حديث الإفك — موضوع مستورد

**5

قالت : فلما قضى رسول الله ( ص ) كلامه ذهب دمعي حتى ما أجد منه شيئا ، وقلت لأبي : أجب رسول الله ( ص ) . فقال : والله ، ما أدري ما أقول وما أجيب به عنك ، قالت : فقلت لامي : أجيبي عني رسول الله ( ص ) فقالت : والله ما أدري ما أجيب عنك لرسول الله ( ص ) ، وأنا جارية حديثة السن ، لا أقرأ كثيرا من القرآن :

قالت : فقلت : إني والله قد علمت أنكم سمعتم بهذا الحديث ، فوقع في أنفسكم فصدقتم به ، فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني ، ولئن اعترفت لكم بأمر يعلم الله أني منه بريئة لتصدقوني . وإني والله ما أجد لي مثلا إلا أبا يوسف إذ يقول : ( بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) ( 1 ) والله ما يحضرني ذكر يعقوب ، وما أهتدي من الغيظ الذي أنا فيه . ثم تحولت فاضطجعت على فراشي وقلت : والله يعلم أني بريئة ، وأنا بالله واثقة أن يبرئني الله ببرأتي . فقال أبو بكر : فما أعلم أهل بيت من العرب دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر ، والله ، ما قيل لنا هذا في الجاهلية حيث لانعبد الله ولا ندع له شيئا ، فيقال لنا في الإسلام !

قالت : وأقبل علي أبي مغضبا ، قالت : فاستعبرت فقلت في نفسي : " والله لا أتوب إلى الله مما ذكرتم أبدا " ، وأيم الله لأنا كنت أحقر في نفسي وأصغر شأنا من أن ينزل في قرآن يقرأه الناس في صلاتهم ، ولكن قد كنت أرجو أن يرى رسول الله ( ص ) في نومه شيئا يكذبهم ( 2 ) الله عني به لما يعلم من براءتي ، أو يخبر خبرا ، فأما قرآن فلا والله ما ظننته ! قالت : فو الله ، ما برح رسول الله ( ص ) من مجلسه ، ولا خرج أحد من أهل البيت حتى يغشاه من أمر الله ما كان يغشاه .

قالت : فسجي بثوبه وجمعت وسادة من أدم تحت رأسه ، فأما أنا حين رأيت ما رأيت فو الله لقد

فرحت به وعلمت أني بريئة ، وأن الله تعالى غير ظالم لي .

قالت : وأما أبواي فوالذي نفسي بيده ما سري عن النبي ( ص ) حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا أن يأتي أمر من الله تحقيق ما قال الناس . ثم كشف رسول الله ( ص ) عن وجهه وهو يضحك ، وإنه ليتحدر منه مثل الجمان ، وهو يمسح جبينه ، فكانت أول كلمة قالها : " يا عائشة ، إن الله قد أنزل براءتك " .

قالت : وسري عن أبوي وقالت أمي : قومي إلى رسول الله . فقلت : والله ، لا أقوم إلا بحمد الله لا بحمدك ، فأنزل الله هذه الآية : ( إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ ) ( 1 ) الآية .

قالت : فخرج رسول الله ( ص ) إلى الناس مسرورا ، فصعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم تلا عليهم بما نزل عليه في براءة عائشة . قالت : فضربهم رسول الله ( ص ) الحد ، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ، وكان مسطح بن أثاثة ، وحسان بن ثابت . قال أبو عبد الله : ويقال إن رسول الله ( ص ) لم يضربهم - وهو

كانت تلكم أخبار المسابقة والتيمم والافك في غزوة بني المصطلق ولا بد لنا في دراستها أن ندرس أخبار غزوة بني المصطلق في ما يأتي بإذنه تعالى .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) مغازي الواقدي 2 / 426 ، وقد تابع المقريزي في كتابه امتاع الاسماع ما جاء في مغازي الواقدي عن القصة ص 427 - 434 . ( * )

1 ) العلق : جمع علقة ، وهي ما فيه بلغة من الطعام إلى وقت الغذاء . ( شرح أبي ذر ، ص 335 ) .

( 2 ) التهييج : كالورم في الجسد . ( شرح أبي ذر ، ص 335 ) ( * ) .

1 ) ظفار : موضع باليمن قرب صنعاء ، ينسب إليه الجزع . ( القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 81 ) .

( 2 ) نغضوا : تحركوا . ( القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 346 ) .

( 3 ) في ب : " ا إلا غير ات " . ( * )

( 1 ) هي المواضع التي يتخلى فيها لقضاء الحاجة . واحدها منصع . ( النهاية ، ج 4 ، ص 149 ) ( * ) .

1 ) في ب : " ا لئن كانت على ذلك " .

( 2 ) في ب : " ( تناضي " .

( 3 ) تقول هو مغموص عليه ، أي مطعون في دينه . ( القاموس المحيط ، ج 2 ص 310 ) ( * ) .

( 1 ) في الأصل : " بدخول " ، وما أثبتناه هو قراءة ب . والذحول : العداوة . ( النهاية ج 2 / 43 ) .

( 2 ) في ب : " فرجع الحارث بسيفه ولغطت الأوس والخزرج " . ( * )

( 1 ) سورة يوسف : الآية 18 . ( 2 ) في ب : " يكذب الله عني به " ( * ) .

(1) سورة النور 11 (**)

4

فذهبت ليلة ومعي أم مسطح ملتفعة في مرطها ، فتعلقت به فقالت : تعس مسطح ! فقلت : بئس لعمر الله ما قلت ، تقولين هذا لرجل من أهل بدر ؟ فقالت لي مجيبة : ما تدرين وقد سال بك السيل . قلت : ماذا تقولين ؟ فأخبر تني بقول أصحاب الافك ، فقلص ذلك مني ، وما قدرت على أن أذهب لحاجتي ، وزادني مرضا على مرضي ، فما زلت أبكي ليلي ويومي .

قالت : ودخل رسول الله ( ص ) بعد ذلك فقلت : ائذن لي أذهب إلى أبوي ، وأنا أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما . فأذن لي فأتيت أبوي فقلت لأمي : يغفر الله لك ، تحدث الناس بما تحدثوا به وذكروا ما ذكروا ولا تذكرين لي من ذلك شيئا ! فقالت : يا بنية ، خفضي عليك الشأن ، فوالله ما كانت جارية حسناء عند رجل يحبها ولما ضرائر إلا كثرن عليها القالة وكثر الناس عليها . فقلت : سبحان الله ، وقد تحدث الناس بهذا كله ؟

قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم . قالت : فدعا رسول الله ( ص ) عليا وأسامة فاستشار هما في فراق أهله .

قالت : وكان أحد الرجلين ألين قولا من الآخر . قال أسامة : يا رسول الله ، هذا الباطل والكذب ، ولا نعلم إلا خيرا ، وإن بريرة تصدقك . وقال علي : لم يضيق الله عليك ، النساء كثير وقد أحل الله لك وأطاب ، فطلقها وانكح غيرها . قالت : فانصرفا ، وخلا رسول الله ( ص ) ببريرة فقال : يا بريرة ، أي امرأة تعلمين عائشة ؟ قالت : هي أطيب من طيب الذهب ، والله ما أعلم عليها إلا خيرا ، والله يا رسول الله ، لئن كانت على ( 1 ) غير ذلك ليخبرنك الله عزوجل بذلك ، إلا أنها جارية ترقد عن العجين حتى تأتي الشاة فتأكل عجينها ، وقد لمتها في ذلك غير مرة . وسأل رسول الله ( ص ) زينب بنت جحش ولم تكن امرأة تضاهي ( 2 ) عائشة عند رسول الله ( ص ) غيرها .

قالت عائشة : ولقد كنت أخاف عليها أن تهلك للغيرة علي ، فقال هلا النبي ( ص ) : يا زينب ، ماذا علمت على عائشة ؟ قالت : يا رسول الله ، حاشا سمعي وبصري ، ما علمت عليها إلا خيرا . والله ، ما أكلمها وإني لمهاجرتها ، وما كنت أقول إلا الحق .

قالت عائشة : أما زينب ، فعصمها الله ، وأما غيرها فهلك مع من هلك . ثم سأل رسول الله ( ص ) أم أيمن فقالت : حاشا سمعي وبصري أن أكون علمت أو ظننت بها قط إلا خيرا . ثم صعد رسول الله ( ص ) المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : من يعذرني ممن يؤذيني في أهلي ؟ ويقولون لرجل ، والله ما علمت على ذلك الرجل إلا خيرا ، وما كان يدخل بيتا من بيوتي إلا معي ، ويقولون عليه غير الحق .

فقام سعد بن معاذ فقال : أنا أعذرك منه يا رسول الله ؟ إن يك من الأوس آتك برأسه ، وإن يك من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك نمضي لك . فقام سعد بن عبادة - وكان قبل ذلك رجلا صالها ، ولكن الغضب بلغ منه ، وعلى ذلك ما غمص ( 3 ) عليه في نفاق ولا غير ذلك إلا أن الغضب يبلغ من أهله ، فقال : كذبت لعمر الله ، لا تقتله ولا تقدر على قتله . والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنه من الخزرج ، ولو كان من الأوس ما قلت ذلك ، ولكنك تأخذنا بذحول ( 1 ) كانت بيننا وبينك في الجاهلية ، وقد محا الله ذلك !

فقال أسيد بن حضير : كذبت والله ، لنقتلنه وأنفك راغم فإنك منافق تجادل عن المنافقين ! والله ، لو نعلم ما يهوى رسول الله من ذلك في رهطي الأدنين ما رام رسول الله مكانه حتى آتيه برأسه ؟ ولكني لا أدري ما يهوى رسول الله!

قال سعد ابن عبادة : تأبون يا آل أوس إلا أن تأخذونا بذحول كانت في الجاهلية والله ما لكم بذكرها حاجة ، وإنكم لتعرفون لمن الغلبة فيها . وقد محا الله بالإسلام ذلك كله .

فقام أسيد بن حضير فقال : قد رأيت موطننا يوم بعاث ! ثم تغالظوا ، وغضب سعد بن عبادة فنادى : يا آل خزرج ! فانحازت الخزرج كلها إلى سعد بن عبادة .

ونادى سعد بن معاذ : يا آل أوس ! فانحازت الأوس كلها إلى سعد بن معاذ . وخرج الحارث بن حزمة مغيرا حتى أتى بالسيف يقول : أضرب به رأس النفاق وكهفه . فلقيه أسيد بن حضير وهو في رهطه وقال : ارم به ، يحمل السلاح من غير أمر رسول الله ! لو علمنا أن لرسول الله في هذا هوى أو طاعة ما سبقتنا إليه . فرجع الحارث ( 2 ) واصطفت الأوس والخزرج ، وأشار رسول الله ( ص ) إلى الحيين جميعا أن اسكتوا ، ونزل عن المنبر فهدأهم وخفضهم حتى إنصرفوا .

قالت عائشة : وجاء رسول الله ( ص ) فدخل علي فجلس عندي ، وقد مكث شهرا قبل ذلك لا يوحى إليه في شأني . قالت : فتشهد رسول الله ( ص ) حين جلس ، ثم قال : أما بعد يا عائشة ، فانه بلغني كذا وكذا ، فإن كنت بريئة يبرئك الله ، وإن كنت ألممت بشئ مما يقول الناس فاستغفري الله عزوجل ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه .

2

اقامت عائشة في احضان ام رومان بضعا وعشرين ليلة حتى ابلت من مرضها واستعادت بعض عافيتها ولا تدري ما يحدث خارج جدران الدار من زلزلة وعواطف هي محورها وسمعتها وشرفها قطب رحاها وفي ذات ليلة خرجت الى فسح المدينة بعيدا عن دار اهلها لقضاء حاجة ومعها ام مسطح بن اثاثة بنت ابي رهم وبينما تمضيان في الطريق عثرت ام مسطح بطرف ثوبها وكادت تسقط ارضا وقالت: تعس مسطح فانتفضت عائشة رضي الله عنها وردت بئس لعمر الله ما قلت في رجل شهد بدرا. ؟. فقالت ام مسطح: او ما بلغك الخبر با بنت ابي بكر قالت ام المؤمنين: وما الخبر فحدثتها بما كان من اصحاب الافك وعصابة السواء وما تقول به مسطح وحسان وما اذاعه واشاعه عبدالله بن ابي وما تزيدت فيه حمة بنت جحش ونزل الخبر على نفس عائشة رضي الله عنها نزول الصاعقة فاربد وجهها وعلته حمرة الغضب وارتجت اطرافها ثم تماسكت وقالت: أكان هذا؟ فقالت ام مسطح نعم والله كان. فقالت عائشة هيا بنا نعود…

ودخلت عائشة الدار وانتحت ناحية واتكأت تبكي ما يرفأ لها دمع ولا تجف لها عبرة في لوعة وحرقة واتتها امها (أم رومان) تواسيها ولا تدرى انها قد بلغها خبر ما اسرته عنها وكتمته فقالت لها (عائشة) : يغفر الله لك يا اماه تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لى من ذلك شيئا !! فقالت (أم رومان) اي بنية خففي عليك الشأن وهوني فو الله لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها ولها ضرائر الا اكثرت عليها. وانقضى شهر ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حيرة من امرها وريب من قضيتها ودوامة من الاوهام انقض عليه مضجعه ومنامه وتؤرق سهاده وتبلبل يومه وشأنه يتطلع الى الوحي ويتشوق الى الرؤيا عله يجد فيها فرجا مما هو فيه من ضيق النفس وهم البال ومخرجا من حالة القلق. ولم ينزل الوحى ولم تتح الرؤيا فمال الى استشارة الاصحاب واستفتاء الخلص فسأل اول ما سأل (زينب بنت جحش) وكانت ضرتها وتزحمها في مكانتها عند رسول الله واختها (حمنة) من العصبة التي اندلع لسانها في بؤرة النيل من (عائشة) فماذا قالت (زينب)؟ قالت: احمي سمعي وبصري يا رسول الله والله ما علمت عليها الا خيرا. ثم سأل حبه وابن حبه (اسامة بن زيد) فقال: يا رسول الله سل جارية (عائشة) بريرة تصدقك الخبر ؟ واتي بـ (بريرة) فقال لها صلى الله عليه وسلم: هل رأيت شيئا يربيك ؟ فقالت : والذي بعثك بالحق ما رأيت منها امرا اغمصه عليها قط اكثر من انها جارية حديثة السن تنام عن العجين فتأتي الداجن فتأكله.

بعد ان فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاستشارة والاستطلاع ولم يترقي حديث من استشارهم واستطلعهم شيئا يعيب (عائشة) او يؤذيها خرج الى المسجد واعتلى المنبر مغضبا وقال: بعد ان حمد الله واثنى عليه ايها الناس ما بال رجال يؤذونني في اهلي ويقولون عليهم غير الحق والله ما علمت منهم الا خيرا وقد ذكروا رجلا ما علمت منه الا خيرا وما يدخل بيتا من بيوتى الا وهو معي ثم ذهب الى (عائشة) في منزل ابيها فوجدها تبكي ووجد عندها امرأة من الانصار تبكى معها وعندها ابواها فسلم عليها ثم قال: يا عائشة انه قد كان ما بلغك من قول الناس فاتقي الله فان كنت قد قارفت سوءا مما يقول الناس فتوبي الى الله يقبل التوبة من عباده ولم تجب (عائشة) بل التفت الى ابيها وقالت: اجب عني رسول الله ..! فقال: والله ما ادري ما اقول فالتفتت الى امها وقالت: اجبيى عني رسول الله ..! فقالت ايضا: والله ما ادري ما اقول. وحين لم تر من ابويها قول يدفع عنها التهمة ويمزق خيوط الشك والريبة التي نسجت حولها نطقت فقالت: والله ما اعلم اهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل (ابي بكر) في هذه الايام. ثم اجهشت في البكاء وخنقت صوتها الدموع والعبرات. واردفت من ثم تقول: والله لا اتوب الى الله بما ذكرت ابدا والله اني لاعلم لئن اقررت بما يقول الناس: والله يعلم اني لبريئة لاقولن ما لم يكن ولئن انكرت ما يقول الناس لا تصدقوني وعادت الى بكائها وحاولت ان تتذكر اسم (يعقوب) عليه السلام فلم تسعفها الذاكرة والوضع المأساوي الذي هي فيه فقالت: ولكني اقول لكم كما قال (ابو يوسف): (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) واطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وسكت ابو بكر واجما وتنهدت ام رومان وبينما هم على تلك الحال تغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه حين نزول الوحي فسجي في ثوبه ووضعت وسادة تحت رأسه وعلمت (عائشة) ان الوحي سيفصل في امرها ويجلو غامض الشك عن قضيتها التي شغلت الناس مدة وآذت رسول الله صلى الله عليه وسلم اذى بليغا: فترقبت رابطة الجأش مطمئنة النفس واثقة اذ كانت تعرف ذاتها وحالها: دون الناس اجمعين. اما ابواها فانهما ما كادا يحسان بتنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اضطربت قلبيهما ومادت الاض تحت اقدامهما مخافة ان يصدق الوحى حديث الناس بالسوء وتكون الكارثة والطامة الكبري. ثم سري عنه صلى الله عليه وسلم وقطرات العرق تنحدر من جبينه مثل الجمانة فتزيده مهابة واشراقا. سري عنه وهو يبتسم وينظر الى (عائشة) ويقول: ابشري يا (عائشة) لقد انزل الله تعالى براءتك في قرآن يتلى بين الناس ثم اخذ يقرأ : (ان الذين جاءوا بالافك عصبة لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم ..) ولما اتم صلى الله عليه وسلم القراءة انشرح صدر (ابي بكر) وتنفست (أم رومان) الصعداء وطلب الى عائشة ان تقوم فتقبل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبت وقالت: لا احمد الا الله تعالى وحده. واقسم (ابو بكر) ان لا يصل بعد اليوم (مسطح بن اثاثة) فلا يعطيه كما كان يعطيه من قبل ولا يكلمه لانه بادل الاحسان بالاساءة. فأنزل الله تعالى آيات بينات هي تتمة حديث الافك في سورة (النور) يخص على الصلة والبر والاحسان وختمها بقوله (الا تحبون ان يغفر الله لكم ..) فقال (ابو بكر) بلى احب ان يغفر الله لي وعاد الى سابق عهده من الخير والصلة. وتمت كلمة ربك صدقا وحقا وعدلا .

**بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم قنا شر الإفك والكذب ومن يتولى كبره

حديث الإفك

في وصف حالة أمنا عائشة بعد سماعها الخبر * *.

امتدت يد عائشة رضي الله عنها إلى عنقها تتلمس عقدا يزينه بحركة لا شعورية فلم تجده واعتقدت انه انسل من عنقها حيث كانت تقضى بعض شأنها بعيدا عن معسكر المسلمين وقد عادوا من غزوة بني المصطلق فقالت في نفسها: اذهب وأعود به فإنه ما يزال في الوقت متسع على الرحيل وما يزال الناس يستعدون ويرفعون الخيام ويحزمون المتاع ويرحلون الجمال. وقصدت رضى الله عنها المكان ولملمت حبات العقد وعادت وفوجئت بأن القوم قد رحلوا وان الظلام قد هبط وعم الأرض فشعرت بالخوف الشديد والرهبة والوحشة.

فجلست في مكانها وجمعت عليها ثوبها وانتظرت ما يقضى الله تعالى في الأمر وهي تعزى نفسها بأن القوم لا بد أن يكتشفوا غيابها من هودجها فيعودوا إليها. كان الظلام دامسا ونسيم الصحراء القارس ليلا يسفح الوجوه ويكاد يجمد الأطراف وعواء بعض الوحوش الشاردة يرهب القلوب فقضت (عائشة) رضى الله عنها بعض الوقت مستسلمة لقضاء الله تنتظر الفرج. وساقه الله تعالى إليها على يد صحابي كريم هو (صفوان بن المعطل السلمي) إذ كان من مهام (صفوان) التي عهد بها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينظر دائما في الأماكن التي ينزل بها جيش المسلمين للراحة بعد الرحيل فلعلهم تركوا شيئا وراءهم أو نسوا شيئا أو لعل عدوهم يتتبع أثرهم . احتياطا وحرصا وبينما هو في مهمته لمح شخصا ملتفا في ثيابه منطويا على نفسه غارقا في نومه فنزل عن ناقته واتجه صوبه يمشي على مهل وئيدا خشية أن يفزعه او يخيفه وتبين الشخص فاذا هو ام المؤمنين (عائشة) وكانت المفاجأة المذهلة التي لم يستطع معها كتمان صرخة فقال بصوت عال انا لله وانا اليه راجعون ظعينة رسول الله ! فاستفاقت (عائشة) مذعورة على ترجيعه وصوته وخمرت وجهها بجلبابها

ثم قدم اليها راحلته فركبتها واخذ هو بزمامها ومضى يطلب جيش المسلمين وما التفت اليها قط ولا حدثته نفسه بحديثها ليسليها على الاقل او يخفف عنها بعض ما هي فيه من هم وغم حتى ادرك القوم وقد انتصف النهار وحلت الظهيرة وسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خطبك وفيم تخلفك ؟! فقالت: سمعتك ليلة الامس تؤذن القوم بالرحيل فذهبت لقضاء بعض شأني ولما عدت الى رحلي تفقدت عقدي فاذا هو قد انسل من عنقي فذهبت في طلبه ولما عدت وجدت القوم قد ارتحلوا ما فيهم داع ولا مجيب.

فتلفعت في ثيابي ولزمت مكان رحلي لعلكم اذ تفقدوني فلا تجدونني تعودون في طلبي ثم ضرب الله على اذني فنمت وما استيقظت ألا على صوت صفوان وصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثها ولم يخالطه ادنى شك فيما تقول وكيف لا؟ وهي بنت آبى بكر في شرف منبتها وطهارة محتدها وعرقها.

لكن عصبة السوء وجماعة الإفك والكذب والافتراء ما كادوا يرونها على الراحلة التي يمسك صفوان بزمامها مقبلين من الصحراء حتى اطلقوا العنان لألسنتهم تنفث سمها وتبدي حقدها يتخرصون الكذب ويقعون في شرف عائشة ويتهمونها وكان عبد الله بن ابي سلول رأس النفاق زعيم تلك العصابة اذ قال حين رآها مع صفوان: والله ما نجت منه ولا نجا منها.

وانتشرت مقالة السوء بين النفوس الضعيفة وعلى ألسنتها انتشار النار في الهشيم مسطح بن اثاثة وحسان بن ثابت وزيد بن رفاعة وحمة بنت جحش اولئك هم النفر الذين تابعوا ابن ابي في مقالته واشاعوها بين الناس يفيضون عليها ويزيدون ويزينون. حتى بلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومس اذني أبا بكر وتحدث به الكبير والصغير والداني والبعيد.

وظل القوم في هرج ومرج واتهام ودفاع وشك ويقين حتى بلغو المدينة كل هذا وعائشة رضي الله عنها لا تعرف شيئا مما في نفس القوم ولم تبلغها كلمة مما خاض في فيه الناس ولم تمض ايام حتى داهمتها الحمى واشتد عليها المرض فلزمت الفراش وتلمست الشفاء وترقبت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قلبا عطوفا ووجها باسما ويدا حانية ومداعبة لطيفة كما عودها الا انها لم تظفر بشيء من ذلك مما زاد في اساها وحزنها وعلتها!! لم تكن لترى منه صلى الله عليه وسلم سوى نظرة قصيرة خاطفة وسؤال فيه جفاء: كيف تيكم؟ دون ان يذكر اسمها.

اشتد الكرب على عائشة اشتدادا عنيفا مدمرا وكانت تسائل نفسها ما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرق لحالها..!؟ لا يرثي لمرضها لا يحفل بشأنها؟ ولم تسأله في ذلك بل استأذنت ان تذهب الى بيت ابيها فتمرضها امها ام رومان وتقوم على خدمتها فاذن لها على الفور وذلك ايضا مما زاد في تعجبها وتساؤلها وتفاقم همومها. **

**حديث الإفك

بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى:(ان الذين جاء وبالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم* لولا اذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين * لولا جاءو عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون * ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما افضتم فيه عذاب أليم * اذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم * ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن كنتم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم * يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين * ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم * أن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والاخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون * ولولا فضل الله عليكم ورحمته وان الله رءوف رحيم * يا أيها الذين امنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته مازكى منكم من احد ابدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم ) - سورة النور -
صدق الله العظيم
منقول:
*

حديث الافك في أوثق مصادر السيرة والتاريخ
أخرج حديث الافك الأول عن أم المؤمنين كل من : ابن هشام ( 1 ) ، والطبري ( 2 ) ، وابن كثير ( 3 ) ، وابن الأثير ( 4 ) ، عن محمد بن إسحاق وهذا سياقهم ( 5 ) : ( فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه كما كان يصنع فخرج سهمي عليهن معه فخرج بي رسول الله . . . ) الحديث .
وروى الواقدي في القصة في مغازيه في باب ( ذكر عائشة وأصحاب الافك ) ( 1 ) ما موجزة : عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال : قلت لعائشة ( رض ) : حدثينا يا أمه حديثك في غزوة المريسيع .
قالت : يابن أخي ، إن رسول الله ( ص ) كان إذا خرج في سفر أقرع بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها ، وكان يحب ألا أفارقه في سفر ولا حضر . فلما أراد غزوة المريسيع أقرع بيننا فخرج سهمي وسهم أم سلمة ، فخرجنا معه ، فغنمه الله أموالهم وأنفسهم ، ثم انصرفنا راجعين .
فنزل رسول الله ( ص ) بتربان منزلا ليس معه ماء ولم ينزل على ماء . وقد سقط عقد لي من عنقي ، فأخبرت رسول الله ( ص ) فأقام بالناس حتى أصبحوا ، وضج الناس وتكلموا وقالوا : احتبستنا عائشة . وأتى الناس أبا بكر فقالوا : ألا ترى إلى ما صنعت عائشة ؟ حبست رسول الله ( ص ) ، والناس على غير ماء وليس معهم ماء . فضاق بذلك أبو بكر فجاءني مغيظا فقال : ألا ترين ما صنعت بالناس ؟ حبست رسول الله والناس على غير ماء وليس معهم ماء .
قالت عائشة : فعاتبني عتابا شديدا وجعل يطعن بيده في خاصرتي ، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ( ص ) ، رأسه على فخذي وهو نائم .
فقال أسيد بن حضير : والله ، إني لأرجو أن تترل لنا رخصة ، ونزلت آية التيمم .
عليهن معه فخرج بي رسول الله . . . ) الحديث .
وروى الواقدي في القصة في مغازيه في باب ( ذكر عائشة وأصحاب الافك ) ( 1 ) ما موجزة : عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال : قلت لعائشة ( رض ) : حدثينا يا أمه حديثك في غزوة المريسيع .
قالت : يابن أخي ، إن رسول الله ( ص ) كان إذا خرج في سفر أقرع بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها ، وكان يحب ألا أفارقه في سفر ولا حضر . فلما أراد غزوة المريسيع أقرع بيننا فخرج سهمي وسهم أم سلمة ، فخرجنا معه ، فغنمه الله أموالهم وأنفسهم ، ثم انصرفنا راجعين .
فنزل رسول الله ( ص ) بتربان منزلا ليس معه ماء ولم ينزل على ماء . وقد سقط عقد لي من عنقي ، فأخبرت رسول الله ( ص ) فأقام بالناس حتى أصبحوا ، وضج الناس وتكلموا وقالوا : احتبستنا عائشة . وأتى الناس أبا بكر فقالوا : ألا ترى إلى ما صنعت عائشة ؟ حبست رسول الله ( ص ) ، والناس على غير ماء وليس معهم ماء . فضاق بذلك أبو بكر فجاءني مغيظا فقال : ألا ترين ما صنعت بالناس ؟ حبست رسول الله والناس على غير ماء وليس معهم ماء .
قالت عائشة : فعاتبني عتابا شديدا وجعل يطعن بيده في خاصرتي ، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ( ص ) ، رأسه على فخذي وهو نائم .
فقال أسيد بن حضير : والله ، إني لأرجو أن تترل لنا رخصة ، ونزلت آية التيمم .
فقال رسول الله ( ص ) : كان من قبلكم لا يصلون إلا في بيعهم وكنائسهم ، وجعلت لي الأرض طهورا حيثما أدركتني الصلاة . فقال أسيد بن حضير : ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر .
قالت : وكان أسيد رجلا صالحا في بيت من الأوس عظيم . ثم إنا سرنا مع العسكر حتى إذا نزلنا موضعا دمثا طيبا ذا أراك ، قال : يا عائشة ، هل لك في السباق ؟ قلت : نعم . فتحزمت بثيابي وفعل ذلك رسول الله ( ص ) ، ثم استبقنا فسبقني ، فقال : هذه بتلك السبقة التي كنت سبقتيني . وكان جاء إلى منزل أبي ومعي شئ فقال : هلميه ! فأبيت فسعيت وسعى على أثري فسبقته . وكانت هذه الغزوة بعد أن ضرب الحجاب .
قالت : وكان النساء إذ ذاك إلى الخفة ، هن إنما يأكلن العلق ( 1 ) من الطعام ، لم يهيجن ( 2 ) باللحم فيثقلن . وكان اللذان يرحلان بعيري رجلين ، أحدهما مولى رسول الله ( ص ) يقال له أبو موهبة ، وكان رجلا صالحا ، وكان الذي يقود بي البعير . وإنما كنت أقعد في الهودج فيأتي فيحمل الهودج فيضعه على البعير ، ثم يشده بالحبال ويبعث بالبعير . ويأخذ بزمام البعير فيقود بي البعير . وكانت أم سلمة يقاد بها هكذا ، فكنا نكون حاشية من الناس ، يذب عنا من يدنو منا ، فربما سار رسول الله ( ص ) إلى جنبي وربما سار إلى جنب أم سلمة .
قالت : فلما دنونا من المدينة نزلنا منزلا فبات به رسول الله ( ص ) بعض الليل ، ثم ادلج وأذن للناس بالرحيل فارتحل العسكر . وذهبت لحاجتي فمشيت حتى جاوزت العسكر وفي عنقي عقد لي من جزع ظفار ( 1 ) ، وكانت أمي أدخلتني فيه على رسول الله ( ص ) . فلما قضيت حاجتي انسل من عنقي فلا أدري به ، فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده ، وإذا العسكر قد نغضوا ( 2 ) إلا عيرات ( 3 ) ، وكنت أظن أني لو أقمت شهرا لم يبعث بعيري حتى أكون في هودجي ، فرجعت في التماسه فوجدته في المكان الذي ظننت أنه فيه ، فحبسني ابتغاؤه وأتى الرجلان خلافي ، فرحلوا البعير وحملوا الهودج وهم يظنون أني فيه ، فوضعوه على البعير ولا يشكون أني فيه - وكنت قبل لا أتكلم إذ أكون عليه فلم ينكروا شيئا - وبعثوا البعير فقادوا بالزمام وانطلقوا ، فرجعت إلى العسكر وليس فيه داع ولا مجيب ، ولا أسمع صوتا ولا زجرا .
قالت : فالتفعت بثوبي واضطجعت وعلمت أني إن افتقدت رجع إلي . قالت : فو الله ، إني لمضطجعة في منزلي ، قد غلبتني عيني فنمت . وكان صفوان بن معطل السلمي ثم الذكواني على ساقة الناس من ورائهم ، فادلج فأصبح عند منزلي في عماية الصبح ، فيرى سواد إنسان فأتاني ، وكان يراني قبل أن ينزل الحجاب وأنا متلفعة ، فأثبتني فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني .
فخمرت وجهي بملحفتي ، فو الله إن كلمني كلمة غير أني سمعت استرجاعه حين أناخ بعيره . ثم وطأ على يده موليا عني ، فركبت على رحله ، وانطلق يقود بي حتى جئنا العسكر شد الضحى ، فارتعج العسكر وقال أصحاب الافك الذي قالوا - وتولى كبره عبد الله بن أبي - ولا أشعر من ذلك بشئ والناس يخوضون في قول أصحاب الافك . ثم قدمنا فلم أنشب أن اشتكيت شكوى شديدة ، ولا يبلغني من ذلك شئ ، وقد انتهى ذلك إلى أبوي ، وأبواي لا يذكران لي من ذلك شيئا ، إلا أني قد أنكرت من رسول الله ( ص ) لطفه بي ورحمته ، فلا أعرف منه اللطف الذي كنت أعرف حين اشتكيت ، إنما يدخل فيسلم فيقول : كيف تيكم ؟ فكنت إذا اشتكيت لطف بي ورحمني وجلس عندي . وكنا قوما عربا لا نعرف الوضوء في البيوت ، نعافها ونقذرها ، وكنا نخرج إلى المناصع ( 1 ) بين المغرب والعشاء لحاجتنا .