**3- الايستأذن عند مسيس الحجة اليه الا من في قلبه مرض.
ولمّا كانَ شأن المؤمنين الرغبة في الجهاد كان المذكور مع استئذان المؤمنين ، في الآية أن يجاهدوا دون أن يستأذنوا، إذ لا يليق بالمؤمنين الاستئذان في ترك الجهاد ، فإذا انتفى أن يستأذنوا في أن يجاهدوا ثبت أنّهم يجاهدون دون استئذان ، وهذا من لطائف بلاغة هذه الآية { عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } الآية :فقد كان بعض المنافقين قد استأذن النبي صلى الله عليه والسلام في التخلف عن غزوة تبوك فأذن لهم ، فعاتبه الله تعالى على إذنه لهم ، وقدم العفو على العتاب أكراماً له صلى الله عليه وسلم وقيل : إن قوله عفا الله عنك ليس لذنب ولا عتاب ، ولكنه استفتاح كلام كما يقول : أصلحك الله { حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الكاذبين } كانوا قد قالوا : استأذنوه في القعود ، فإن أذن لنا قعدنا ، وإن لم يأذن لنا قعدنا ، وإنما كان يظهر الصدق من الكذب لو لم يأذن لهم وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مورق العجلي رضي الله عنه قال : سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا بدأ بالعفو قبل المعاتبة فقال عفا الله عنك لم أذنت لهم.
ويقول الشعراوي في معنى هذه الآية
( لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)
وهذه الآية نزلت في القرآن يتلى ولا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة . . ورغم أنه كان في استطاعتهم ألا يقولوا ذلك القول ، ولو فعلوا لساهموا في التشكيك بمصداقية القرآن ، ولهدموا قضية الدين التي يتمنون هدمها ، ولكنهم مع ذلك قالوا : { مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ } وجاءوا مثبتين ومُصدِّقين للقرآن .
وفي هذه الأيام نجد شيئاً عجيباً؛ نجد من يقول : أنا لا أتبع إلا ما جاء في القرآن ، أما السنة فلستُ مطالباً بالالتزام بها . وتقول لمن يردد هذا الكلام : كم عدد ركعات الصبح وركعات الظهر والعصر والمغرب والعشاء؟ وسوف يرد قائلاً : صلاة الصبح ركعتان ، والظهر أربع ، والعصر أربع ، والمغرب ثلاث ، والعشاء أربع . ونقول : من أين أتيت بهذا؟ يقول : من السنة .
نقول : إذن فلا بد من اتباع السنة حتى تستطيع أن تصلي ، ولن تفهم التطبيق العملي لكثير من الأحكام إلا باتباع السنة .
ويجبر الحق سبحانه هذا الذي يحارب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدعو إلى عدم الالتزام بها؛ يجبره سبحانه على الاعتراف بضرورة اتباع السنة ، وبهذا يصدق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
« يوشك الرجل يتكىء على أريكته يُحدَّث بحديثي ، فيقول : بيني وبينكم كتاب الله ، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه ، وما كان فيه حراماً حرَّمْناه ، وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله » .
وقد قالوا ذلك القول طَعْناً في الكتاب ، ولكنهم من حيث لا يدرون أكدوا صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهم لم يمتلكوا الذكاء؛ لأن الذكاء الذي لا يهدي للإيمان هو لون من الغباء وعَمى البصيرة ، وكذلك كان حال من حلفوا بعدم استطاعتهم الخروج للقتال؛ فقد سبقهم قول الله : { وَسَيَحْلِفُونَ بالله لَوِ استطعنا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ } وجاءوا من بعد ذلك وحلفوا؛ ليؤكدوا صدق القرآن . وهم في حلفهم يدّعون عدم استطاعتهم للقتال ، مع أن لديهم المال والقدرة .
ويقول الحق عنهم : { يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } وما داموا قد حلفوا بالله كذباً ، فقد أدخلوا أنفسهم في الهلاك ، فهم لم يكتفوا بعدم الجهاد؛ بل كذبوا وفضح الله كذبهم .
ويقول الحق بعد ذلك : { عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ }
وكلمة { عَفَا } تدل على أن هناك أثراً قد مُحي؛ تماماً كما يمشي إنسان في الرمال؛ فتُحْدِث أقدامه أثراً ، ثم تأتي الريح فتملأ مناطق هذا الأثر بالرمال وتزيله . وهي تُطلق في الدين على محو الله سبحانه وتعالى لذنوب عباده فلا يعاقبهم عليها . وما دام الإنسان قد استغفر من ذنبه وقال : أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ، فلا يجب أن يحرجه أحد بعد ذلك ، ولا أن يعايره أحد ، وعن ابن عباس , رضي الله عنهما , قال : قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم : يقول الله , عز وجل :(من تألى على عبدي أدخلت عبدي الجنة وأدخلته النار)رواه مُسَدَّد، وأصله في صحيح مسلم من حديث جندب بن عبد الله.
وتقول عن الأئتلاء تألّى إذا اجترأ على أمر غيب فحلف عليه. من أقسم تجبرا واقتدارا : لافعلن كذا ، أكذبه الله ولم يبلغ أمله .
فقد استغفر عند من يملك الملك كله ، وهو وحده سبحانه الذي يملك العفو والمغفرة ، فلا يُدْخِلنَّ أحدكم نفسه في هذه المسألة ، ولا يجب أن يحرج إنسان مذنباً ما دام قد استغفر مَنْ يملك العفو ، ومن يسمع مستغفراً عليه أن يقول : عفا الله عنك . ولا أحد يعرف إن كان الله قد عفا عنه أم لا ، فَلْتُعِنْهُ بالدعاء له ، ومن يعاير مذنباً نقول له : تأدب؛ لأنه لم يرتكب الذنب عندك ، ولكنه ارتكبه عند ربه ، وإذا كان من يستغفر من ذنبه لا يُحرج به بين الناس ، فما بالنا بعفو الله سبحانه القادر وحده على العفو,فقد روى ان رسول الله صلى لله عليه وآله وسلم قال ( من كف لسانه ستر الله عورته، ومن ملك غضبه وقاه الله عذابه، ومن اعتذر إلى ربه قبل الله عذره ). ابن أبي الدنيا عن عمرفي كنز العمال..
وهنا يقدم الحق سبحانه العفو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أذن لهم بالقعود عن القتال ، ثم يأتي القرآن من بعد ذلك ليؤكد أن ما فعله رسول الله بالإذن لهم بالقعود كان صواباً ، فيقول في موضع آخر من نفس السورة : { لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً }التوبة 47.
إذن : فلو أنهم خرجوا لكانوا سبباً في الهزيمة ، لا من أسباب النصر . وصوَّبَ الحق عمل الرسول ، وهو صلى الله عليه وسلم له العصمة .
وهنا نحن أمام عفو من الله ، على الرغم من عدم وجود ذنب يُعفى عنه ، وهنا أيضاً إذن من الرسول لهم بالقعود ، ونزل القرآن ليؤكد صوابه .
وهناك من فهم قول الحق : { لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } على أنها استفهام استنكاري ، وكأن الحق يقول : كيف أذِنْتَ لهم بالعفو؟
إذن : فرسول الله بين أمرين : بين عفو لا يُذْكَرُ بعده ذنب ، واستفهام يفيد عند البعض الإنكار .
ونقول : إن الحق سـبحانه وتعالى أيَّد رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله : { لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً } التوبة 47.
فكأن الرسول قد هُدِيَ إلى الأمر ، وقد أشار القرآن إلى ذلك؛ ليوضح لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم ، وكان عليه أن يقدم البيان للناس؛ لأنه الأسوة حتى لا يأتي من بعده واحد من عامة الناس ليفتي في مسألة دينية ويقول : أنا رأيت كذا ، بل لا بد أن يتبين الإنسان ما جاء في القرآن والسنة قبل أن يفتي في أمر من أمور الدين.
وعلى سبيل المثال : اختلف الأمر بين المسلمين في مسألة الفداء لأسرى بدر ونزل القول الحق : { لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } الأنفال 68 .
وأيَّد الله حكم رسوله وأبقاه . إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم هُدِي إلى الأمر ، ولكن هذا الحق لا يباح لغير معصوم .
وقد أباح الحق سبحانه الاستئذان في قوله : { فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ } النور 62 .
والحق سبحانه وتعالـى يقول هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها : { عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الكاذبين } وهكذا يتبين لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أذن لهم بالمقدمات والبحث والفطرة ، ورأى أن الإذن لهؤلاء المتخلفين هو أمر يوافق مراد الحق سبحانه؛ لأنهم لو خرجوا مع جيش المسلمين ما زادوهم إلا خبالاًً ، لعدم توافر النية الصادقة في الجهاد؛ لذلك ثبطهم الله ، وأضعف عزيمتهم حتى لا يخرجوا . والعفو هنا جاء في شكلية الموضوع ، حيث كان يجب التبيُّن قبل الإذن ، فيقول الحق سبحانه :
{ حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الكاذبين } أي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو لم يأذن لهم لكانوا قد انكشفوا ، ولكن إذنه لهم أعطاهم ستاراً يسترون به نفاقهم ، فهم قد عقدوا النية على ألا يخرجوا ، ولو فعلوا ذلك لافتُضِحَ أمرهم للمسلمين جميعاً ، فشاء الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسترهم.