**
كتاب “المرأة الجديدة”:
ألَّف قاسم أمين هذا الكتاب بعد سنة من صدور كتابه “تحرير المرأة” سنة 1900 م، ويقصد قاسم أمين بالمرأة الجديدة؛ تلك المرأة التي تحرَّرَت من قُيود الدِّين، قائلًا في مقدمة كتابه: “المرأة الجديدة هي ثَمرة من ثمرات التمدُّن الحديث، بدأ ظهورها في الغرب على إثر الاكتشافات العلميَّة التي خلَّصَت العقلَ الإنساني من سلطة الأوهام والظُّنون والخرافات، وسلمَته قيادةَ نفسه، ورسمَت له الطريقَ التي يجب أن يسلَكها”.
وبهذه المقدِّمة التي تدلُّ على منهج قاسم أمين الغربي وتأثُّره بالثقافة الغربيَّة، يَستطرد قائلًا في وصف المرأة المحجَّبة: “والمرأة التي تَلتزم بستر أطرافها والأعضاء الظَّاهرة من بدنها، بحيث لا تتمكَّن من المشي ولا من الركوب، بل لا تَتنفَّس ولا تنظر ولا تتكلَّم إلَّا بمشقَّة - تُعدُّ رقيقة؛ لأنَّ تكليفها بالاندراج في قِطعةٍ من القماش إنَّما يُقصد منه أن تَمسح هيئتها، وتَفقد الشكلَ الإنساني الطَّبيعي في نَظر كلِّ رَجل ما عدا سيِّدها ومولاها”.
كتاب قاسم أمين هذا ما هو إلَّا امتداد للكتاب السَّابق له “تحرير المرأة”، وخلاصة ما يُمكن الخروج به من كِتابه هذا أنَّ المرأة المسلِمة بالتزامها بأحكام الشَّرع ستظلُّ جاهلةً متخلِّفة، لا ترقى لنظيرتها الغربيَّة التي تحرَّرَت فأعانَت مجتمعها على التقدُّم!
وقد كان لكتابَي قاسم أمين الأثرُ الكبير على تَخريب المجتمع المصري وضياع الأخلاق؛ كما أشار لذلك محمد فريد وجدي قائلًا: “إنَّ دعوة قاسم أمين قد أحدثَت تدهورًا مريعًا في الآداب العامَّة، وأحدثَت انتشارًا مفزعًا لمبدأ العزوبة، وأصبحَت ساحات المحاكِم غاصَّة بقضايا هَتك الأعراض، وهرب الشابَّات من دورهنَّ”.
توفِّي قاسم أمين سنة 1908م، واستمرَّت دعوتُه للتبلور وتجسَّدت على أرض الواقع بتأسيس جمعيَّة نسائية تدافِع عن حقوق المرأة، وتطالِب بما طالَب به “مرقص فهمي” وقاسم أمين، لتكون مصر بذلك أول بلدٍ عربي عَرَف ما يسمَّى بالاتحاد النِّسائي.
المطلب الثاني: الحركة النسائية (الاتحاد النسائي):
قبل أن تتأسَّس جمعيَّة الاتحاد النِّسائي، خرجَت نساء مصر سنة 1919 م في مظاهرةٍ بقيادة هدى شعراوي يُنادِينَ فيها بالتحرُّر، فاجتمعوا في أحد مَيادين مصر وقمنَ بنَزع الحجاب وحَرْقِه أمام الجميع، ومن ذلك الوقت أصبح الميدان يسمَّى بميدان التحرير.
جاء في كتاب أعلام وأقزام: “وقد اشتدَّ الحماس لهذه الحركة في فترة عصيبة حرِجة (…)؛ ذلك أنَّه في سنة 1919 م هبَّت مصر في وَجه الاستعمار، ووقف الشعبُ بشجاعة مع عدَد من المخلِصين حقيقة يطالِب بحقِّه من الحريَّة والحياة، وفي تلك الظُّروف الصَّاخبة التي تميَّزَت بالغليان والاضطراب، وفي غمرة الثَّورة العارِمة نشطَت دعوتان مريبَتان متآخِيتان؛ إحداهما استغلَّت ظروفَ الثَّورة لِسلخ الأمَّة عن انتمائها؛ وهي الدعوة إلى اللادينية تحت ستار الشِّعار الذي رفعَته الزعامات المصطنعة: “الدين لله والوطن للجميع”، والأخرى دعَت إلى نَسف الفضائل الإسلاميَّة من خلال دَعوتها إلى تحرير المرأة”.
الاتحاد النسائي:
تأسَّس الاتحاد النسائي بمصر سنة 1924 م بعد عودة مؤسِّسته هدى شعراوي من مؤتمر الاتحاد النسائي الدولي الذي عُقد في روما عام 1922 م، ونادَت بجميع المبادئ التي نادى بها مرقص فهمي وقاسم أمين.
وقد كانت هدى شعراوي من المبهورات بالغرب والمعجبات بكلِّ ما فيه، حتى عيوب العامَّة وشراسَة أخلاقهم؛ إذ تقول في إحدى كلماتها: “وقد أعجبني في باريس كلُّ شيء حتى شراسة أخلاق الرعاع فيها؛ لأنَّها لا تَخلو من خفَّة الروح؛ فالفرنسيون أشخاص منفردون بعبقريَّتهم، مستقلُّون في أفكارهم وطِباعهم، وأعمالهم وصِفاتهم، وحتى في عيوبهم”.
ولم تكتفِ هدى شعراوي بالرَّفع من الحضارة الغربيَّة وتمجيد فرنسا فقط، وإنَّما كانت تَعتبر كمال أتاتورك الطَّاغية المثلَ الأعلى للبلاد الإسلاميَّة، إذ تقول في خطبة أمامه: “إذا كان الأتراك قد اعتبروك عن جدارة أباهم، وأسموك (أتاتورك)، فأنا أقول: إنَّ هذا لا يَكفي، بل أنت بالنسبة لنا (أتا الشرق)”.
ومن أبرز النساء اللاتي قُدن حركة السُّفور مع هدى شعراوي:
أمينة السعيد: وهي من تلميذات طه حسين، الأديب المصري الذي دَعا إلى تَغريب مصر، ترأَّسَت مجلَّة حواء، وهاجمَت الحجاب، وسخَّرَت مجلَّتَها حواء للهجوم على الآداب الإسلامية؛ حيث قالت مستهزئةً بالحجاب: “ما نراه اليوم شائعًا بين الفتيات والسيِّدات ممَّا يسمُّونه “الزِّي الإسلامي” فالإسلام منه بَراء؛ لأنَّه تقليد حرفي لزيِّ الرَّاهبات المسيحيات”.
وتقول أيضًا: “إنَّ هذه الثياب الممجوجة قشرةٌ سَطحية، لا تكفي وحدها لفتح أبواب الجنَّة، أو اكتساب رضا الله، فتيات يَخرجن إلى الشارع والجامعات بملابس قبيحة المَنظر، يزعمنَ أنَّها “زيٌّ إسلاميٌّ”، لم أجد ما يعطيني مبررًا منطقيًّا معقولًا لالتجاء فتيات على قَدرٍ مذكور من التعليم إلى لفِّ أجسادهنَّ من الرأس إلى القدمين، بزيٍّ هو والكفن سواء”.
وإذا ما راجعنا آراءها حول “تحرير المرأة” في مجلتها حواء، سنجدها تدور حول:
1 - الدَّعوة إلى السُّفور والقضاء على الحجاب الإسلامي.
2 - الدعوة إلى اختلاط الرجال بالنساء في كلِّ المجالات.
3 - تقييد الطلاق، والاكتفاء بزوج واحدة.
4 - المساواة في الميراث مع الرجل.
5 - ألا يتحكَّم رجال الدين بآرائهم في مجال الحياة الاجتماعية.
6 - أوربا والغرب هم القدوة في كلِّ الأمور التي تتعلَّق بالحياة الاجتماعية للمرأة.
نوال السعداوي: رئيسة جمعيَّة تَضامن المرأة العربيَّة التي أنشِئت عام 1982 م، ولها نفس آراء زميلاتها فيما يخصُّ حقوقَ المرأة.
وبعد أن حقَّقَت الحركة النسائيَّة في مصر شيئًا من مساعيها - وهو إخراج المرأة المسلمة سافرة الوجه - انتشرَت فِكرة الاتحادات النسائيَّة في البلاد العربيَّة، وأصبح كلُّ بلد عربيٍّ لا يَخلو من جمعيَّة نسائيَّة تنادي بتحرير المرأة، وأي تحرير هذا؟!
المطلب الثالث: الحجاب والحكومات العلمانية (تركيا - تونس: أنموذجًا):
الحجاب في تركيا:
تُعتبر تركيا وريثَة الدولَة العثمانيَّة، أكبر دَولة إسلاميَّة عرفها التاريخُ، التي يمثِّل الإسلام حاليًّا فيها نسبة 99 % من السكَّان، وعلى الرغم من ذلك فإنَّ تركيا تعدُّ أكثر الدول التي شهدَت صراعات حول حِجاب المرأة المسلِمة؛ فمِن جملة القرارات التي اتَّخذها أتاتورك بعد هَدمه الخلافةَ الإسلاميَّة مَنعُ الحجاب في سائر مؤسَّسات الدَّولة؛ من تعليمية وغيرها، وما كان الأمر عنده مقصورًا على مَنع الحجاب، وإنَّما كان يريد إشاعةَ الفساد والإلحاد، وكان قدوةً سيِّئة لِشعبه في ممارسة هذه المنكَرات، وتمكَّن خلال خمسة عشر عامًا من وضع المرأة التركيَّة الملتزمة بدِينها في المستوى الذي كانت عليه المرأة في أوربا.
وقد تمَّ فَرض قانون ارتداء القبَّعة، وفرض الزيِّ الأوربي على أفراد الشَّعب، واستتبع ذلك التعرُّض لنساء الدولة، اللاتي تمَّ حَظر ارتدائهنَّ الحجاب، وتوجيههنَّ إلى إعلان السفور؛ بحجَّة تقليد الغربيَّات، ومسايرة التقدُّم، والبعد عن التخلُّف.
وممَّا قاله في تسوِيغِ حَربه على الحجاب: “قد رأيتُ كثيراتٍ من أخواتنا يغطِّين وجوههنَّ إذا ما رأين غريبًا يتقدم نحوهنَّ، من المؤكَّد أنَّ هذا الغطاء يضايقهنَّ كثيرًا في الحرِّ”.
ومن أهم ما قام به عام 1925 إجبار تركيا بأكملها، وليس المرأة فقط على هَجر الإسلام كليَّة، حتى الحرف الذي تُكتب به اللُّغة التركيَّة متشابهًا مع لغة القرآن، أمَّا نَزع حجاب المرأة التركيَّة فقد تمَّ بالإرهاب والإهانة في الطُّرُقات حين كان البوليس يقوم بنَزع حجاب المرأة التركيَّة بالقوة.
وفي عهد عدنان مندريس - أي في أوائل الخمسينيات - ألغَت الحكومة عددًا من القرارات الظَّالِمة التي كان قد اتَّخذها أتاتورك وخليفته عصمت أنينو، وتنفَّس المسلمون الصعداءَ طول هذا العهد، غير أنَّ العسكريين الذين كان أتاتورك يَحكمهم وهو في قبره أدركوا أنَّ قرارات مندريس كانت سببًا من أسباب بزوغ فَجر الإسلام، فما كان من قادتهم إلَّا أن قادوا انقلابًا عسكريًّا، تولَّوا إثرَه شؤونَ الحكم وأعدموا مندريس، واتَّخذوا إجراءات صارِمة ضد التديُّن والمتدينين.
وهكذا نزعَت نساء تركيا الحجابَ ليكون نَزع الحجاب خطوةً ضمن خطَّة علمانيَّة لإزالة كل أثَر للإسلام في تركيا.
يتبع**








