم ، وفقه هذا الحديث هو أن من أدرك الخلافة وأطاع الخليفة فقد نجا من الميتة الجاهلية ، وهي ميتة أقرب إلى الكفر منها إلى الإسلام ، وأما من لم يدرك الخلافة كما هو حال المسلمين اليوم ، فمن يمت منهم يمت ميتة جاهلية إلا أن ينهض للعمل لإعادة هذه الخلافة ونَصْبِ خليفة ، ومن ثَمَّ طاعته ووجود بيعة له في عنقه ، فالعمل لإقامة الخلافة من أعظم الأعمال وأوجبها ، وهو يؤدي إلى زيادة قوة الإيمان لديه ، وفي المقابل فإن على المسلمين عامة ، وعلى حملة الدعوة خاصة الحذر من ارتكاب المعاصي وخاصة الكبيرة منها لأنها تزيد في ضعف الإيمان ، فالأعمال الصالحة ليست فقط حسنات ، ولا يقام بها من أجل زيادة الثواب فقط ، وإنما يقام بها فضلاً عن ذلك من أجل تقوية الإيمان ، وإن المعاصي ليست فقط سيئات ، ولا تجتنب من أجل ترك الإثم فقط ، وإنما تجتنب فضلاً عن ذلك من أجل الحرص على عدم إضعاف الإيمان ، فقضية الإيمان يجب أن ينظر إليها على صعيدين اثنين وليس على صعيد واحد فحسب ، وهذا يدفع المسلم عموماً وحامل الدعوة خصوصاً إلى أداء الواجبات ، والإكثار من فعل المندوبات والطاعات ، والحرص

الشديد على عدم الوقوع في المعاصي والمنكرات ، وحيث أن الإيمان يزداد قوة بفعل الصالحات من واجبات ومندوبات ، فإن على حامل الدعوة أن يديم فعل الواجبات ، ويكثر من المندوبات والطاعات ، بحيث لا تمر عليه فترة إلا ويكون متلبساً بها ، ومن المندوبات قراءة القرآن وحفظه ، وذكر الله كثيراً ، والاكثار من التفكّر في آيات الكون ، وليتنفّل ما استطاع ليديم صلته بربه سبحانه ، فيبقى إيمانه في أوج قوته .

ونقول أخيراً إن الإيمان القوي فضلاً عن أنه ميزان للفضائل يوم القيامة فإنه لازم لحامل الدعوة يتغلب به على ما يعترضه من عقبات ومشقات في أثناء حمل الدعوة ، ويتمكن به من النجاة مما يُعرض عليه من إغراءات وامتيازات ، ويتخلص به مما يتنازعه من أهواء وشهوات ، فيبقى شعلة متقدة ، وحركة دائبة ، ونشاطاً متواصلاً ، قاهراً كل عقبة ، متغلباً على كل إغواء وغواية ، رافضاً كل هوى وشهوة ، فيكون بحق المثال الحي للإسلام ، المشمول برعاية الله وعونه وتوفيقه ، المستحق لنزول النصر عليه ، وجريان الخير على يديه .**

**الإيمان والأعمالعُرف الإيمان بأنه التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل ، أو هو الاعتقاد القلبي ، وهذا التعريف هو ما تدعمه الأدلة وتدل عليه من القرآن والسنة ، إلا أنّ الإيمان وإن كان هذا تعريفه الصحيح ، هو أنه التصديق الجازم والاعتقاد القلبي إلا أنه يصح اعتباره عملاً من الأعمال ، ويصح أن يقال عنه إنه قول وعمل كما أطلق عليه كثير من العلماء ، فقد يطلق الإيمان ويقصد به التصديق الجازم والاعتقاد القلبي ، وقد يطلق ويراد به إضافة إلى التصديق الجازم والاعتقاد ، الأعمال المشروعة كالصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد وحسن الخلق وصوم رمضان .. الخ ، وما ذلك إلا لوجود تلازم عضوي بين الإيمان وبين التكاليف الشرعية ، ولولا وجود هذا التلازم العضوي بينهما لما صح إطلاق الإيمان على الأعمال .

أما الأدلة الدالّة على أصل الإيمان فهي كثيرة نذكر منها قوله تعالى في سورة البقرة : { ليس البرّ أن تولوا وجوهكم قِبَلَ المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين … } وقوله سبحانه في نفس السورة : { آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربه والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله … } ، وما رواه عمر بن الخطاب في قصة جبريل عليه السلام وتعليمه رسول الله صلى الله عليه وسلمالإسلام والإيمان والإحسان ، ومما جاء فيه " … فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه … " رواه مسلم وأبو داود والترمذي وأحمد ، ورواه البخاري من طريق أبي هريرة بلفظ " … يا رسول الله ما الإيمان قال الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ورسله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخر … " ، فهذه الأدلة تدل على أن الإيمان عمل القلب ، وهو التصديق والاعتقاد .

ولكن هناك العديد من الأدلة تدل على أنّ الإيمان هو أيضاً عمل من الأعمال كسائر الأعمال والتكاليف الشرعية ، نذكر منها قوله تعالى في سورة البقرة : { … وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم } ، قوله إيمانكم هنا يعني صلاتكم إلى المسجد الأقصى ، والصلاة عمل ، وبهذا التفسير قال ابن عباس والبراء بن عازب من الصحابة ، وما رواه أبو هريرة قال : " سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل قال إيمان بالله … " رواه مسلم ، ورواه البخاري بلفظ : " أي العمل أفضل قال إيمان بالله ورسوله … " ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان عملاً من الأعمال .

فالأدلة وإن هي دلّت على أنّ الإيمان يعني التصديق الجازم والاعتقاد وأن مكانه القلب ، إلا أنها أطلقت لفظة الإيمان مرات عديدة على الأعمال والتكاليف الشرعية .

والحق الذي يجب المصير إليه والقول به هو أن الإيمان في أصله أي في حقيقته هو تصديق جازم واعتقاد ، والتصديق والاعتقاد من وظيفة القلب وليس من وظيفة الجوارح ، وهذا المعنى واضح ، وهو صريح الأدلة الكثيرة التي ذكرت الإيمان ونوّهت به ، ولكن هذا الإيمان قد يطلق ويراد به كما قلنا إضافة إلى حقيقته ، الأعمال المشروعة كالصلاة والجهاد .. الخ ، فلو قلنا إن الصلاة من الإيمان ، وأن الصوم من الإيمان ، وأن الجهاد من الإيمان ، وهي كلها أعمال ، لما جاوزنا الصواب ، ولما خالفنا ما أتت به الأدلة ، ولكن هذا القول لا يعني أن هذه الأعمال جزء من الإيمان ، وداخلة في أصله وحقيقته ، وإنما يعني أو يشير إلى وجود الترابط والتلازم بين هذه الأعمال وبين الإيمان ، فالإيمان يكمل بالطاعات ويقوى بها ، وكل عمل يقوم به المسلم فإنه به يقوّي إيمانه ، وكل معصية يقوم بها المسلم فإنه بها يضعف إيمانه ، لهذا صح أن يطلق الإيمان على كل الأعمال ، كما صح أن تطلق الأعمال على الإيمان ، وباستعراض الأحاديث النبوية نجد أن الرسول r قد أطلق على كثير من الأعمال اسم الإيمان ، وعدّها من الإيمان ، وهي أحاديث كثيرة نكتفي منها بما يلي :

أ - عن أبي هريرة عن النبي r قال : " الإيمان بضع وسبعون شعبة ، والحياء شعبة من الإيمان " رواه مسلم ورواه البخاري بلفظ : " بضع وستون " .

ب - عن أبي سعيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد .

ج - عن ابن عباس - من حديث طويل متعلق بقدوم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس … " رواه البخاري .

د - عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان " رواه أبو داود والترمذي بسند حسن .

هـ - عن أبي مالك الأشعري قال : قالرسول الله صلى الله عليه وسلم : " الطُّهور شطر الإيمان … " رواه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وأحمد .

فعدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحياء وتغيير المنكر بالقلب ، والصلاة ، والزكاة ، وصوم رمضان ، وإعطاء خمس الغنيمة ، والحب لله ، والبغض لله ، والعطاء لله ، والمنع لله ، والوضوء ، عدّ هذه الأعمال من الإيمان ، وهي كلها ليست من باب التصديق الجازم والاعتقاد ، وما كان ليصح إطلاق الإيمان على الأعمال لولا وجود التلازم العضوي بين الإيمان والأعمال ، فالإيمان ليس في منأى عن الأعمال ، وإنما هو وثيق الصلة بها يتأثر بها قوة وضعفاً ، وهذا التلازم وهذه العلاقة يظهران في النصوص التي تقرن بين أعمال الإثم والمعاصي وبين نفي الإيمان أو زيادة ضعفه ، وفي النصوص التي تقرن بين الأعمال والمواقف الصالحة وبين زيادة الإيمان ، فمن النصوص التي تقرن بين أعمال الإثم والمعاصي وبين نفي الإيمان أو زيادة ضعفه :

أ - قوله تعالى في سورة النساء : { فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً } .

ب - عن أبي هريرة قال : قالرسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب من المزاحة ويترك المراء وإن كان صادقاً " رواه أحمد .

ج - عن أبي هريرة قال : قالرسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان كان عليه كالظُلّة فإذا انقطع رجع إليه الإيمان " رواه أبو داود والترمذي .

د - عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " رواه مسلم وأبو داود ، ورواه أحمد وزاد " ولا يغلّ حين يغلّ وهو مؤمن ، ولا ينتهب حين ينتهب وهو مؤمن " .

هـ - عن أبي شريح أن النبي r قال : " والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ، قيل ومن يا رسول الله ، قال الذي لا يأمن جاره بوائقه " . رواه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد .

فعدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عدم تحكيم شرع الله ، والكذب ، والمراء ، والزنا ، والسرقة ، وشرب الخمر ، والغلول ، والانتهاب ، وإلحاق الأذى بالجار ، وهي أعمال ، عدّها على أنها تنفي الإيمان أو تنفي كماله وتُضعفه .

ومن النصوص التي تقرن بين الأعمال والمواقف الصالحة وبين زيادة الإيمان قوة :

أ - قوله تعالى في سورة آل عمران : { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } .**

**(2)

هذا هو ما يجب أن يتفطن له حامل الدعوة ، وليعلم أنه هو المثال المحسوس الوحيد للإسلام في غياب المثال المحسوس الكبير وهو الخلافة ، فيجب على حامل الدعوة أن يكون إسلاماً حياً يتحرك تماماً كما كان صحابة رسول الله r، ولا يجوز له أن يتهاون في أيّ من هذه المقومات الثلاث لشخصيته الإسلامية كحامل دعوة ، فمن تمثل فيه الإسلام تمثلاً كاملاً وصحيحاً صلح أن يكون بحقٍ حامل دعوة ، ونجح من ثم في عمله ، وإقناع الناس بالأفكار والأحكام التي يحملها ويدعو إليها ، ومن كان دون ذلك نجح نجاحاً دون ذلك ، ومن فقد المقومات فقد فَقَدَ شخصية حامل الدعوة ، فلم يعد قادراً على عمله والاستمرار فيه والنجاح فيه .

وحتى يكون المسلم حامل دعوة بحق ، فيقول ما يقوله الإسلام ، ولا يقول ما يخالفه ، فإن الواجب عليه أن يكون عالماً بالأفكار والأحكام الشرعية ، التي تلزمه في عمله ، لأن الجاهل غير قادر وغير أمين على قول ما يقوله الإسلام ويأمر به ، ومن ثم يعجز عن حمل الدعوة على وجهها الصحيح ، فالعلم بهذه الأفكار والأحكام واجب على كل مسلم ، وهو على حامل الدعوة أوجب ، والشرع الحنيف قد حث على طلب العلم وعظّم من مكانة العلماء ، قال تعالى في سورة المجادلة : { … يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير } ، وعن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم ، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء ، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ، وإن العلماء ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً ورّثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر " رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي . فالأصل في حامل الدعوة أن يكون عالماً ، وليعلم أنه يجب أن يكون قدوة لغيره في أقواله ، يسمعونها منه فيأخذونها على أنها شرع ودين ، ولا يصح أن يتقاعس أو يتهاون في هذا الأمر تحت أي ظرف وفي أية حالة ، فلو مازح أو غضب أو كره أو حصل معه شيء مثل هذا ، فإن عليه أن يبقى ملتزماً قول الحق ، امتثالاً لأمر الله سبحانه وإقتداء بالرسول الكريم r، فعن أبي هريرة قال : " قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا قال نعم غير أني لا أقول إلا حقاً " رواه الترمذي بسند حسن صحيح ، ورواه أحمد والبيهقي ، وعن عبد الله بن عمر قال : " قلت يا رسول الله أكتبُ ما أسمع منك قال نعم قلت في الرضا والسخط قال نعم فإنه لا ينبغي لي أن أقول في ذلك إلا حقاً " رواه أحمد وابن عبد البر .

كما ويجب على حامل الدعوة أن يسيّر أعماله ويضبط سلوكه بأحكام الشرع ، فلا يقوم بأي عمل إلا وفق الحكم الشرعي ، لأن القاعدة الشرعية تقول : الأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي ، وهذا يقتضي منه إضافة إلى وجوب تعلم الأحكام الشرعية أن يكون تقياً لله يخشى الله في سره وعلنه ، ساعياً إلى مرضاته ، عاملاً في طاعته ، وليتذكر دوماً أنه يجب أن يكون قدوة لغيره إماماً لهم يقتدون به في أعماله وسلوكه ، فلا يقوم بأي عمل مخالف للشرع يراه الناس منه ، فيحسبونه مشروعاً ، فيقلدونه فيه ويقتدون ، فيكون عاصياً ربّه ، غاشاً من حوله .

ويجب على حامل الدعوة كذلك أن يتحلى بالصفات الحميدة ، والأخلاق الحسنة ، فيتصف بالصدق والإخلاص ، والتضحية والإيثار ، والصبر والثبات ، والتواضع وحب الناس ، والخوف من الله ، والحب في الله ، والبغض في الله ، وحسن الظن بالناس ، ولا يتصف بأية صفة ذميمة أو خلق سيء ، فلا يجوز أن يكون بخيلاً ، ولا متكبراً مغروراً ، ولا حسوداً ولا حقوداً ، ولا ظالماً وقاطع رحم ، ولا سيء الظن بالناس ، فالبخيل والمتكبر والحسود والظالم مثلاً غير مؤهلين لحمل الدعوة ، ولا يوفقهم الله في أعمالهم ، ولا يُجري الخير على أيديهم ، وهؤلاء بدلاً من أن يتخذهم الناس قدوة لهم يقلدونهم في أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم تراهم ينفرون منهم ويتهمونهم ، وربما تعدّى اتهامهم لهم إلى اتهام حَمَلة الدعوة كلهم ، وفي ذلك الفشل وسوء العاقبة ، وقد تنبه

إلى هذا المعنى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقد روى أحمد عن زيد بن وهب قال : " قدم عليٌّ على قومٍ من أهل البصرة من الخوارج ، فيهم رجل يقال له الجعد بن بعجة فقال له اتق الله يا عليّ فإنك ميت … وعاتبه في لباسه فقال - أي عليّ - ما لكم وللباس هو أبعد من الكبر وأجدر أن يقتدي بي المسلم " .

وقد حض الإسلام على التحلي بحسن الخلق وحثّ كثيراً عليه ، فعن أبي هريرة قال : قالرسول الله صلى الله عليه وسل : " أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً … " رواه أحمد وابن حبان والترمذي والحاكم وصححه ، وعن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسل يقول : " إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم " رواه أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم وصححه ، وعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسل قال : " ما شيءٌ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن ، فإن الله تعالى ليبغض الفاحش البذيء " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ، ورواه أحمد وأبو داود وابن حبان ، وعن أنس عن النبي r قال : " أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً ، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً ، وببيت في أعلى الجنة لمن حسّن خلقه " رواه أبو داود والترمذي .

فليحرص حامل الدعوة على التحلي بالصفات الحميدة والأخلاق الحسنة الفاضلة لينال الفضل من الله سبحانه ، وليكتمل تمثل الإسلام فيه ، فيكون المثال الحيّ المحسوس للإسلام الذي يحمل الناس على قبوله والدخول فيه ، والاهتداء بهديه ، وهنيئاً لمن وفقه الله لحمل الدعوة ، وجعله قدوة للناس وإماماً لهم يأخذون عنه ويترسمون خطاه ، فيكون له من الأجر مثل ما للمقتدين به المهتدين بهديه من الأجور دون أن ينقص من أجورهم شيء ، فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسل قال : " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أُجور من يتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً … " رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ، وهذه المنزلة ينالها كل حامل دعوة عظيم الإخلاص لله ، عالم بالأحكام تقيّ لله ، يتحلى بحسن الخلق والصفات الشرعية .

إن حمل الدعوة تكليف ثقيل ، وعمل شاق مُضن ، يكرم الله به كل مستحق لنوال رضوانه سبحانه ، صالح لإمامة الناس وهدايتهم ، قادر على قيادتهم والأخذ بأيديهم إلى العمل للإسلام وبالإسلام المفضي إلى إيجاد المثال المحسوس الكبير للإسلام ، وهو دولة الخلافة الراشدة .

إن حامل الدعوة يجب عليه الالتزام الدقيق بأحكام الشرع ، والتجرد من كل أوزار الإثم والعصيان ، حتى يكون بحقٍّ أهلاً لأن يُجري الله الخير على يديه ، ويكرمه بإنزال النصر على هذه الأمة على يديه ، ويمكّن له في الأرض ، ويدخله الفردوس ، الدرجة العليا في الجنة يوم لقائه .**

**القدوة والمثال

إن الأصل في حمل الدعوة في الإسلام أن تتولاه الدولة أي الخلافة ، فالخلافة عملها تطبيق الإسلام في الداخل وحمله إلى الناس بالجهاد في الخارج ، وهذا العمل هو ما دأبت عليه الخلافة عبر تاريخها كله منذ أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم الدولة الإسلامية في المدينة إلى آخر خليفة عثماني ، وهو العمل الذي نتج عنه دخول شعوب كثيرة في الإسلام في آسيا وإفريقيا وأوروبا ، ولم يتوقف دخول الشعوب في الإسلام إلا عندما توقف هذا العمل بهدم الخلافة في عام 1924 للميلاد . والسؤال هو : لماذا توقف دخول الشعوب في الإسلام بعد هدم الخلافة ؟

إن الله سبحانه قد فطر الإنسان وجبله على الإيمان بالماديات والمحسوسات أكثر بكثير من إيمانه بالمغيبات أو الأفكار المجردة ، فالإنسان إذا ما رأى شيئاً محسوساً آمن بوجوده وصدّق بهذا الوجود ، وأحبه ومال إليه إن كان صحيحاً وصالحاً ، ولكن هذا الإنسان إن هو سمع بهذا الشيء المحسوس من طريق إنسان آخر أو مجموعة من الناس فإنه ربما آمن بوجوده وصدق بهذا الوجود ، وأحبه ومال إليه إن سمع أنه صحيح وصالح ، وربما لم يؤمن ولم يصدق ، وحتى إن هو آمن وصدق فإن إيمانه وتصديقه يكون أقل قوة مما هو عليه فيما لو كان ناتجاً عن مشاهدة وحسّ بهذا الشيء ، وهذا أمر بادي الوضوح ، وحيث إن الله سبحانه الذي فطر الإنسان وجبله على هذه الصفة هو الذي أنزل الشريعة الإسلامية على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وأمره بتبليغها للناس ليؤمنوا بها ويصدّقوا ، فإنه سبحانه قد كلف رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بتجسيد هذه الشريعة في دولة ، أي أمر بجعل الشريعة - وهي مجموعة أفكار وأحكام - مجسدة في كيان وواقع محسوس ، هو الدولة الإسلامية ، وقد كان من نتيجة هذا التجسيد دخول الناس في الإسلام أفواجاً ، ففي أوائل الدعوة مكث رسول الله rثلاث عشرة سنة يدعو الناس إلى الإسلام قبل أن يقيم الدولة ، فلم يؤمن به وبرسالته سوى نيف وثلاثمائة شخص في مكة ، ولكنه بعد أن أقام الدولة في المدينة ، أي بعد أن جسّد الإسلام في كيان محسوس تدفق الناس من أهل المدينة ومن خارجها أفواجاً للدخول في الإسلام ، والسبب كما قلنا هو أن الإنسان مفطور ومجبول على الإيمان بالمحسوسات والماديات أكثر بكثير من إيمانه بالنظريات والأفكار المجردة مهما بلغت صحتها وجودتها وصلاحها ، هذه هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، ولذلك رأينا استمرار تدفق الشعوب للدخول في الإسلام طيلة وجود الواقع المادي المحسوس له ، أي طيلة تمثل الإسلام في دولة ، فدخلت في الإسلام الشعوب العربية والفارسية والتركية والكردية والبربرية والأفغانية ، وغيرها من الشعوب على يد الدولة الإسلامية ، ولولا وجود هذه الدولة لما دخلت هذه الشعوب في الإسلام ، ولما انتشر الإسلام في القارات الثلاث بهذه الوفرة ، بل إننا قد رأينا أن انتشار الإسلام قد توقف وانحسر في عدة مناطق عقب ضعف الخلافة وما استتبعه ذلك من ضعف عملها في حمل الدعوة ، قبل أن تهدم بيد الإنكليز ودول التحالف الغربي وعميلهم مصطفى كمال .

إن هذه الشعوب عندما ضمتها الخلافة إلى رقعتها ، فرأت الإسلام مطبقاً وله واقع محسوس ، وشاهدت صحته وصلاحه لأنه وفّر الخير والسعادة لرعايا هذه الخلافة ، آمنت بالإسلام جماعات جماعات ، ولكن الشعوب التي لم تضمها الخلافة ، وبقيت خارج حدودها ، والشعوب عقب هدم الخلافة ، فلم تر الإسلام محسوساً ولا مجسداً بقيت على كفرها ، ولم تؤمن بالإسلام وإن هي سمعت به ووقفت على جملة من مبادئه في الصحف والكتب ووسائل النقل والاتصالات ، ولم يؤمن منها إلا أفراد قليلون متناثرون هنا وهناك ، تماماً كالقلة المؤمنة بالإسلام في بدء الدعوة قبل قيام الدولة الإسلامية في المدينة ، ويقيناً أن هذه الشعوب سوف تندفع للدخول فيه بعد قيام الخلافة واستئناف عملها في الدعوة إلى الإسلام بالجهاد في الخارج ، وتطبيقه في الداخل .

وإذا أردنا تلخيص ما سبق في عبارة موجزة قلنا إن الطبيعة البشرية تؤمن بالمحسوسات بسرعة تفوق كثيراً إيمانها بالأفكار المجردة والأحكام النظرية ، والإسلام وهو في حقيقته أفكار وأحكام إن هو طُبق في دولة فتمثل فيها فصار له واقع محسوس اندفع الناس إلى الإيمان به والدخول فيه ، أما إن بقي أفكاراً وأحكاماً تُنقل فقط على ألسنة حملة الدعوة ، أي ظلّ لا واقع له محسوساً لم يؤمن به إلا القليلون .

بل إننا رأينا عبر تاريخنا أن تمثل الإسلام في دولة إن كان تمثلاً صحيحاً وكاملاً ، أي عندما تكون الدولة خلافة راشدة يُنتج دخولاً كثيفاً من الشعوب في الإسلام ، فإن قلّ التمثل ونقص ، نقص الدخول في الإسلام ، فإن صار التمثل في أدنى درجاته كما حصل في الخلافة العثمانية لم يدخل من الشعوب في الإسلام إلا القلة القليلة منها ، ولكنها على أية حال أكثر بكثير مما حصل عقب هدم هذه الخلافة .

لهذا السبب ، ولأن الله سبحانه قد أمر المسلمين بإقامة الخلافة ، فإن على جميع المسلمين واجباً كبيراً هو العمل على إعادة الخلافة وتنصيب خليفة ، والعودة من ثم إلى حمل الدعوة وفتح البلدان وضم شعوبها إلى هذه الدولة ، وتطبيق الإسلام عليها ، لتراه مجسداً محسوساً فيزداد الإسلام انتشاراً ، والمسلمون عدداً ، وهذا ما لا بد منه ، وما سيتم تحقيقه بإذن الله .

إن تمثل الإسلام في واقع محسوس أمر أساسي لا يصح التهاون به ولا التفريط فيه ، فيجب على حملة الدعوة إدراك هذه المسألة إدراكاً تاماً ، فيغذوا الخطى ، ويضاعفوا الجهود ، ويخلصوا العمل لله الإخلاص الخالص ، إلى أن يكرمهم الله سبحانه بنصره بإعادة الخلافة على أيديهم .

ولكن هل تمثّل الإسلام في كيان وواقع محسوس لا يكون إلا في الدولة ؟

إن حمل الدعوة لا يجوز شرعاً أن يتوقف سواء كانت الدولة قائمة أو كانت غير قائمة بعد ، فالرسول r قد حمل الدعوة في مكة ثلاث عشرة سنة والدولة لم تكن بعد قائمة ، ونحن الآن نحمل الدعوة ويجب على جميع المسلمين حمل الدعوة والخلافة لم تقم بعد ، بل إن الخلافة لا تقوم إلا بحمل الدعوة ، وإذا ما قامت الخلافة فإن حمل الدعوة يبقى مستمراً ، ويبقى واجباً على المسلمين إلى أن يرث الله الأرض وما عليها ، فحمل الدعوة كما هو عمل الدولة هو كذلك عمل الأفراد من المسلمين ، ولا يجوز مطلقاً التوقف عن حمل الدعوة ، لأن الإسلام كله مبني على حمل الدعوة .

وكما أن الدولة تحمل الدعوة فيتوجب عليها أن تمثل الإسلام في الداخل والخارج فإن لم تكن تمثل الإسلام فإنها لا تكون دولة إسلامية ، ولا تكون بالتالي تحمل الدعوة ، فكذلك أفراد المسلمين ، من قام منهم بواجب حمل الدعوة ، فإن عليه أن يمثل الإسلام في شخصه ، في قوله وفعله وصفاته ، فإن لم يكن يمثل الإسلام في قوله وفعله وصفاته فإنه لا يكون حامل دعوة ، ولكن مجرد مسلم من المسلمين ، وحيث إن حامل الدعوة هو المثال المحسوس الوحيد للإسلام في غياب الدولة الإسلامية ، فإن الواجب عليه إن هو قال أن يقول أفكاراً وأحكاماً شرعية ، أو ما لا يتعارض معهما ، والواجب عليه إن هو فعل فعلاً أن يفعله حسب الأحكام الشرعية ، كما أن الواجب عليه أن يتصف بالصفات المشروعة ، والأخلاق الحميدة الفاضلة ، ولا يتصف بأية صفة أو خلق ذميم ، فما حث عليه الإسلام من الصفات أخذها ، وما ذمها ونهى عنها تركها وكرهها ، ولا يكون المسلم حامل دعوة إن نقصت فيه إحدى هذه المقومات الثلاث ، فحامل الدعوة هو المثال الحسّي للإسلام ، وهو القدوة بين الناس ، وهو الإمام فيهم ، وبقدر تمثل الإسلام فيه في القول والفعل والصفات بقدر صلاحه لحمل الدعوة ونجاحه فيه ، ولهذا فإن على حامل الدعوة كي يكون مستحقاً هذه المنزلة والرتبة أن يحرص على أن لا يقول إلا حقاً ، وعلى أن لا يفعل إلا فعلاً مشروعاً ، وعلى أن لا يتصف إلا بالصفات المشروعة ، وإلا كان مدّعياً حمل الدعوة ، تماماً كادّعاء الدول القائمة في العالم الإسلامي بأنها دول إسلامية ، وما هي بدول إسلامية قطعاً ، لأن أياً منها لا يتمثل الإسلام فيها لا في الداخل ولا في الخارج ، وإنما هي دول كفر لا تحمل الدعوة الإسلامية ، بل إنها تحارب حمل الدعوة وحَمَلة الدعوة .**

**(2)

فلو كان النصر في مقدور رسول الله الكريم صلى الله عليه وسلم وفي مقدور صحابته لما قالوا ما قالوا ، وقال جل جلاله في سورة يوسف : { حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبِوا جاءهم نصرنا فَنُجّيَ من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين } فلو كان صنع النصر مقدوراً عليه من قبل الرسل لما يئسوا ولما ظنوا أنهم كذبوا دون أن يتمكنوا من فعل أي شيء ، إذ اليائس المكذَّب لا يصنع نصراً ، ولهذا جاء القول - جاءهم نصرنا - ، فمن ادّعى أنه يملك أسباب النصر فليأتنا بالبينة الشرعية ، أو البينة الكونية على ادعائه . إن قوله تعالى في سورة محمد : { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } ليس دليلاً على دعوى تملك الأسباب ، ثم إن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لو كان يملك أسباب إنزال النصر لأنزله في معركة أحد لشدة حاجته إليه ، ولأنزله في معركة الخندق عندما ضُيّق عليه الحصار فزُلزل المؤمنون وظنّوا بالله الظنون ، يقول تعالى في سورة الأحزاب : { إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا 0 هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً } ، ولولا أن الله سبحانه قد أرسل على الأحزاب الريح وقذف في قلوبهم الرعب ففروا لا يلوون على شيء لما ملك المسلمون من أمرهم شيئاً ، فالحق الذي لا مراء فيه ، والصواب الذي لا ينبغي العدول عنه هو أن النصر قضاء ، وأنه بيد الله وحده تماماً كالرزق والأعمار ونزول الغيث . وقضاء الله بالنصر للمؤمنين لا يقضيه الله كيفما اتفق ، وحاشا لله أن يكون كذلك ، وإنما اشترط رب العزة على المؤمنين كي ينزل نصره عليهم أن ينصروه بمعنى أن يلتزموا أحكام دينه ويطيعوه في كل ما أمر ، فإن حقق المسلمون هذا الشرط الذي شرطه الله عليهم أنزل نصره عليهم ، وإلا خذلهم الله وحجب نصره عنهم ولم يعد في مقدورهم نوال النصر لا بأنفسهم ولا بنصرة آخرين لهم ، قال تعالى في سورة آل عمران : { إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون } .

وإذن فإن المسلمين حتى ينزل الله نصره عليهم يجب عليهم أن يحققوا الشرط اللازم لنزول هذا النصر ، فإن تحقق الشرط تحقق وعد الله بالنصر ، وإن تخلف الشرط خذلهم الله ولم ينصرهم ، وعلى هذا يجب حمل قوله تعالى في سورة محمد : { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } فإن الله سبحانه حتى ينصرنا قد اشترط علينا أن ننصره ، فإن نصرناه نصرنا ، وإن لم ننصره خذلنا وحجب نصره عنا ، وذلك أن حرف “إن” حرف شرط كما هو معلوم لغة ، فقوله : { إن تنصروا الله } معناه يشترط عليكم أن تنصروا الله ، هذا هو معنى الآية ولا يصح تحميلها معاني لا تحتملها .

وكما قلنا فإن نصرتنا لله سبحانه تعني تقيدنا بأوامره ونواهيه والتزامنا بطاعته والاجتهاد في الطاعة ، فإن نحن نفذنا أوامره كلها ومن الأوامر الإعداد بقدر الاستطاعة نصرنا الله ، وإن قصّرنا في تنفيذ شيء منها لا ينصرنا سبحانه ، وهكذا جميع العوامل التي يجب توفرها قبل النصر كلها شروط للنصر وليست أسباباً له .

فعلى حملة الدعوة إن هم أرادوا نزول النصر عليهم من عند الله أن يحققوا الشروط اللازمة لنزول النصر ، ولا يتهاونون في شيء منها وإلا فلا نصر ، فالنصر له شروط يجب توفرها إن أريد إنزاله ، وبدونها لا يتحقق نزول النصر ، وتتوفر الشروط بالتقيد بالإسلام عقيدة وأحكاماً ، والعمل بما يرضي الله ، أي القيام بنصرة الله ، ثم يأتي بعد ذلك أو يأتي ضمن ذلك الإعداد الصحيح للمعركة ، أو الاجتهاد قدر الوسع من قبل حَمَلَة الدعوة في حملهم للدعوة ، وصحة هذا الاجتهاد ، ولا يكفي الجيش الإسلامي القيام بالواجبات الشرعية دون أن يقوم بشكل صحيح وبقدر الطاقة بالواجبات العسكرية في الحروب ، كما لا يكفي حملة الدعوة أن يخلصوا العمل لله ويتقيدوا بالأوامر والنواهي الشرعية دون أن يقوموا بشكل صحيح بحمل الدعوة كما حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالعبادة لا تكفي ، والإخلاص لله لا يكفي ، واجتناب المحرمات لا يكفي

، بل لا بد معها وفوقها من توفر حسن العمل ، واتباع الوسائل والأساليب المؤدية إلى بلوغ الغاية ، لأن كل ذلك من الشروط الواجب توفّرها إن نحن رجونا اللهَ سبحانه أن يكرمنا بنصره ، سواء في إقامة الخلافة أو في خوض المعارك ، وليعلم حملة الدعوة أن اعتبار النصر قضاء وأن له شروطاً لنزوله ، وليس هو مسبباً عن سبب أو أسباب يجعلهم أكثر نشاطاً وأعلى همة ، وأشد تمسكاً بالواجبات وتركاً للمحظورات ، لأننا عندما ندرك أن نصر الله ليس بأيدينا ، وإنما هو بيد الله وحده يعطيه لمن يحقق الشروط كل الشروط ، فإن ذلك يجعلنا شديدي الخشية من التقصير المفضي إلى حجب النصر ، سواء كان التقصير في العبادات والطاعات ، أو كان في اتباع الطرق والوسائل والأساليب الصحيحة المفضية إلى بلوغ الغاية ، فكل ذلك تقصير ، وكل ذلك يحول دون تحقيق الشروط التي يجب توفرها قبل نزول النصر .

وكمثال على الحالة الأولى - أي التقصير في العبادات والطاعات - قوله تعالى في سورة التوبة : { لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رَحُبَتْ ثم وليتم مدبرين } فالاغترار بالكثرة المؤدي إلى الظن بأنها تجلب النصر مخالفة شرعية ومعصية تتنافى مع الطاعة والعبادة وأن النصر بيد الله يعطيه لمن ينصره بحق وصدق ، وهذه المخالفة والمعصية تماثل ما عليه بعض حملة الدعوة من الظن بأن ما يملكونه من منهاج سليم وتنظيم محكم وأفكار بالغة الصحة كفيل بنفسه بإيصالهم إلى الحكم دون اعتبار النصر هبة من الله سبحانه يهبه لمن يتكل عليه ويرجو النصر منه ، فمن قال من حملة الدعوة إنهم قد ملكوا أسباب النصر ، وإنهم هم الذين يصنعون النصر ، فقد خالف وعصى وحُق للنصر أن يتأخر عنه ، تماماً كما تأخر النصر عن جيش صحابة رسول الله r لأنهم اغترّوا بكثرتهم وحسبوها كافية لتحقيق النصر .

وكمثال على الحالة الثانية - أي التقصير في اتباع الطرق والوسائل والأساليب الصحيحة المفضية إلى بلوغ الغاية - قوله سبحانه في سورة آل عمران : { ولقد صدقكم الله وعده إذ تَحُسّونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعدما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين } فمخالفة بعض الرماة في معركة أحد أمرَ رسول الله rفي الثبات على رأس الجبل وعدم مغادرته مهما كانت الأسباب ونزولهم لجمع الغنائم اعتبر تقصيراً ومعصية في اتباع الوسائل والأساليب المؤدية إلى بلوغ الغاية حجبت عن المسلمين النصر ، وهذا التقصير الذي حجب النصر يماثل تقصير بعض حملة الدعوة في تنفيذ أوامر المسؤولين والقيام بالواجبات المطلوبة منهم من حيث ترتيب الأعمال ووضع الوسائل والأساليب المؤدية إلى قبول الناس لما يحملونه إليهم من أفكار وآراء وأحكام ، فكل تقصير في تنفيذ مثل هذه الأوامر والتعليمات والواجبات التي يتطلبها حمل الدعوة إلى الناس ، يعتبر مماثلاً لما حصل من قبل بعض الرماة في معركة أحد مما أدى إلى حجب النصر .

فحتى يكرمنا الله بنصره ، ويعجّل لنا نصره ، لا بد من توفير الشروط اللازمة لهذا النصر سواء منها ما يتعلق بالعبادات والطاعات الشرعية ، وما يتعلق بالواجبات والتعليمات والأوامر الصادرة عن المسؤولين ، ولا يقل أثر إحداهما عن أثر الأخرى ، فحتى ينصرنا الله لا بد من أن ننصره ، ولا ننصره إلا بالقيام بالعملين معاً .**

**النصر لحامل الدعوة

قلنا من قبل إنّ حامل الدعوة يعمل عمل الأنبياء إلا ما استثنيناه ، وقلنا إن الأنبياء هم القدوة والأسوة في أصل الدين والعقيدة ، وهذا القول ينسحب على موضوع نصر الله سبحانه لأنبيائه ورسله ، فكما أن الله سبحانه ينصر الأنبياء والمرسلين ، فإنه جل جلاله ينصر حملة الدعوة كذلك ، أما كيف ينصر الله الأنبياء والرسل ومتى يكون النصر ، فهذا ما يحتاج إلى استعراض الآيات المتعلقة بهذا الموضوع .

باستعراض قصص الأنبياء والمرسلين في القرآن نجد أن نصر الله لهم له ثلاثة أوجه : إما نصر النبي نفسه على قومه ومعارضيه ومعانديه ، وإما نصر الدعوة أو الفكرة التي حملها النبي والرسول ، وإما نصر النبي ونصر الدعوة معاً .

فنبي الله نوح ، ونبي الله هود ، ونبي الله صالح ، ونبي الله شعيب ، ونبي الله لوط قد نصرهم الله على أقوامهم بأن أهلك أقوامهم ودمّرهم بأصناف شتى من العذاب والتدمير ، وهذا النصر هو الوجه الأول ، أي هو نصر النبي نفسه على قومه . ونبي الله يونس ونبي الله موسى قد نصر الله فكرتهما ودعوتهما ، فآمن قوم يونس ، وآمن بنو إسرائيل ، وهذا النصر هو الوجه الثاني . ونبي الله محمد r قد نصره الله على أعدائه من قرشيين ويهود وسائر العرب في الجزيرة ومن حولهم ، ونصر الله فكرته ودعوته ودينه فآمن العرب وغير العرب بدين الإسلام ، وهذا النصر هو الوجه الثالث .

فالله سبحانه إما أن ينصر نبيه ، وإما أن ينصر شريعة نبيه ، وإما أن ينصر النبي وشريعته معاً ، وهذه مسألة واضحة لا تحتاج إلى إيراد الآيات الكثيرة الدالة عليها .

وهذا النصر للأنبياء والمرسلين إما أن ينسب إلى رب العالمين ، وإما أن ينسب إلى فئة من الناس ينصرون هؤلاء الأنبياء والمرسلين ، والأدلة على هذين الأمرين كثيرة نذكر منها للدلالة على الحالة الأولى قوله تعالى في سورة الأنبياء : { ونوحاً إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم 0 ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوْءٍ فأغرقناهم أجمعين } وقوله سبحانه في سورة العنكبوت على لسان لوط : { قال رب انصرني على القوم المفسدين } وقوله جل جلاله في سورة يوسف : { حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا جاءهم نصرنا فنجِّيَ من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين } ، وللدلالة على الحالة الثانية نذكر منها قوله تعالى في سورة الأنفال : { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من وَلايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير } ، وقوله سبحانه في سورة الأعراف : { … فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون } وقوله جل جلاله في سورة آل عمران : { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتومنُنّ به ولتنصُرُنّه … } ، ففي الآيات الأولى جاءت نسبة النصر إلى الله سبحانه ، وفي الآيات الثانية جاءت النسبة إلى الناس .

وكما ينصر الله الأنبياء والرسل فإنه كذلك ينصر المؤمنين بهؤلاء الأنبياء والرسل الذين يطيعون الله سبحانه وينصرونه ، بمعنى أن من آمن بشرائع الأنبياء والتزم أحكامها وأطاع أوامرها واجتنب نواهيها فإن نصر الله ينزل عليه هو الآخر ، وبمعنى ثانٍ فإن حامل الدعوة - وهو موضع البحث هنا - هو الآخر منصور ينزل عليه نصر الله سبحانه ، قال تعالى في سورة غافر : { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } وقال سبحانه في سورة محمد : { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } ، فرتب سبحانه نصره للمؤمنين على نصرتهم إياه ، أي على التزامهم أحكام الدين ، كما يفعل حامل الدعوة ، لأنه في القمة من حيث الالتزام والطاعة .

نخلص مما سبق إلى أن الله سبحانه ينصر أنبياءه ورسله عليهم السلام إما مباشرة كما نصر نوحاً وهوداً وصالحاً وشعيباً ولوطاً ، وإما بتسخير آخرين لنصرتهم كما حصل مع رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام ، إذ سخر الله له أهل المدينة لنصرته فسُموا الأنصار ، وإن الله سبحانه ينصر الأنبياء أنفسهم كما نصر نوحاً وهوداً وصالحاً وشعيباً ولوطاً ، أو ينصر شرائعهم كما نصر شريعة موسى وشريعة عيسى ، أو ينصر النبي وشريعته معاً كما نصر رسولنا r، وإن الله جلّت قدرته قد ينصر أنبياءه ورسله في حياتهم كحال معظم الأنبياء والرسل ، وقد ينصرهم بعد وفاتهم كما حصل مع عيسى عليه السلام ، فقد انتصرت شريعته بعد أن رفعه الله إليه ، وكذلك الحال مع حملة الدعوة ، فربما نصرهم الله مباشرة ، وربما نصرهم بتسخير آخرين لنصرتهم ، وربما نصرهم في حياتهم ، وربما نصر دعوتهم بعد موت الرواد منهم ، وهكذا ، ولا يصح القول أو الادعاء باقتصار نزول النصر على حملة الدعوة بواحدة بالذات من هذه الأحوال ، ونفي ما سواها ، لا يصح هذا القول وهذا الادعاء ولا يجوز ، لأن تخصيص نصر حملة الدعوة بأي منها تخصيص دون مخصّص ، وهو تشريع عقلي وليس تشريعاً شرعياً ، فليحذر حامل الدعوة من مخالفة هذا الحكم الشرعي ، والأخذ بالهوى في اختيار حالة معينة دون غيرها واستبعاد ما سواها ، وليعلم أن النصر من عند الله ينزله على المؤمنين إن هم نصروه بالطاعة والالتزام والتقيد بعيداً عن اتباع الهوى والتشريعات العقلية .

وحيث أن النصر بيد الله وحده ، وأنه من عند الله وحده لقوله تعالى في سورة آل عمران : { وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم } ولقوله سبحانه في سورة البقرة : { … حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب } ، ولقوله جل جلاله في سورة النصر : { إذا جاء نصر الله والفتح } ، وحيث أن النصر لا يأتي من دون أمر الله لقوله تعالى في سورة الملك : { أمّن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إنِ الكافرون إلا في غرور } ولقوله سبحانه في سورة الكهف : { ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصراً } ولقوله جل جلاله في سورة القصص : { فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين } ، ولقوله عز وجل في سورة البقرة : { ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض وما لكم من دون الله من وليّ ولا نصير } ، نقول حيث أن النصر بيد الله وحده ، وأن النصر لا يأتي من دون أمر الله ، فهل يملك المسلمون أسباب هذا النصر ، أم يملكون شروطه فحسب ؟ وبعبارة أخرى : هل يستطيع المسلمون إنزال النصر متى شاءوا وكيف شاءوا بأن يأتوا بأسباب هذا النصر ، أم أن الأمر غير ذلك ، فلا يملك المسلمون تقدير وقت نزوله ، ولا كيفية هذا النزول مهما فعلوا ومهما حاولوا ، وإنما يملكون فحسب تحقيق الشروط الواجبة واللازمة عليهم حتى يكرمهم بنصره في الوقت والكيفية اللذين يقدرهما هو سبحانه ؟

إن المدقق في آيات الله المتعلقة بالنصر يستنبط منها أن النصر كالرزق هو قضاء ، وأن النصر كأمر الرزق بيد الله وحده ، وأن قضاء الله بيد الله وليس بيد الناس حتى ولو كانوا أنبياء ورسلاً ، فكما أن الرزق قضاء ، وكما أن الأعمار قضاء ، وكما أن نزول الغيث قضاء ، فكذلك نزول النصر قضاء ، والقضاء بيد الله وحده وليس بيد أحد من خلقه ، فكما أن الإنسان لا يملك تحديد رزقه وقتاً وكمية ، ولا يملك تقدير عمره طولاً وقصراً ، ولا يملك إنزال الغيث وقتاً وكمية ، فكذلك النصر لا يملك أحد إنزاله توقيتاً ومقداراً ، وإنما كل ذلك قضاء ، وحيث أن النصر قضاء كسائر ما قضى ويقضي الله فإن أحداً لا يملك أسبابه التي تنتجه فلا يتخلف ، ولو كان النصر في مقدور أحد صنعه بالإتيان بأسبابه التي تنتجه فلا يتخلف ، لصنعه الأنبياء والرسل ، ولأنزلوه فور حاجتهم إليه ، وما دام الأنبياء والرسل لا يملكون أسباب النصر فإن من سواهم من المؤمنين لا يملكونه قطعاً ، قال تعالى في سورة القمر : { فدعا ربه أني مغلوب فانتصِر } ، فلو كان النصر في مقدور نبي الله نوح يأتي به متى شاء لما قال ما قال ، وقال سبحانه في سورة البقرة : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب }**

**(2)

5 - الإيمان بوعد الله بالنصر ، والإيمان بالاستخلاف في الأرض ، والإيمان بالغلبة على المعاندين والمتكبرين والظلاميين والعلمانيين حقيقةٌ يجب أن تكون راسخة عند حامل الدعوة ، وبديهية حتى ولو لم يحس بها أو يشاهد مقدماتها ، إذ يكفي حامل الدعوة أن يقف على وعد الله سبحانه بالنصر ليعتبر هذا النصر حقيقة لا بد من وقوعها ، قال تعالى في سورة الشعراء مخاطباً موسى وهرون : { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين 0 أن أرسل معنا بني إسرائيل } فاعتبره نبي الله موسى أمراً مؤكداً لا بد من وقوعِه ، وقد تكرر الأمر هذا في آية أخرى من نفس السورة : { وأوحينا إلى موسى أن أَسْرِ بعبادي إنكم مُتَّبَعون } فأيقن أن خروج بني إسرائيل من مصر ونجاتهم من فرعون كائن لا محالة لا يشك في وقوعه وحصوله ، ولهذا لما وصل أصحاب موسى إلى شاطئ البحر ورأوا جيش فرعون يتعقبهم فشكّوا في الوعد الإلهي : { فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدرَكون } لم يشك نبي الله ، ولم يجعل الحالة الصعبة التي كانوا عليها تؤثر في إيمانه بوقوع وعد الله ، وإنما أجابهم إجابة الواثق بوعد الله بالنجاة والخلاص من فرعون : { قال كلا إن معيَ ربي سيهدين } . والعبرة والدرس من هذه القصة هي أن حامل الدعوة الذي كما قلنا من قبل يقتدي بالأنبياء يجب أن ينظر إلى وعد الله وأمره نظرة اليقين والحقيقة الواقعة ، لأن الله سبحانه لا يخلف وعده ، فهذا نبي الله موسى قد أمره ربه بتخليص بني إسرائيل من حكم فرعون وتسلّطه ، فاعتبر أمر الله يقيناً قائماً لا يتطرق إليه الشك ، حتى عندما سار ببني إسرائيل ، فوصلوا إلى بحر لا يملكون السفن لاجتيازه ورأوا جيش فرعون الذي لا قبل لهم بقتاله خلفهم ، وظل الإيمان إيماناً واليقين يقيناً رغم أن موسى عليه السلام لم يقف آنذاك على كيفية حصول النجاة ، ولا رأى أمامه أية وسيلة للنجاة ، ومع ذلك بقي على إيمانه بحصول النجاة فقال : { كلا إن معيَ ربي سيهدين } فكلمة ( كلاّ ) تعني أن جيش فرعون لن يصل إليهم لأن وصوله يعني عدم تحقق النجاة اليقينية عنده ، وقد قال ما قال رغم أنه لم يكن واقفاً على كيفية النجاة ، وهنا قمة الإيمان ، فقال : { إن معيَ ربي سيهدين } ، فعلى حامل الدعوة عندما يتلو قوله تعالى في سورة النور : { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون } أن يثق بوعد الله هذا ، وأن الله القوي العزيز سيمكنه من إقامة الخلافة ، وأن هذه الخلافة لا شك ستقوم وإن هو لم ير الأحوال المواتية ولا الظروف المهيأة ، ولا القوى إلى جانبه ، مقتدياً بنبي الله موسى عليه السلام في إيمانه بوعد الله رغم عدم رؤيته للأحوال والظروف المواتية ، وعندما يتلو حامل الدعوة قوله تعالى في سورة المائدة : { ومن يتولَّ اللهَ ورسولَه والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون } يوقن أن الغلبة لا شك قادمة ، وأن نصر الله لا شك آت إلى حزب الله الذي يقوم على تنفيذ أمره ، واجتناب نهيه ويحمل الدعوة بحق وصدق وإخلاص ، وإذا قرأ حامل الدعوة قوله تعالى في سورة الصف : { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون } تأكد لديه أن اليوم الذي سيعلو فيه دين الإسلام على جميع الأديان آت لا محالة ، وهكذا يأخذ حامل الدعوة الوعود التي قطعها رب العالمين على نفسه بتصديق قطعي ويقين ثابت بأنها ستتحقق لا محالة ولو أنه لم يشاهد مقدماتها ، ولا رأى ما يدل على تحققها .

6 - عندما يقرأ حامل الدعوة قوله تعالى في سورة هود : { وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في مَعْزِل يا بُنيَّ اركب معنا ولا تكن مع الكافرين R قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رَحِمَ وحال بينهما الموج فكان من المغرَقين } ويتفكر في هذا الجانب من قصة الطوفان يجد أن نجاة الخلق والعصمةَ لهم إنما تكون بالالتجاء إلى أمر الله وتنفيذ أحكامه ، وأن الهلاك يكون بترك الهَدْي الإلهي والركون والاقتصار على تدبير العقل المحدود ، فلو أخذ ابن نوح بالهدي الإلهي وأطاع أمر ربه واعتصم به لنجا ، ولكنه لما أعرض عنه ولجأ إلى ذاته وإلى تدبير عقله هلك ، فيُستدل بهذا الجانب من قصة الطوفان على أن المسلمين إن هم أرادوا النجاة من مكر الدول الكافرة ، والخلاص منهم والانتصار عليهم وجب عليهم تحكيم شرع الله في التشريع وفي الإعداد للمعارك ، وعدم الركون إلى عقولهم في سن القوانين وما تؤدي إليه من استعدادات للحروب استعداداتٍ تغفل الناحية الروحية والهَدْي الإلهي ، ويستدل بهذه القصة على أن انتصارات المسلمين عبر التاريخ إنما كانت بسبب أخذِهم بالهَدْي الإلهي ، وأن هزائمهم في المائتي سنة الأخيرة إنما كانت بسبب تركهم الهَدْي الإلهي ، والأخذ بالقوانين والتشريعات والاستعدادات التي أوحت لهم بها عقولهم فحسب .

7 - إن حامل الدعوة يجب أن يحمل الدعوة بقوة وبصلابة وبتحدٍ دون أن يبالي بالعواقب والمخاطر ، ويجعل الدعوة ومصلحتها فحسب هي الهدف وهي الغاية ، وليعلم أن الخوف من الناس والركون إلى الدعة والْتماس السلامة تفقده مقومات النجاح ، وتبعده عن رضا ربه واهب النصر ، قال تعالى في سورة مريم : { يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبياً } وقال سبحانه في سورة هود : { قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين 0 إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء0 قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون } ، فانظر إلى أمر الله ليحيى أن يأخذ الكتاب بقوة ، وانظر إلى صلابة نبي الله هود كيف يخاطب قومه وهو فرد أعزل بقوله : { فكيدوني جميعاً ثم لا تُنْظِرون } أي نفذوا فيّ كيدكم وتآمركم الذي تجمعون عليه كلكم ، ولا تتأخروا في ذلك ، فأية قوة هذه القوة ، وأية صلابة وأي تحدٍّ هذه الصلابة وهذا التحدي !

هذه نماذج من العبر والدروس التي تستخلصُ من قصص الأنبياء والمرسلين ، وهي كلها مادة صالحة للاستنباط لأنها كما قلنا كلها نماذج لكيفية حمل الدعوة ، وليس من مقطع فيها إلا وفيه درس وعبرة وفائدة تلزم حامل الدعوة .

إن المسلم كما هو مأمور بالتفكّر في الآيات الكونية مأمور كذلك بالتفكر في قصص الأنبياء والمرسلين ، لأن هذه القصص فيها أيضاً آيات كونية ، وهي المعجزات ، فالأنبياء والرسل أتوا بآيات كونية ظهر فيها الإعجاز ليتوصلوا بها إلى هداية أقوامهم ، فنجاة نوح بالطوفان آية كونية ، وناقة صالح آية كونية ، والخسف بقوم لوط آية كونية ، ونجاة إبراهيم من النار آية كونية ، وفلق البحر لموسى آية كونية ، وهكذا سائر المعجزات التي أتوا بها ، قال تعالى في سورة الأنعام : { يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسلٌ منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا … } ، وقال سبحانه في سورة الأعراف : { يا بني آدم إما يأتينكم رسلٌ منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } فالأدلة التي جاء بها الأنبياء والمرسلون كلها آيات كونية ، ولم يأت أحد منهم بآيات تنزيلية معجزة سوى محمد عليه الصلاة والسلام ، فمزامير داود ، وصحف إبراهيم ، وصحف موسى ، والإنجيل وإن كانت تنزيلية إلا أنها لم تكن آيات معجزات ، أي لم تكن هي المعجزات التي تحدوْا بها أقوامهم للاستدلال بها على صدق نبوّاتهم وهي لم تكن سوى تشريعات تُدرس لتؤخذ منها الأحكام والعقائد فحسب ، أما آيات القرآن فهي للأمرين : لتكون معجزات دالات على وجود الخالق وعلى صدق نبوة محمد ، ولتُدرس لتؤخذ منها الأحكام والعقائد ، وإذن فإن الآيات المعجزات التي أُعطيت لجميع الأنبياء والمرسلين هي آيات كونية ، في حين أن الرسول r هو وحده الذي أُنزل عليه آيات تنزيلية معجزة .

أما الحكمة من هذا ، فهي أن كل نبي ورسول قد أرسل إلى قومه خاصة ، مدة زمنية تنتهي بقدوم نبي ورسول يخلفه ، فإذا انتهت مدة النبوة وجاءت عقبها نبوة جديدة لم يكن هناك حاجة لبقاء آية معجزة للنبي والرسول السابق ، لأن العمل بشريعته انتهى ، وبالتالي لم تبق حاجة لبقاء المعجزة لنبي تلك الشريعة ، وهكذا كانت آيات الأنبياء أي معجزاتهم آنية تبدأ بالنبوة وتنتهي بانتهائها ، وهذه قاعدة مطردة في كل الأنبياء والرسل ، إلا ما كان مع رسولنا الكريم r فهو النبي الأوحد الذي لا تنتهي مدة نبوته حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، ولهذا جاءت آيته أي معجزته خالدة بخلود نبوته ، ولا يتأتى ذلك إلا بأن تكون الآية أي المعجزة تنزيلية باقية ، خلافاً للآيات والمعجزات لدى جميع الأنبياء والرسل السابقين الذين انتهت معجزاتهم بانتهاء نبواتهم وشرائعهم ، ولم يبق منها إلا ورودها في الآيات القرآنية التنزيلية ، ولولا ذلك لانتفى الأمر بالتفكر فيها ، فالنظر في قصص الأنبياء والمرسلين يضم فيما يضم معجزاتهم التي كانت آيات كونية ، ولكنها خرجت على قوانين الكون وسننه ، فالتفكر فيها مشروع كالتفكر في سائر الآيات الكونية ، وما يؤدي إليه هذا التفكر من الإيمان واليقين . قال تعالى في سورة البقرة : { وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } وقال سبحانه في سورة آل عمران : { ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله ، وأبريء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } .

إلا أن هناك فارقاً بين الآيات الكونية العامة ، أي المخلوقات في هذا الكون ، وبين الآيات الكونية الخاصة بالأنبياء والمرسلين ، هذا الفارق هو أن الآيات الكونية العامة إنما هي علامات دالات على وجود الخالق القدير فحسب ، ولا تدل على أكثر من هذا ، في حين أن الآيات الكونية الخاصة بالأنبياء والمرسلين هي علامات دالات على أمرين اثنين : على وجود الخالق القدير ، وعلى أن ذلك الشخص الذي جاء بها أو جاءت على يديه إنما هو نبي ورسول لهذا الخالق القدير ، وبمعنى آخر فإن الآيات الكونية العامة تصلح للإيمان بالله سبحانه فحسب في حين أن الآيات

الكونية الخاصة تصلح للإيمان بالشريعة والديانة التي أتى بها ذاك النبي إضافة إلى الإيمان بالخالق القدير ، ومن استعراض الآيات الكونية الخاصة نجد أنها صنفان : صنف أتى به النبي والرسول مخالفاً للنواميس الكونية ليكون معجزة له عند قومه تدل على نبوته ورسالته مثل برودة النار وسلبها خاصية الإحراق كما جاء في قصة إبراهيم ، ومثل تحويل العصا الجامدة إلى حية تسعى كما جاء في قصة موسى ، ومثل إحياء الموتى ورد البصر للعميان كما حصل مع نبي الله عيسى ، وصنف لم يأت به النبي كمعجزة له ، وإنما كان النبي نفسه هو المعجزة . وذلك كولادة عيسى من أمه دون نكاح ، بمعنى أن عيسى نفسه يشكّل معجزة في حدّ ذاته ، فولادته من أم دون نكاح معجزة ذاتية له ، ومعجزة ذاتية لأمه ، قال تعالى في سورة المؤمنون : { وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين } ، وكموت عُزير في الدنيا وبعثه حياً من جديد ، وعُزير هو نبي من أنبياء بني إسرائيل ، وهو المقصود من قوله تعالى في سورة البقرة : { أو كالذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنّى يحيي هذه اللهُ بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنّه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس … } فعيسى عليه السلام نفسه آية ، وعُزير كذلك آية .**

قصص الأنبياء والمرسلين

لقد شَغلت قصص الأنبياء والمرسلين حيزاً كبيراً من القرآن الكريم في أكثر من خمسين سورة منه ، خاصة قصة نبي الله موسى عليه السلام ، وقد تكرر سرد العديد من هذه القصص ولكن بتعابير مختلفة في هذه السور ، ونحن نعلم أن الله سبحانه لا يأتي بحرف في كلمة في آية في سورة من القرآن إلا لحكمة ولغرض ، فما الحكمة من ذكر هذا القدر الكبير من قصص الأنبياء والمرسلين في القرآن المجيد ؟

إن الله سبحانه أنزل القرآن بالحق ، فقال في سورة البقرة : { ذلك بأن الله نزّل الكتاب بالحق … } ، وقال في سورة آل عمران : { ألم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم * نَزَّلَ عليك الكتاب بالحق … } ، فكان من الحق قصص الأنبياء والمرسلين . وقد جاء التنويه بهذا في قوله تعالى في سورة آل عمران : { إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم } وفي قوله سبحانه في سورة الأنعام : { … إن الحكمُ إلا لله يقصّ الحق وهو خير الفاصلين } ، فالقصص هذه حق ، ونحن مطالبون بالحق ، ومأمورون بحمل دعوة الحق إلى الناس أجمعين . فكما نحن مطالبون بالعقيدة ، ومطالبون بالعبادات ، ومطالبون بأحكام المعاملات والعقود ، ومطالبون بسائر الأحكام الشرعية تعلماً وتعليماً وعملاً ، فإننا ولا شك مطالبون بتعلم آيات القرآن كلها وتعليمها والعمل بها ، ومنها آيات القصص ، وإلا لما كان لإيرادها الكثيف في القرآن معنى ، وإلا لما أُنزلت علينا بالحق ، والله سبحانه منزه عن العبث واللغو .

إن الله سبحانه يريد منا نحن المسلمين أن نكون شهداء على الناس ، وَوَصَفنا بأننا أمةٌ وسط ، قال تعالى في سورة البقرة : { وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً … } وقال سبحانه في سورة الحج : { … هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس … } ، ومعنى الشهداء أو حتى يصح أن نكون شهداء على الناس لا بد من أن نحمل الدعوة إليهم ونبلّغهم شريعة الإسلام ، فمن حمل الدعوة إلى الناس استحق أن يقال عنه إنه شهيد عليهم ، ومن لم يفعل لم يكن ممن يستحقون هذا الوصف الكريم ، فحمل الدعوة في الإسلام عمل جليل وعظيم لا ينبغي لمسلم أن يتخلف عنه ، وإلا فَقَدَ الكثيرَ من الخير وحرم نفسه من الشهادة على الأمم ، وحيث إن الأمم تتفاوت في الأفكار وفي القيم وفي السلوك ، وفي الأنماط المعيشية تفاوتاً كبيراً ، فإن على حامل الدعوة حتى يحسن العمل أن يتسلح بما يعينه على اتخاذ المواقف الصالحة عند كل حالة تقابله أثناء حمله للدعوة ، فحمل الدعوة إلى أناس متقدمين فكرياً يحتاج إلى مواصفات تغاير المواصفات عند حمل الدعوة إلى أناس بسطاء وبدائيين ، وحمل الدعوة بالجهاد إلى أمة قوية عسكرياً يختلف عنه تجاه أمة ضعيفة ، وهكذا يجب على حامل الدعوة إلى الأمم المختلفة أن يتصف بشتى الصفات التي تؤهله لحمل الدعوة الإسلامية إلى مختلف أمم الأرض ، فجاء ذكر قصص الأنبياء والمرسلين في قرآننا المجيد .

وبعبارة أخرى فإن قصص الأنبياء والمرسلين ما هي إلا نماذج لكيفية حمل الدعوة إلى الأمم المختلفة ، فنجد نوحاً عليه السلام يخاطب قومه بغير ما يخاطب به صالح قومه أو إبراهيم قومه أو شعيب قومه أو عيسى قومه ، لأن كل قوم من هؤلاء الأقوام والأمم يختلفون كثيراً أو قليلاً عن غيرهم من الأقوام والأمم ، وحيث إن المسلمين هم الأمة الوحيدة المكلفة بحمل الدعوة الإسلامية إلى جميع الأقوام والأمم دون غيرها من أتباع الديانات الأخرى التي أنزلت كلها على أقوام خاصين ، فإن المسلم يحتاج إلى الوقوف على عدد من النماذج لكيفية حمل الدعوة إلى جميع الأقوام والأمم ، فحبانا رب العالمين نماذج عدةً لكيفية حمل الدعوة التي تصلح لحامل الدعوة في التسلح بها والاستفادة منها ، فمن نهض بعبء حمل الدعوة فإنّ عليه أن يقف على هذه القصص ليستفيد منها حيال المواقف المختلفة التي تجابهه وتعترض سبيله أثناء عمله في أناس مختلفين علماً وفهماً وحضارة وقوة وضعفاً .. الخ .

والدليل على ما نقول قوله تعالى في سورة الأنعام : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين } ، فهذا القول يدل دلالة واضحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بالإقتداء بهُدى هؤلاء الأنبياء والمرسلين ، وحيث أن المسلمين مأمورون بالإقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، وحيث أن خطاب النبي خطاب لأمته إلا ما اختص به ، وهنا لا اختصاص ، فإننا نكون مأمورين بالإقتداء بهُدى هؤلاء الأنبياء والمرسلين .

وهنا قد يتبادر إلى الذهن أننا نقول بأن شرع من قبلنا هو شرع لنا ظناً أن الإقتداء بهدى الأنبياء والمرسلين يعني الالتزام بشرائعهم وأحكام دياناتهم ، فنجيب على هذه الشبهة بأن الإقتداء بهدى الأنبياء والمرسلين متعلق بأصول الدين والتوحيد والطاعة ، وليس بالأحكام التفصيلية ، وهذا المعنى هو المقصود من قوله تعالى في سورة الشورى : { شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه … } وهو المقصود من قوله سبحانه في سورة آل عمران : { قل صدق الله فاتبعوا ملّة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين } وهو المقصود من قوله جل جلاله في سورة النحل : { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً } .

فالقول إنه قد شرع لنا ما وُصّي به نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ، والقول إننا مأمورون بإتباع ملة إبراهيم لا يعني أننا مأمورون بإتباع أحكام دين نوح ، ودين إبراهيم ودين موسى ودين عيسى التفصيلية ، وإنما المقصود اتباع هؤلاء الأنبياء في أصول الدين والتوحيد والطاعة الإجمالية ، وهذه عند الله واحدة ، وإليها أشار الرسول rبقوله : " … الأنبياء إخوة من عَلاّت وأمهاتهم شتى ودينهم واحد … " رواه أحمد ومسلم من طريق أبي هريرة .

وعليه فإن على حامل الدعوة دراسة هذه القصص واستخلاص العبر والمواقف والدروس المستفادة منها ليستفيد منها أثناء حمله للدعوة ، إضافة طبعاً إلى النظر في السيرة النبوية التي هي الأساس في هذا المضمار ، ومن لم يفعل فقد قصّر وفوّت على نفسه الفائدة ، ولم يكن له من حظ منها إلا مجرد ثواب التلاوة .

إن استخلاص جميع الدروس والعبر الواردة في هذه القصص يحتاج إلى كتب وكراريس كثيرة ، ولا يتسع المقام هنا لإيرادها كلها ، ويكفي هنا التنويه بالفكرة الأساسية والخط العريض ، وما على حامل الدعوة إلا أن يدرس هذه القصص دراسة وبحثاً ليستخلص بنفسه ما فيها من عبَر ودروس .

وهذا عدد من هذه الدروس والعبر ، ليطلع عليها حملة الدعوة ، ولينهجوا نهجها في البحث والاستقصاء :

1 - إن من أهم ما يحتاج إليه حامل الدعوة الثبات ، وذلك لشدة ما يعترضه من عقبات وصعاب ، وما يصيبه من عذاب وعنت ، وما يعرض عليه من إغراءات ، فإذا هو قرأ قوله تعالى في سورة هود : { وكلاًّ نقص عليك من أنباء الرّسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين } فهم منه أن أنباء الرسل مادة صالحة للتثبيت ، فأكب عليها قراءة ودراسة واستنباطاً ليحصل منها على الثبات اللازم له .

2 - وإن من أهم ما يحتاج إليه حامل الدعوة الصبر على تكذيب الناس له وتعذيبهم إياه ، ودوام تحليه بالصبر إلى أن يأتي نصر الله ، لأنه بدون هذا الصبر لن ينتصر ، ولن يكرمه الله به ، فإذا هو قرأ قوله تعالى في سورة الأنعام : { ولقد كُذِّبت رسلٌ من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين } فهم منه أن في القصص وأنباء الرسل ما يحقق له القدرة على التحلي بالصبر انتظاراً للفرج ووعد الله بالنصر .

3 - إن الواجب على حامل الدعوة أن يعمل لله مخلصاً له العمل لا يبتغي مقابل ذلك لا مالاً ولا جاهاً ، ولا غرضاً دنيوياً ، وحيث أنه يعمل كعمل الأنبياء فإن عليه أن يحذو حذوهم ، فنبي الله نوح يخاطب قومه بقوله كما في سورة هود : { ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً إن أجريَ إلا على الله … } ، ونبي الله هود يخاطب قومه عاداً بقوله كما في نفس السورة : { يا قوم لا أسألكم عليه أجراً إن أجريَ إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون } ، ونبي الله صالح يخاطب قومه ثمود بقوله كما في سورة الشعراء : { وما أسألكم عليه من أجر إن أجريَ إلا على رب العالمين } ونبي الله لوط يخاطب قومه بقوله كما في نفس السورة : { وما أسألكم عليه من أجر إن أجريَ إلا على رب العالمين } ونبي الله شعيب يخاطب قومه مدين - أصحاب الأيكة - بقوله كما في نفس السورة : { وما أسألكم عليه من أجر إن أجريَ إلا على رب العالمين } ونبينا r أمره ربه عز وجلّ أن يخاطب الناس بنفس الشيء ، قال تعالى في سورة الأنعام : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين } ، فوجب على حملة الدعوة أن ينهضوا لحمل الدعوة ابتغاء وجه الله ونوال مرضاته فحسب ، وعدم أخذ الأجرة لا مالاً ولا جاهاً ولا أي غرض من أغراض الدنيا ، فيخلصون لله العمل طالبين الأجر والمثوبة منه فحسب.

4 - إن من أعظم ما ينبغي على حامل الدعوة أن يتجنبه هو تحكيم الهوى وإشباع الرغبات والشهوات على حساب التمسك بالحق والالتزام به ، لأنه هو الضلال المبين ، ولا ينبغي لحامل الدعوة أن يكون ضالاً ، قال تعالى في سورة ص : { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } ، وقال سبحانه في سورة مريم : { أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبُكيا 0 فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً 0 إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئاً } فليحذر حامل الدعوة من أن يكون من هؤلاء الخلف الذين اتبعوا الشهوات ، فإن هو زلت قدمه يوماً فاحتكم إلى هواه وشهواته وبنى موقفه وتصرفه على هذا وترك قول الحق أو فعل الحق فليبادر فوراً ودون تأخير إلى التوبة ، حتى يتوب الله عليه .**

**فعلى حامل الدعوة خاصة وعموم المسلمين عامة أن يعوا على الآيات التنزيلية كلها ، وعلى ما يتمكنون من الآيات الكونية ، وكما أن قراءة القرآن وتدبّر آياته مشروعة ولازمة لحامل الدعوة ولسائر المسلمين ، فإن التفكر في الآيات الكونية مشروع ولازم هو الآخر ، وكما أن قراءة الآيات القرآنية التنزيلية وتدبّرها عبادة فإن التفكر في الآيات الكونية عبادة هو الآخر ، فعن عامر بن عبد قيس قال : " سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون : إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكّر " ذكره ابن كثير في تفسيره ، وذكر القرطبي وابن كثير في تفسيريهما عن الحسن قوله : " تفكر ساعة خير من قيام ليلة " ، ونقل مثل هذا القول عن ابن عباس وأبي الدرداء ، فالصحابة والتابعون يعتبرون التفكر عبادة ومن الإيمان .

وكما أن الآيات التنزيلية وصفت بأنها في مستوى واحد من حيث الإعجاز في التعبير ، قال تعالى في سورة النساء : { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } ، فكذلك الآيات الكونية قد وصفت هي الأخرى بأنها في مستوى واحد من حيث الإعجاز في الخلق ، قال تعالى في سورة تبارك : { الذي خلق سبع سموات طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور } .

وكما أن العلم بآيات القرآن مشروع ومأمور به فكذلك العلم بالآيات الكونية مشروع ومأمور به ، فإن اجتمع العلمان في شخص واحد استحق أن يطلق عليه اسم العالم بشكل مطلق ، وإلا كان علمه مقيداً ، أو كان مختصاً بشيء دون شيء ، قال تعالى في سورة الروم : { ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالِمين } وقال سبحانه في سورة فاطر : { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ومن الجبال جُدَدٌ بيض وحمر مختلفٌ ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماءُ إن الله عزيز غفور } إن المدقق في هاتين الآيتين يتبين له أن إطلاق اسم العلماء والعالمين قد جاء في معرض استعراض الآيات الكونية ، بمعنى أن الشخص حتى يكون من العلماء والعالمين بشكل مطلق يجب أن ينظر في الآيات الكونية ويتفكر فيها إضافة طبعاً إلى علمه بعلوم الشريعة ، فتدبّر الآيات التنزيلية والتفكر في الآيات الكونية أمران واجبان ، ولا يجوز لحامل الدعوة فضلاً عن سائر المسلمين أن يجهل هذه الآيات الكونية ، أو لا يجهد نفسه في التفكير فيها ، ليصل منه إلى الإيمان القوي الراسخ .

إن الآيات القرآنية كلام معجز ، وإن الآيات الكونية مخلوقات معجزة ، والإعجاز فيها يدل على أن لها رباً ، ولذا سميت آيات أي علامات على وجود الخالق القدير سبحانه ، والمفرد علامَة وعالَم ، فكل ما في الكون علامَة وعالَم على وجود الخالق القدير ، وما أروع قول الشاعر :

وفِي كُلِّ شَيءٍْ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ واحِدُ

فالكون كله مخلوق لخالق ، خلقه الله لأمرين اثنين : أولهما ليدل هذا الكون عليه سبحانه ، وثانيهما لعبادته ، فوجب على الناس الاستدلال بمخلوقات الله على وجوده ، ثم الاستدلال بالآيات التي جاء بها أنبياؤه ورسله على صدقهم ومن ثم طاعتهم فيما أمروا به من عبادة الله ، كما وجب عليهم حمده ، وهذا هو أصل الديانات كلها الذي جاء به أنبياء الله ورسله من آدم حتى محمد خاتم الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، وهذا الأصل هو ما جاء في قوله تعالى في سورة الشورى : { شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه … } وما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو هريرة عند مسلم وأحمد : " أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الأولى والآخرة . قالوا كيف يا رسول الله قال الأنبياء إخوة من عَلاّت وأمهاتهم شتى ودينهم واحد فليس بيننا نبي " فقد أطلق على هذا الأصل اسم الدين في الآية وفي الحديث . فأصل الديانات كلها هو : الإيمان بوجود الله وأنه رب هذا الكون ، وأن الواجب على الناس عبادته وحمده ، هذا الأصل العظيم جاء ذكره كاملاً في أعظم سورة في القرآن في مبتدأ هذه السورة قال تعالى : { الحمد لله رب العالمين } فرب العالمين يعني أن للمخلوقات - أي العلامات أو العوالم أو العالَمين وهي كلها بمعنى واحد - رباً أي خالقاً ومالكاً ، وهذا الرب أي الخالق المالك هو الله ومعناه المعبود ، وأن لهذا الرب الإله واجب الحمد ، ففي هؤلاء الكلمات الأربع جاء ذكر الدين ، أي أصل الديانات كلها ، فتبارك الله أحسن القائلين القائل في سورة الزمر : { الله نزّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعرّ منه جلود الذين يخشَون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله … } فليس غريباً أن تكون الفاتحة أعظم السور ، وليس غريباً أن تفتتح هذه السورة بهؤلاء الكلمات الأربع ، وليس غريباً أن تفرض على كل مسلم قراءة هذه السورة في كل ركعة من صلاته .

فعلى كل مسلم ، وعلى حامل الدعوة بشكل خاص أن ينظر في آيات الله التنزيلية ، وأن ينظر في آيات الله الكونية ليصل من هذا وذاك إلى الإيمان واليقين القويين التامين .**