تطبيق الاسلام — موضوع مستورد

**تطبيق الاسلام

يجب تطبيق الإسلام كاملا دفعة واحدة ويحرم التدرج في تطبيق إحكامه:

نزل القران الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم منجما حسب الوقائع والأحداث وكان كلما نزلت آية يبادر بتبليغها، فان اشتملت على أمر بادر هو والمسلمون بتنفيذه، وان اشتملت على نهي بادر هو والمسلمون باجتنابه والابتعاد عنه فكان تنفيذ الأحكام يتم بمجرد نزولها، دون أدنى مهلة، ودون إي تأخير. فالحكم الذي ينزل يصبح واجب التطبيق والتنفيذ بمجرد نزوله أيا كان هذا الحكم، إلى أن أتم الله هذا الدين، ‎وانزل قوله تعالى"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا"فأصبح المسلمون بعد نزول هذه الآية الكريمة مطالبين مطالبة كلية بتنفيذ وتطبيق جميع إحكام الإسلام كاملة، سواء كانت تتعلق بالعقائد، أو العبادات، ‎أو الأخلاق، آو المعاملات، وسواء أكانت هذه المعاملات بين المسلمين بعضهم مع بعض أم بينهم وبين الحاكم الذي يحكمهم، ‎أم بينهم وبين الشعوب والأمم والدول الأخرى وسواء كانت هذه الأحكام تتعلق بناحية الحكم، أو الاقتصاد، أو الاجتماع، أو السياسة الخارجية في حالة السلم أو في حالة الحرب. قال تعالى"وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب"أي خذوا واعملوا بجميع ما آتاكم الرسول، وانتهوا وابتعدوا عن كل ما نهاكم عنــــه، لان"ما"في الآية من صيغ العموم، فتشمل وجوب العمل بجميع الواجبات، ووجوب الانتهاء والابتعاد عن جميع المنهيات. والطلب بالأخذ والانتهاء الوارد في الآية هو طلب جازم، وهو للوجوب، بقرينة ما ورد في نهاية الآية من الأمر بالتقوى، والوعيد بالعذاب الشديد لمن لم يأخذ جميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولم ينته عن جميع ما نهى عنه.وقال تعالى"وان احكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما انزل الله إليك".

فهذا أمر جازم من الله لرسوله، وللحكام المسلمين من بعده بوجوب الحكم بجميع ما انزل الله من الأحكام، امرا كانت ام نهيا، لان لفظ"ما"الوارد في الآية هو من صيغ العموم، فتشمل جميع الأحكام المنزلة .

وقد نهى الله رسوله، والحكام المسلمين من بعده عن اتباع اهواء الناس، والانصياع لرغباتهم، حيث قال"ولا تتبع اهواءهم".

كما حذر الله رسوله والحكام المسلمين من بعده ان يفتنه الناس، وان يصرفوه عن تطبيق بعض ما انزل الله اليه من الاحكام، بل يجب عليه ان يطبق جميع الاحكام التي انزلها الله عليه، اوامر كانت او نواه . دون ان يلتفت الى ما يريده الناس . حيث قال :“واحذرهم ان يفتنوك عن بعض ما انزل الله اليك”، وقال تعالى"ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون"وفي اية ثانية قال تعالى"فاولئك هم الظالمون"وفي اية ثالثة قال تعالى"فأولئك هم الفاسقون"فجعل الله في هذه الايات الثلاث من لم يحكم بجميع ما انزل الله من احكام، اوامر كانت او نواه، كافرا، ظالما، ‎وفاسقا . لان"ما"الواردة في الايات الثلاث من صيغ العموم، فتشمل جميع الاحكام الشرعية التي انزلها الله، اوامر كانت او نواه .

وكل ما تقدم يوضح بشكل قطعي، لا لبس فيه، انه يجب على المسلمين جميعا، افرادا، وجماعات، ودولة ان يطبقوا احكام الاسلام كاملة، كما طلب الله سبحانه وتعالى تطبيقها، دون تأخير، او تسويف، او تدريج، ‎وانه لا عذر لفرد، ‎او جماعة، او دولة في عدم التطبيق .

والتطبيق يجب ان يكون كاملا وشاملا، ‎ودفعة واحدة، وليس بالتدريج . والتطبيق بالتدريج يتناقض مع احكام الاسلام كل المناقضة، ‎ويجعل المطبق لبعض الاحكام، والتارك لبعضها اثما عند الله، فردا كان، او جماعة، او دولة .

فالواجب واجب، ويبقى واجبا، ويجب ان يقام به، والحرام حرام، ويبقى حراما، ويجب الابتعاد عنه . والرسول صلى الله عليه وسلم لم يقبل من وفد ثقيف عندما وفد عليه ان يدع لهم صنمهم اللات ثلاث سنين، وان يعفيهم من الصلاة على ان يدخلوا الاسلام . فلم يقبل منهم ذلك، وابى عليهم كل الاباء، واصر على هدم الصنم دون تأخير، وعلى الالتزام بالصلاة دون تأخير .

وقد جعل الله الحاكم الذي لا يطبق جميع احكام الاسلام، او يطبق بعضها، ويترك بعضها الاخر كافرا ان كان لا يعتقد بصلاحية الاسلام، او لا يعتقد بصلاحية بعض الاحكام التي ترك تطبيقها، وجعله ظالما وفاسقا ان كان لا يطبق جميع احكام الاسلام، او لا يطبق بعضها، لكنه يعتقد بصلاحية الاسلام للتطبيق .

والرسول صلى الله عليه وسلم اوجب قتال الحاكم، ‎واشهار السيف في وجهه اذا اظهر الكفر البواح، الذي عندنا فيه من الله برهان . اي اذا حكم بأحكام الكفر، التي لا شبهة انها احكام كفر .

كثيرة كانت هذه الاحكام ام قليلة .‎كما ورد في حديث عبادة بن الصامت، حيث جاء فيه"… وان لا ننازع الامر اهله، الا ان تروا كفرا بواحا، عندكم من الله فيه برهان"‎.

فلا تساهل في تطبيق احكام الشرع، ولا تدريج في تطبيق احكام الاسلام.‎اذ لا فرق بين واجب وواجب، ولا بين حرام وحرام، ولا بين حكم وحكم اخر، فأحكام الله جميعا سواء، يجب ان تطبق وان تنفذ دون تأخير او تسويف، او تدريج، والا انطبق علينا قول الله تعالى :“افتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون الى اشد العذاب”.

لذلك لا عذر لاية دولة قائمة في العالم الاسلامي في عدم تطبيق الاسلام بحجة عدم القدرة على تطبيقه، ‎او بعدم ملاءمة الظروف لتطبيقه، او لان الرأي العام العالمي لا يقبل بتطبيقه، او ان الدول الكبرى في العالم لا تترك لنا مجالا لتطبيقه، او غير ذلك من الذرائع والحجج الواهية التي لا قيمة لها . ومن يحتج بها فلن يقبل الله منه صرفا ولا عدلا .***

**(5)

ولذلكَ لايوجدُ نَصٌّ واحِدٌ تَشْرِيعِيٌّ غيرَ الفقهِ الإسْلاميِّ في العالمِ الإسلاميِّ كُلِّهِ، بلْ الموجودُ هوَ الفقهُ الإسلاميُّ فَحَسْب، ووجودُ نصٍّ فقهِيٍّ وحدَهُ في أمَّةٍ دونَ أنْ يوجدَ معَهُ نَصٌّ آخَرْ يَدُلُّ على أنَّ الأُمَّةَ لمْ تكنْ تستعْمِلُ في تشريعِهَا غيرَ هذا النَصِّ.

والتَارِيخُ إِذَا جَازَ أَنْ يُلْتَفَتَ إِلَيْهِ فَإِنَّمَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ لإِسْتِعْرَاضِ كَيْفِيَّةِ التَطْبِيقِ. ويُمْكِنُ أَنْ يَذْكُرَ التَارِيخُ الحَوَادِثَ السِيَاسِيَّةَ، فَتَرَى فِيهِا كَيْفِيَّةَ التَطْبِيقِ. إِلاَّ أَنَّ هَذَا أَيْضَاً لا يَجُوزُ أَنْ نَأْخُذَهُ إِلاَّ بِالتَحْقِيقِ الدَقِيقِ مِنَ المُسْلِمِينَ، ولِلْتَارِيخِ ثَلاثَةُ مَصَادِرٍ: أَحَدُهَا الكُتُبُ التَارِيخِيَّةُ، والثاني الآثَارُ، والثالِثُ الرِوَايَةُ. أَمَّا الكُتُب فلا يَجُوزُ أَنْ تُتَّخَذَ مَصْدَراً مُطْلَقَاً وذَلِكَ لأَنَّهَا خَضَعَتْ في جَمِيعِ العُصُورِ لِلْظُرُوفِ السِيَاسِيَّةِ، وكَانَتْ تُحْشَى بالكَذِبِ، إِمَّا بِجَانِبِ الَّذِي كُتِبَتْ في أَيَّامِهِ، وإِمَّا ضِدَّ الَّذِينَ كُتِبَتْ عَنْهُمْ في أَيَّامِ غَيْرِهِمْ، وأَقْرَبُ دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ تَارِيخُ الأُسْرَةِ العَلَوِيَّةِ في مِصْرَ، فإِنَّهَا قَبْلَ 1952 كَانَتْ لَهَا صُورَةٌ مُشْرِقَةٌ وبَعْدَ 1952 تَغَيَّرَ هَذَا التَارِيخُ إِلى صُورَةٍ قَاتِمَةٍ عَكْسَ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ. ومِثْلُ ذَلِكَ تَارِيخُ الحَوَادِثِ السِيَاسِيَّةِ في عَصْرِنَا هَذَا، وفيمَا قَبْلَهُ. ولذَلِكَ لا يَجُوزُ أَنْ تُتَّخَذَ الكُتُبُ التَارِيخيَّةُ مَصْدَراً لِلتَارِيخِ، حَتَّى ولوْ كَانَتْ مُذَكِّرَاتٌ شَخْصِيَّةٌ كَتَبَهَا أَصْحَابُهَا.

أَمَّا مِنْ حَيْثِ الآثَارِ فإِنَّها إِذَا دُرِسَتْ بِنَزَاهَةٍ تُعْطِي حَقِيقَةً تَارِيخيَّةً عَنِ الشَيْءِ، وهَذِهِ وإِنْ كَانَتْ لا تُشَكِّلُ تَسَلْسُلاً تَارِيخيَّاً، ولَكِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ بَعْضِ الحَوَادِثِ. ومَنْ تَتَبَّعَ آثَارَ المُسْلِمِينِ في بِلادِهِمْ سَوَاءً أَكانَ في بِنَائِهِمْ، أَو أَدَوَاتِهِمْ، أَو أَيَّ شَيْءٍ يُعْتَبَرُ أَثَراً تَارِيخيَّاً، يَدُلُّ دَلالَةً قَطْعِيَّةً عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودَاً في العالمِ الإِسْلامِيِّ كُلِّهِ إِلاَّ الإِسْلامُ، وإِلاَّ نِظَامُ الإِسْلامِ، وإِلاَّ أَحْكَامُ الإِسْلامِ، وكَانَ عَيْشُ المُسْلِمِينِ وحَيَاتُهُمْ وتَصَرُّفَاتُهُمْ كُلُّهَا إِسْلامِيَّةٌ لَيْسَ غَيْرُ.

أَمَّا المَصْدَرُ الثالِثُ وهُوَ الرِوَايَةُ فهُوَ مِنَ المَصَادِرِ الصَحِيحَةِ الَّتِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا إِذَا صَحَّتْ الرِوَايَةُ، ويُتَّبَعُ فِيهِ الطَرِيقُ الَّذِي سُلِكَ في رِوَايَةِ الحَدِيثِ. وعَلَى هَذَا الأُسْلُوبِ يُكْتَبُ التَارِيخُ. ولذَلِكَ تَجِدُ المُسْلِمِينَ حِينَ بَدَأُوا يُؤَلِّفُونَ سَارُوا عَلَى طَرِيقَةِ الرِوَايَةِ. ولذَلِكَ نَجِدُ كُتُبَ التَارِيخِ القَدِيمَةِ كتَارِيخِ الطَبَرِيِّ، وسِيرَةِ بنِ هِشَامٍ، ونَحْوِهِمَا، أُلِّفَتْ عَلَى هَذَا الأُسْلُوبِ. وعَلَى هَذَا فالمُسْلِمُونَ لا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُعَلِّمُوا أَبْنَاءَهُمْ تَارِيخَهُمْ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي أُلِّفَتْ ومَصَادِرُهَا كُتُبٌ مِثْلُهَا، كَمَا لا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ إِسْتِعْرَاضُ تَطْبِيقِ نِظَامِ الإِسْلامِ مِنْ هَذَا التَارِيخِ. ومِنْ ذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الإِسْلامَ طُبِّقَ وَحْدَهُ عَلَى الأُمَّةِ الإِسْلامِيَّةِ، ولمْ يُطَبَّقْ غَيْرَهُ في جَمِيعِ العُصُورِ.

غَيْرَ أَنَّهُ مُنْذُ إِنْتَهَتْ الحَرْبُ العالمِيَّةُ الأُولى بإِنْتِصَارِ الحُلَفَاءِ وأَعْلَنَ اللوردُ اللنبي قَائِدُ الحَمْلَةِ حِينَ إِحْتَلَّ بَيْتِ المَقْدِسِ قَائِلاً: الآنَ إِنْتَهَتْ الحُرُوبُ الصَلِيبِيَّةُ، مُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ والكافِرُ المُسْتَعْمِرُ يُطَبِّقُ عَلَيْنَا نِظَامَهُ الرَأْسْمَاليِّ في جَمِيعِ شُؤُونِ الحَياةِ، حَتَّى يَجْعَلَ الإِنْتِصارَ الَّذِي أَحْرَزَهُ أَبَدِيَّاً. ولذَلِكَ لا بُدَّ مِنْ تَغْيِيرِ هَذَا النِظَامِ الفَاسِدِ البَالي، الَّذِي بِسَبِبِهِ يَتَمَكَّنُ الإِسْتِعْمَارُ مِنْ بِلادِنَا، ولا بُدَّ مِنْ قَلْعِهِ مِنْ جُذُورِهِ بِأَكْمَلِهِ جُمْلَةً وتَفْصِيلاً حَتَّى نَسْتَطِيعَ أَنْ نَسْتَأْنِفَ حَيَاةً إِسْلامِيَّةً.

وإِنَّهُ لَمِنْ سَطْحِيَّةِ التَفْكِيرِ أَنْ نَضَعَ بَدَلَ نِظَامِنَا أَيَّ نِظَامٍ، ومِنْ ضَحَالَةِ الفِكْرِ أَنْ نَظُنَّ أَنَّ الأُمَّةَ إِذَا طَبَّقَتْ النِظَامَ وَحْدَهُ دُونَ عَقِيدَةٍ يُنْقِذُهَا، بَلْ لا بُدَّ أَنْ تَعْتَنِقَ الأُمَّةُ العَقِيدَةَ أَوَّلاً، ثُمَّ تُطَبِّقَ النِظَامَ المُنْبَثِقَ عَنْ هَذِهِ العَقِيدَةِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ تَطْبِيقُ النِظَامُ وإِعْتِنَاقَ العَقِيدَةِ مُنْقِذَاً. هَذَا بِالنِسْبَةِ للأُمَّةِ الَّتِي تتَكَوَّنُ عَلَى مَبْدَأٍ، وتَقُومُ دَوْلَتُهَا عَلَى هَذَا الأَسَاسِ، أَمَّا بالنِسْبَةِ لغَيْرِهَا مِنَ الشُعوبِ والأُمَمِ فلا ضَرُورَةَ لأَنْ تَعْتَنِقَ تِلْكَ الشُعوبُ والأُمَمُ المَبْدَأَ حَتَّى يُطَبَّقَ عَلَيْها، بَلْ الأُمَّةُ الَّتِي تَعْتَنِقُ المَبْدَأَ وتَحْمِلُهُ، تُطَبِّقه عَلَى أَيِّ شَعْبٍ أَوْ أُمَّةٍ، ولَوْ لَمْ تَعْتَنِقْ المَبْدَأَ، لأَنَّهُ يُنْهِضُهَا أَيْضَاً، ويَجْذِبُهَا لإِعْتِنَاقِهِ، ولَيْسَ إِعْتِنَاقُ المَبْدَأِ شَرْطاً فِيمَنْ يُطَبَّقُ عَلَيْهِمْ، بَلْ إِعْتِنَاقُ المَبْدَأِ شَرْطٌ أَسَاسِيٌّ فِيمَنْ يُطَبَّقُهُ.

ومِنَ الخَطَرِ أَنْ نَأْخُذَ القَوْمِيَّةَ والنِظَامَ الإِشْتِرَاكِيِّ، لأَنَّهُ لا يُؤْخَذُ مُنْفَصِلاً عَنْ فِكْرَتِهِ المَادِّيَّةِ، لأَنَّهُ لا يُنْتِجُ ولا يُؤَثِّرُ، ولا يُؤْخَذُ مُتَّصِلاً بِفِكْرَتِهِ المَادِّيَّةِ، لأَنَّهَا فِكْرَةٌ سَلْبِيَّةٌ تَتَناقضُ مَعَ فِطْرَة الإِنْسَانِ، وتَقْتَضِي أَنْ تَتْرُكَ الأُمَّةُ الإِسْلامِيَّةُ عَقِيدَةَ الإِسْلامِ. ولا يَجُوزُ أَنْ نَأْخُذَ الإِشْتِرَاكِيَّةَ ونَحْتَفِظَ بالنَاحِيَةِ الرُوحِيَّةِ مِنَ الإِسْلامِ، لأَنَّنَا لا نَكُون أَخَذْنَا لا الإِسْلامَ ولا الإِشْتِرَاكِيَّةَ، لِتَنَاقُضِهِمَا، ونَقْصِ المَأْخُوذِ مِنْهَا، ولا يَجُوزُ أَنْ نَأْخُذَ نِظَامَ الإِسْلامِ ونَتْرُكَ عَقِيدَتَهُ المُنْبَثِقَةَ عَنْهَا أَنْظِمَتُهُ، لأَنَّنَا نَكُونُ أَخَذْنَا النِظَام جامِداً لا رُوحَ فِيهِ، بَلْ لا بُدَّ أَنْ نَأْخُذَ الإِسْلامَ كامِلاً بعَقِيدَتِهِ وأَنْظِمَتِهِ، وأَنْ نَحْمِلَ قِيَادَتَهُ الفِكْرِيَّةَ حِينَ نَحْمِلُ دَعْوَتَهُ.

فسَبِيلُ نَهْضَتِنَا هُوَ سَبِيلٌ واحِدٌ، وهُوَ أَنْ نَسْتَأْنِفَ حَيَاةً إِسْلامِيَّةً. ولا سَبِيلَ إِلى إِسْتِئْنَافِ حَيَاةٍ إِسْلامِيَّةٍ إِلاَّ بالدَوْلَةِ الإِسْلامِيَّةِ، ولا سَبِيلَ إِلى ذَلِكَ إِلاَّ إِذَا أَخَذْنَا الإِسْلامَ كامِلاً: أَخَذْنَاهُ عَقِيدَةً تَحُلُّ العُقْدَةَ الكُبْرى، وتَتَرَكَّزُ عَلَيْهَا وِجْهَةُ النَظَرِ في الحَيَاةِ، وأَنْظِمَةٌ تَنْبَثِقُ عَنْ هَذِهِ العَقِيدَةِ، أَسَاسُهَا كتابُ اللهِ وسُنَّةُ رَسُولِهِ، وثَرْوَتُهَا الثَقَافِيَّةُ هِيَ الثَقَافَةُ الإِسْلامِيَّةُ بِمَا فِيهَا، مِنْ فِقْهٍ، وحَدِيثٍ، وتَفْسِيرٍ، ولُغَةٍ، وغَيْرِها، ولا سَبِيلَ إِلى ذَلِكَ إِلاَّ بِحَمْلِ القِيَادَةِ الفِكْرِيَّةِ الإِسْلامِيَّةِ حَمْلاً كامِلاً بالدَعْوَةِ إِلى الإِسْلامِ، وبإِيجَادِ الإِسْلامِ كامِلاً في كُلِّ مكَانٍ، حَتَّى إِذَا انتَقَلَ حَمْلُ القِيَادَةِ الفِكْرِيَّةِ إِلى الأُمَّةِ بِمَجْمُوعِهَا وإِلى الدَوْلَةِ الإِسْلامِيَّةِ، قُمْنَا بِحَمْلِ القِيَادَةِ الفِكْرِيَّةِ إِلى العَالَمِ.

منقول عن كتاب نظام الاسلام، للشيخ تقي الدين النبهاني**

**(4)

والدليلُ على ذلكَ أنَّهُ لا يمكنُ لأحدٍ أنْ يُطَبِّقَ نظاماً كما طبَّقَ محمَّدٌ رسولُ اللهِ، نظامَ الإسلامِ، ومعَ ذلكَ فقدْ وُجِدَ في أيَّامِهِ كُفَّارٌ ومنافقونَ وَوُجِدَ فُسَّاقٌ وفُجَّارٌ، ووُجِدَ مُرْتَدُّونَ وملحدونَ، ولكنْ لا يستطيعُ أحدٌ إلاَّ أنْ يقولَ جازِمَاً: إنَّ الإسلامَ كانَ مُطَبَّقَاً تطبيقاً كاملاً، وإنَّ المجتمعَ كانَ إسلاميَّاً. ولكنَّ هذا التطبيقِ كانَ على الإنسانِ الَّذي هوَكائنٌ إجتماعيٌّ، وليسَ كائناً صناعيَّاً.

ولقدْ ظلَّ الإسلامُ يطبَّقُ وحدَهُ على الأمَّةِ الإسلاميَّةِ بكاملِهَا-عربٍ وغيرَ عربٍ- منذُ أنْ إستقرَّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ في المدينةِ، إلى أنِ إحتَلَّ الإستعمارُ بلادَ المسلمينَ، فاستبدلَ بهِ النظامَ الرأسماليَّ.

وعلى ذلكَ فالإسلامُ طُبِّقَ عملِيَّاً منذُ السنةِ الأولى للهجرةِ حتَّى سنةِ 1336هجريَّةً الموافق سَنَةَ 1918ميلاديَّةً. ولمْ تُطَبِّقُ الأمَّةُ الإسلاميَّةُ طِوالَ هذهِ المُدَّةِ أيَّ نظامٍ سِوَى الإسلامِ.

حتَّى أنَّ المسلمينَ معَ كونهِمْ قدْ ترجَمُوا للعربيَّةِ الفَلْسَفَةِ والعلومِ والثقافاتِ الأجنبِيَّةِ المُخْتَلِفَةِ، لكنَّهُمْ لمْ يُتَرْجِمُوا أيَّ تشريعٍ أوْ قانونٍ أوْ نظامٍ لأيِّ أمَّةٍ مطلقاً، لا للعملِ بهِ ، ولا لدراستِهِ. إلاَّ أنَّ الإسلامَ بوصفِهِ نظاماً كانَ يُحْسِنُ الناسُ تطبيقَهُ أوْ يُسِيئُونَ هذا التطبيقَ، تَبْعَاً لقوَّةِ الدولةِ أوْ ضَعْفِهَا، وتَبْعَاً لِدِقَّةِ فَهْمِهَا أوْ مُزَايَلَتِهَا للفهمِ، وتبعاً لقوَّةِ حملِ القيادةِ الفكريَّةِ أوِ التَرَاخِي فيهِ، ولذلكَ كانتْ إساءةُ تطبيقِ الإسلامِ في بعضِ العصورِ تَجْعَلُ المجتمعَ الإسلاميَّ مُنْحَدِرَاً بعضَ الإنحدارِ، ولا يَخْلُو مِنْهُ أيُّ نظامٍ، لأنَّهُ يَعْتَمِدُ في تطبيقِهِ على البَشَرِ، ولكنَّ إساءةَ التطبيقِ لا تَعْنِي أنَّ الإسلامَ لمْ يُطَبَّقْ، بلْ المَقْطُوعُ فيهِ أنَّ الإسلامَ قدْ طُبِّقَ، ولمْ يُطَبَّقْ غيرُهُ منَ المبادئِ والنُظُمِ، إذْ أنَّ العبرةَ في التطبيقِ للقوانينِ والأنظمةِ الَّتي تَأْمُرُ الدولةُ بالعملِ بهَا، ولمْ تَأْخُذِ الدولةُ الإسلاميَّةُ أيَّ شيءٍ منْ ذلكَ منْ غيرِ الإسلامِ، وكلُّ الَّذي حصلَ هوَ إساءةُ تطبيقٍ لبعضِ نُظُمِهِ منْ قبلِ بعضِ الحُكَّامِ. على أنَّ الشيءَ الَّذي يَنْبَغِي أنْ يكونَ واضِحَاً أنَّهُ يجبُ عليْنَا حينَ نَستعرِضُ تطبيقَ الإسلامِ منَ التاريخِ أنْ نُلاحظَ شيئينِ إثْنَيْنِ:

أمَّا أوَّلُهُمَا فيجِبُ أنْ لا نَأْخُذَ هذا التاريخَ عنْ أعداءِ الإسلامِ المُبْغِضِينَ لَهُ، وأنْ نَأْخُذَهُ بالتحقيقِ الدقيقِ منَ المسلمينَ أنْفُسِهِمْ، حتَّى لا نَأْخُذَ الصورةَ المُشَوَّهَةَ. والشيءُ الثاني هوَ أنَّهُ لا يجُوزُ أنْ نستعملَ القِيَاسَ الشُمُولِيَّ على المجتمعِ في تاريخِ الأفرادِ، ولا في تاريخِ ناحِيَةٍ منَ المجتمعِ، فمِنَ الخطأ أنْ نأخذَ العصرَ الأُمَوِيَّ منْ تاريخِ يَزِيدَ مَثَلاً، وأنْ نأخذَ تاريخَ العصرَ العبَّاسِيَّ منْ بعضِ حوادثِ خلفائِهِ، كذلكَ لا يجوزُ أنْ نحكمَ على المجتمعِ في العصرِ العبَّاسيِّ منْ قراءةِ كِتابِ الأغاني الَّذي أُلِّفَ لأخبارِ المُجَّانِ والشُعَرَاءِ والأُدَبَاءِ، أوْ منْ قراءةِ كُتُبِ التَصَوُّفِ وما شاكَلَهَا، فنَحْكُمَ على العَصْرِ بأنَّهُ عصرُ فِسْقٍ وفُجُورٍ، أوْ عصرُ زُهْدٍ وإنْعِزَالٍ، بلْ يجبُ أنْ نأخذَ المجتمعَ بأكمَلِهِ. على أنَّهُ لمْ يُكْتَبْ تاريخُ المجتمعِ الإسلامِيِّ في أيِّ عصرٍ، وإنَّما الَّذي كُتِبَ هوَ أخبارُ الحُكَّامِ وبعضُ المُتَنَفِّذِينَ والَّذينَ كَتَبُوا ذلكَ لَيْسُوا منَ الثُقَاتِ، وكُلُّهُمْ إمَّا قادِحٌ أوْ مادِحٌ، ولا يُقْبَلُ لواحدٍ منهُمَا قولٌ.

وحينَ نَدْرُسُ المجتمعَ الإسلاميَّ على هذا الأساسِ، أيْ نَدْرُسَهُ منْ جميعِ نواحيهِ، وبالتحقيقِ الدقيقِ، نجدُهُ خيرَ المجتمعاتِ، لأنَّهُ هكذا كانَ في القرنِ الأوَّلِ والثاني والثالثِ، ثُمَّ سائرِ القرونِ حتَّى مُنْتَصَفِ القرنِ الثاني عشرَ الهجريِّ، ونجدُهُ طبَّقَ الإسلامَ في جميعِ عُصورِهِ، حتَّى أواخرَ الدولةِ العُثْمَانِيَّةِ بوصْفِهَا دولةٌ إسلاميَّةٌ. على أنَّ الَّذي يجبُ أنْ يُلاحظَ أنَّ التاريخَ لا يجوزُ أنْ يكونَ مَصْدَرَاً للنظامِ والفقهِ، بلْ النظامُ يُؤْخَذُ منْ مصادرِهِ الفقهِيَّةِ لا منَ التاريخِ، لأنَّ التاريخَ ليسَ مصدراً لهُ، فحينَ نريدُ أنْ نفهمَ النظامَ الشُيوعِيَّ لا نأخذُهُ منْ تاريخِ روسيا، بلْ نأخذُهُ منْ كتبِ المبدأِ الشيوعيِّ نفسِهِ، وحينَ نريدُ أنْ نعرفَ الفقهَ الإنجليزِيَّ لا نأخذُهُ منْ تاريخِ إنجلترا بلْ نأخذُهُ منَ الفقهِ الإنجليزيِّ، وهذا ينطبقُ على أيِّ نظامٍ أو قانونٍ.

والإسلامُ مبدأٌ لهُ عقيدةٌ ونظامٌ، فحينَ نريدُ معرِفَتَهُ وأخذَهُ لا يجوزُ أنْ نجعلَ التاريخَ مصدراً لهُ مطلقاً، لا منْ حيثُ معرفَتِهِ ولا منْ حيثُ إِسْتِنْبَاطِ أحكامِهِ.

أمَّا مِنْ حَيْثُ مَصْدَرِ مَعْرِفَتِهِ فهوَ كتبُ الفِقْهِ الإسْلامِيِّ، وأمَّا منْ حيثُ مصدرِ إسْتِنْبَاطِ أحْكامِهِ فهوَ أَدِلَّتُهَا التَفْصِيلِيَّةُ. ولذلكَ لا يَصِحُّ أنْ يكونَ التاريخُ مَصدراً للنظامِ الإسلاميِّ، لا منْ حيث معرفتِهِ، ولا منْ حيث الإسْتِدْلالِ بهِ، وعليهِ فَلا يَصِحُّ أنْ يكونَ تاريخُ عمرَ بنِ الخطَّابِ، أو عُمرَ ابنِ عبدِ العزيزِ، أو هَارونَ الرَشِيدِ، أوْ غيرَهُمْ مَرْجِعَاً لِلأحْكامِ الشَرْعِيَّةِ، لا في الحوادثِ التاريخيَّةِ الَّتي رُوِيَتْ عَنْهُمْ، ولا في الكتبِ الَّتي أُلِّفَتْ في تاريخِهِمْ. وإِذا أُتُّبِعَ رَأْيٌ لِعُمرَ في حادثةٍ فإنَّما يُتَّبَعُ بإعْتِبَارِهِ حُكْمَاً شَرْعِيَّاً إِسْتَنْبَطَهُ عُمَرٌ وطَبَّقَهُ، كما يُتَّبَعُ الحكمُ الَّذي إسْتَنْبَطَهُ أبو حَنِيفَةُ والشَافِعِيُّ وجَعْفَرُ وأمثالهُمْ، ولا يُتَّبَعُ بإعْتِبَارِهِ حادثةً تاريخيَّةً. وعلى ذلكَ فلا وُجودَ للتاريخِ في أَخْذِ النِظَامِ، ولا في مَعْرِفَتِهِ. على أنَّ مَعْرِفَةَ كَوْنِ النظامِ كانَ مُطَبَّقاً أمْ لا، لا تُؤْخَذْ كذلكَ منَ التاريخِ، بلْ تُؤْخذُ منَ الفقْهِ، لأنَّ أيَّ عَصْرٍ منَ العُصُورِ كانتْ لهُ مشاكلُ، وكانَ يُعَالِجُ هذهِ المشاكِلَ بنظامٍ، فحتَّى نَعْرِفَ ما هوَ النظامُ الَّذي كانتْ تُعالَجُ بهِ المشاكلُ لا نَرْجِعُ إلى حوادثِ التاريخِ، لأنَّهُ إنَّمَا يَنْقُلُ إلَيْنَا الأخبارُ نَقْلاً، بلْ يجبُ أنْ نَرجعَ إلى النظامِ الَّذي كانَ يُطَبَّقُ، أيْ إلى الفقهِ الإسلامِيِّ. وبالرُجُوعِ إليهِ لا نجدُ فيهِ أيَّ نظامٍ أخذَهُ المسلمونَ منْ غيرِهِمْ، ولا أيَّ نظامٍ إخْتَارَهُ المسلمونَ منْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، بلْ نجدُهُ كلَّهُ أحكاماً شرعِيَّةً مُسْتَنْبَطَةً منَ الأدلَّةِ الشرعِيَّةِ. وأنَّ المسلمينَ كانَ حِرْصُهُمْ شَديداً على تَنْقِيَةِ الفِقْهِ منَ الأقْوالِ الضَعِيفَةِ، أيْ منَ الإسْتِنْبَاطَاتِ الضَعِيفَةِ، حتَّى نَهُوا عنِ العملِ بالقولِ الضعيفِ ولوْ كانَ لِمُجْتَهِدٍ مُطْلَقٍ.

يتبع **

**(3)

أمَّا نجاحُ هذهِ القيادةِ عمليَّاً فقدْ كانَ نجاحاً مُنْقَطِعَ النظيرِ ولاسِيَّمَا في الأمرينِ التالِيَيْنِ:

أمَّا أحدُهُمَا فإنَّ القيادةَ الفكريَّةَ الإسلاميَّةَ نقلتْ الشعبَ العربِيَّ بِمُجْموعهِ منْ حالةٍ فكريَّةٍ مُنْحَطَّةٍ تَتَخَبَّطُ في دَيَاجِيرِ العصبيَّةِ العائليَّةِ، وظلامِ الجهلِ الدامسِ، إلى عصرِ نهضةٍ فكريَّةٍ، يَتَلأْلأُ بنورِ الإسلامِ الَّذي لمْ يقتصرْ بُزُوغُ شمسِهِ على العربِ، بلْ عَمَّ العالمَ. فقدْ إندفعَ المسلمونَ في الكرةِ الأرضيَّةِ، وحملوا الإسلامَ للعالمِ، واستَوْلَوْا على فارسَ والعراقِ وبلادِ الشامِ ومصرَ وشماليِّ إفريقيا. وكانتْ لكلِّ شعبٍ منْ هذهِ الشعوبِ قوميَّةٌ غيرُ قوميَّاتِ الشعوبِ الأخرى، ولغةٌ غيرُ لغاتِهَا، فكانتْ قوميَّة الفُرْسِ في فارِسَ غيرَ قوميَّةِ الرومِ في الشامِ، وغيرَ قوميَّةِ القُبْطِ في مصرَ، وغيرَ قوميَّةِ البَرْبَرِ في شماليِّ إفريقيا، وكانتْ عاداتُهُمْ وتقاليدهمْ وأديانُهُمْ مختلفةً. وما أنِ إسْتَظَلَّتْ بالحكمِ الإسلاميِّ، وفَهِمَتْ الإسلامَ، حتَّى دخلتْ الإسلامَ كلُّها، وأصبحتْ جميعُهَا أمَّةً واحدةً، هيَ الأمَّةُ الإسلاميَّةُ. ولذلكَ كانَ نجاحُ الأمَّةِ الإسلاميَّةِ في صَهْرِ هذهِ الشعوبِ والقوميَّاتِ نجاحاً مُنْقَطِعَ النظيرِ، معْ أنَّ وسيلةَ المواصلاتِ في حملِهَا هي الناقةُ والجملُ، ووسيلةَ نشرِهَا اللِسانُ والقلمُ.

أمَّا الفتحُ فكانَ لإزالةِ القوَّةِ بالقوَّةِ، وكسرِ الحواجزِ المادِّيَّةِ، حتَّى يُخَلَّى بينَ الناسِ وما يُرشِدُهُمْ إليهِ العقلُ، أوْ تَهدِيهِمْ إليهِ الفطرةُ، ولذلكَ دخلَ الناسُ في دينِ اللهِ أفواجَاً. أمَّا الفتحُ الجائِرُ فإنَّهُ يُبَاعِدُ بينَ الفاتحِ والمفتوحِ، والغالبِ والمغلوبِ، وما أَمْرُ إستعمارِ الغربِ للشرقِ عشرات من السنين دونَ أنْ يَظْفَرَ بِنائِلٍ بِبَعِيدٍ، ولولا أثرٌ منَ الثقافةِ المُضَلِّلَةِ سيُمْحَى، وضغطٌ منَ الزعامةِ المأجورةِ سيضْمَحِلُّ، لكانَ العَوْدُ إلى حظيرةِ الإسلامِ في مبدئِهِ ونظامِهِ أقربُ منْ رَدِّ الطَرْفِ…ونعودُ فنقولُ : لقدْ كانَ نجاحُ القيادةِ الفكريَّةِ الإسلاميَّةِ في صهرِ هذهِ الشعوبِ نجاحاً منقطعَ النظيرِ، وظَلَّتْ هذهِ الشعوبُ مُسْلِمَةً حتَّى اليومِ ، بالرغمِ منْ طَوَارِئِ الإستعمارِ وخُبْثِهِ ومَكْرِهِ في إفسادِ العقائدِ وتسميمِ الأفكارِ، وستظلُّ حتَّى تَقومُ الساعةُ أمَّةً واحدةً إسلاميَّةً. ولمْ يحصلْ مطلقاً أنْ أيَّ شعبٍ من الشعوب التي إعتنقَت الإسلامَ إِرْتَدَّ عنِ الإسلامِ.

أمَّا مُسْلِمُو الأندلسِ فقدْ أُفْنُوا إِفْنَاءً بمحاكمِ التفتيشِ، وبُيُوتِ النيرانِ، ومَقَاصِلِ الجلاَّدينَ، ومُسْلِمُو بُخَارَى والقَفْقَاسِ والتُرْكِسْتَانِ قدْ أصابَتْهُمْ قارِعَةُ الَّذينَ سَبَقُوهُمْ. وإسلامُ هذهِ الشعوبِ وصَيْرُورَتِهَا أُمَّةً واحدةً وشِدَّةَ حِرْصِهَا على عقيدتِهَا يُصَوِّرُ مَبْلَغَ نجاحِ هذهِ القيادةِ الفكريَّةِ، ومَبْلَغَ نجاحِ الدولةِ الإسلاميَّةِ في تطبيقِ نظامِ الإسلامِ.

أمَّا الأمرُ الثاني الَّذي يَدُلُّ على نجاحِ هذهِ القيادةِ، فهوَ أنَّ الأمَّةَ الإسلاميَّةَ ظَلَّتْ أعْلَى أمَّةٍ في العالمِ حضارةً ومدنيَّةً وثقافةً وعِلْمَاً، وظلَّتِ الدولةُ الإسلاميَّةُ أعظمَ الدولِ في العالمِ وأَقْدَرَهَا مُدَّةَ إِثْنَيْ عَشَرَ قَرْنَاً: منَ القرنِ السادسِ الميلاديِّ حتَّى مُنْتَصَفِ القرنِ الثامنِ عشرَ الميلاديِّ، وكانتْ وَحْدَهَا زَهْرَةُ الدُنْيَا، والشمسُ المشرِقَةُ بينَ الأُمَمِ طِوالَ هذهِ المُدَّةِ، ممَّا يُؤَكِّدُ نجاحَ هذهِ القيادةِ، ونجاحَ الإسلامِ في تطبيقِ نِظامِهِ وعقيدتِهِ على الناسِ. وحينَمَا تَخَلَّتْ الدولةُ الإسلاميَّةُ والأمَّةُ الإسلاميَّةُ عنْ حملِ القيادة الفكرية حين أهملت الدعوةِ إلى الإسلامِ، وقَصَّرَتْ في فَهْمِ الإسلامِ وتطبيقِهِ، إنْتَكَسَتْ بين الأممِ.

ولهذا نَقولُ أنَّ القيادةَ الفكريَّةَ الإسلاميَّةَ هيَ وحدَهَا الصالحةُ، وهيَ وحدَهَا التي يَجِبُ أنْ تُحْمَلَ للعالمِ. وإذا تحقَّقَتْ الدولةُ الإسلاميَّةُ الَّتي تحملُ هذهِ القيادةَ فسيكونُ نجاحُ هذهِ القيادةِ اليومَ كَمَا كانَ بالأمسِ.

قلنا إنَّ الإسلامَ يُوافِقُ فطرةَ الإنسانِ فيما إنبثقَ عنْهُ منَ نظمٍ، ولهذا لا يُعْتَبَرُ الإنسانُ كائِنَاً صِنَاعِيَّاً يعيشُ على المَسْطَرَةِ، ويُطَبِّقُ النظامَ بلا تَفَاوُتٍ بالقِيَاسِ الهَنْدَسِيِّ الدَقِيقِ، بلْ يُعْتَبَرُ الإنسانُ كائِناً إجتماعِيَّاً يُطَبِّقُ النظامَ كَكَائِنٍ إجتماعيٍّ تَتَفَاوَتُ فيهِ القُوَى والخاصِّيَّاتِ، فمنَ الطبيعيِّ منْ جِهَةِ أنْ يُقارِبَ بينَ الناسِ ولا يُسَاوِيَ، معْ ضمانِ الطُمَأْنِينَةِ للجميعِ، ومنَ الطبيعيِّ منْ جِهَةٍ أخرى وهذا موضِعُ البحثِ الآنَ أنْ يَشُذَّ على هذا الإعتبارِ عنْ تطبيقِ هذا النظامِ أفرادٌ فيخالفونه، وأن لايستجيب لهذا النظام أفراد، وأن يتولى عن هذا النظام أفراد، ولذلكَ كانَ لا غِنَى عنْ أنْ يكونَ في المجتمعِ فُسَّاقٌ وفُجَّارٌ، وأنْ يكونَ فيهِ كَفَّارٌ ومُنَافِقُونَ، وأنْ يكونَ فيهِ مُرْتَدُّونَ ومُلْحِدُونَ، ولكنَّ العِبْرَةَ بالمجتمعِ بمجموعِهِ منْ حَيْثُ كونِهِ أفكاراً ومشاعرَ وأنظمةً وناساً، فَيُعْتَبَرُ مجتمعاً إسلاميَّاً يُطَبِّقُ الإسلامَ، حينَ تَبْدُو فيهِ هذهِ الأشياءُ إسلاميَّةً.

يتبع **

**(2)
وأمَّا تَوْزِيعُ المالِ فقدْ كانتْ تُطَبِّقُ أحكامَ النَفَقَةِ للعاجِزِ، وتَحْجُرُ على السفيهِ والمُبَذِّرِ، وتَنْصِبُ عليهِ وصِيَّاً، وكانتْ تُقِيمُ أمْكِنَةً في كلِّ مدينةٍ، وفي طريقِ الحجِّ، لإطعامِ الفقيرِ والمسكينِ وابنِ السَبِيلِ، ولا تزالُ آثارُهَا مَوجودةٌ حتَّى اليومِ في أمَّهاتِ بلادِ المسلمينَ. وبِالجُمْلَةِ كانَ يَجْرِي إنفاقُ المالِ منَ الدولةِ حسبَ الشريعةِ، ولمْ يجرِ حسبَ غيرِهَا مُطلقاً وما يُشَاهَدُ منْ هذهِ الناحيةِ هوَ إهْمَالٌ، وإساءةُ تطبيقٍ، وليسَ عدمَ تطبيقٍ.
وأمَّا التعليمُ فإنَّ سياسَتَهُ كانتْ مَبْنِيَّةً على أساسِ الإسلامِ، فكانتْ الثقافةُ الإسلاميَّةُ هيَ الأساسُ في مِنْهَاجِ التعليمِ، والثقافةُ الأجنبِيَّةُ يُحْرَصُ في عدمِ أخذِهَا إذا تناقضتْ معَ الإسلامِ. وأمَّا التقصيرُ في فتحِ المدارسِ فهوَ إنَّما كانَ في أواخرِ الدولةِ العثمانيَّةِ، على السواءِ في جميعِ البلادِ الإسلاميَّةِ، للإنحِطَاطِ الفكريِّ الَّذي بلغَ نهايتَهُ حِينَئِذٍ. وأمَّا في باقي العصورِ فإنَّ منَ المشهورِ في العالمِ كُلِّهِ أنَّ البلادَ الإسلاميَّةَ كانتْ وحدَهَا مَحَطَّ أنظارِ العلماءِ والمُتَعَلِّمِينَ، ولجامعاتِ قُرْطُبَةَ وبغدادَ ودِمَشقَ والإسكندريَّةِ والقاهرةِ أَثَرٌ كبيرٌ في توجيهِ التعليمِ في العالمِ.
وأمَّا السياسةُ الخارجيَّةُ فإنَّها كانتْ مبنِيَّةً على أساسٍ إسلاميٍّ، فالدولةُ الإسلاميَّةُ كانتْ تَبْنِي عَلاقَاتِهَا مَعَ الدولِ الأُخرى على أساسِ الإسلامِ، وكانتْ جميعُ الدولِ تنظرُ إليها بوصفِهَا دولةً إسلاميَّةً، وكانتْ علاقاتُها الخارجيَّةِ كلُّهَا مبنيَّةٌ على أساسِ الإسلامِ ومصلحةِ المسلمينَ بوصْفِهِمْ مسلمينَ، وإنَّ أمْرَ كونِ سياسةِ الدولةِ الإسلاميَّةِ الخارجِيَّةِ هيَ السياسةَ الإسلاميَّةَ مَشْهُورٌ شُهْرَةً عالمِيَّةً تُغْني عنِ الدليلِ.
وأمَّا بالنسبةِ لنظامِ الحكمِ فإنَّ جهازَ الدولةِ في الإسلامِ يقومُ على سبعةِ أركانٍ هيَ : الخليفةُ وهوَ رئيسُ الدولةِ، والمُعَاوِنُونَ لَهُ في الحُكْمِ، والوُلاةُ، والقُضَاةُ، والجَيْشُ، والجِهازُ الإدارِيُّ، ومَجْلِسُ الشُورَى، وهذا الجهازُ كانَ موجوداً، فإنَّ المسلمينَ لمْ يَمُرَّ عليهمْ زَمَنٌ لمْ يكنْ لهمْ فيهِ خليفةٌ، إلاَّ بعدَ أنْ أزالَ الكافِرُ المستعمرُ الخلافةَ على يدِ كمالٍ أتاتورك سنةَ 1342هجريَّةً و1924ميلاديَّةً. أمَّا قبلَ ذلكَ فقدْ كانَ خليفةُ المسلمينَ دائِمِيَّاً لا يذهبُ خليفةٌ إلاَّ وقدْ أتَى بعدهُ خليفةٌ، حتَّى في أشدِّ عصورِ الهبوطِ. ومتى وُجِدَ الخليفةُ فقد وُجِدَتْ الدولةُ الإسلاميَّةُ، لأنَّ الدولةَ الإسلاميَّةَ هيَ الخليفةُ، وأمَّا المُعَاوِنُونَ فقدْ كانوا كذلك موجودينَ في جميعِ العصورِ، وكانوا معاونينَ مُنَفِّذِينَ ولَيْسُوا وُزَرَاءَ، وإنَّهمْ وإنْ أُطْلِقَ عليهمْ في عصرِ العبَّاسيِّينَ لقبُ وزراءٍ ولكِنَّهُمْ كانوا معاونينَ. ولمْ تكنْ لهمْ صِفَةُ الوِزَارَةِ الموجودةِ في الحكمِ الديمقراطيِّ مطلقاً، بلْ كانوا معاونينَ، وهيئَةً تَنْفِيذِيَّةً فقطْ، والصلاحِيَّاتُ كلُّهَا للخليفةِ. وأمَّا الولاةُ والقضاةُ والجِهازُ الإدارِيُّ فَإِنَّ وُجُودَهَا ثابتٌ. والكافرُ المستعمِرُ حينَ إسْتَلَمَ البلادَ كانتْ أمورُهَا سائِرَةٌ، وفيها الولاةُ والقضاةُ والجهازُ الإداريُّ ممَّا لا يحتاجُ لدليلٍ. وأمَّا الجيشُ فإنَّهُ كانَ جيشاً إسلامِيَّاً، وكانَ العالمُ يَتَرَكَّزُ في ذهنِهِ أنَّ الجيشَ الإسلاميَّ لا يُغْلَبُ، وأمَّا مجلسُ الشُورَى فإنَّهُ بعدَ الخلفاءِ الراشدينَ لمْ يُعْنَ بوجودِهِ، والسببُ في ذلكَ أنَّ الشورى ليستْ قاعدةً منْ قواعدِ الحكمِ، وإنْ كانتْ منْ جهازِ الدولةِ، وإنِّمَا هيَ حقٌ منْ حقوقِ الرَعِيَّةِ على الراعي، فإنْ لمْ يفعلْ بها يكنْ قدْ قَصَّرَ، ولكنَّ الحكمَ يبقى حكماً إسلاميَّاً، وذلكَ لأنَّ الشورى هيَ لأخذِ الرأيِ وليستْ للحكمِ، بخلافِهَا في مجالِسِ النُوَّابِ الديمقراطيَّةِ. ومِنْ هذا يتبيَّنُ أنَّ نظامَ الحكمِ كانَ مُطبَّقاً في الإسلامِ.
وها هنا مسألةٌ في بَيْعَةِ الخليفةِ، فإنَّ منَ المقطوعِ بهِ أنَّهُ لمْ يكنْ في الخلافةِ نظامُ وِرَاثَةٍ، أيْ لمْ تكنْ الوراثَةُ حكماً مُقَرَّرَاً في الدولةِ يُؤْخَذُ الحكمُ-أيْ تُؤخذُ رئاسةُ الدولةِ- بموجِبِهَا كما هيَ الحالُ في النظامِ المَلَكِيِّ، وإنَّما كانَ الحكمُ المقرَّرُ في الدولةِ لأخذِ الحكمِ هوَ البيعةَ، كانتْ تؤخذُ منَ المسلمينَ في بعضِ العصورِ، ومنْ أهلِ الحلِّ والعقدِ في البعضِ الآخرَ، ومنْ شيخِ الإسلامِ في آخرِ العصرِ الهابطِ. والَّذي جَرَى عليهِ العملُ في جميعِ عصورِ الدولةِ الإسلاميَّةِ أنَّهُ لمْ يُنَصَّبْ أيُّ خليفةٍ إلاَّ بالبيعةِ، ولمْ يُنَصَّبْ بالوراثةِ دونَ بيعةٍ على الإطلاقِ، ولمْ تُرْوَ ولا حادثةٌ واحدةٌ أنَّهُ نُصِّبَ خليفةٌ بالوراثةِ منْ غيرِ بيعةٍ. غيرَ أنَّهُ كانَ يُساءُ تطبيقُ أخذِ البيعةِ، فَيَأْخُذُهَا الخليفةُ منَ الناسِ في حياتِهِ لإبنِهِ، أو أخيهِ، أو إبنِ عمِّهِ، أو شخصٍ منْ أسرتِهِ، ثُمَّ تُجَدَّدُ البيعةُ لذلكَ الشخصِ بعدَ وفاةِ الخليفةِ، وهذهِ إساءةٌ لتطبيقِ البيعةِ وليستْ وراثةً، ولا ولايةَ عَهْدٍ. كما أنَّ إساءةَ تطبيقِ نظامِ الإنتخاباتِ لمجلسِ النُوَّابِ في النظامِ الديمقراطيِّ تُسَمَّى إنْتِخَابَاً ولا تُسَمَّى تَعْيِينَاً، ولوْ فازَ في الإنتخاباتِ الأشخاصُ الَّذينَ تريدُهُمْ الحكومةُ، ومنْ ذلكَ كلِّهِ نرى أنَّ النظامَ الإسلاميَّ طُبِّقَ عملِيَّاً، ولمْ يُطَبَّقْ غيرَهُ في جميعِ عصورِ الدولةِ الإسلاميَّةِ.
يتبع **

**هلْ طَبَّقَ المسلمونَ الإسلامَ؟ أمْ أنَّهُمْ كانوا يعتَنِقُونَ عقيدتَهُ ويُطَبِّقُونَ غيرهُ منَ الأنظمةِ والأحكامِ؟!

والجوابُ على ذلكَ أنَّ المسلمينَ طبَّقوا الإسلامَ وحدَهُ في جميعِ العصورِ، منذُ أنْ وصلَ الرسولُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى المدينَةِ حتَّى سنةِ 1336هجريَّةٍ أيْ 1918ميلاديَّةٍ حينَ سقطتْ آخرُ دولةٍ إسلاميَّةٍ على يَدِ الإستعمارِ، وكانَ تطبيقُهَا شاملاً حتَّى نجحتْ في هذا التطبيق إلى أ بْعَدِ حُدودِ النجاحِ.

أمَّا كونُ المسلمينَ طبَّقُوا عَمَلِيَّاً الإسلامَ فإنَّ الَّذي يُطَبِّقُ النِظامَ هوَ الدولةُ، والَّذي يطبِّقُ في الدولةِ شخصانِ أحدُهُمَا القاضِي الَّذي يفصِلُ الخصوماتِ بينَ الناسِ، والثاني الحاكمُ الَّذي يحكُمُ الناسَ. أمَّا القاضي فإنَّهُ نُقِلَ بطريقِ التواترِ أنَّ القضاةَ الَّذينَ يَفْصِلُونَ الخصوماتِ بينَ الناسِ منذُ عهدِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ حتَّى نهايَةِ الخلافةِ في استانبولَ، كانوا يفصِلُونَهَا حَسَبَ أحكامِ الشرعِ الشريفِ في جميعِ أمورِ الحياةِ، سواءٌ بينَ المسلمينَ وحدَهُمْ، أوْ بينَ المسلمينَ وغيرِهِمْ. وقدْ كانتْ المحكمةُ الَّتي تَفْصِلُ جميعَ الخصوماتِ منْ حقوقٍ وجَزَاءٍ وأحْوَالٍ شخصيَّةٍ وغيرَ ذلكَ، محكمةٌ واحدةٌ تحكُمُ بالشرعِ الإسلاميِّ وحدَهُ. ولمْ يَرْوِ أحدٌ أنَّ قضيَّةً واحدةً فُصِلَتْ على غيرِ الأحكامِ الشرعيَّةِ الإسلاميَّةِ، أوْ أنَّ محكمةً ما في البلادِ الإسلاميَّةِ حكمتْ بغيرِ الإسلامِ قبلَ فصلِ المحاكمِ إلى شَرْعِيَّةٍ ونِظَامِيَّةٍ بتَأْثِيرِ الإستعمارِ. وأقربُ دليلٍ على ذلكَ سِجِلاَّتُ المحاكمِ الشرعيَّةِ المحفوظةُ في البلدانِ القديمةِ كالقُدسِ وبغدادَ ودِمَشْقِ ومِصْرَ واستانبولَ وغيرِهَا فإنَّها دليلٌ يقينيٌّ بأنَّ الشرعَ الإسلاميَّ وحدَهُ هوَ الَّذي كانَ يُطَبِّقُهُ القضاةُ. حتَّى إنَّ غيرَ المسلمينَ منَ النصارى واليهودِ كانوا يدرُسونَ الفِقْهَ الإسلاميَّ ويُؤَلِّفُونَ فيهِ مِثْلَ سَلِيْمٍ البازِ شارحِ المجلَّةِ وغيرِهِ مِمَّنْ ألَّفُوا في الفقهِ الإسلاميِّ في العصورِ المُتَأَخِّرَةِ. وأمَّا مَا أُدْخِلَ مِنَ القوانِينَ فإنَّهُ أُدْخِلَ بِنَاءً على فَتَاوى العلماءِ بأنَّها لا تُخالِفُ أحكامَ الإسلامِ، وهكذا أُدخِلَ قانونُ الجَزَاءِ العُثْمَانِيِّ 1275 هـ الموافِقَ 1857م وأدخلَ قانونُ الحُقوقِ والتِجارَةِ 1276هـ الموافقَ 1858م ثمَّ في 1288هـ والموافقَ 1870م جُعِلَتْ المحاكمُ قِسْمَيْنِ محاكمَ شرعيَّةٍ ومحاكمَ نظاميَّةٍ، ووُضِعَ لها نظامٌ ثمَّ في 1295هـ الموافقِ 1877م وُضِعَتْ لائِحَةُ تشكيلِ المحاكمِ النظاميَّةِ. ووُضِعَ قانونُ أُصولِ المحاكماتِ الحقوقِيَّةِ والجزائِيَّةِ 1296هـ. ولمَّا لمْ يجدْ العلماءُ ما يُبَرِّرُ إدْخالَ القانونِ المَدَنِيِّ إلى الدولةِ وضَعَتْ المُجَلَّةُ قانوناً للمعاملاتِ، وَاسْتُبْعِدَ القانونُ المدنيُّ وذلكَ 1286هـ فهذهِ القوانينُ وُضِعَتْ كأحكامٍ يُجِيزُها الإسلامُ، ولمْ توضعْ مَوْضِعَ العَمَلِ إلاَّ بعدَ أنْ أخذتْ الفتوى بإجازَتِها، وبعدَ أن أَذِنَ شَيْخَ الإسلامِ بها، كما تَبَيَّنَ منَ المَرَاسِيمِ الَّتي صَدَرَتْ بِهَا. وإنَّهُ وإنْ كانَ الإستعمارُ منذُ سنةَ 1918م أيْ منذُ احْتِلالِهِ البِلادَ أَخَذَ يَفْصِلُ الخصوماتِ في الحقوقِ والجزاءِ على غيرِ الشريعةِ الإسلامِيَّةِ، ولكنَّ البلادَ الَّتي لمْ يَدْخُلْهَا الإستعمارُ بجيوشِهِ وإنْ دخلَهَا بِنُفُوذِهِ، لاتَزَالُ تُحْكَمُ قَضَائِيَّاً بالإسلامِ، فجزيرةُ العربِ كُلِّهَا : الحِجازُ ونجدُ والكويتُ، وكذلكَ بلادُ الأفَغَانِ، لا تزالُ تُطَبِّقُ الإسلامَ قضائِيَّاً ولمْ تحكُمْ حتَّى الآنَ في القضاءِ إلاَّ في الشريعةِ الإسلاميَّةِ ولوْ أنَّ الحُكَّامَ في هذهِ البلادِ الآنَ لا يُطَبِّقُونَ الإسلامَ. ومعْ ذلكَ نرى أنَّ الإسلامَ طُبِّقَ قضائِيَّاً ولمْ يُطَبَّقْ غيرَهُ في جميعِ عصورِ الدولةِ الإسلاميَّةِ.

أمَّا تطبيقُ الحاكمِ للإسلامِ فإنَّهُ يَتَمَثَّلُ في خمسَةِ أشياءٍ: في الأحكامِ الشرعيَّةِ المُتَعَلِّقَةُ بالإجْتِمَاعِ، والإقتصادِ، والتعليمِ، والسياسةِ الخارجِيَّةِ، والحُكْمِ. وقدْ طُبِّقَتْ هذهِ الأشياءُ الخمسة جميعُهَا منْ قبلِ الدولةِ الإسلاميَّةِ. أمَّا النظامُ الإجتماعيُّ الَّذي يُعَيِّنُ علاقةَ المرأةِ بالرجلِ وما يترتَّبُ على هذهِ العلاقةِ أي الأحوالُ الشخصيَّةُ، فإنَّها لا تزالُ تطبَّقُ حتَّى الآنَ رغمَ وجودِ الإستعمارِ ووجودِ حُكْمِ الكُفْرِ، ولمْ يُطَبَّقْ غيرُهَا مطلقاً حتَّى الآنَ. وأمَّا النظامُ الإقتصادِيُّ فيتَمَثَّلُ في ناحِيَتَيْنِ إحْدَاهُمَا كَيْفِيَّةُ أخذِ الدولةِ للمالِ منَ الشعبِ لِتُعَالِجَ مشاكلَ الناسِ، والثانيةُ كيفيَّةُ إنْفَاقِهِ. أمَّا كيفيَّةُ أخذِهِ فقدْ كانتْ تأخُذُ الزكاةَ على الأموالِ، والأراضي، والأنعامِ، بإعْتِبَارِهَا عِبادَةً، وتُوَزِّعُهَا فقطْ على الأصْنافِ الثمانِيَّةِ الَّذينَ ذُكِرُوا في القرآنِ الكريمِ ولا تستعمِلُهَا في إدارةِ شؤونِ الدولةِ، وتأخذُ الأموالَ لإدارةِ شؤونِ الدولةِ والأمَّةِ حسبَ الشرعِ الإسلاميِّ، فهيَ لمْ تأخذْ أيَّ نظامٍ للضرائِبِ، وإنَّما كانتْ تُطَبِّقُ الإسلامَ، فتأخذُ الخراجَ على الأرضِ، وتأخذُ الجِزْيَةَ منْ غيرِ المسلمينَ، وتأخذُ ضرائبَ الجماركِ بِحُكْمِ إشْرَافِهَا على التجارةِ الخارجيَّةِ والداخلِيَّةِ، وما كانتْ تُحَصِّلُ الأموالَ إلاَّ حسبَ الشريعةِ الإسلاميَّةِ.

يتبع **

**الفاتيكان وتضليله السياسي

علاء أبو صالح

لا يخفى على المتابع عمق الخصومة التي تكنّها مؤسسات الغرب النصرانية للإسلام وأهله، وبالرغم من دعوات الحوار الزائفة ومحاولة التقريب بين الأديان التي تتشدق بها المؤسسات الكنسية، إلا أن طابع الخصومة والحقد الدفين بقي هو العلامة المميزة والطابع الدائم لهذه العلاقة.

فبابا الفاتيكان الحالي بنديكتوس السادس عشر لم يخف ذلك عندما هاجم الإسلام واصفا اياه بالهمجية وهاجم نبي الرحمة عليه السلام في محاضرة له في جامعة ألمانية، كما أنه غمز ولمز في الإسلام في اجتماعه الأخير بأساقفة الشرق الأوسط بقوله “على ما يبدو ترتكب أعمال العنف باسم الله، لكنها في الواقع ديانات زائفة يجب كشفها”، وما أسماه بـ"سلطة الأيديولوجية الإرهابية"، كما أن فكرة حرق القرآن خرجت من رحم كنائس الغرب بالرغم من معارضتهم الظاهرية للفعل، وكثيرة هي الحوادث التي تعكس مدى ما تخفيه المؤسسات الكنسية الغربية من حقد وبغضاء تجاه المسلمين.

لقد نص المبدأ الرأسمالي على فصل الدين عن الدولة، وجعل في أبجدياته “دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله”، وبالرغم من خطأ هذا الأساس الذي قام عليه المبدأ الرأسمالي بجملته وتفصيلاته، إلا اننا نلاحظ استثمار الرأسماليين للدين النصراني دوماً في أية أحداث سياسية يكون طرفها الآخر هم المسلمون، وتبرز للعيان وكأن العلاقة أو الصراع قائم بين النصرانية والإسلام في هذه الحوادث، والحقيقة أنها بين الرأسمالية مسخِرة للنصرانية وحقد مؤسساتها على الإسلام من جهة وبين الإسلام من جهة أخرى.

وهذا ان دل على شيء فإنما يدل على حرص الرأسماليين على إذكاء جذوة الحقد الدفين الذي غرسته المؤسسات الكنسية الغربية ضد الإسلام وأهله.

لذا لم يكن غريباً أن يحشد الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش الأمريكيين والغرب خلف حربه على أفغانستان تحت مسمى الحرب الصليبية، ولم يكن غريباً أن يتم الكشف عن الكتب التبشيرية التي يروج لها الجيش الأمريكي في أفغانستان.

إن الحكومات الغربية لا تقيم وزناً لصالح الدين النصراني كما تتوهم الشعوب الغربية بل هي لا تعترف بالقيم الروحية أصلاً وان غضّت الطرف عنها، وإنما تهتم بمصالحها السياسية الاستعمارية، وما حرص الحكومات على نشر النصرانية سوى لاستغلالها كأداة لخدمة مخططاتها السياسية لا سيما تلك التي تستهدف العالم الإسلامي. والأمثلة على ذلك لازالت شاخصة في جنوب السودان وفي لبنان وفي نيجيريا.

لقد كانت المؤسسة الكنسية الغربية طوال العصور الغابرة أداة تُسخر لصالح السياسيين على اختلاف مسمياتهم، فكانت في العصور الوسطى أداة للإقطاعيين تشرع إجرامهم بحق الناس حتى عدّها البعض مكوناً من مكونات النظام الإقطاعي، واليوم تلعب الكنيسة نفس الدور لصالح الرأسماليين والسياسيين الفاسدين في كافة الدول الغربية وتروج لمشاريعهم الاستعمارية.

وها هو بابا الفاتيكان في سينودس الشرق الأوسط للأساقفة الكاثوليك المنعقد في الفاتيكان يشرع الوجود اليهودي على أرض فلسطين المغتصبة ويروج للمشروع الأمريكي مشروع حل الدولتين، ويقر بسيطرة يهود على القدس، وان دعا لتدويلها، خلافاً للعهدة العمرية، التي عاش النصارى في كنفها بحرية وتم استبعاد يهود منها بناء على طلبهم ذلك من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.

لقد عاش النصارى في كنف الخلافة الإسلامية على اختلاف عصورها عيشة كريمة، حفظت فيها الخلافة لهم حقوقهم الرعوية فكان لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وتركتهم وما يعتقدون وما يعبدون دون أية مضايقة، بل إن الرسول عليه السلام قد جعل أذيتهم جرماً وحرم أن تخفر ذمتهم، وأوجب الدفاع عنهم وأمر بحسن معاملتهم “ألا من ظلم معاهدا أو كلفه فوق طاقته أو أخذ شيئا بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة”، وبالرغم من أن الإسلام يدعو النصارى واليهود لاعتناق الإسلام باعتباره ناسخاً للأديان السابقة إلا أنه لا يجبر أحداً على اعتناقه بل يدعوهم لذلك بالحكمة والموعظة الحسنة

ولقد شهد التاريخ دخول العديد من أهل الكتاب في الإسلام دون إكراه أو إجبار حتى إن الذين بقوا على دينهم قاتلوا الصليبيين جنباً إلى جنب المسلمين إدراكاً منهم لتسخير حكام أوروبا للكنيسة لصالح أطماعهم الاستعمارية وحفاظاً منهم على المجتمع الإسلامي الذي عاشوا فيه بكرامة واحترام. وعيسى العوام وصحبه مثال عملي لذلك.

إن الأجدر في نصارى الشرق ولا سيما نصارى فلسطين أن يرفضوا تسييسهم من خلال المؤسسات الكنسية وعلى رأسها الفاتيكان التي دأبت على خدمة المشاريع الاستعمارية للقوى الدولية، وأن يرفضوا أن يكونوا أداة بيد هؤلاء الرأسماليين المستعمرين، وأن يرفضوا زجهم في متاهات الصراعات الاستعمارية، وأن يناصروا سعي المسلمين لإقامة الخلافة التي تعيد تطبيق العهدة العمرية فيعيشوا في كنفها برغد واطمئنان.**

www.qudsnet.com

**بسم الله الرحمن الرحيم

هلْ طَبَّقَ المسلمونَ الإسلامَ؟ أمْ أنَّهُمْ كانوا يعتَنِقُونَ عقيدتَهُ ويُطَبِّقُونَ غيرهُ منَ الأنظمةِ والأحكامِ؟!

درج بعض العوام متأثراً بالحملة الصليبية التبشيرية على الإسلام ، وبالرغم أنّ النصارى لم يطبق عليهم أي نظام عادل في تاريخهم الطويل سوى الإسلام، والحروب الطويلة التي قامت بين رجال الكنيسة ورجال الدنيا لا تخفى على أحد، بما في ذلك الحروب بين الطوائف النصرانية في بريطانيا، ولعامل الحقد على المسلمين كانت الحروب الصليبية، وبعدها تحالف دول صليبيية كبريطانيا وفرنسا على دولة الخلافة وتقسيم بلاد المسلمين لحارات للحيلولة دون المسلمين وعودة دولتهم في الاتفاقية الآثمة بين بريطانيا وفرنسا ( سايكس بيكو )، وما زال الحقد الأرعن متمكن من نفوسهم، ومثال ذلك الحملة على الإسلام في البلاد النصرانية ومن الفاتيكان وبابا روما، فلا أستغرب من عامة النصارى ومن تأثر بهم من المسلمين موقفهم المستهجن من الإسلام وغمزهم على سيرة الخلفاء وزعمهم أن الاسلام لم يطبق في الحياة الا بعهد الخلفاء الراشدين على زعم، وفي عهد الراشدين وعمر بن عبد العزيز على زعم متجن آخر، ولو أردوا الحقيقة لعرفوا أنّ النصارى لم يجدوا لا قديما ولا حديثاً عدل الإسلام وإنصافه لأهل الذمة ( يهود ونصارى) حتى بين إخوانهم النصارى.

وكان “إدوارد سعيد” و"قسطنطين زريق" من أبرز المسيحيين العرب الذين تصدوا للتهجم على صورة الإسلام، لأنهما اعتبرا تشويه الإسلام هو تشويه للذات العربية، وعلى هذا النحو كانت المواطنة والهوية؛ فالهوية هنا ليست معطى جاهزا يتسم بالثبات، ولا هي شيء سرمدي يتجاوز الزمن والمكان؛ بل هي وجود تراكمي يضاف إليه ويُنتقص منه، فهي في حال من التكوين الدائم.ويؤكد الباحث “هاني لبيب” أن المسيحية العربية لم تواجه خطر التقوقع والانغلاق على الذات والانطواء على النفس داخل المجتمع الإسلامي، بل تميزت باندماجها في المجتمعات الإسلامية بوجه خاص في العصر الأموي والعباسي الأول؛ فكانت أقرب روحا إلى المسلمين العرب منها إلى أبناء طائفتها من السريان.

طالب عوض الله **

**الخلافة رعاية لعامة المسلمين .. وصونا وحماية ورعاية أهل الذمة والتابعين ..

الإسلام رحمة للعالمين…

**

**بسم الله الرحمن الرحيم

التدرّج

إن الدعوة إلى التدرج ليست من الإسلام في شيء، فهي فكرة مستحدثة وجدت لدى المسلمين نتيجة تأثرهم بالفكر الغربي. أما تبرير الدعوة إليها عند الداعين لها فهو عدم القدرة على التطبيق الكامل للإسلام، أو عدم ملاءمة الظ

روف الحالية لتطبيقه، أو لأن الرأي العام العالمي لا يقبل بتطبيقه، أو لأن الدول الكبرى لا تترك لنا مجالاً لتطبيقه، أو غير ذلك من الذرائع الواهية غير الشرعية التي يعتبر العمل بها طاعة للغرب ومعصية لله سبحانه وتعالى. إن القول بالتدرّج فيه مخالفة لطبيعة الإسلام، ولطريقة القرآن، ولسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغ الإسلام وفي الدعوة إليه، ولِما كان عليه الخلفاء الراشدون والسلف الصالح المشهود لهم بالخير من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

أما مخالفته لطبيعة الإسلام، فذلك أن طبيعة الإسلام أول ما تقوم على الإيمان بالله تعالى أنه وحده الخالق المدبّر،أي أن له وحده الخلق والأمر. ومن مستلزمات هذا الإيمان عند المسلم أنه كإنسان لا يستطيع أن يشرّع لنفسه التشريع الصحيح. على هذا الأساس يطيع المسلم ربّه عندما يَحكُم، قال تعالى: ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) وعندما يُحكَم، قال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ )؛ ولهذا كان لا يجوز أن يخرج المسلم عن هذا التلازم بين الإيمان والطاعة أدنى خروج، خاصة بعدما اكتمل نزول الإسلام وأصبح المسلم مسؤولاً عنه كاملاً في الإيمان والالتزام والتطبيق والدعوة له…

أما مخالفته لطريقة القرآن، فالقرآن أمر المسلمين أن يتبعوا بإحسان ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المهاجرين والأنصار، قال تعالى: ( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ). والقرآن أمر المسلمين أن يحكموا بالإسلام كل الإسلام، وحذرهم من ترك أحكام الإسلام ولو كان حكماً واحداً، قال تعالى: ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ). والقرآن أمر المسلمين أن يكونوا على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته، قال تعالى: ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ).

أما مخالفته لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في تطبيق الإسلام وتبليغه، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».متفق عليه. وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم في تطبيق الإسلام وتبليغه وحمل دعوته كانت مطابقة لهذا التوجه الذي فرضه الإسلام. فهو في حياة دعوته مرّ بظروف ضاغطة جداً فلم يخضع لها، وعرضت عليه العروضات المغرية فلم يستجب لها. وودّ الكافرون لو يدهن صلى الله عليه وسلم في دعوته فأبى ذلك كل الإباء، وقال وهو في أشد حاجته للنصرة لوفد بني عامر بن صعصعة حين عرضوا عليه صلى الله عليه وسلم أيكون لهم الأمر من بعده: «الأمر لله يضعه حيث يشاء» فلم يتنازل ولم يداهن… ورفض المال والجاه وحتى الملك بعيداً عن الحكم بالإسلام. ثم إنه صلى الله عليه وسلم لم يتعامل مع البلاد التي فتحها وتغلّب عليها وطبق الإسلام فيها إلا بالإسلام، فرفض أن يترك لبعضهم صنمهم ليعبدوه، ورفض أن يعفي أحداً منهم من الصلاة…

أما مخالفته لسنة الخلفاء الراشدين الذين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نعضّ عليها بالنواجذ، ولما كان عليه السلف الصالح المشهود لهم بالخيرية، فإن حياتهم كانت قائمة على الجهاد وفتح البلاد وإدخال الناس في دين الله، فإذا فتحوا بلداً طبقوا الإسلام كاملاً عليه، فلا يسمحون له بشرب الخمر سنة أو شهراً، بل ولا ساعة من نهار، فالفرض يُنفذ فوراً، والحرام يُمنع فوراً، وتقام الحدود وتطبق الأحكام دونما تدرج أو “فترة سماح”!

أيها المسلمون: لقد فوجئ الغرب بالثورات الشعبية في بلاد المسلمين، وفوجئ أكثر بالمشاعر الجياشة للمسلمين المنادية بتحكيم شرع الله، وبدء تحركاتهم من المساجد، وتكبيراتهم المتصاعدة إلى عنان السماء، فأوجس في نفسه خيفة من وصول الإسلام للحكم، وهو يدرك أن في هذا هلاكه، فصار يجد ويجتهد لمنع ذلك بأساليب خبيثة ملتوية أمام مشاعر المسلمين، وكان من هذه الأساليب فكرة التدرج، حيث وجد فيها ضالته، فهي تجيز لحاملها ترك حكم وتطبيق حكم… فيسهل بها التنازل عن أحكام الإسلام خطوة خطوة، بل خطوات متراكمة! وساعده في ذلك من يسمَّون المسلمين المعتدلين، فهم أيضاً وجدوا ضالتهم في فكرة التدرج حيث هم بها يجدون مخرجاً أمام العامة الذين انتخبوهم، فإذا قالوا لهم لماذا لا تطبقون الإسلام وقد انتخبناكم من أجله؟ أجابوهم نحن سنطبقه ولكن بالتدريج فأمهلونا! وظنوا أنهم بذلك قد وجدوا مخرجاً في الوقت الذي هم فيه قد خرجوا من الحرام بعدم تطبيق الإسلام إلى الحرام بالقول بالتدرج!!

إن هذه الثورات كما كشفت حقد الغرب بزعامة أمريكا على الإسلام المسلمين، فهي كذلك قد كشفت من يسمَّون “المسلمين المعتدلين” الذين أصبحوا في واجهات الحكم بأنهم لا يريدون تطبيق أحكام الإسلام كما فرضها الله سبحانه، بل هم غير قادرين على تطبيق أحكام الإسلام لأن هؤلاء طوال سنيّ حياتهم لم يهيئوا أنفسهم لتطبيق أحكام الإسلام، فشكْلُ الحكم في الإسلام وأنظمة الحكم فيه من اقتصاد واجتماع وسياسة وتعليم وسياسة خارجية لم تكن في مفكرتهم أبداً؛ لذلك وجدوا ضالتهم في فكرة التدرج يخادعون الناس بها وما يخدعون إلا أنفسهم… إن الواجب على الأمة وقد وعت على هؤلاء أن تُقبِل على الجماعة التي تملك طريقة الفهم الصحيح للإسلام، وتملك الأحكام الشرعية المتعلقة بالحكم، وتملك الخبرة السياسية في العمل، وعندها التتبع السياسي والإلمام بالسياسة الدولية وفضحها، والأفكار الغربية الكافرة ودحضها، وعندها مشروع دستور أعدّته وبقيت تنقّحه حتى وصلت إلى ما يمكّنها به إقامة الحكم بما أنزل الله عن طريق دولة الخلافة الراشدة، وهذه الجماعة هي حزب التحرير.

أيها المسلمون في سوريا وفي كل العالم الإسلامي:

إن حزب التحرير يهيب بالمسلمين أن يضعوا أمامهم مرضاة ربهم وإقامة شرعه. وإنه يحذر المسلمين وخاصة المخلصين منهم من الوقوع في فخ دعوات الغرب الكافر من مثل الدعوة إلى التدرج. والحزب يعلن لأهل سوريا ومن ورائهم كل المسلمين أنه يستطيع بكل أمانة وبعون الله أن يقود هذه المرحلة. على طريقة الإسلام الصحيحة في الفهم والتطبيق والدعوة ونشر الإسلام، ويحمّل المسؤولية أمام الله سبحانه وتعالى كلَّ من يتخلّف من المخلصين منهم عن هذه الدعوة؛ فيقبل أن يمد يده للغرب، ويسير على طريقة الغرب في فهم الإسلام، ويترك الفهم الصحيح والقائمين عليه.

إن حزب التحرير كان وسيبقى بإذن الله تعالى رائد الدعوة إلى الخلافة الراشدة ويطمح أن يكون صاحب وعد رسول الله في حديثه الصحيح الذي رواه أحمد: «ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ» بعد هذا الحكم الجبري الذي نشهد مرحلة الخلاص منه. وهو يدعو المسلمين لأن يكونوا معه في هذه الدعوة المباركة، دعوة الحق التي تنهضهم النهضة الصحيحة، وتعيدهم خير أمة أخرجت للناس كما أراد الله سبحانه لهم أن يكونوا في محكم آياته ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ).**

**فساد دعاوى شرعية التدرج بتطبيق الأحكام

قال تعالى﴿:{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً ﴾(61)} النساء.

وقال﴿:{ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ (48) وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)} ﴾النور.

وقال﴿:{ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ﴾(65)} النساء.

وقال﴿:{ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)} ﴾المائدة.

وقال﴿:{ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)} ﴾المائدة.

وقال﴿:{ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)} ﴾المائدة.

وقال﴿:{ وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾(50)} المائدة.

وقال﴿:{ وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)} ﴾الأنعام.

وقال﴿:{ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)} ﴾البقرة.

وقال﴿:{ اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (3)} ﴾الأعراف.

وقال﴿:{ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾(7)} الحشر.

وقال﴿:{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} ﴾المائدة 3.

وقال صلى الله عليه وسلم:" من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" [رواه مسلم].

وقال :" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" [البخاري ومسلم].

وقال:" لتتبعنّ سنن من كان قبلكم شبرا شبرا وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم، قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن" [البخاري ومسلم].

وعن ابن عباس قال:" كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث تقرأونه محضا لم يشب" [رواه البخاري].

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى مع عمر ابن الخطاب قطعة من التوراة ينظر فيها فغضب وقال:" ألم آت بها بيضاء نقية، ولو أدركني أخي موسى لما وسعه إلا إتباعي" [ أحمد والبزار وابن أبي شبيبة].

روى أحمد والترمذي وابن جرير أن عدي بن حاتم الطائي ـ قبل إسلامه ـ دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية﴿:{ اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ} ﴾التوبة 31. فقال إنهم لم يعبدوهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" بلى إنهم حرّموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم".**