حديث رمضان ( 10)

**لقد اوجب الاسلام على الدولة تحقيق اشباع الحاجات الاساسية لكل فرد بعينه من ماكل ومسكن وملبس, واوجب كذلك اشباع الحاجات الاساسية للرعية , وهي الامن والتطبيب والتعليم , فتحفظ الدولة امن الجميع وتؤمن التطبيب والتعليم للجميع , لا فرق بين غني وفقير ولا بين موظف وغير موظف , وتدفع جميع النفقات المترتبه على ذلك من بيت المال اي من خزينتها

وباشباع الحاجات الاساسية من ماكل وملبس ومسكن لكل فرد بعينه اشباعا كاملا وحقيقيا بالمعروف , لا فرق بين محمد وجورج ولا بين فاطمة وجورجيت وتمكين كل فرد من اشباع حاجاته الكمالية بتسهيل الحصول عليها , وباشباع الحاجات الاساسية للامة ايضا من امن وتطبيب وتعليم, يقضي على الفقر قضاء حقيقيا ويسار بالمجتمع نحو الرفاهية الحقة

واما الفقر عند الراسمالية فانه بني على مفاهيم الاقتصاد فان ما عانته اوروبا من ظلم الاغنياء والتفاوت الفاحش بين الناس في العيش، قد اوجد عند المفكرين فكرة توفير المال للناس يأخذونه بمقدار قدرتهم على تحصيله وتوصلوا الى ان المشكلة الاقتصادية هي الندرة للمال، اي عدم كفاية المال الموجود لحاجات الناس المطلوبة، ومن هنا كان الفقر هو حاجة البلاد للمال وليست حاجة افراد الناس له، فصار الفقير هو المجتمع حسب فهمه وليس الافراد، اي هو مجموعة الناس وليس افراد هؤلاء الناس، وبناء على ذلك انصب التفكير على ايجاد المال في البلد بكميات تكفي لحاجات مجموعة الناس، وليس توفير حاجة كل فرد من الناس.

ان صندوق النقد الدولي هو اداة الكافرلافقار الشعوب ولكنه يقدمها كعلاج ، ولكن الدواء يودي بحياة المريض ومثاله أندونيسيا حيث تردى الوضع الاقتصادي (بعد وصفة العلاج) من نمو بنسبة 10% إلى تراجع اقتصادي بنسبة 15% خلال عام واحد فقط وبحلول نهاية عام 1999 كان أكثر من نصف سكان أندونيسيا أي ما يقارب 100 مليون نسمة على مستوى خط الفقر أو دونه ولا أمل يلوح في الأفق حتى الآن ، وعندما شكك سوهارتو في نجاعة وصفة العلاج أرسل كلنتون رسالة تخلو من اللباقة معززة بمكالمة هاتفية مع وفد من كبار المسؤولين ومن بينهم ويليام كوهن وزير الدفاع الأمريكي في منتصف كانون الثاني من عام 1998 يقول فيها “إن الاستقرار في أندونيسيا وهي الدولة التي يعيش على أرضها 198 مليون نسمة له أولوية حاسمة بالنسبة للولايات المتحدة وإن ذلك الاستقرار يعتمد على قبول سوهارتو شروط صندوق النقد الدولي وأن يقبل الدواء المر الذي وصفه الصندوق للشعب الأندونيسي والأخذ به كأمر مسلم كما لو كان من السماء” عن مجلة نيوزويك في 2/2/1998 صفحة 38 .

إنه من التضليل الفكري أن يقال إن الفقر قضية اقتصادية، لأن هذا يعني أن الفقر هو سبب انحطاط الأمة، والغنى هو سبب رفعتها، وهذا باطل لا شك فيه. فالغنى لا ينهض بالفرد ولا ينهض بالأمة، لأن النهضة هي الارتفاع الفكري، والنهضة الصحيحة هي الارتفاع الفكري على الأساس الروحي، فإذا وجدت الأفكار وجدت النهضة، وإذا عدمت الأفكار كان الانحطاط. فإذا دمرت ثروة الأمة المادية فسرعان ما يمكن تجديدها ما دامت الأمة محتفظة بثروتها الفكرية، أما إذا تداعت الثروة الفكرية وظلت الأمة محتفظة بثروتها المادية فسرعان ما تتضاءل هذه الثروة وترتد الأمة إلى حالة الفقر.

ان الفقر ليس مبرّراً للتذمّر عند المؤمن والمؤمنة بل في معظم الأحيان يكون الصبر على الفقر طريقاً للجنّة وإذا أدرك المؤمن أنّ الرزق من الله يؤتيه من يشاء بقيت حياته في الدنيا نعيماً رغم فقره ونال الجنّة بصبره على مرارة عيشه. وإن لم يصبر تحوّلت حياته إلى جحيم وكان تذمّره طريقاً إلى جهنّم في الآخرة. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: “إن سرّك اللحوق بي فليكفك من الدنيا كزاد الراكب، وإيّاك ومجالسة الأغنياء، ولا تستخلفي ثوباً حتى ترقعيه”. أخرجه الترمذي. وزاد رزين فقال: قال عروة: فما كانت تستجدّ ثوباً حتى ترقع ثوبها ولقد جاءها يوماً من عند معاوية ثمانون ألفاً، فما أمسى وعندها درهم. فقالت جاريتها: فهلا اشتريت لنا منها بدرهم لحماً؟ فقالت رضي الله عنها: لو ذكرّتني لفعلت.

الفقر وسياسة الافقار
ان الفقر هو حالة تجتاح الانسان كاليسر والعسر والصحة والمرض والفرح والغم والانقباض والانشراح ولا تبقى حال الانسان على حال فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ ، وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ ، وَعَذَابِ النَّارِ ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا ، كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ َالْمَغْرِبِ ) خرجه البخاري.
ان الفرق بين مفهوم الفقر والافقارهو ما نحن بصدده لبيانه, فيشير مفهوم الفقر الي عجز الفرد أو الأسرة عن تلبية حاجياته الضرورية في العيش الكريم في حدوده الدنيا بسبب عدم القدرة علي تملك وسائل الآنتاج مثل الارض أو فقدان العمل أو عدم القدرة علي العمل لآي سبب كالمرض مثلا . وفي هذه الحال يصير الانسان فقيرا لانه لا يقدر على الأنتاج والعمل والكسب لتلبية حاجياته الضرورية,ونستقبله كمسلمين على انه من القضاء وان الله عز وجل هو القابض الباسط وانه هو الرزاق ذو القوة المتين.
أما الافقار فهو أن تتوفر للأنسان وسائل الانتاج من أرض و زرع و حيوانات وقدرة علي العمل وعملا يعمل فيه ويكسب من ورائه , لكن علي الرغم من ذلك لا يستطيع توفير حاجياته الضرورية وحاجيات اسرته للعيش الكريم بل أن جل كسبه ومردود عمله يذهب لجهات أخرى تمتص ما يكسب وتتركه نهبا لعاديات الأيام وقد يضطر الى العمل فى عدة جهات على حساب صحته وراحته في محاولة لسد الثغرات ولا يستطيع, وناخذ السودان مثلا فانه وبرغم مساحته ووفرة الماء ومناخه الدافىء ونشاط اهله فان نسبة الفقر تصل الى 95% من عدد السكان يعيشون تحت خط الفقرمع الاسف , واليمن(الذي كان سعيدا كذلك) اذ ان اكثر من ربع سكانه يعانون من حالة الفقر المدقع وهم قرابة الخمسة ملايين وليس هذا فقط وانما تتحدث المنظمات(اليونسيف) اليوم(23\5\2012)ان اكثر من مئتي الف طفل في اليمن مهددون بالموت بسبب سوء التغذية,فاليمن السعيد ليس فقيرا وانما هنالك من افقره واوصله لهذه الحالة,وقس على ذلك جل بلاد المسلمين.
أن سبب الظلم الاقتصادي المتفشي في عالم المسلمين يكمن في النظام المطبق عليهم فالجور والظلم ملموس في الفقر المدقع الذي أحاط بالأمة في معظم بلدانها إن لم يكن جميعها ، إلا عند فئة قليلة ممن تتحكم في رقاب العباد وأرزاقهم من حكام واصحاب نفوذ فان سياسة افقار الامة والتي يمارسها الغاشم من فرض للضرائب واحتكار للسلع ووهب الامتيازات لفئة دون اخرى قد افسد الامة حتى تفشى بسبب هذا وذاك في الأمة آفة الفقر ، فكثر بين الناس الجوع والهلع ، وانتشرت فيهم السرقة والاختلاس والنصب والاحتيال والرشوة وغير ذلك من الآفات . وكل هذا مرده إلى النظام الاقتصادي المهترئ المطبق على الأمة في كل دويلاتها حتى تظل الامة في وضع لا تستطيع التفكير الا بلقمة العيش.
اننا ان رضينا بالفقر لانه من الله ولا اعتراض على قضائه فهذا لا يعني ان نرضى عن سياسة الافقار التي تمارس ضدنا فنعتبرها من القضاء,بل واجب شرعي علينا العمل الجاد لرفع الظلم عنا ليس لبحبوبة العيش كما في الدول الغربية وانما لكوننا وجدنا في هذه الدنيا لعبادة ربنا وحمل دعوته في حالة الفقر وحالة الغنى,وبحبوبة العيش في مفاهيمنا ان نستظل بظل دولتنا.

**الـــجـبــــن

وفي المثلِ : أجبَنُ من المَنْزُوفِ ضَرِطاً وذلك أن نِسْوَةً منهم لم يكن لهن رجلٌ فَتَزَوَّجَتْ إحْدَاهُنَّ رجُلاً كان ينامُ الصُّبْحَةَ فإذا أتَيْنَه بصَبوحٍ قُلْنَ : قُمْ فاصْطَبِحْ فيقول : لو نَبَّهْتُنَّنِي لعادِيَةٍ فلما رأَيْنَ ذلك قال بعضُهُنَّ : إن صاحِبَنا لَشُجاعٌ فَتَعالَيْنَ حتى نُجَرّبَهُ . فَأتَيْنَهُ كما كنَّ يأتينَهُ فقال : لو لِعادِيَةٍ نَبَّهْتُنَّنِي . فقلْنَ : هذه نَواصِي الخَيْلِ فَجَعَلَ يقول : الخيْلَ الخَيْلَ ويَضْرِطُ حتى ماتَ أو رجُلانِ منهم خَرَجَا في فلاةٍ فلاحَتْ لهم شَجَرةٌ فقال أحدُهُما : أرَى قوماً قد رَصَدونا فقال رَفيقُهُ : إنما هي عُشَرَةٌ فَظَنَّهُ يقولُ : عَشَرَةٌ فجَعَلَ يقولُ : وما غَناءُ اثنينِ عن عَشَرَةِ وضَرَطَ حتى نَزِفَ رُوحُهُ فَسُمّيَ المَنْزُوفُ ضَرِطاً . أو هو دابَّةٌ بين الكَلْبِ والسّنَّوْرِ إذا صيحَ بها وَقَعَ عليها الضُّراطُ من الجُبْنِ .

ان مرض الجبن عند الجبناء يكبر بالوهم و أكثر مرض الناس و هم من أحاديثهم و ما تفتعله خواطرهم وما يتلقفونه من الحوادث و ما يشعرون به من نقص إيمان يقول الله تعالى عن ذلك الصنف من المنافقين ( يحسبون كل صيحة عليهم ) ( أم أبرموا أمراً فإنا مبرمون ) . الجبناء يخافون من البشر أكثر من خوفهم من الله . في الحديث ( شر ما في رجل شح هالع و جبن خالع ) رواه أبوداوود . و الجبن و الخور و العجز ليس من محاسن الرجال ومما ذمه الله و رسوله صلى الله عليه و سلم . الإقدام قد يكون محموداً و قد يكون مذموماً و كذلك في الإحجام قد يكون محموداً و قد يكون مذموماً و الضابط في ذلك هي الحكمة. و عدت العرب الجبن جريمة كبرى و سيئة في الرجل . الجبان يموت في اليوم مائة مرة و الشجاع يموت مرة واحدة, الجبان يتوهم كل شىء ضده و الشجاع يتصور أنه ضد كل شىء إلا كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم و ما والاهما . قال عمر بن الخطاب: اللهم إني أشكو إليك عجز الثقة و جلَد المنافق.

ان الفرق بين الجبن والخوف هو ان الجبن من الصفات المكتسبة عند الانسان كالكرم والبخل ينشأ عند الطفل حتى يكون سجية من سجاياه,ويظهر في موقفه تجاه امر او قضية يحملها حملا فكريا ناتج عن قناعة فانتجت هذه القناعة اطمئنانا في القلب وقوة دافعة للعمل,بعكس الخوف فانه مظهر لغريزة ويمكن ضبطه ضمن الاطار البشري,فلا يتأتى لحامل القضية السامية ان يكون جبانا مطلقا,لان من مقتضيات حمله ان يكون سافرا قويا مؤثرا وهذه لا تجتمع مع الجبن ابدا,فعماربن ياسروبلال وخباب مثلا بالنسبة لاهل مكة كانوا ضعافا ولكنهم في مواقف الحزم اظهروا القوة والصلابة والعزم بل واجروا اجراء الحياة او الموت,فهم وان كانوا ضعافا فهم ليسوا جبناء قطعا.

قوله تعالى : {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ} أي كل أهل صيحة عليهم هم العدو. فـ “هم العدو” في موضع المفعول الثاني على أن الكلام لا ضمير فيه. يصفهم بالجبن والخور. قال مقاتل والسدي : أي إذا نادى مناد في العسكر أن انفلتت دابة أو أنشدت ضالة ظنوا أنهم المرادون ؛ لما في قلوبهم من الرعب. كما قال الشاعر وهو الأخطل

ما زلت تحسب كل شيء بعدهم خيلا تكر عليهم ورجالا

وقال: { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين } ، وقال: { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } .

لقد كذب الرسل والأنبياء وأوذوا هم ومن آمن بهم كما أوذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأوذي صحابته الكرام، فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى جاءهم نصر الله سبحانه، ولم يثنهم الإيذاء والعذاب والشدة عن تمسكهم بدينهم وعقيدتهم وعن المضي في حملها، وقد وقع بهم من البلاء الشيء الكثير وصبروا حتى الموت كما حصل مع آل ياسر، وكما عذب بلال وعمار وابن مسعود وخباب وغيرهم من الصحابة الكرام، وابتلوا بالجوع والعطش والبطش والتعذيب الشديد فلم يثنهم ذلك عن عقيدتهم شيئاً، وقد نُشّر أصحاب الرسل السابقين بالمناشير ومشطوا بأمشاط الحديد، وأحرقوا بالنيران فما رجعوا عن دينهم، وما استكانوا لأعداء الله وأعدائهم، قال تعالى: { قتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود * إذ هم عليها قعود * وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود * وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد * الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد } .

3

هذا قول موسى وقول كل حامل دعوة يدعو بدعوةِ الحق ويصدع به لا يخاف من مخلوق مطلقاً ما دام في كنف الله {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}الشعراء62, تبقى هي الكلمة الفصل حين تشتد الخطوب وتضيق الحلقات فإن الله غالب على أمره وهو الذي يعين ويحمي حملة دعوته,فنصرهم موجود ينتظر امر الله له بالمجيء لهم فانه مشتاق لهم اكثر من اشتياقهم له.

روى البيهقي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه و سلم :frowning: مثلت لي الحيرة كأنياب الكلاب وإنكم ستفتحونها فقام رجل فقال يا رسول الله هب لي ابنة بقيلة قال هي لك فأعطوه إياها فجاء أبوها فقال أتبيعها قال نعم قال بكم قال احكم ما شئت قال ألف درهم قال قد أخذتها قالوا له لو قلت ثلاثين ألف لأخذها قال وهل عدد أكثر من ألف) وحدث سلمان الفارسي قال (ضربت في ناحية من الخندق فغلظت علي ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} قريب مني فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان علي نزل فأخذ المعول من يدي فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة ثم ضرب به ضربة أخرى فلمعت تحته برقة أخرى ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى قلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا الذي رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب قال أوقد رأيت ذلك يا سلمان قلت نعم ,قال أما الأولى فإن الله فتح علي بها اليمن وأما الثانية فإن الله فتح علي بها الشام والمغرب, وأما الثالثة فإن الله فتح بها علي المشرق)

فكان أبو هريرة يقول حين فتحت الأمصار في زمان عمر وزمان عثمان وما بعده افتتحوا ما بدا لكم فوالذي نفس أبي هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة ولا تفتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله محمدا {صلى الله عليه وسلم} مفاتيحها قبل ذلك

لقد قيل هذا الحديث والمسلمون يحفرون الخندق واعاقتهم صخرة فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هذا الحديث وهو يعالجها,فجاءت هذه البشرى في اضيق واشد الاحوال على المسلمين حيت رمتهم العرب عن قوس واحدة,فكان قول الرجل وطلبه هو قول الواثق بنصر الله بغض النظر عن الحال الذي هو فيه,وما علم احد من اين او كيف او متى يجيء النصر,وحالنا كحال هذا الرجل لا نشك ولا نسأل ولا نمل من التكرارطاعة لله ما دمنا نسير على النهج.

ان طلب النصرة حكم شرعي تلبس به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فعرض نفسه على القبائل واحدة تلو الاخرى وما مل وما كل وما قال قد فعلت واكتفيت وقد فشلت,بل كان واثقا بان الله ناصره ومؤيدة وما زاده رفضهم له الا ايمانا وثقة,وحالنا اليوم كحاله صلى الله عليه وآله وسلم فلا يعني عدد مرات الفشل الشك فيما نحمل ا و ان نفتر ونمل, بل هو حكم شرعي واجب اداؤه نؤديه طاعة لله ويجيء النصر من الله من حيث لا نحتسب كما جاء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

إن حامل الدعوة لا يمكن أن يسيء الظن بالله قطعاً ؛ لأنه ينهل من الفكر الصافي الذي ينبع من العقيدة الاسلامية التي ربطت الأرض بالسماء فمن كان حبله قد وُصل بالسماء و آمن بأن الله هو الخالق الرازق المدبر المحيي و المميت و أنه هو القادر الناصر و أنه في كنف الله دوماً ، فكيف يعتري القلق من كانت هذه حالة و قلبه مطمئن بأن الله ناصره ..؟؟

**حسن الظن بالله عز وجل

عَنْ أَبِي هُرَيْرَة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: قال الله عز وجل: " أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي.." البخاري ومسلم ، وهذا من مقتضيات التوحيد وعكسه من قادح التوحيد , ومثاله يعقوب كم سنه الآن بعيد عنه ولده؟؟؟ اكثر من عشرين سنه تقريبا ومع ذلك( قال عسى الله أن يأتينى بهم جميعا), ما قال عسى أن يأتينى بالولد الصغير الآن هو يعرف أنه حي, لكن لايعلم انه أسير في مصر عند الملك, لكنه يقول على هذا وعلى الأول وما عنده يقين أن يوسف مات إلى الآن وما يدرى أين يوسف لكن لازال ظنه بالله قويا (عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً)

ان حسن الظن بالله دليلٌ على قوة الرجاءِ والتفويض، والاعتقاد بأنَّ خزائنَ الله لا تنفد, وكان من دعاء نبينا صلى الله عليه وسلم :(وأسألك قلبًا سليمًا)، فمن رزق الدعاء فإن الإجابة معه. كما أثنى الله على المؤمنين لدعائهم:(وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا) فكان حُسن الظن وحمل الكلمات والمواقف على أحسن المحامل, وقد جعل الله صفة المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات هي ظن السوء بالله ، فالقلب المؤمن حسن الظن بربه ، يتوقع منه الخير دائماً ، يتوقع منه الخير في السراء والضراء ، ويؤمن بأن الله يريد به الخير في الحالين ، وسر ذلك أن قلبه موصول بالله ،وفيض الخير من الله لاينقطع أبداً ، فمتى اتصل القلب به لمس هذه الحقيقة الأصيلة ، وأحسها احساس مباشرة وتذوق ، وأما المنافقون والمشركون فهم مقطوعو الصلة بالله ، ومن ثم لايحسون تلك الحقيقة ولا يجدونها ، فيسوء ظنهم بالله ، وتتعلق قلوبهم بظواهر الأمور ، ويبنون عليها أحكامهم ، ويتوقعون الشر والسوء لأنفسهم وللمؤمنين ، وكلما كانت ظواهر الأمور توحي بهذا ، على غير ثقة بقدر الله وقدرته ، وتدبيره الخفي اللطيف. حسن الظن والعشرة.

فيتعيّن حسن الظنّ بالله برجاء عفوه ومغفرته قال تعالى : {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}(2) ، والظن هنا عند الجمهور بمعنى اليقين ، ومنه قوله تعالى : { إِنّى ظَنَنتُ أَنّى ملاق حِسَابِيَهْ }(3) ، وقوله : { وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا }(4) ، وقال تعالى : {… وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ…}(6) ، والظن هنا بمعنى اليقين أنه لا نجاة من أمر الله الا باللجوء اليه والتوبة والإنابة . عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَقُولُ : ( لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) صحيح مسلم, فهذا عُلبة بن زيد وهو أحد البكائين الذين تولوا وأعينهم تفيض من الدمع فإنه لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى النفقة ولم يجد ما ينفقه بكى وقال: "اللهم إنه ليس عندي ما أتصدق به، اللهم إني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها من مال أو جسد أو عرض، ثم أصبح مع الناس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : “أين المتصدق بعرضه البارحة؟” فقام عُلبة رَضي الله عنه، فقال: النبي صلى الله عليه وسلم : "أبشر فوالذي نفسُ محمد بيده لقد كُتبت في الزكاة المتقبلة"الاصابة في تمييز الصحابة. وانظر إلى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يُضرب ويُعذَّب على يد المعتصم، وحين أخذوه لمعالجته بعد وفاة المعتصم وأحسَّ بألمٍ في جسده قال: “اللهم اغفر للمعتصم”.

حُسن الظنّ بالله. فعلى قدر حسن ظنِّك به يكون توكُّلك عليه.

جاء في الحديث القدسي ( أنا عند ظن عبدي بي ) قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ( لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ) وقال ( إن حسن الظن من الإيمان ) ومنه ما هو محظور وهو سوء الطن بالله وبأهل الصلاح. عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ( إن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء ) وهو الذي أمر في الآية باجتنابه (لا يموتن أحد منكم الا وهو يحسن الظن بالله تعالى ) أي لا يموتن في حال من الأحوال الا في هذه الحالة وهي حسن الظن بالله تعالى بأن يظن انه يرحمه ويعفو عنه لانه اذا احتضر لم يبق لخوفه معنى بل يؤدي للقنوط ففي الصحيحين عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : يبعث كل عبد على ما مات عليه » قال العلماء: معناه يبعث على الحال التي مات عليها، قال القرطبي نهى أن يموتوا على غير حالة حسن الظن، وذلك ليس بمقدورهم بل المراد الأمر بتحسين الظن ليوافي الموت وهو عليه ونظيره قوله تعالى: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (البقرة:132) روى مسدد، نا عيسى بن يونس، نا الأعمش، عن أي سفيان عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ قبلَ مَوتِه بثلاث، قال: " لا يموت أحدكم إلا وهو يُحْسِنُ بالله اَلظن" .

ومعنى الحديث: أحسنوا أعمالكم بحسن ظنكم بالله، فإن من ساء عمله ساء ظنه، وقد يكون حسن الظن بالله من ناحية الرجاء، وتأمين العفو، والله تعالى جواد كريم، يعفو عن عبيده المذنبين، والحديث أخرجه: مسلم، وابن ماجه.

وعن أنس رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( قال الله تعالى يابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة ) رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح

في هذا الحديث بشارة عظيمة وحلم وكرم عظيم وما لا يحصى من أنواع الفضل والإحسان والرأفة والرحمة والإمتنان ومثل هذا قوله صلى الله عليه و سلم [ لله أفرح بتوبة عبده من أحد كم بضالته لو وجدها ] وعن أبي أيوب رضي الله عنه لما حضرته الوفاة قال : كنت قد كتمت عنكم شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم سمعته يقول [ لو لا أنكم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون فيغفر لهم ] وقد جاءت أحاديث كثيرة موافقة لهذا الحديث لقوله [ أنا عند ظن عبدى بي فليظن بي ما شاء ] وقد روى عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا أذنب ذنبا فقال أي رب أذنبت ذنبا أو قال عملت عملا فاغفر لي فقال تبارك وتعالى عبدي عمل ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي ثم أذنب ذنبا آخر أو قال عمل ذنبا آخر قال رب إني عملت ذنبا فاغفر لي فقال تبارك وتعالى علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي ثم عمل ذنبا آخر أو أذنب ذنبا آخر فقال رب إني عملت ذنبا فاغفر لي فقال الله تبارك وتعالى علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به أشهدكم أني قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء )ابن حبان في صحيحه.

حسن الظن عند كل عمل

قوله في الحديث القدسي[ يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة ]اخرجه الترمذي ، أي أتيتني بما يقارب مثل الأرض قوله [ ثم لقيتني ] أي مت علي الإيمان لا تشرك بي شيئا ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه وقد قال الله تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } وقد قال صلى الله عليه و سلم [ ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة ] وقال أبو هريرة رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( حسن الظن بالله من حسن عبادة الله أنا عند ظن عبدى بى) قال العلماء معنى حسن الظن بالله تعالى أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه قالوا وفى حالة الصحة يكون خائفا راجيا ويكونان سواء وقيل يكون الخوف أرجح فإذا دنت أمارات الموت غلب الرجاء أو محضه لأن مقصود الخوف الانكفاف عن المعاصى والقبائح والحرص على الاكثار من الطاعات والأعمال وقد تعذر ذلك أو معظمه فى هذا الحال فاستحب إحسان الظن المتضمن للافتقار إلى الله تعالى والاذعان له ويؤيده الحديث المذكور بعده بعث كل عبد على ما مات عليه ولهذا عقبة مسلم للحديث الأول قال العلماء معناه يبعث على الحالة التى مات عليها ومثله الحديث الآخر بعده ثم بعثوا على نياتهم .حسن الظن بأن يوجد من الإنسان عمل يقتضي حسن الظن بالله عز وجل، فمثلا أحسن الظن بالله بأن الله يقبلها منك، إذا صمت فكذلك إذا تصدقت فكذلك، إذا عملت عملا صالحا أحسن الظن بأن الله تعالى يقبل منك أما أن تحسن الظن بالله مع مبارزتك له بالعصيان فهذا دأب العاجزين الذين ليس عندهم رأس مال يرجعون إليه .

لقد حثنا الشرع أن نحسن الظن بالله عند الموت؛ فنرجو رحمة الله وعفوه وكرمه، فهو العفو الغفور الرحيم، الذي وسعت رحمته كل شيء، وشرع لنا أن نغمض عيني الإنسان إذا مات، وفيه تجميل لصورته التي قد تغيرت بعد خروج الروح، وشرع للمسلم أن يسترجع عند المصيبة، فكل شيء من الله، وكل شيء لله، وكل شيء راجع إلى الله، ثم بعد الموت يشرع تغطية الميت وتسجيته.

استحباب حسن الظن بالله عند الموت

أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [ (حسن الظن من حسن العبادة) ] يعني: كون الإنسان يحسن الظن بالله، وكما هو معلوم بأن حسن الظن بالله عبادة لله عز وجل، يعني: يرجوه وهو محسن الظن به، وأنه سبحانه وتعالى يحقق له ما يريد، ولا ييئس ويقنط، بل يحسن الظن بالله عز وجل، وأن يعمل الأعمال الصالحة و روى شعبة عن العلاء عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي - عليه السلام - قال : ( إذا دعا أحدكم فلا يقولن : اللهم إن شئت فأعطنى ، ولكن ليعظم رغبته ، فإن الله تعالى لا يتعاظم عليه شىء أعطاه ، قال : قال الله تعالى : أنا عند ظن عبدى بى ، وأنا معه إذا دعاني ، فإن تقرب منى شبرًا تقربت منه ذراعًا .) فالله تعالى يثيبه عليها.

**الاسـتـعـانــــة

العَوْنُ الظَّهير على الأَمر الواحد والاثنان والجمع والمؤنث فيه سواء وقد حكي في تكسيره أَعْوان والعرب تقول إذا جاءَتْ السَّنة جاء معها أَعْوانها يَعْنون بالسنة الجَدْبَ وبالأَعوان الجراد والذِّئاب والأَمراض وتعاوَنوا عليَّ واعْتَوَنوا أَعان بعضهم بعضا ورجل مِعْوانٌ حسن المَعُونة وتقول ما أَخلاني فلان من مَعاوِنه وهو وجمع مَعُونة ورجل مِعْوان كثير المَعُونة للناس واسْتَعَنْتُ بفلان فأَعانَني وعاونَني وفي الدعاء رَبِّ أَعنِّي ولا تُعِنْ عَليَّ والنحويون يسمون الباء حرف الاستعانة وذلك أَنك إذا قلت ضربت بالسيف وكتبت بالقلم وبَرَيْتُ بالمُدْيَة فكأَنك قلت استعنت بهذه الأَدوات على هذه الأَفعال ,وقوله تعالى {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} المائدة 2 ، كالعفو ، والإغضاء ، ومتابعة الأمر ، ومُجانَبة الهوى. وقال ابن جزيّ : وصية عامّة ، والفرق بين البرّ والتقوى ؛ أن البرّ عامّ في الواجبات والمندوبات ، فالبرّ أعمّ من التقوى.. {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} كالتشفّي والانتقام. قال ابن جُزَيّ : الإثم : كل ذنب بين الله وعبده ، والعدوان : على الناس.

في قوله تعالى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } قال الأخفش : هو مقطوع من أول الكلام ، وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى ؛ أي ليعن بعضكم بعضا ، وتحاثوا على ما أمر الله تعالى وأعملوا به ، وانتهوا عما نهى الله عنه وامتنعوا منه ؛ وهذا موافق لما روي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً . ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإِثم مثل آثام من تبعه . لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً " رواه مسلم

ان البر والتقوى لفظان بمعنى واحد ، وكرر باختلاف اللفظ تأكيدا ومبالغة ، إذ كل بر تقوى وكل تقوى بر. قال ابن عطية : وفي هذا تسامح ما ، والعرف في دلالة هذين اللفظين أن البر يتناول الواجب والمندوب إليه ، والتقوى رعاية الواجب ، فإن جعل أحدهما بدل الآخر فبتجوز. وقال الماوردي : ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبر وقرنه بالتقوى له ؛ لأن في التقوى رضا الله تعالى ، وفي البر رضا الناس ، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته. وقال ابن خويز منداد في أحكامه : والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه ؛ فواجب على العالم أن يعين الناس بعلمه فيعلمهم ، ويعينهم الغني بماله ، والشجاع بشجاعته في سبيل الله ، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة “المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم”. ويجب الإعراض عن المتعدي وترك النصرة له ورده عما هو عليه. ثم نهى فقال : { وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ } وهو الحكم اللاحق عن الجرائم ، وعن { وَالْعُدْوَانِ } وهو ظلم الناس. ثم أمر بالتقوى وتوعد توعدا مجملا فقال : { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .

ان مسائل الحياة أكثر من أن تستوعبها موهبة واحدة . فأنت حين تبني بيتاً تحتاج إلى من يحفر الأساس ويبني الجدران ومن يصنع الطوب ومن يصنع الأسمنت ومن يصنع الحديد ، ولا يستطيع إنسان واحد أن يتعلم كل هذه الحرف ليبني بيتاً . لكن التعاون خصص لكل إنسان عملا يقوم به ، فهناك متخصص في كل جزئية يحتاج إليها الإنسان في حياكة الملابس ، والطب ، والصيدلة وغيرها من أوجه احتياجات الحياة ، والحق يأمر : « وتعاونوا » ليسير دولاب الحياة ويستفيد الإنسان من كل المواهب لقاء إخلاصه في أداء عمله ، و « تعاونوا » هي أن تأتي بشيء فيه تفاعل ما ، ومعنى الشيء الذي فيه تفاعل أنه يوجد « مُعين » و « مُعان » .

ولكن المعين لا يظل دائماً معينا ، بل سينقلب في يوم ما إلى أن يكون مُعانا ، والمعان لا يظل مُعانا ، بل سيأتي وقت يصير فيه مُعينا ، وهذا هو التفاعل الذي تحتاج إليه أقضية الحياة التي شاءها الله للإنسان الخليفة في الأرض والمطالب أن يعبد الله الذي لا شريك له ، وأن يعمر هذه الأرض . ولا تتأتى عمارة الأرض إلا بالحركة فيها ، والحركة في الأرض أوسع من أن تتحملها الطاقة النفسية لفرد واحد ، بل لا بد أن تتكاتف الطاقات كلها لإنشاء هذه العمارة .

إننا حين نبني عمارة واحدة نستخدم أجهزة كثيرة لطاقات كثيرة بداية من المهندس الذي يرفع مساحة القطعة من الأرض ويرسمها ، وإن شاء الترقي في صنعته يصنع نموذجا مجسدا لما يرغب في بنائه ، وبعد ذلك يأتي الحافر ليحفر في الأرض ثم من يضع الأساس ، ومن يضع الحديد . ومن يصنع « الخرسانة » المسلحة .

ثم يأتي من يرفع البناء ، ومن يقوم بالأعمال الصحية من توصيلات للمياه والمجاري ، ثم يأتي من يصمم التوصيلات الكهربائية ، وهكذا تتعاون طاقات كثيرة لبناء واحد ، ولا تتحمله طاقة إنسان واحد .

إذن فالتعاون أمر ضروري للاستخلاف في الحياة . ومادام الإستخلاف في الحياة بقتضي من الإنسان عمارة هذه الحياة ، وعمارة الحياة تقتضي ألا نفسد الشيء الصالح بل نزيده صلاحا ، وحين يقول الحق : { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان } أي انه يريد كوناً عامراً لا كوناً خرباً . والشيء الصالح في ذاته يبقيه على صلاحه . إذن فعمارة الحياة تتطلب منا أن نتعاون على الخير لا على الإثم .

قوله الحق : { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان } هو أمر لكل جماعة أن تتعاون على الخير ، وهذه مناسبة لأقول لكل جماعة :تعاونوا معاً بشرط ألا تجعلوا لجمعياتكم نشاطاً يُنسب إلى غير دينكم مثال ذلك الجمعيات المسماة ب « الروتاري » أو « الماسونية » ويقال : إن نشاطها خيري . ولكن لماذا تقلدون فيها الغرب؟ لماذا لا تصنعون الخير باسم دينكم فيعرف العالم أن هذا خير قادم من بلاد مسلمة . والخير كل الخير ألا نأخذ هذه الأسماء الأجنبية ونطلقها على جمعياتنا حتى لا يظنن ظان أن الخير يصنعه غيرنا . وإن كان للواحد منا طاقة على العمل الخيري؛ فليعمل من خلال الدين الإسلامي . وليعلم كل إنسان أن الدين طلب منا أن تكون كل حياتنا للخير . وهذا ما يجب أن يستقر في الأذهان حتى لا يأخذ الظن الخاطئ كل من يصيبه خير من هذه الجمعيات بأن الخير قادم من غير دين الإسلام .

إننا مكلفون بنسبة الخير الذي نقوم به إلى ديننا؛ لأن ديننا أمرنا به وحثنا عليه ، وليعلم كل مسلم أنه ليس فقيراً إلى القيم حتى يتسولها من الخارج ، بل في دين الإسلام ما يغنينا جميعاً عن كل هؤلاء . وإذا كنا نفعل الخير ونقدم الخدمة الاجتماعية للناس فلماذا نسميها هذا الاسم وننسبها إلى قوم آخرين ، ولنقرأ جميعاً قول الحق سبحانه وتعالى : { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المسلمين } فصلت 33

فعلى الإنسان منا أن يعمل الخير وهو يعلن أن الإسلام يأمره بذلك ، ولا ينسب عمل الخير إلى « الروتاري » أو غير ذلك من الجمعيات . فنسبة الخير من المسلم إلى جمعيات خارجة عن الإسلام حرام على المسلم؛ لأنه تعاون ليس لله ، والحق يقول : { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان } هو يريد منا أن نبني الخير وأن نمنع الهدم ، وعلى كل منا أن يعرف أنه لا يستطيع وحده أن يقيم كل أبنية الخير . لأن التعاون على الإثم إنما يبدأ من كل من يعين على أمر يخالف أمر الله ، وأوامر الله تنحصر في « افعل » و « لا تفعل » ، ما ليس فيه « افعل » و « لا تفعل » فهو مباح ، إن شئت فعلته وإن شئت لا تفعله . والذي يأمر بتطبيق « افعل » ويحزم الأمر مع « لا تفعل » وينهى عنه ويجرِّم من يفعله هو متعاون على البر والتقوى .**

** فإذا كانت الغاية مرجوَّة ومحببّة إلى النفس ، وبعد ذلك يجيء لك حدث يقرب لك المسافة من الغاية ، فلماذا تحزن إذن؟ لقد استشهد . إياك أن تقول : إنّ الله حرمني قوته في نصرة الحق ، لا . هو أعطى قوة أخرى لكثير من خلقه نصر بهم الحق ، إنك عندما تعرف أن إنساناً باع نفسه لله ، لا بد أن تعرف أن الغاية عظيمة؛ ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم في معركة بدر ، يقدم أهله؛ لأنه يعرف أنه إن قُتل واحد منهم إلى أين سيذهب ، إذن فهو يحب أهله ، لكنه يحبهم الحب الكبير ، والناس لم يعتمدوا على مجرد كونهم مسلمين ، لينالوا النصر والتمكين ; بدون الأخذ بأسباب النصر ، وفي أولها طاعة الله وطاعة الرسول,ونفهم من هذه الآية امورا:-
1- أخذ العبرة ممن هم خير منا فقد مر بنا خبر أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام الذين سخر منهم أقوامهم فما أثنتهم هذه السخرية عن المبدأ الذي قاموا من أجله والدين الذي أرسلوا به ,كلا لقد كان قوم نوح يسخرون منه وهو يصنع السفينة ، ويؤذونه بالهمز واللمز والضحك والإٍستهزاء فما زاده ذلك إلا مضياً في طريقه ، ويقيناً بوعد ربه له ، وقوم لوط كانوا يسخرون منه ومن طهارته هو ومن آمن معه ، ويتندرون بذلك قائلين : (( إنهم أناس يتطهرون )الاعراف 82 فما زاده ذلك إلا ثباتاً على الحق ويقيناً بأمر الله الذي وعده: (( إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ) هود 81 . ورسول الله صلى الله عليه وسلم لما سخر به من سخر واشتد عليه أذى هؤلاء السفهاء خاطبه ربه بقوله (ولقداستهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون )) الأنعام 10 ، وقال تعالى : (( ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب) الرعد 32 .
2- انه واجب على المؤمن ان يدرك انه هو الأعلى قدراً وشرفاً ومنهجاً ومكانة وواجب عليه عدم موالاة الهازلين الساخرين المستهزئين ، فإنه لا يصح الإيمان بالله إلا بالبراءة من هؤلاء الأعداء . قال ربنا - سبحانه وتعالى - : ((ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء وأتقوا الله إن كنتم مؤمنين )) المائدة 57 .
وإن من أكبر الرزايا التي ابتليت بها هذه الأمة اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ، هم يعيبون ديننا ، وينتقصون نبينا صلى الله عليه وسلم ويهزأون بنا ، والسذج ممن لا خلاق لهم منا يتخذونهم أولياء وأصدقاء ، وهذا الأمر لا يستقيم في منهج الله الحق الذي قدمت فيه البراءة من الكفر وأهله على الإيمان بالله وحده فقال ربنا سبحانه (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى) البقرة 256 .
وفي عصرنا الحاضر ما ترك أهل الكتاب وسيلة من وسائل الإستهزاء بالله وبدينه وبعباده المؤمنين إلا سلكوها ، وهذا واضح في أقوالهم وإعلامهم وخططهم بل وحتى في منتجاتهم ، فحتى النعال يكتبون عليها اسم الله - تعالى الله وتقدس عن ذلك - وعلى الملابس الداخلية للرجال والنساء بل وصل بهم الحال إلى امتهان الآيات القرآنية وتمزيق القرآن في معسكراتهم.

الاستئذان في الخير

في قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ) التوبة 43

الاستئذان : طلب الإذن ، أي في إباحة عمل وترك ضدّه ، لأنّ شأن الإباحة أن تقتضي التخيير بين أحد أمرين متضادّين .

ولمّا كان الاستئذان يستلزم شيئين متضادّين ، كما قلنا ، جازَ أن يقال : استأذنتُ في كذا واستأذنت في ترك كذا . وإنّما يُذكر غالباً مع فعل الاستئذان الأمر الذي يَرغَب المستأذنُ الإذنَ فيه دون ضدّه وإن كان ذكر كليهما صحيحاً.

}لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ { التوبة 44

1- الا استئذان في اداء واجب

ويلفتنا سبحانه : أن الذين طلبوا ذلك الإذن بالقعود فضحوا أنفسهم ، فقد استأذنوا بعد مجيء الأمر من الله { انفروا خِفَافاً وَثِقَالاً } ، وكل مؤمن بالله واليوم الآخر - في تلك الظروف - لا يمكن أن يتخلف عن الجهاد في سبيل الله . والمؤمن الحق لن يقدم الأعذار ليتخلف ، حتى وإن كانت عنده أعذار حقيقية ، بل سيحاول إخفاءها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج معه مجاهداً بل إنه يسرع إلى الجهاد ، حتى ولو كان الله قد أعطاه رخصة بعدم الجهاد,فلا يطلب الاذن لاقامة الصلاة او اداء الزكاة او للحج ولا يطلب الاذن لحمل دعوة الاسلام والعمل لاستئناف الحياة الاسلامية من احد حتى يأذن له,بل هو فرض فرضه الله على عباده ,فلا يقولن قائل انا مأذون لي بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا غير مأذون له بذلك فلا تسمعوا له,وان احكام الاسلام لا تأخذ الا ممن أذن له,فنسأله ممن أخذت الاذن,أأخذته من غاشم مغتصب للسلطة ..؟؟ام انك اعطيت نفسك صلاحية ليست لك …؟؟ .

وهذه الآية تحمل التوبيخ للذين استأذنوا ، بل وتحمل أكثر من ذلك ، فالمؤمن إذا دُعِيَ للجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبأمر من الله لا يكون تفكيره كالشخص العادي؛ لأن الإنسان في الأمور العادية إذا طُلِبَ منه شيء أدار عقله وفكره؛ هل يفعله أو لا يفعله؟ ولكن المؤمن إذا دُعِي للجهاد في سبيل الله ، ومع رسول الله ، وبأمر من الله؛ لا يدور في عقله الجواب ، ولا تأتي كلمة « لا » على خاطره أبداً ، بل ينطلق في طريقه إلى الجهاد . فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ : لَمَّا حَضَرَ قِتَالُ أُحُدٍ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ ، فَقَالَ : إِنِّي لاَ أُرَانِي إِلاَّ مَقْتُولاً فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَترُك أَحَدًا أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ بَعْدَ نَفْسِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا ، فَاقْضِ عَنِّي دَيْنِي وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا ، قَالَ : فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ أَوَّلُ قَتِيلٍ ، قَالَ : فَدَفَنْتُهُ مَعَ آخَرَ فِي قَبْرٍ ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ آخَرَ فِي قَبْرٍ , فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ غَيْرَ هنيهة عند أُذُنِهِ.

وكيف يكون الأمر بالخروج إلى القتال صادراً من الله ، ثم يتحجج هؤلاء بالاستئذان بعدم الخروج؟(أخبرنا الحسن بن حكيم المروزي أنا محمد بن عمرو الفزاري ثنا عبدان بن عثمان أنا عبد الله بن المبارك أنا جرير بن حازم سمعت الحسن : يحدث يقول : حضر أناس باب عمر و فيهم سهيل بن عمرو و أبو سفيان بن حرب و الشيوخ من قريش فخرج آذنه فجعل يأذن لأهل بدر كصهيب و بلال و عمار قال : و كان و الله بدريا و كان يحبهم و كان قد أوصى به فقال أبو سفيان : ما رأيت كاليوم قط أنه يؤذن لهذه العبيد و نحن جلوس لا يلتفت إلينا فقال سهل بن عمرو : و يا له من رجل ما كان أعقله أيها القوم إني و الله قد أرى الذي في وجوهكم فإن كنتم غضابا فاغضبوا على أنفسكم دعي القوم و دعيتم فأسرعوا و أبطأتم و اما و الله لما سبقوكم به من الفضل فيما يرون اشد عليكم فوتا من بابكم هذا الذي تنافسون عليه ثم قال : إن هذا القوم سبقوكم بما ترون و لا سبيل لكم و الله إلى ما سبقوكم إليه فانظروا هذا الجهاد فالزموه عسى الله عز و جل أن يرزقكم الجهاد و الشهادة ثم نفض ثوبه فقام فلحق بالشام) المستدرك للحاكم.

إذن : فمجرد الاستئذان دليل على اهتزاز الإيمان في قلوبهم؛ لأن الواحد منهم في هذه الحالة قد أدار المسألة في عقله ، يخرج للجهاد أو لا يخرج ، ثم اتخذ قراراً بالتخلف . والغريب أن هؤلاء استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدم الخروج ، مع أن أمر الجهاد صادر من الله سبحانه وتعالى ، ولم تكن المسألة تحتاج إلى أن يأذن لهم الرسول بالتخلف . إلا أنهم كانوا يبحثون عن عذر يحتمون به ويختبؤن وراءه .

**ان الرسول في عقيدتنا ليس كالرسول من منظور النصارى اليوم, فليس الرسولُ مُخَلِّصَنَا من الذنوب والنار بشخصه وعمله وعظمته بل هو مخلِّصُنَا بعملنا نحنُ, على نور من الله واتباع صحيح مِنَّا له صلى الله عليه وسلم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهو عبد لله مخلوق لله أعطاه الله الشفاعة يوم القيامة تكريما له وليس لأنه إله مع الله فتخليصه للناس هو شفاعته لهم باذنه جل وعلا, فالشفاعة ملك لله لا تطلب من غيره وإنما تطلب منه جل وعلا ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه)255 البقرة (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)44 الزمر.

وقد ورد عن أبي ذر رضي الله عنه فيما أخرجه الإمام أحمد قال : ( صلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة. فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها : (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) فلما أصبح قلت: يا رسول الله ! لم تزل تقرأ هذه الآية حتى أصبحت. تركع بها ، وتسجد بها ؟قال : إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي ، فأعطانيها ، وهي نائلة - إن شاء الله - لمن لا يشرك بالله شيئاً). أخرجه النسائي وروى عبدالله ابن عمرو بن العاص في صحيح مسلم :(أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم :(رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني..) الآية. وقول عيسى :(إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) فرفع يديه وقال : اللهم أمتي أمتي !! وبكى. فقال الله تعالى : يا جبريل ! اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فاسأله : ما يبكيك ؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال - وهو أعلم. فقال الله : يا جبريل ! اذهب إلى محمد ، فقل له : إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك)

واما حديث الشفاعة :عن ربعي عن حذيفة وعن أبي حازم عن أبي هريرة قالا قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يجمع الله تبارك وتعالى الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة ، فيأتون آدم فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله قال فيقول إبراهيم عليه السلام لست بصاحب ذلك إنما كنت خليلاً من وراء وراء اعمدوا إلى موسى الذي كلمه الله تكليماً فيأتون موسى عليه السلام فيقول لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه فيقول عيسى عليه السلام لست بصاحب ذلك فيأتون محمداً {صلى الله عليه وسلم} فيقوم فيؤذن له وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالاً فيمر أولكم كالبرق قال قلت بأبي أنت وأمي أي شيء كمر البرق قال ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين ثم كمر الريح ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم ونبيكم قائمٌ على الصراط يقول رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة تأخذ من أمرت به فمخدوش ناجٍ ومكدوسٌ في النار والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعين خريفاً)

**3- الايستأذن عند مسيس الحجة اليه الا من في قلبه مرض.

ولمّا كانَ شأن المؤمنين الرغبة في الجهاد كان المذكور مع استئذان المؤمنين ، في الآية أن يجاهدوا دون أن يستأذنوا، إذ لا يليق بالمؤمنين الاستئذان في ترك الجهاد ، فإذا انتفى أن يستأذنوا في أن يجاهدوا ثبت أنّهم يجاهدون دون استئذان ، وهذا من لطائف بلاغة هذه الآية { عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } الآية :فقد كان بعض المنافقين قد استأذن النبي صلى الله عليه والسلام في التخلف عن غزوة تبوك فأذن لهم ، فعاتبه الله تعالى على إذنه لهم ، وقدم العفو على العتاب أكراماً له صلى الله عليه وسلم وقيل : إن قوله عفا الله عنك ليس لذنب ولا عتاب ، ولكنه استفتاح كلام كما يقول : أصلحك الله { حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الكاذبين } كانوا قد قالوا : استأذنوه في القعود ، فإن أذن لنا قعدنا ، وإن لم يأذن لنا قعدنا ، وإنما كان يظهر الصدق من الكذب لو لم يأذن لهم وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مورق العجلي رضي الله عنه قال : سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا بدأ بالعفو قبل المعاتبة فقال عفا الله عنك لم أذنت لهم.

ويقول الشعراوي في معنى هذه الآية

( لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)

وهذه الآية نزلت في القرآن يتلى ولا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة . . ورغم أنه كان في استطاعتهم ألا يقولوا ذلك القول ، ولو فعلوا لساهموا في التشكيك بمصداقية القرآن ، ولهدموا قضية الدين التي يتمنون هدمها ، ولكنهم مع ذلك قالوا : { مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ } وجاءوا مثبتين ومُصدِّقين للقرآن .

وفي هذه الأيام نجد شيئاً عجيباً؛ نجد من يقول : أنا لا أتبع إلا ما جاء في القرآن ، أما السنة فلستُ مطالباً بالالتزام بها . وتقول لمن يردد هذا الكلام : كم عدد ركعات الصبح وركعات الظهر والعصر والمغرب والعشاء؟ وسوف يرد قائلاً : صلاة الصبح ركعتان ، والظهر أربع ، والعصر أربع ، والمغرب ثلاث ، والعشاء أربع . ونقول : من أين أتيت بهذا؟ يقول : من السنة .

نقول : إذن فلا بد من اتباع السنة حتى تستطيع أن تصلي ، ولن تفهم التطبيق العملي لكثير من الأحكام إلا باتباع السنة .

ويجبر الحق سبحانه هذا الذي يحارب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدعو إلى عدم الالتزام بها؛ يجبره سبحانه على الاعتراف بضرورة اتباع السنة ، وبهذا يصدق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :

« يوشك الرجل يتكىء على أريكته يُحدَّث بحديثي ، فيقول : بيني وبينكم كتاب الله ، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه ، وما كان فيه حراماً حرَّمْناه ، وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله » .

وقد قالوا ذلك القول طَعْناً في الكتاب ، ولكنهم من حيث لا يدرون أكدوا صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهم لم يمتلكوا الذكاء؛ لأن الذكاء الذي لا يهدي للإيمان هو لون من الغباء وعَمى البصيرة ، وكذلك كان حال من حلفوا بعدم استطاعتهم الخروج للقتال؛ فقد سبقهم قول الله : { وَسَيَحْلِفُونَ بالله لَوِ استطعنا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ } وجاءوا من بعد ذلك وحلفوا؛ ليؤكدوا صدق القرآن . وهم في حلفهم يدّعون عدم استطاعتهم للقتال ، مع أن لديهم المال والقدرة .

ويقول الحق عنهم : { يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } وما داموا قد حلفوا بالله كذباً ، فقد أدخلوا أنفسهم في الهلاك ، فهم لم يكتفوا بعدم الجهاد؛ بل كذبوا وفضح الله كذبهم .

ويقول الحق بعد ذلك : { عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ }

وكلمة { عَفَا } تدل على أن هناك أثراً قد مُحي؛ تماماً كما يمشي إنسان في الرمال؛ فتُحْدِث أقدامه أثراً ، ثم تأتي الريح فتملأ مناطق هذا الأثر بالرمال وتزيله . وهي تُطلق في الدين على محو الله سبحانه وتعالى لذنوب عباده فلا يعاقبهم عليها . وما دام الإنسان قد استغفر من ذنبه وقال : أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ، فلا يجب أن يحرجه أحد بعد ذلك ، ولا أن يعايره أحد ، وعن ابن عباس , رضي الله عنهما , قال : قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم : يقول الله , عز وجل :(من تألى على عبدي أدخلت عبدي الجنة وأدخلته النار)رواه مُسَدَّد، وأصله في صحيح مسلم من حديث جندب بن عبد الله.

وتقول عن الأئتلاء تألّى إذا اجترأ على أمر غيب فحلف عليه. من أقسم تجبرا واقتدارا : لافعلن كذا ، أكذبه الله ولم يبلغ أمله .

فقد استغفر عند من يملك الملك كله ، وهو وحده سبحانه الذي يملك العفو والمغفرة ، فلا يُدْخِلنَّ أحدكم نفسه في هذه المسألة ، ولا يجب أن يحرج إنسان مذنباً ما دام قد استغفر مَنْ يملك العفو ، ومن يسمع مستغفراً عليه أن يقول : عفا الله عنك . ولا أحد يعرف إن كان الله قد عفا عنه أم لا ، فَلْتُعِنْهُ بالدعاء له ، ومن يعاير مذنباً نقول له : تأدب؛ لأنه لم يرتكب الذنب عندك ، ولكنه ارتكبه عند ربه ، وإذا كان من يستغفر من ذنبه لا يُحرج به بين الناس ، فما بالنا بعفو الله سبحانه القادر وحده على العفو,فقد روى ان رسول الله صلى لله عليه وآله وسلم قال ( من كف لسانه ستر الله عورته، ومن ملك غضبه وقاه الله عذابه، ومن اعتذر إلى ربه قبل الله عذره ). ابن أبي الدنيا عن عمرفي كنز العمال..

وهنا يقدم الحق سبحانه العفو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أذن لهم بالقعود عن القتال ، ثم يأتي القرآن من بعد ذلك ليؤكد أن ما فعله رسول الله بالإذن لهم بالقعود كان صواباً ، فيقول في موضع آخر من نفس السورة : { لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً }التوبة 47.

إذن : فلو أنهم خرجوا لكانوا سبباً في الهزيمة ، لا من أسباب النصر . وصوَّبَ الحق عمل الرسول ، وهو صلى الله عليه وسلم له العصمة .

وهنا نحن أمام عفو من الله ، على الرغم من عدم وجود ذنب يُعفى عنه ، وهنا أيضاً إذن من الرسول لهم بالقعود ، ونزل القرآن ليؤكد صوابه .

وهناك من فهم قول الحق : { لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } على أنها استفهام استنكاري ، وكأن الحق يقول : كيف أذِنْتَ لهم بالعفو؟

إذن : فرسول الله بين أمرين : بين عفو لا يُذْكَرُ بعده ذنب ، واستفهام يفيد عند البعض الإنكار .

ونقول : إن الحق سـبحانه وتعالى أيَّد رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله : { لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً } التوبة 47.

فكأن الرسول قد هُدِيَ إلى الأمر ، وقد أشار القرآن إلى ذلك؛ ليوضح لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم ، وكان عليه أن يقدم البيان للناس؛ لأنه الأسوة حتى لا يأتي من بعده واحد من عامة الناس ليفتي في مسألة دينية ويقول : أنا رأيت كذا ، بل لا بد أن يتبين الإنسان ما جاء في القرآن والسنة قبل أن يفتي في أمر من أمور الدين.

وعلى سبيل المثال : اختلف الأمر بين المسلمين في مسألة الفداء لأسرى بدر ونزل القول الحق : { لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } الأنفال 68 .

وأيَّد الله حكم رسوله وأبقاه . إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم هُدِي إلى الأمر ، ولكن هذا الحق لا يباح لغير معصوم .

وقد أباح الحق سبحانه الاستئذان في قوله : { فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ } النور 62 .

والحق سبحانه وتعالـى يقول هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها : { عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الكاذبين } وهكذا يتبين لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أذن لهم بالمقدمات والبحث والفطرة ، ورأى أن الإذن لهؤلاء المتخلفين هو أمر يوافق مراد الحق سبحانه؛ لأنهم لو خرجوا مع جيش المسلمين ما زادوهم إلا خبالاًً ، لعدم توافر النية الصادقة في الجهاد؛ لذلك ثبطهم الله ، وأضعف عزيمتهم حتى لا يخرجوا . والعفو هنا جاء في شكلية الموضوع ، حيث كان يجب التبيُّن قبل الإذن ، فيقول الحق سبحانه :

{ حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الكاذبين } أي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو لم يأذن لهم لكانوا قد انكشفوا ، ولكن إذنه لهم أعطاهم ستاراً يسترون به نفاقهم ، فهم قد عقدوا النية على ألا يخرجوا ، ولو فعلوا ذلك لافتُضِحَ أمرهم للمسلمين جميعاً ، فشاء الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسترهم.

**والوقف في المجال الصحي بلغ من عناية المسلمين بالرعاية الصحية وتطوير خدماتها، أن خصصت أوقافا وقفت على رعاية المرضى جميعا دون تمييز بين فقير وغنى والخدمات الصحية التي تقدمها هذه المراكز الطبية، من علاج وعمليات وأدوية وطعام، كانت مجاناً بفضل الأوقاف التي كان المسلمون يرصدونها لهذه الأغراض الإنسانية، إذ كانت الرعاية الصحية في سائر البلاد الإسلامية إلى وقت قريب من أعمال البر والخير، ولم تكن هناك وزارات للصحة العمومية كما في العصر الحاضر.

وكان للأوقاف أثر حميد في النهوض بعلوم الطب، لأن دور المستشفيات التي ينفق عليها من الأوقاف لم يقتصر على تقديم العلاج، وإنما تعدى ذلك ذلك إلى تدريس علم الطب، فكانت تخصص قاعات داخل المستشفيات الكبيرة للدروس والمحاضرات.

ونسرد بعض الأمثلة لبيان مستوى تلك الخدمات الطبية (أ)كان أول مستشفى كبير في تاريخ الحضارة الإسلامية هو “البيمارستان” الذي أمر ببنائه هارون الرشيد ببغداد. ثم توالت بناء المستشفيات حسب نظام الوقف حتى أصبح ببغداد وحدها في مطلع القرن الرابع الهجرى خمسة مستشفيات. (ب)وصل الأمر إلى بناء أحياء طبية متكاملة: فقد تحدث ابن جبير في رحلته: أنه وجد ببغداد حياً كاملاًً من أحيائها يشبه المدينة الصغيرة، كان يسمى بسوق المارستان، يتوسطه قصر فخم جميل وتحيط به الغياض والرياض والمقاصير والبيوت المتعددة، وكلها أوقاف وقفت على المرضى، وكان يؤمه الأطباء والصيادلة وطلبة الطب، إذ كانت النفقات جارية عليهم من الأموال الوقفية المنتشرة ببغداد. (ج)تحدثت كتب التاريخ عن المستشفيات التي أنشئت في مصر بفضل أموال الوقف: مثل:مستشفى أنشأه الفتح بن خافان ومستشفى أمير مصر أحمد بن طولون والمستشفى التي أنشأها صلاح الدين الأيوبي. وتحدث المؤرخون والرحالة عن المستشفى التي أنشأه الملك قلاوون بمصر، وجعله وقفاً لعلاج مرضى المسلمين، قال عنه ابن بطوطة إنه يعجز الوصف عن محاسنه، وقد أعد فيه من الأدوية والمرافق الخدمية ما لايحصى. (د)وكثرت المنشآت الصحية بمدن الأندلس حتى ان مدينة قرطبة وحدها كان بها خمسون مستشفى، أوقفها الخلفاء والأمراء والموسرون. وكذلك الحال في المغرب الأقصى حيث انتشرت المستشفيات في أهم المدن وتحدث عنها المؤرخون بإسهاب، ومن أهمها مستشفى سيدي فرج بفاس التي خصص جزءا منها لعلاج طير اللقلاق، وجزءا خصص للموسيقيين الذين يزورون المرضى مرة كل أسبوع للترفيه عنهم

والرعاية الاجتماعية كذلك فقد تعددت أنواع الوقف في هذا المجال عبر التاريخ الإسلامي فهناك أوقاف للّقطاء واليتامى لإيوائهم ورعايتهم وختانهم وأوقاف مخصصة لرعاية المقعدين والعميان والشيوخ والعجزة، وأوقاف لإمدادهم بمن يقودهم ويخدمهم,وأوقاف لتزويج الشباب والفتيات ممن تضيق أيديهم وأيدي أوليائهم عن نفقاتهم، وفي بعض المدن دور خاصة حبست على الفقراء لإقامة أعراسهم.

وأوقاف لإمداد الأمهات المرضعات بالحليب والسكر، ويذكر المؤرخون بإعجاب شديد أن من محاسن صلاح الدين الأيوبي أنه جعل في أحد أبواب القلعة بدمشق ميزاباً يسيل منه الحليب، وميزابا يسيل منه الماء المحلى بالسكر، تأتي إليهما الأمهات في كل أسبوع ليأخذن لأطفالهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر.

وأوقاف لإنشاء دور للضيافة والاستراحة (الخانات)وأوقاف لقضاء الديون عن المعسرين، وأوقاف للقرض الحسن، وأوقاف لتوفير البذور الزراعية، ولشق الأنهار وحفر الآبار.

ومن أهم المنشآت الاجتماعية التي نشأت في المجتمعات الإسلامية، بفضل الاهتمام بالوقف، أسبلة المياه الصالحة للشرب(السقايات) وكان من تقاليد الوقف أن تلحق الأسبلة بالمساجد، وغالباً ما تكون وسط المدينة أو على طرق القوافل، لتكون في متناول الجميع. وشاع الوقف لهذا الوجه من البِرِّ في سائر أنحاء العالم الإسلامي، لعظيم فضلها وثوابها ومنها ما يزال قائما.

وهناك أوقاف مشهورة في التاريخ لتزويد مكة المكرمة بالماء الطاهر الطيب، أشهرها وقف السيدة زبيدة زوج هارون الرشيد، وما زال يعرف بعين زبيدة. المراجع تحرير نظام الوقف الإسلامي ونظام الوقف الإسلامي.**

**لقد كان للوقف أبعاد دينية واجتماعية واقتصادية وثقافية وإنسانية غطت أنشطتها سائر أوجه الحياة الاجتماعية وامتدت لتشمل المساجد والمرافق التابعة لها والدعوة والجهاد في سبيل الله، والمدارس ودور العلم والمكتبات، والمؤسسات الخيرية، وكفالة الضعفاء والفقراء والمساكين والأرامل، والمؤسسات الصحية.

وكذلك الوقف للجهاد في سبيل الله ويؤكد مشروعيته ما روى أن خالد بن الوليد حبس دروعه وأكراعه في سبيل الله. وتأهيل المجاهدين,وإعداد العدة اللازمة من سلاح وطعام,وصناعة الأسلحة,وفك أسرى المسلمين من أيدي الأعداءوقد سجل تاريخ الإسلام أوقافاً كانت مخصصة لهذا الغرض، ولعل أشهرها وقف صلاح الدين الأيوبي الذي كان ببلده بلبيس.

وبفضل ما تدره الأوقاف من أموال سخية في هذا المجال، قاومت الأمة الإسلامية أعداءها على مر العصور، وصدت جيوش الاستعمار في العصر الحديث، ولم ينجح المستعمر في اختراق حدودها إلا بعد أن ضعفت مؤسسة الوقف وتقلص دورها في حياة المسلمين.

وكذلك الوقف للانفاق في المواسم الدينية فانها تعتبر شعائر تعبدية، فضّلها الله تعالى على غيرها وأمر بإحيائها ومن هذه المواسم شهر رمضان وعيد الفطر وعيد الأضحى ويوم عاشوراء,وحرصاً على إقامة هذه الشعائر أقام المسلمون أوقافاً خاصة بها وشرطوا أن تخصص لإحيائها وأن يصرف ريعها على المحتاجين للتفريج عنهم وإدخال السرور عليهم,وهناك وثائق نصت على أن يصرف من ريع الوقف كل سنة في يوم عاشوراء في شكل إعانات ومواد غذائية، توزع على طلبة العلم والأيتام والفقراء والمساكين,وفي كل يوم من أيام رمضان على الفقراء والمساكين وطلاب العلم..ومولت الأوقاف موائد الإفطار والسحور للصائمين من الفقراء والغرباء، ووضعت بذلك الأساس لِسُنَّةٍ حسنة لا تزال حية في بعض البلاد الإسلامية ,وفي عيد الأضحى تذبح النعام وتوزع لحومها.

ومن منافع ذلك النوع من أنواع الأوقاف انها تدخل السرور على قلب المرء المحتاج لقول النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ( إن من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم إشباع جوعته وتنفيس كربته) جامع الجوامع للسيوطي.

والوقف على المدارس فقد عرف تاريخ الاسلام إيقاف أموال المسلمين على التعليم وبناء المدارس. ولدينا العديد من الأمثلة على عظمة ورقى المسلمين في هذا الصدد ومن امثلة ذلك ما روى الرحالة الشهير ابن جبير: أنه شاهد في بغداد نحو ثلاثين مدرسة،كل واحدة منها في قصر وبناية كبيرة… أشهرها وأكبرها “المدرسة النظامية”. ولهذه المدارس أوقاف وعقارات للإنفاق عليها وعلى العلماء والدارسين فيها، وكان وقف “نظامية بغداد” خمسة عشر ألف دينار شهرياً، وتخرج منها أكابر العلماء,و تحدث ابن جبير عما شاهده من هذه المدارس في القاهرة ودمشق وغيرها بأنه تأسست المدارس الموقوفة الخاصة بأبناء الفقراء والأيتام واللقطاء.

ويعطي ابن خلدون أمثلة على ما كان في بغداد وقرطبة والكوفة والبصرة والقيروان وفاس من مراكز علمية، ويتحدث عما شاهده في القاهرة من التطور العلمي وازدهار المدارس,ويذكر التاريخ فضل صلاح الدين الأيوبي في إنشاء المدارس العلمية في جميع المدن التي كانت تحت سلطانه، في مصر ودمشق والموصل وبيت المقدس.

والوقف على المكتبات كذلك فقد انتشرت المكتبات التي أوقفها المسلمون في جميع بلاد المسلمين في بغداد ومصر والشام والأندلس والمغرب على مَرِّ التاريخ,وهناك أمثله عديدة توضح المستوى الذي كانت عليه تلك المكتبات: (أ)حوت المكتبة التي أوقفها ابن مليس الوزير الفاطمي على غرف عديدة للمطالعة، وقاعات خاصة للمحاضرات والمناظرات، وقاعة خاصة لتوجيه الباحثين والناشئين. وأعطيت من ريع وقفها مرتبات لطلبة العلم والعلماء والقائمين عليها. (ب)يقال أن المكتبة التي أوقفها بنو عَمَّار في طرابلس الشام، كانت آية في السعة والضخامة، وإنها اشتملت على مليون كتاب. (ج)يصف لنا ابن جبير عن المكتبات التي أوقفها المسلمون في مصر فيقول: “ومن مناقب هذا البلد (أي مصر)، ومفاخره أن الأماكن في هذه المكتبات قد خصصت لأهل العلم فيهم، فهم يفدون من أقطار نائية فيلقى كل واحد منهم مأوى يأوي إليه ومالاً يصلح به أحواله. وبلغ من عناية السلطان بهؤلاء الذين يفدون للاستفادة العلمية، أن أمر بتعيين حمامات يستحمون فيها، وخصص لهم مستشفى لعلاج من مرض منهم، وخصص لهم أطباء يزورونهم وهم في مجالسهم العلمية، وخصص لهم الخدم لقضاء حاجاتهم.”**

**ونظام «الوقف» هوميزة تميز بها المجتمع المسلم فلم تكن موجودة وما عرفها احد او فعلها قبل المسلمين للتقرب إلى الله تعالى ,فنسيج المجتمع المسلم تاتي قوته من خلال مشاركة افراده في بناء لبناته بناء قويا ومستمرا ومستديما يستغرق الجيل الحالي والاجيال القادمة,وياتي تشابه الاوقاف وارض الخراج من ناحية استغراق منفعتها الحاضر والمستقبل وتصرف براي الخليفة ونظره, على خلاف الاوقاف فانها تحبس لتصرف على الوجه الذي اوقفها صاحبها عليها,وليس للخليفة سلطان عليها الا للتنظيم او لوجود مخالفة شرعية, ويظهر الفرق بين الارض الخراجية والارض العشرية في التصرفات في موضوع الوقف فتنفصل الرقبة عن المنفعة هنا لان التصرف يكون في الرقبة، ولذلك لا يصح وقف الارض الخراجية .

وفي العصر الأموي حدث تطور كبير في إدارة الأوقاف، فبعد أن كان الواقفون يقومون بأنفسهم على أوقافهم ويشرفون على رعايتها وإدارتها، قامت الدولة الأموية بإنشاء هيئات خاصة للإشراف عليها، وأحداث ديوان مستقل لتسجيلها.

وفي عهد العباسيين أصبحت للأوقاف إدارة خاصة مستقلة عن القضاء، يقوم عليها رئيس يسمى “صدر الوقوف” وواكب هذا التطور الإداري جهد علمي مفيد، لضبط أحكام الوقف وطرق التصرف فيه ولحماية أملاكه من الضياع، فخصه الفقهاء بمؤلفات خاصة، وأفردوا له فصولا واسعة في مدونات الفقــه الكبرى. وهذا التطور والتوسع في العناية بالأوقاف أدى إلى قيام الوقف بدور كبير في التنمية المجتمعية وسد الخلل الناتج عن خطوب الدهر وتقلب الاحوال اونزول جائحة, حتى لا يشغل المسلم عارض يلهيه او يدفعه لمعصية,وابقاء التجانس والتعاضد في المجتمع المسلم وعدم احتياجه لغيره لا استدانة ولا صدقة ولا منحة فمجتمع خير امة اخرجت للناس لا يليق به ان يكون محل صدقة اواحتياج من أي احد كان دولة او منظمة دولية اجنبية.

وقد اقتبس الغربيون هذه الفكرة ونقلوها عن الدولة العثمانية في القرن التاسع عشرحين ظهر تغول الراسمالية وظهر عوارها بتفتت مجتمعهم وتحلله بطغيان المادية عليه فكانت هذه الفكرة محاولة لاخفاء عوار مبداهم ,فنشات الجمعيات التي تعنى بالفقراء ودور الايواء وأطلق عليها الغربيون لاحقا اسم"منظمات المجتمع المدنى"او المنظمات غير الحكومية والتي -ومن المفارقه - استوردنا مصطلحها منهم في القرن العشرين بعد أن همشنا دور الاوقاف ومحوناه من عندنا.

ان من المسلم به أن نظام الوقف الإسلامي ظل يمثل على مدى ثلاثة عشر قرناً صورة من أروع صور التعاضد في المجتمع المسلم وينبوعاً فياضاً من ينابيع الخير حتى آلت حال الأوقاف في العصور الأخيرة من عصور الدولة العثمانية إلى التدهور والجمود والإهمال والمحاربة، وتعرضت ممتلكاتها بسبب ذلك، إلى الانهيار والخراب، خصوصا بعد دخول البلاد الإسلامية مرحلة الاستعمار الأوروبى وخصوصا الفرنسي الذي أدرك أن أهم المؤسسات التي تدعم الطبقـــة المتعلمة الواعية في وقوفها في وجه سياسة الاستعمار وخططه هي المؤسسات التي تعتمد على الوقف كالمساجد والمدارس والزوايا والأربطة. لهذا عمد المستعمر إلى التدخل المباشر في شؤون الوقف ومؤسساته، تحت ستار إصلاح إدارتها وتحديث أنظمتها، وكان هدفه الحقيقي هو الحد من الدور الإيجابي للوقف ومؤسساته، خاصة في تنشيط الوعي الديني ومحاربة المستعمر ، ودخلت البلاد الإسلامية عهداً جديداً من التطور السياسي والاجتماعي تمثل في نشوء نظام الدولة الوطنية الحديثة على النمط الغربي.وكانت تركيا أول دولة إسلامية تقوم بإلغاء النظام القديم للأوقاف ووضع ممتلكاته تحت الإدارة الحكومية الرسمية، وذلك عقب الغاء نظام الخلافة الإسلامية مباشرة، وقد صدرت قوانين إلغاء الوقف الأهلي(الذري) في عدد من الأقطار الإسلامية الأخرى، ففي لبنان صدرت سنة 1947، وفي سوريا 1947م، ومصر 1952م، وفي العراق 1954م، وفي المغرب 1977م وفي الاردن1958ودمجت مدخولات الاوقاف بالميزانية العامة للدولة ضمن قانون الوعظ والارشاد . وتسربت ممتلكات الوقف بنوعيه الأهلي والخيري لجيوب البعض باسلوب الخصخصة او التاميم اوغيرها من الشعارات، و صمت العلماء والمفكرون عن الحديث عنه اوالبحث في أبعاده وقضاياه وبعد عن الاذهان حتى اصبح مع الاسف من الاحكام الشرعية الكثيرة المغيبة.**

**روي ان رسول الله صلى الله علية وآله وسلم انه قال(اللهم اشدد الدين بأحب الرجلين إليك بعمر بن الخطاب أو بأبى جهل بن هشام (ابن عساكر عن ابن عمر) وقد اخرج الله من اصلاب هؤلاء ابطال لهم في الفتوح الاسلامية صولات وجولات فعن حبيب بن أبى ثابت : أن الحارث بن هشام وعكرمة بن أبى جهل وعياش بن أبى ربيعة خرجوا يوم اليرموك حتى أثبتوا فدعا الحارث بن هشام بماء ليشربه ، فنظر إليه عكرمة فقال ادفعه إلى عكرمة ، فلما أخذه عكرمة نظر إليه عياش فقال ادفعه إلى عياش ، فما وصل إلى عياش حتى مات وما وصل إلى أحد منهم حتى ماتوا (أبو نعيم ، وابن عساكر) [كنز العمال 30255].

ومن موانع الهداية : مانع الرياسة ولو لم يكن في صاحبه حسد ولا كبر عن الانقياد للحق لكن لا يمكنه أن يجتمع له الانقياد للحق وملكه ورياسته ، فيضن بملكه ورياسته ، كحال هرقل وأضرابه ، فإنه قال في آخر كلامه مع أبي سفيان : "فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين ، ولو أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه "، أنه لا يستطيع الوصول إليه لتخوفه على حياته ومملكته من قومه . وما نجا من هذا الداء - وهو داء أرباب الولاية - إلا من عصم الله كالنجاشي . وهذا هو داء فرعون وقومه (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) المؤمنون.

ومن موانع الهداية : مانع الشهوة والمال وهو الذي منع كثيرا من أهل الكتاب من الإيمان خوفا من بطلان مأكلهم وأموالهم التي تصير إليهم من قومهم ، وقد كان كفار قريش يصدون الرجل عن الإيمان بحسب شهوته ، فيدخلون عليه منها، فكانوا يقولون لمن يحب الزنا إنه يحرم الزنا ، ويقولون لمن يحب الخمر : إنه يحرم الخمر، وبه صدوا الأعشى الشاعر عن الإسلام ، وأخبروه بأنه يحرم الخمر فرجع وهو في طريقه إلى الرسول ، فوقصته ناقته فسقط فمات .

(( ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض )) الأحقاف32 وقوله تعالى ( قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87)هود,فيرى أنه إذا اتبع الحق وخالفهم أبعدوه وطردوه عنهم ، وهذا سبب بقاء خلق كثير من الكفار بين قومهم وأهليهم وعشائرهم وكيف أنهم ينبذون كل من خالف مذهبهم ويعادونه كلهم ، مما جعل كثيرا من أبنائهم وممن ينتسب إليهم يتركون الحق بعد معرفته ويعرضون عنه وسبحان الهادي والمثبت وصدق الشاعر:

         ومن يك ذا فم مر مريض     =      يجد مرا به الماء الزلال

ومن موانع الهداية محبة الدار والوطن وإن لم يكن بها عشيرة ولا أقارب ، لكن يرى أن في متابعته للرسول لصلى الله عليه وسلم أو أهل الحق الذين اتبعوه -فيه خروج عن داره ووطنه إلى دار الغربة،فيضن بوطنه على متابعة الحق أو الدخول في الإسلام بعد تيقنه ، ومن قرأ سيرة سلمان رضي الله عنه وما لاقى من المتاعب في سبيل الوصول إلى الحق لعلم أي مجاهدة جاهد بها نفسه ، وكيف ترك أهله وعشيرته ووطنه وهاجر ، وقد سمي (الباحث عن الحقيقة) ، وكذا الأمر في سائر الصحابة الذين تركوا أهلهم وأبناءهم وأموالهم وخرجوا إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم يبتغون فضلا من الله ورضوانا، وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون

ومن موانع الهداية : من تخيل أن في الإسلام ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم إزراء وطعنا منه على آبائه وأجداده وهذا هو الذي منع أبا طالب وأمثاله عن الإسلام فرأوا أنهم إذا أسلموا سفهوا أحلام آبائهم وأجدادهم ، ولهذا قال أعداء الله لأبي طالب عند الموت : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فكان آخر ما قاله هو على ملة عبد المطلب ، فصدوه عن الحق من هذا الباب ، لعلمهم بتعظيمه أباه عبد المطلب فأنهم يأتون الرجل من باب شهوته ، أو من هذا الباب ، ولهذا قال أبو طالب : لولا أن تكون مسبة على بني عبد المطلب لأقررت بها عينك ، وقد قرر ذلك في شعره :

ولقد علمت بأن دين محمد    =    من خير أديان البرية دينا

           لولا الملامة أو حذار مسبة    =    لوجدتني سمحا بذاك مبينا

وقد يقول قائل :هذا في قوم قد كانوا فبانوا ولكن مع الاسف فانك لا تزال تسمع مثل هذه الدعوات الجاهلية التي تفاخر بانسابها وعشيرتها واذا ضيقت عليه قال لا أترك عادات آبائي وأجدادي (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) (104)) المائدة ، وهذا السبب هو الذي منعهم من الهدايةأو قبول الحق بعد معرفته وتيقنه

ومن موانع الهداية متابعة من يعاديه من الناس أو سيره في طريق الحق أويرى انه سبقه إليه وهذا الامر منع كثيرا من اتباع الهدى بعد معرفة حيث يكون للرجل عدو ويبغض مكانه ولا يحب أرضا يمشي عليها ويقصد مخالفته ؛ فيراه قد اتبع الحق فيحمله بغضه له على معاداة الحق وأهله ولو لم يكن بينه وبينهم عداوة،لا لشيىء انما لان من يبغضه معهم .**

**موانع الهداية

أن موانع الهداية كثيرة قد تجتمع كلها في الواحد مرة واحدة، وقد يتخلف بعضها، وقد يحول بين العبد والهداية مانع واحد من موانع الهداية وابرز هذه الموانع ضعف المعرفة, فإن كمال العبد في أمرين : معرفة الحق من الباطل ، وإيثار الحق على الباطل فإن من الناس من يعرف الحق لكن إيثاره على الباطل قد يكون عنده ضعيفا فاذا علم من لا يعلم كان قريب الانقياد والاتباع ، وبهذا يكون قد قطع نصف الطريق إلى الحق وما بقي عليه إلا قوة العزيمة على الرشد “(اللهم أسألك العزيمة على الرشد” رواه أحمد (( وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا) الكهف 68 ، وهذا السبب هو الذي حال بين كثير من الكفار وبين الإسلام ، فإنهم لا يعرفون عنه شيئا، ومع ذلك يكرهونه ، وكما قيل :الناس أعداء لما جهلوا.

ان عدم علم المسلمين بحقيقة هذا الدين في هذا الزمن الذي طغت فيه الامور المادية على كل شيىء جعلت منهم من يقول : إذا التزمت وأنبت إلى الله وعملت صالحا ضيق علي رزقي ونكد علي معيشتي وتعرضت مصالحي للخطرمن قبل انظمة الحكم واتهمت بالاصولية والتطرف عندهم وتعرضت للملاحقة والمسائلة ، وإذا أعطيت نفسي مرادها جاءني الرزق والعون وراجت بضاعتي ولم اتعرض لا لمساءلة ولا لملاحقة ,فكانه يعبد الله من أجل بطنه وهواه والعياذ بالله.

فكم فسد بهذا الاغترار عابد جاهل ومتدين لا بصيرة له, فيرى ان العبادة تسبيح وتهليل ومنتسب إلى العلم لا معرفة له بحقائق الدين ، أما قرأت قوله تعالى : ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)) الحج11وعن جابر بن عبد الله أن أعرابيا بايع رسول الله - عليه الصلاة والسلام - على الإسلام فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة فأتى الأعرابي إلى رسول الله - عليه الصلاة والسلام - فقال يا رسول الله أقلني بيعتي فأبى رسول الله - عليه الصلاة والسلام - ثم جاءه فقال أقلني بيعتي فأبى ثم جاءه فقال أقلني بيعتي فأبى فخرج الأعرابي فقال رسول الله - عليه الصلاة والسلام ( إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وتنصع طيبها) البخاري في صحيحه ، فكان البلاء بالنسبة للمؤمن للتمحيص والتنقية وصدق الله العظيم (الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)العنكبوت .

ومن موانع الهداية قسوة القلب (( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون )) الأنفال 23 ، فمثلهم كالأرض الصلدة التي يخالطها الماء فإنه يمتنع النبات فيها لعدم قبولها، فإذا كان القلب قاسيا لم يقبل النصائح وأبعد القلوب من الله القلب القاسي وكذا إذا كان القلب مريضا فلا قوة فيه ولا عزيمة ولا يؤثر فيه ا لعلم ومن صفاتهم كما وصفهم الله (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) الزمر45.

ومن موانع الهداية الحسد والكبر وقد فسره عليه الصلاة والسلام بأنه ("بطر الحق وغمط الناس " ، وضده التواضع ، وهو قبول الحق ممن كان ولين الجانب ، والمتكبر متعصب لقوله وفعله ولا يقبل الحق ممن كان وهذا هو الذي حمل إبليس على عدم الانقياد للأمر لما أمر بالسجود ، وهو داء الأولين والآخرين ، إلا من رحم الله ، وبه تخلف اليهود عن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ، وقد عرفوه وشاهدوه ، وعرفوا صحة نبوته ((الذين ءاتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون)) البقرة 146 ، فذكر سبحانه أنهم يعرفون صفات الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ولكنهم قوم بهت . وبهذا الداء امتنع عبد الله بن أبي بن سلول عن الإيمان ، وبه تخلف الإيمان عن أبي جهل ، ولهذا لما سأله رجل عن امتناعه مع أنه يعرف أنه صادق قال : تسابقنا نحن وبنو هاشم على الشرف حتى إذ ا كنا كفرسي رهان قالوا، منا نبي ، فمتى ندركها؟ والله لا نؤمن به ، وكذلك سائر المشركين فإنهم كلهم لم يكونوا يرتابون في صدقه ، ولكن حملهم الكبر والحسد على الكفر والعناد وصدق الله العظيم(قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ33)الانعام.**

**لا يكفي أن يكون هناك حق لتحصل النجاة ، وإنما تحصل النجاة لو أرانا الله ذلك الحق أنه حقاً ، فكم من الناس والأمم جاءهم الحق من ربهم ولكن ٌطمست قلوبهم وعميت أبصارهم عنه فما رأوه حقاً واعتبروه باطلاً فنكروه بالكلية وحاربوه وعاندوا واستكبروا ، ( وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ) (الزخرف 30 ) وقوله تعالى(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)الاعراف, فيتقرر بهذا أن سبيل النجاة وسبيل الهداية لابد أن يكون واضحا في القرآن وفي السنة أبلغ الوضوح وأعظم الوضوح وأظهره.

فيرى الحق حقا والباطل باطلا فيرزقه الله اتباع الحق واجتناب الباطل ,أما إذا سلك طريقا آخر بتفريط منه لاجل مصلحة او هوى أو بتركه سبيل الحق بعد معرفته فإنه يوكل إلى نفسه والعياذ بالله فيرى الحق باطلا والباطل حقا ويحرم التوفيق والسداد والإلهام وصدق الله العظيم(ويحسبون انهم يحسنون صنعا)الكهف, وفي الدعاء المأثور: "اللهم أرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إماما " ابن كثير.

النوع الثالث من الهداية هداية التوفيق والإلهام:

وهذا النوع من الهداية مبتدؤه من العبد ومنتهاه من الله جل وعلا؛ يعني أن الله جل وعلا يمن بتوفيقه وبإلهامه وتسديده للعبد بسبب من العبد، قال الله جل وعلا (وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ) الأنفال:23، وهذا النوع من الهداية يأخذ في تحصيله وهو توفيق الله عزوجل وإلهامه وتسدديه يأخذ بسببه العبد إذا سلك السبيل والطريق الموصل ,

لهذا فان ما عند الله جل وعلا إنما يطلب منه يعني امتثال ما أمر، ولا شك أن العبد إذا سلك سبيل الهداية راغبا، فإن التوفيق على الله, ووعد الله جل وعلا حق لا يخلف الله الميعاد، ولهذا كان من أسرار الدعاء العظيم الذي في الفاتحة قوله تعالى (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) [الفاتحة:6-7]، هذا الصراط فُسّر بأنه الإسلام القرآن و السنة ، وقيل في السؤال في الاستشكال إن المصلي قد حصلت له الهداية، الهداية إلى الصراط والهداية إلى الصراط المستقيم هداية إلى أفراد ذلك الصراط.

لهذا وصف ذلك الصراط بأنه صراط الذين أنعم الله عليهم فقال ( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ) والذين أنعم الله عليهم هم الذين وصفهمالله في سورة النساء يقوله (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا) [النساء:69-70]، فدل على أن الهداية للصراط أخص -هذا الصراط المذكور في الفاتحة- أخص من الهداية إلى مطلق الإسلام والإيمان أو مطلق الالتزام بالقرآن والسنة.

إذن فنحن في أمس الحاجة فيما يقول شيخ الإسلام وابن القيم وجماعة العلماء إلى هذا الدعاء ?اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ? لأنه ما من زمن إلا والصوارف فيه على الالتزام بجميع أفراد الصراط المستقيم أكثر من الزمن الذي قبله، وهذا مأخوذ من قوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ « عن الزبير بن عدي قال أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج فقال اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمانٌ إلا والذي بعده شرٌّ منه حتى تلقوا ربكم سمعته من نبيكم {صلى الله عليه وسلم}الجمع بين الصحيحين, ذلك الشر يكون بكثرة الصوارف عن لزوم الصراط المستقيم، لهذا كانت الحاجة عظيمة إلى أن تسأل الله جل وعلا الهداية إلى الصراط المستقيم.

الهداية يعني الالتزام وتمامه حصول التوفيق من الله جل وعلا هو الذي يعنى به هذا النوع من الهداية وهو الهداية هداية التوفيق السداد والإلهام.

إن التوفيق من الله جل وعلا، ، ومعنى التوفيق أن لا يكل الله العبد لنفسه وأن يمده بعون خاص به يكون قوة له على الطاعة وصرفا لقلبه عما لا يرضاه الله جل وعلا.والمقصود أن التوفيق إعانة خاصة من الله جل وعلا للعبد، هذه الإعانة هي هداية من الله جل وعلا، ولو لم يعن الله جل علا عبده عليها لم حصل على الهداية لم لأن إبليس وجنده يرصدون العبد ويرصدون توجهاته ويرصدون سلوكه، وهم أحرص ما يكونون على صرفه.

فإذا كان معه عون من الله جل وعلا وتوفيق وتسديد كان قويا عليه، فإذا حُرم ذلك العون وذلك التسديد كانوا أقوى عليه من نفسه، ولذلك يكون أحوج ما يكون العبد إلى أن يهديه الله جل وعلا هداية التوفيق؛ لكن هذه مع أنها منة من الله جل وعلا وتفضل وتكرم؛ لكنها بسبب من العبد وهو أن يكون سالكا سبل الهداية, فعن كثير بن قيس قال كنت جالسا عند أبي الدرداء في مسجد دمشق فأتاه رجل فقال يا أبا الدرداء أتيتك من المدينة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم لحديث بلغني أنك تحدث به عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فما جاء بك تجارة قال لا قال ولا جاء بك غيره قال لا قال فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض حتى الحيتان في الماء وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب إن العلماء ورثة الأنبياء إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر. وعن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (من سلك طريقا فيه يتلمس علما سهل الله له طريقا إلى الجنة)

النوع الرابع من أنواع الهداية :

وهو الذي جاء في هذه الآية، وهو أعظم أنواع الهداية وآخرها ونتيجتها ومحصَّلها، وهو هداية المؤمنين إلى طريق الجنة، هداية المؤمنين إلى سلوك الصراط في الآخرة، كما سلكوا السبيل والصراط في الدنيا فإنهم يُهدون إلى السبيل وإلى الصراط في الآخرة؛ لأنه بيننا وبين الصراط يعني يوم القيامة ظلمة، دون الجسر ظلمة، ويُهدى المؤمنون -يهديهم الله جل وعلا- إلى الصراط، كل بحسب عمله، وهذه خاتمة الهدايات بالنسبة لأهل الإيمان، يُهدون إلى سلوك الصراط وإلى نوع مشيهم وثباتهم وقوتهم على الصراط، وتعلمون أن من وصفه أنه أدق من الشعرة وأحد من السيف وإنه مزلة، وهذا يشعره في أن السير عليه عسير إن لم يكن ثم مدد وتوفيق من الله جل وعلا، وهذا من أفراد هذه الهداية.

كذلك يهدى إلى طريق الجنة ويهدى إلى منزله، قال جل وعلا (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)محمد فالهداية هنا ليست هداية الدنيا فإنما هي هداية الآخرة.

ويقابل ذلك في حق أهل النار قوله جل وعلا (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ(23) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) الصافات23-24، في سورة الصافات، يهدى أهل الجنة إلى الجنة ويهدى أهل النار إلى النار، وهذه ثمرة الهداية في الدنيا ثمرة من قبلها وثمرة من لم يقبلها.**

**والهداية وردت على اربعة انواع:

النوع الأول الهداية الغريزية:وهي المذكورة في قوله تعالى (الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) طه50، فهذه هداية جعلها الله جل وعلا رحمة منه لكل مخلوق، هداه لما يصلحه، هداه لما قدر الله جل وعلا له في حياته , فهذه هداية طبعية؛ طبع عليها الخلق كاهتداء الدابة لضرع امها واهتداء الطائر لفراخه, فطيور البطريق مثلا تضع بيوضها على الشاطىء وتنزل للبحر بعشرات الآلاف ثم تعود كل واحد منها لفرخه وهكذا الحال مع الحشرات والهوام والزواحف,وقد جاء في الظلال‏ (رحم الله كاتبها ‏)‏ ما نصه‏:‏ لقد أتيا فرعون ـ والسياق لا يذكر كيف وصلا إليه ـ أتياه وربهما معهما يسمع ويرى ‏ فأية قوة وأي سلطان هذا الذي يتكلم به موسى وهارون‏ ,‏ كائنا فرعون ما كان‏ ,‏ ولقد أبلغاه ما أمرهما ربهما بتبليغه‏ ,‏ والمشهد هنا يبدأ بما دار بينه وبين موسى ـ عليه السلام ـ من حوار ‏:‏ " قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى‏ . قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى "‏ ‏إنه لا يريد أن يعترف بأن رب موسى وهارون هو ربه‏ ,‏ كما قالا له ‏: (إنا رسولا ربك‏)‏ فهو يسأل موجها الكلام إلى موسى لما بدا له أنه هو صاحب الدعوى ‏: (فمن ربكما يا موسي؟‏)‏ من ربكما الذي تتكلمان باسمه‏ …‏؟

فأما موسى ـ عليه السلام ـ فيرد بالصفة المبدعة المنشئة المدبرة من صفات الله تعالى ‏: قال ‏:‏ " قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ‏"‏ ربنا الذي وهب الوجود لكل موجود في الصورة التي أوجده بها وفطره عليها‏ ,‏ ثم هدى كل شيء إلى وظيفته التي خلقه لها‏ ,‏ وأمده بما يناسب هذه الوظيفة ويعينه عليها‏ ‏ و‏(‏ثم‏)‏ هنا ليست للتراخي الزمني‏ ,‏ فكل شيء مخلوق ومعه الاهتداء الطبيعي الفطري للوظيفة التي خلق لها‏ ,‏ وليس هناك افتراق زمني بين خلق المخلوق وخلق وظيفته‏ ,‏ إنما هو التراخي في الرتبة بين خلق الشيء واهتدائه إلى وظيفته‏ ,‏ فهداية كل شيء إلى وظيفته مرتبة أعلى من خلقه غفلا‏ .‏

وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ (حسنين محمد مخلوف العدوي ‏)‏ ما نصه‏: (أعطى كل شيء خلقه‏)‏ أي وهب كل شيء من الأشياء الأمر اللائق بما نيط به من الخواص والمنافع المطابق له‏ ,‏ كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار‏ ,‏ والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع‏ ,‏ وهكذا‏ .‏

النوع الثاني من الهداية : هداية الدلالة والبيان والإرشاد:فإن الله جل وعلا هدى الخلق، وأقام لهم البينات الواضحة التي لا يلتبس معها النظر ولا السلوك لذي العقل ولذي اللب، فأرشد جل وعلا وبين وهدى وعلم ودلّ، وذلك بإنزال كتبه وبإرسال الرسل لإقامة الحجة على العباد ولهدايتهم (يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ) المائدة16, فإن هداية الدلالة والبيان لم تترك للاجتهاد، وإنما قد بينت وأوضحت لأن الله جل وعلا هو الهادي وقال في حق نبيه (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الشورى:52]، يعين هداية البيان والدلالة والإرشاد.

وهذا يعني أن من ظنّ أو زعم أن هناك طريقا يوصل إلى الله جل وعلا ويهدي إلى الله دلالة وبيانا لم يرد في الكتاب ولا في السنة، في ضمن هذا المقال أنها لم تكن على وجه الكمال؛ كأن يقول القائل بأنه يمكن أن نهتدي إلى سبيل لم ينص عليه في القرآن والسنة، معنى ذلك أن هناك سبيل هداية لم يرشد الله عز وجل إليه العباد، وهذا ولاشك باطل ومناقض لما في التنزيل والسنة، إذ تنزيل القرآن كان لهداية الخلق، والله جل وعلا ما فرّط في الكتاب من شيء، وبيّن القرآن وهذا ليكون حجة كافية، وأعظم ما يؤخذ من القرآن العظيم ومن الرسالة هو سبيل الهداية وسبيل النجاة.**

**مفهوم الهداية

الهداية في اللغة : تعني الدلالة والإرشاد و في الاصطلاح : هي سلوك الطريق الذي يوصل الإنسان إلى غايته وهي نوال رضوان الله، بإتباع شرع الله.

يخبر سبحانه أن هذا القرآن: {هدى للمتقين}البقرة2 أي: في القرآن إرشاد للمتقين واهتداء لما فيه صلاحهم وفلاحهم في العاجل والآجل؛ ونقرأ قوله تعالى في صفة هذا القرآن، أنه {هدى للناس} (البقرة:185).

وظاهر الآية الأولى، أن هداية القرآن الكريم خاصة بالمتقين فحسب؛ بينما جاءت الآية الثانية عامة، فوصفت هدى القرآن بأنه للناس، ولفظ (الناس) لفظ عام، يشمل المتقين وغيرهم، والمؤمنين ومَن سواهم.

ويبدو للناظر أن بين الآيتين تعارضًا، ووجه الجمع بينهما أن يقال إن الهداية في القرآن نوعان: هداية دلالة وإرشاد، وهو الذي تقدر عليه الرسل وأتباعهم، وهو المعنيُّ في قوله تعالى: {ولكل قوم هاد} الرعد:7 أي: لكل قوم هاد يدلهم ويُرشدهم إلى سُبُل الحق؛ ومن هذا الباب قوله جلا وعلا: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} (الشورى:52) فأثبت سبحانه للرسل ومن سلك سبيلهم الهدى، الذي معناه الدلالة، والدعوة، والتنبيه وهي إبانة الطريق، وهو ما فعله صلى الله عليه وسلم، وقام به أحسن القيام، وأتمَّه خير التمام، حتى ترك أمته على المحجَّة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

وتفرد سبحانه بالهدى -وهو النوع الثاني- الذي معناه التأييد والتوفيق والتسديد، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} (القصص:56) فالهداية هنا بمعنى التوفيق لالتزام سبيل المؤمنين، ونهج سلوك المتقين، وهو المعنيُّ في قوله تعالى: {ويهدي من يشاء} (يونس:25).

إن الهداية في القرآن تأتي على نوعين: أحدهما عام، والثاني خاص؛ فأما الهداية العامة، فمعناها إبانة طريق الحق والرشاد، وإيضاح الحجة والسداد، وعلى هذا المعنى جاء قوله تعالى: {وأما ثمود فهدينهم} (فُصِّلت:17) والمعنى: بيَّنا لهم طريق الحق من الضلال، ووضَّحنا لهم طريق الرشاد من الفساد، بَيْدَ أنهم آثروا الثاني على الأول؛ فالأمر هنا أمر اختيار واختبار، يوضع أمام العبد ليختار منهما ما يشاء، والدليل على هذا الاختيار، قوله سبحانه: {فاستحبوا العمى على الهدى} (فُصِّلت:17) أي: استحبوا طريق الضلال على طريق الرشاد؛ ومثله أيضًا قوله تعالى: {وهديناه النجدين} (البلد:10) أي بيَّنا له طريق الخير وطريق الشر.

وأما الهداية الخاصة، فهي تفضُّل من الله سبحانه على العبد بتوفيقه إلى طاعته، وتيسيره سلوك طريق النجاة والفلاح وعلى هذا المعنى جاء قوله عز وجل {أولئك الذين هدى الله} (الأنعام:90) وقوله سبحانه: {فمن يُرِد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} (الأنعام:125).

خصَّ سبحانه المتقين بالهداية، وإنْ كان القرآن هدى للخلق أجمعين؛ تشريفًا وإجلالاً وكرامة لهم وبيانًا لفضلهم؛ لأنهم آمنوا به وصدقوا بما فيه ,فتخصيص الهدى بالمتقين باعتبار الغاية أي إن من استمسك بهدي القرآن فإن عاقبته أن يكون من المتقين فاختصاصه بالمتقين لأنهم المهتدون به فعلاً والمنتفعون بما فيه حقيقة، وإن كانت دلالته عامة لكل ناظر من مسلم أو كافر؛ وبهذا الاعتبار قال تعالى {هدى للناس}.**

فالثروة هي مادة خام وجهد مبذول,والقضية ليست السمك فالمادة الخام موجودة بكثرة في كل بلاد المسلمين ولا تحتاج لكثير عناء لاستخراجها,ومنع المسلمين من بذل جهدهم في المادة الخام لانتاج ثروة تغنيهم, في الوقت الذي تمنح هذه المادة الخام للغير تحت مسميات براقة جعل البطالة والفقر وما ينتجانه حزمة واحدة ترى انعكاساتها في كل بلد مورست هذه السياسة فيه,فالهجرة للغرب امنية كل شاب متعلم او صاحب حرفة.
ان الشركات الاحتكارية الكبرى للصيد الجائر والمملوكة من قبل هولاء الناهبين الجشعين لم تدع فرصة لصغار الصيادين وللمستفيدين من صيد الاسماك, حيث انها تمارس الصيد بواسطة سفن صيد تملك تقنية عالية في اصطياد كميات هائلة من الاسماك وبالتالي تصديرها للخارج من اجل الربح وليذهب المواطن المسكين الفقير الذي لا يستطيع المنافسة او حرم منها في قعر البحر,ويقول احد الاشخاص( لا تنسوا أن سكوتنا على عدم المطالبة بحقوقنا هو الأمر الذى جرّأ الآخرون على نهبها، ومن لم يسيّر حياته بيده سيّرها له الآخرين فلا يجب عندها أن يثور على وضع عمل هو بنفسه على صناعته),ويتسآءل آخر(جميع ثروات البلاد من ثروة النفط والثروة الحيوانية والثروة السمكية الخ هي ملك المواطنين جميعا فلماذا القلة القليلة من شريحة المجتمع هي المستفيده من هذه الخيرات والثروات وبقية شرائح المجتمع عليها ان تعاني وان تشكر على نعمة الامن والامان ان توفر والتعليم والصحة المجاني, لماذا وكأن لا حق لها من هذه الثروات وكأن ما يقدمه الحاكم للشعب صدقة يتصدق بها عليهم من مال ابيه وامه.
والمثال الثاني الذي اريد طرحه هو اليمن (الذي كان سعيدا) فانها كاختها عمان مع بعض التميز بالبأس والفقر الذي حل باكثر من نصف السكان مع انها تمتلك اكثر من (2500)كم من الشواطىء على بحر العرب والبحر الاحمر,واري ان اترك الكلام (لمصور الماني) يحكي عن اهل جزيرة يمنية قد يفشل كثيرون في تحديد موقعها الجغرافي على الخريطة، إلا أن جزيرة سقطرى اليمنية تعد واحدة من أهم المحميات الطبيعية النادرة، نظراً لما تتمتع به من طبيعة عذراء خلابة، أكسبتها لقب «جزيرة الأحلام»,الموقع الاستثنائي لأرخبيل سقطرى الذي يقع في شمالي غربي المحيط الهندي بالقرب من خليج عدن، أكسب الجزيرة تنوّعاً كبيراً في النباتات النادرة عالمياً ما دفع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» إلى إدراجها على لائحة مواقع التراث العالمي وضمن قائمة المحميات الطبيعية العالمية.
وتحولت الجزيرة إلى متحف للتاريخ الطبيعي، حيث ينتشر ثلث أنواع النباتات النادرة من أصل 825 نوعاً، و90 في المئة من أنواع الزواحف، و95 في المئة من أنواع الحلزونيات البرية المستوطنة فيها، والتي لا يوجد لها مثيل في أي منطقة أخرى من العالم.
هذا الجمال التقطته عدسات المصور الألماني كولديس شولتز (27 عاماً) الذي افتتن بالجزيرة، منذ أن قرأ عنها، وزاد تعلقه بها وبأهلها لدى وصوله هناك وقضى المصور الألماني وقته في سقطرى، حيث نشر العديد من الصور الفوتوغرافية وقصة أسفاره للجزيرة، في كتاب بعنوان «سقطرى… جزيرة».
وشرح شولتز: «أسرت بجمالها الأخاذ إنها عالم آخر، تضاريسها الطبيعية غريبة، تتخللها الجبال والأودية والسهول الصحراوية على شكل الهلال بجانب الكثبان الرملية الضخمة والنباتات المستوطنة تختلف تماماً عن أي شيء سبق أن رأيته».
وتحدث شولتز عن فشله في رأب الهوة الثقافية برغم الحفاوة البالغة والكرم الذي وجده أثناء إقامته بين أهل الجزيرة قائلاً: «كانوا مضيافين للغاية… رحبوا بي في ديارهم وتناولت الشاي مع كبارهم… ولكن كان هناك عالم غير مرئي من الاختلاف الثقافي الشاسع».
كما تناول شولتز معاناة سكان الجزيرة ومعظمهم يعمل في صيد السمك - في إيجاد قوتهم اليومي نظراً لتعرض ثرواتهم البحرية لـ«النهب» بسبب الصيد غير المشروع الذي تمارسه سفن صيد أوروبية، أدى إلى اضمحلال الثروة السمكية في المنطقة.
وكتب شولتز «حللت ضيفاً عند صيادين على الساحل. مرت أيام لم يتمكنوا فيها من اصطياد شيء، ولم يكن أمامنا سوى تناول خبز الأمس. أدركت للــمرة الأولى ما يعنيه الصيد الجائر. فالأمر لا يتعــلق بانعدام سمك التونة لعقد من الزمـن بل بشعب سيعاني من الجوع، لأنه لا يجد كفايته من السمك»(«سي ان ان»)
وتعتبر حضرموت اخصب ابحر اليمن انتاجا للثروه السمكيه وتقدر الشركات الناهبه لاسماك حضرموت مايفوق ال 40 شركه وكل تلك الشركات تحميها قوانين الاستثمار,والثروه السمكيه المنهوبه من حضرموت تقدر ب 180 مليون دولار سنويا من عوائد تصدير الاسماك والاحياء البحرية.

**أن سواحل عمان الطويلة والمنوعة البحار والبيئات والثروات وفرت ثروة بحرية هائلة بحاجة إلى حسن استغلالها,فمن يصدق أن العماني تمر عليه الأيام والأسابيع دون أن يأكل السمك في مائدته.. “عادلنا شهر ما كلينا سمك” عبارة سمعتها بأذني من أحد السيدات"عبارة قرأتها على الانتر نت , الأسعار مرتفعة بشكل خيالي سعر كيلو التونه (الجيذر) ريالين و نصف وأحيانا 3 ريالات(الريال =10 شيكل) والشعري الحبة بريال ما تشبع رضيع..نسمع عن الثروة السمكية في بلدنا (أسمع جعجعة و لا أرى طحينا) و لكن أين يذهب السمك؟يقول اخر.

ان القضية لا تكمن في عمان لوحدها وانما اتينا بعمان كمثال لمشكلة يعاني منها المسلمون في اوطانهم ويحاربون في ارزاقهم,فسوء الرعاية (اوسمها ماشئت من تواطؤ الحاكم واعلانه الحرب على شعبه)قد انعكس على الحياة اليومية للامة, فالثروة موجودة ولكنها تدور بين الاهدار والنهب المنظم تحت شعار(الاستثمار او الاحتكار اوالامتيازات) وهذا ما ادى لمشكلة هي ام المشاكل او حزمة المشاكل من بطالة وفقر وجوع ومرض.

ان تاريخ عمان يشرح الفكرة التي نريد بيانها,فقبل النفط والغاز ولكن مع وجود الحاكم الحاكم الذي يرعى المصالح غزت البحرية البرتغالية الخليج عقب سقوط الاندلس وحاولت السيطرة عليه,فتصدى السلطان لهم وبنى اسطولا قويا يضاهي اساطيل الدول العظمى, ففي عام 1749م، أصبح الإمام أحـمد بن سعـيد إماماً لعُمان، فوضع نصب عينيه إعادة بناء البحرية العمانية وجعلها على رأس أولوياته. وأثمرت جهود الإمام أحمد عن أسطول تكون من أربع سفن كبيرة، زودت كل منها بأربعين مدفعا،ً علاوة على 25 من الزوارق المصنوعة محلياً. ومع إطلالة القرن التاسع عشر، شهدت عمان تأسيس أكبر أسطول بحري لم تعهد له مثيلاً من قبل، بلغ تعداده عام 1805م أربع فرقاطات، وأربع قرويطات، ومركبين من ذوي الشراع الواحد، وسبعة مراكب ذات الصاري، وعشرين مركباً تجارياً مسلحاً.ومخرعباب البحر حتى وصلت احدى هذه السفن(سلطانه) الى نيويورك في 30 أبريل 1840م وعلى متنها أحـمد بن النعـمان أول مبعوث عربي يصل أمريكا. وتوجه حاكم ممباسا ?إحدى المقاطعات العمانية آنذاك- على ظهر السفينة سـلطانة أيضاَ إلى لندن في عام 1842م كسفير لدى الملكة فكتوريا. كما زارت السفينة العمانية كارولـين المزودة بـ 26 مدفعاً مدينة مرسيليا في عام 1849م.

لقد سجل أحد التجار الإمريكيين الذين زاروا زنجبار في بداية الثلاثينات من القرن ‏التاسع عشر مشاهدات وإنطباعاته عن السيد سعيد الذي وصل شرق إفريقيا على ‏رأس قوة تتألف من سفينة مزودة بأربعة وستين مدفعاً وثلاث فرقاطات مزود كل منها ‏بستة وثلاثين مدفعاً وسفينتين مزود كل منهما بأربعة عشر مدفعاً وحوالي مئة مركب ‏نقل عليها ستة آلاف مقاتل وعلى الرغم من بعد الممتلكات العمانية في إفريقيا عن عمان ‏بأكثر من خمسة الآف ميل إلا أن الإسطول العماني كان من القوة بحيث يحرس هذه ‏الممتلكات الشاسعة الممتدة بين بندر عباس إلى زنجبار , كما كان يحرس عشرات ‏الموانئ الواقعة على السواحل العربية والإفريقية وعشرات الجزر المتناثرة في الخليج ‏العربي والمحيط الهندي .‏

فالمدقق فيمن يحكم بلاد المسلمين يرى ان الحاكم يتحول الى تاجر يتعاطى مع المادة الخام في بلده كأنها له فهذا ينهبها وهذا يبيعها وهذا يهبها للحاشية, ولقد كشفت وقائع ما بعد الثورات عن حجم ثروات بعض الحكام المذهلة والتي لو استغلت لبناء المصانع ما بقي فقيراو عاطل عن العمل,فكل النفط في ليبيا في يد معمر وثروته لا يمكن احصاؤها وثروة مبارك ما بين اربعين وسبعين مليارا وكذلك علي عبد الله صالح وربما افقرهم صاحب تونس زين العابدين بن علي,والاصل انه راع بغض النظر عن كونه مسلما او غير مسلم كاليابان مثلا او كوريا الجنوبية وهما دولتان تفتقران للمادة الخام.**