**حذار من بذور شر الفساد والمُفسدين
مما لا جدال فيه أنّ من أعظم شرور الفساد في مجتمع الإسلام وفي كل المجتمعات هو الإفك، والإفك هو الكذب، وهو شرٌ وبهتان عظيم، وبه نقل للأخبار بصورة كاذبة، وبه تشويه للحقائق ودس بين الناس، وإيقاع لبذور الشر والإفساد في القوم والجماعة، فهو في مضمونه وجوهره فساد وإفساد. لقد كان الإفك في مجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم تناول أهل بيته وإحدى أشهر أمهات المسلمين، أي أنّه استهدف الطهر والعفاف وبيت التقوى وقمة المجتمع بيت رسول الله حاكم المسلمين وقائدهم، ومن قام به كان من صفوة المجتمع ومن البارزين فيه وليس من المغمورين والمجهولين.
لقد كان الإفك بذر لدواعي الفساد والإفساد في المجتمع وتنظير على الصفوة فيه حسداً وغيرةً وعجزاً عن الوصول لما وصلوا إليه، والقائم على التنظير في المجتمع يكون في الأعم الأغلب قوم منه وصلوا بليل دامس لمراتب في المجتمع ليسوا على مستواها ولا أهلاً لها. وقدمهم المجتمع كقادة ومتنفذين أو أشباه قادة ومتنفذين، فأسند لهم المناصب العليا للعمل، وقدمهم للناس على تلك الصفة، فرأوا في أنفسهم الكبر، وظنوا في أنفسهم أنهم الرواد والقادة وأنهم يجب أن يأمروا فيطاعوا ويقدموا في المجتمع دون خلق الله تعالى، فما رأوا تحركاً صادقاً في المجتمع إلا وقاوموه خوفاً وظناً منهم أنه يستهدف مراكزهم ومناصبهم، فقاوموا بذور الخير القائم فيها غيرهم وجرحوه وسفهوه وسفهوا من قام عليه، ووصموهم بكل الصفات القبيحة.
هؤلاء المنظرون المفسدون هم المتنطعون المتفيهقون المغرورون، إنهم عنوان ومظهر الطبقية البغيضة في المجتمع، بل بذرة الشر والكابوس القاتل المستهدف كل خير في المجتمع، بهدف حصر الرياسة والريادة في طبقتهم الساعية للسيطرة والتسلط على المجتمع، وإبعاد كل من لا يدخل في طبقيتهم وحاشيتهم والولاء لهم ولو كان مخلصاً تقياً. إنهم موجودون في مجتمع الإسلام وفي كل مجتمع منذ خلق الله الأرض ومن عليها، فهوس الزعامة والأثرة من مكنون النفوس الشريرة العديمة التقوى والموغلة في الكبر والرياء وزعامة الجاه.هم موجودون بين الناس في المجتمع، وفي أجهزة الدولة وفي داخل التكتلات والأحزاب.
في البيت تحرص الزوجة على نيل الحظوة والإيثار لدى الزوج فتحاول أن تفسد علاقته بزوجاته الأخريات بالإيقاع والإفساد والإفك وكل الوسائل الشيطانية. وفي الشركة يسعى الموظف على إيغار صدر مديره على زملائه مسفهاً كل عمل جيد عملوه لينال الحظوة لدى المدير من دون زملائه، وفي الدائرة والوظيفة ومجلس المنطقة ومجلس العائلة، وهكذا.
أمّا في التكتلات فيعمد هؤلاء لتغيير مسار التكتل بحيث يخدم هذا التغيير مصالحهم الآنية، وربما مصالح أسيادهم من الحكام وأعداء الأمة، فينتهجون الإفك على زملائهم بهدف تحجيمهم أو إقصائهم عن إمكانية الوصول لمراكز مرموقة، والإفك على غيرهم من الجماعات وتزوير أفكارهم طريقاً ومنهجاً للنيل من تلك الجماعات وتسويد صفحاتها ليبعدوا الناس عن التكتل بها، ويستغلوا مراكزهم في تكتلهم والشهرة التي يسبغها عليهم مراكز الإعلام لأعظم أمراض الإفك القاتلة وهو الإفتاء بغير الحق، والكذب على شرع الله.
وأخطر أنواع بذور الطبقية البغيضة هذه يكون في التكتلات السياسية والأحزاب المستهدفة التغيير والإصلاح، والتي يكون أساس التكتل والرابط بين أفراده الوجوه والألقاب والمشاهير وليس التكتل الفكري الذي عماده ومرجعيته المتبنيات، فيدخل في قياداتها أو في مراكزها رجال ليسوا على المستوى اللازم، فيقدموا في المجتمع كقادة أو زعماء للتكتل والحزب، يقولون باسم التكتل ويصرحون باسمه، ويظهرون في المناسبات العامة بتلك الصفة، ويخص التكتل هؤلاء الفارهون دون غيرهم بذلك، فإن تقدم غيرهم بعمل جيد يخدم قضية التكتل، انبرى هؤلاء لتسفيه العمل وتسفيه من قام به، بهدف الإبقاء على سيطرتهم المنفردة واستئثارهم بالمراكز، وخوفاً أن لا ينافسهم هؤلاء في ذلك، أو ظناً منهم أنه لا يستطيع القيام بالعمل إلا هم وطبقتهم حيث بلغ بهم الرياء مبلغه..
يتبع**