بلاغة القرآن — موضوع مستورد

**بسم الله الرّحمن الرّحيم

(2)

وقيل إن {إنّ} بمعنى نعم ها هنا كما حكاه الكسائي عن عاصم، وكذا حكاه سيبويه. قال النحاس : رأيت الزجاج والأخفش يذهبان إليه فيكون التقدير: “نعم هذان لساحران” ومنه قول الشاعر :

ليت شعري هل للمحبّ شفاء … من جوى حبهنّ إنّ اللقاء

أي “نعم اللقاء”.

قال الزجاج : والمعنى في الآية: أن هذا لهما ساحران ثم حذف المبتدأ وهو هما، وأنكره أبو علي الفارسي وأبو الفتح بن جني.

وقيل إن الألف في هذا مشبهة بالألف في يفعلان فلم تغير.

وقيل إن الهاء مقدرة : أي “إنه هذان لساحران” حكاه الزجاج عن قدماء النحويين، وكذا حكاه ابن الأنباري.

وقال ابن كيسان: إنه لما كان يقال هذا بالألف في الرفع والنصب والجر على حال واحدة، وكانت التثنية لا تغير الواحد أجريت التثنية مجرى الواحد فثبت الألف في الرفع والنصب والجر…".

فهذه أقوال أهل العلم باللغة تتضمن الدفاع عن هذه القراءة وتثبت موافقتها للإعراب من وجوه متعدّدة. فهل يصدّق أهل اللغة في مثل هذا الأمر أم يصدّق من يجهل لغة العرب ولا يحيط باختلافاتها وتنوعها.

قاعدة

قال مصطفي لطفي المنفلوطي (في النظرات):

"وليست مسألة الإعراب واللحن مسألة عقلية يكون للبحث العقلي فيها مجال، وإنما الإعراب ما نطق به العرب، واللحن ما لم ينطقوا به، فلو أنهم اصطلحوا علي نصب الفاعل ورفع المفعول مثلا لكان رفع الأول ونصب الثاني لحنا.

و لكن جهلة المبشرين لم يدركوا شيئا من هذه المسلّمات، واستدلوا على وجود اللحن في القرآن بقواعد النحو التي ما دونها مدوّنوها إلا بعد أن نظروا في كلام العرب وتتبعوا أساليبه و تراكيبه، و أكبر ما اعتمدوا عليه في ذلك هو القرآن المجيد. فالقرآن حجة علي النحاة وليست النحاة حجة علي القرآن. فإن وجد في بعض تراكيب القرآن أو غيره من الكلام العربي ما يخالف قواعد النحاة، حكمنا بأنهم مقصرون في التتبع والاستقراء، على أنهم ما قصّروا في شيءٍ من ذلك، و ما تركوا كثيرا و لا قليلا و لا نادرا و لا شاذا إلا دوّنوه في كتبهم".

منقووووووووووووول**

**بسم الله الرّحمن الرّحيم

نفي شبهة اللحن في القرآن الكريم

الكاتب: ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول وعلى آله وصحبه ومن والاه

أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن ليكون معجزة دالة على نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، وتحداهم به أن يأتوا بمثله، وجعل عجزهم عن الإتيان بمثله دليلا على أنه منه سبحانه ودليلا على وحدانيته وصدق نبوة نبيه صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِن لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)} (البقرة).

ولو قدر كفار العرب على الإتيان بمثل القرآن لما تأخروا عن ذلك وهو يتحداهم بلغتهم التي كانوا يفتخرون بإتقانها والعلم بها، إلا أنهم عجزوا عن معارضة القرآن، وظهرت حيرتهم فيه، ففزعوا إلى شتى أنواع التعليل والتبرير والتعذير فقالوا: {لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (31)} (الأنفال)، وقالوا: {مَا هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرًى} (سبأ)، وقالوا: {إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ} (سبأ).

وبالرغم من أن كفار العرب كانوا في صراع مع القرآن الكريم الذي تحداهم إلا أنه لم ينقل عن واحد منهم أنه وصف القرآن باللحن، أو بالغلط اللغوي. ولو كان هناك مجرد شبهة عندهم في هذا الأمر لما تأخروا عن الإفصاح عنها ونشرها.

فشبهة اللحن في القرآن من اختراع جماعة من الزنادقة الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، ولم تكن في يوم من الأيام محل نظر حتى عند أشدّ خصوم الإسلام من العرب الأقحاح كالوليد بن المغيرة وأبي جهل وأبي لهب. ومن هؤلاء الزنادقة الذين روي عنهم طعنهم في القرآن من حيث عدم فصاحته ابن الراوندي. قال ابن الجوزي في (تلبيس إبليس): “وصنف كتابا سماه الدامغ زعم أنه يدمغ به هذه الشريعة، فسبحان من دمغه فأخذه وهو في شرخ الشباب، وكان يعترض على القرآن ويدعي عليه التناقض وعدم الفصاحة وهو يعلم أن فصحاء العرب تحيرت عند سماعه فكيف بالألكن”. ثمّ تخطف هذه الشبهة من فم الزنادقة جمع من المبشرين والمستشرقين، وأخذوا يروجون لها بين المسلمين، فوجدوا آذان ضعاف الإيمان وعشّاق الغرب صاغية تتلقّف ما يأفكون.

مثال سورة طه

زعم من لا علم له بلغة العرب أنّ في القرآن لحنا ومخالفة لقواعد الإعراب، وذكروا لذلك أمثلة أوضحها عندهم آية وردت في سورة طه، وهي قوله تعالى: {إن هذان لساحران}.

وقد ردّ جمع من العلماء على هذا الزعم الباطل بحجج كثيرة، ومنهم الشوكاني رحمه الله تعالى حيث قال (في تفسيره فتح القدير ج3 ص373):

"قرأ أبو عمرو {إنّ هذين لساحران} بتشديد الحرف الداخل على الجملة وبالياء في اسم الإشارة على إعمال إن عملها المعروف وهو نصب الاسم ورفع الخبر، ورويت هذه القراءة عن عثمان وعائشة وغيرهما من الصحابة، وبها قرأ الحسن وسعيد بن جبير والنخعي وغيرهم من التابعين، وبها قرأ عاصم الجحدري وعيسى بن عمر كما حكاه النحاس، وهذه القراءة موافقة للإعراب الظاهر مخالفة لرسم المصحف فإنه مكتوب بالألف. وقرأ الزهري والخليل بن أحمد والمفضل وأبان وابن محيصن وابن كثير وعاصم في رواية حفص عنه {إنْ هذان} بتخفيف إن على أنها نافية، وهذه القراءة موافقة لرسم المصحف وللإعراب، وقرأ ابن كثير مثل قراءتهم إلا أنه يشدد النون من هذان. وقرأ المدنيون والكوفيون وابن عامر {إنّ هذان} بتشديد إن وبالألف فوافقوا الرسم وخالفوا الإعراب الظاهر.

وقد تكلم جماعة من أهل العلم في توجيه قراءة المدنيين والكوفيين وابن عامر، وقد استوفى ذكر ذلك ابن الأنباري والنحاس، فقيل إنها لغة بني الحارث بن كعب وخثعم وكنانة يجعلون رفع المثنى ونصبه وجره بالألف، ومنه قول الشاعر:

فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى … مساغا لناباه الشجاع لصمما

وقول الآخر :

تزود منا بين أذناه ضربة … [دعته إلى هابي التراب عـقيم]

وقول الآخر :

إن أباها وأبا أباها … قد بلغا في المجد غايتاها

ومما يؤيد هذا تصريح سيبويه والأخفش وأبي زيد والكسائي والفراء إن هذه القراءة على لغة بني الحارث بن كعب، وحكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب أنها لغة بني كنانة، وحكى غيره أنها لغة خثعم.

وللبحث يقية**

**وأمَّا انتظام دلالته على ما يقصد إفادته وإحضاره في الأذهان، فإنك ترى فيه التشابيه الرائعة، والأمثال البارعة، والاستِعارات الطريفة، والمَجازات اللَّطيفة، والكنايات المُنقَطِعة النَّظير، والتعريض الذي يقتضيه المقام، فيكون أقرب إلى حسن البيان من القول الصريح.

وقد يخطر على بالك أن في القرآن آيات مشكلة، أو متشابهة، والحق الذي لا مرية فيه أنْ لا إشكال في القرآن عند مَن يتدبره بروية، ويأتي إلى التفقه فيه وقد تزود بقوانين لغة العرب، واستضاء بمعرفة فنون بيانها.

وليس في القرآن متشابه على معنى أن في الآيات ما لا يظهر تأويله للناس، بحيث يتلونه أو يستمعون إليه ولا يعودون بفائدة علمية أو أدبية.

وأمَّا استيفاؤه للمعاني التي يستدعي الحال الإفصاح عنها أو الإيماء إليها، فإنك تنظر في الآية، وتتدبَّر المعنى الذي سيقت من أجله، فتعود منها ويدُكَ مَملوءة من الفوائد التي تَقَعُ إليْها، من حيثُ تُقَرِّرُ شريعة، أو تُقِيمُ حُجَّة، أو تلقي موعظة، أو ترسل حكمة، إلى نحو هذا مِمَّا تَستبينُ به سبيلُ الرشد، وتنتظم به شؤون الحياة، وترتفع به النفوس إلى أعلى درجات الفلاح في دُنْياها وآخِرَتِها.

بلغ القُرآن الطرف الأعلى من حسن البيان، على الرغم من أشياء اجتمعت له، ولو عرضت لكلام مخلوق لنزلت به عن المكانة العالية إلى ما هو أدنى.

ترى البليغ من البشر يحسن البيان، ويأخذك لبَّك بالمنشآت الرائقة، حتَّى إذا طال به مجال القول وقطع فيه أشواطًا واسعة، رأيت في جمله أو أبياته تفاوتًا في البراعة، وأمكنك أن تبصر فيها ضعفًا، وتستخرج بنقدك الصحيح من أواخر كلامه مآخذ أكثر مما تستخرج من أوائلها.

ولكن القرآن الكريم على طول أمده، وكثرة سوره، نزل متناسبًا في حسن بيانه كما قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الزمر: 23]، ثم قال: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82].

وترى البليغ من البشر يخوض في فنون من الكلام متعددة، فإذا هو يرتفع في فن وينحط في آخر.

ولكنَّ القرآن الكريم يتصرَّفُ في فنون كثيرة؛ مثل الوعظ، وإقامة الحجج، وشرع الأحكام، والوصف، والوعد والوعيد، والقصص، والإنذار، وغير ذلك منَ الوُجوه الَّتِي تتَّصل بِالهداية العامَّة، فلا تتفاوت فيها ألفاظه الرشيقة، وأساليبه البديعة.

والمعروف أنَّ القرآن أَتَى بِحقائقَ أسَّس بِها شريعةً واسعةَ النطاق، وليس من شأن هذه المعاني أن تظهر فيها براعةُ البُلغاء كما تظهر فيما ألفوه من نحو المديح والرثاء والتهنئة والغزل ووصف المشاهد، إلى غير ذلك مِمَّا يطلقون لأفكارهم فيه العنان، فتذهب مع الخيال كل مذهب، وترتكب من المبالغات ما استطاعت أن ترتكب، والقرآن الكريم يعبر عن تلك المعاني التي تَسْتَدْعِي صِدْقَ اللهجة وصوغ الأقوال على أقدارِ تِلْكَ الحقائق، فَتَرى الفصاحةَ ضاربةً أطنابَها، والبلاغة مرسلة أشعتها.

في بلغاء البشر من تحس من شعره أو خطبته أو رسالته أنه لم يكن يتصنع فيما يقوله؛ ذلك أنك تجد في كلامه الجيد، والوسط، والرديء، وفيهم مَنْ تُحِسُّ فيما يقولُه التَّصَنُّع وهذا هو الذي يَغْلِبُ على كلامِه المنظوم أوِ المنثور الجودةُ في تَصوير المعنَى، والتعبير عنه بكلام موزون، أو غير موزون.

ولكنَّ القُرآن الكريم بالغ الغاية من حسن البيان، فلا يَجِدُ فيه الرَّاسِخُ في نَقْدِ المُنْشآتِ البليغة ما يَنْزِلُ عنِ الدَّرَجَةِ العُليا؛ بَلْ يُحِسُّ رُوحَ البلاغة التي لا يَحوم عليها شَيْءٌ منَ التَّصَنُّع ساريةً في آياته وسوره، سواء في ذلك تصويره للمعاني، أو نظم الألفاظ الناطقة بها.

ومن مظاهر بلاغة القرآن، أنه يورد القصة في أوفى درجة من حسن البيان، ثم يعيدها في سورة أخرى على حسب ما يقتضيه مقام الوعظ، حتى إذا عقدت موازنة بين حكايتها هنا وحكايتها هناك، وجدتهما في مرتبة واحدة من البلاغة لا تَنزِلُ إحْدَاهُما عن الأخرى بحال، أمَّا البليغ من البشر، فقد يسوق إليك القصة في عبارات أنيقة، ثم يريد أن يعيدها مرة أخرى فإذا هي في درجة من البراعة منحطة عن درجتها الأولى.

منقوووووووووووووول عن موقع الألوكة**

**بلاغة القرآن

العلامة الشيخ محمد الخضر حسين (رحمه الله تعالى)

لدعوة الإسلام براهين ناطقة بأنَّها دعوة حق ولسان صدق، وأقوى هذه البراهين دلالةً، وأملؤها للقلوب يقينًا، ذلك الكتاب الذي نزل به الروح الأمين على خاتم النبيين، ولو لم تقترن الدعوة الإسلامية إلا به لكان كافيًا في إقامة الحُجَّة على أنَّها الرسالة الشاملة الخالدة.

وللبحث في إعجاز القرآن نواحٍ كثيرة اتَّجه إليها المفسرون وعلماء البيان بتفصيل، فكشفوا الغطاء عن كثير من أسرارها، ووضعوا أيديهم على جانب عظيم من حقائقها، والناحية التي سنحدثك عنها في هذا المقال هي ناحية بلاغته وحسن بيانه.

بلاغة القول: أن تكون ألفاظه فصيحة، ونظمُه مُحكمًا، ودلالته على المعنى منتظمة وافية.

أمَّا فصاحة ألفاظه فبِأَنْ يسهل جريانُها على اللسان، ويخف وقعها على السمع، ويألفها الذوق غير ناب عنها، وهي مع ذلك جاريةٌ على ما يَنطق به العَرَبُ أو يَجْرِي على قياس لغتهم.

وأمَّا إحْكامُ نَظْمِه فبِأَنْ تقع كلُّ كلمةٍ منه موقعها اللائق بِها، بحيثُ تكونُ كلماتُه مُتناسبةً يأخذ بعضها برقاب بعض، فلا يُمكنك أن تضع يدك على كلمة وتقول: ليت هذه الكلمة تقدَّمَتْ عن تلك الكلمة أو تأخَّرتْ عنها.

وأمَّا انتظام دلالته، فبأن يطرق اللفظ سَمعَك فيخطر معناهُ في قلبك، وحصول المعنى في القلب بسرعة أو بعد مهلة يرجع إلى حال السامع من الذكاء أو بُطْءِ الفهم، وحال المعنى من جِهَةِ ظُهورِه وقُرْبِ مأخذِه، أو دقته وغرابته.

ويتحقَّقُ انتظامُ دلالة الكلام بإخراج المعانِي في طرقٍ تُرِيكها في أقوم صورة وأعلقها بالنفس، كالتشابيهِ وضرب الأمثال، والاستعارات والكنايات المصحوبة بقرائن تجعل قصد المتكلم قريبًا من فهم السامعين.

وأمَّا كون الدلالة على المعنى وافية، فبأن يؤدي اللفظ صور المعاني التي يقصد المتكلم البليغ إفادتَها للمخاطَبين على وجه أكمل، بحيث تكون العبارة بِمُفرادتِها وأسلوبِها كالمرآة الصافية تعرِضُ عليْكَ ما أودعْتَ من المعاني، لا يفوت ذهنَكَ منها شَيْءٌ، ونريد من المعاني الَّتِي يُؤَدِّيها الكلام غَيْرَ مَنْقُوصةٍ ما يشمل المعاني التي يراعيها البليغ زائدة على المعنى الأصلي الذي يقصد كُلُّ متكلِّم إلى إفادته، وهي المعاني الَّتِي يُبْحَثُ عنْها في علم البيان، وتُسمَّى: “مستتبعات التراكيب”، وكثيرًا ما نُنَبِّهُ لَها فيما نكتب من التفسير.

هذه الوجوه التي يرجع إليها حسن البيان، يتنافس فيها البلغاء من الكُتاب والشعراء، ويتفاضلون فيها درجات، فترى كلامًا في أدنى درجة، وآخر فيما هي أرفع منها، ولا تزال تُصَعِّد نظرك في هذه الدرجات المتفاوتة إلى أن تصل إلى كلام يبهرك بفصاحة مفرداته، ومتانة تأليفه، وانتظام دلالته، وبهجة معانيه المالئة ما بين جوانبه.

فإذا أردنا أن نتحدث عن بلاغة القرآن، أتينا إلى البحث عنها من هذه الوجوه التي وضعناها بين يديك، فننظر في ألفاظه من جهة فصاحتها، وفي نظمه من جهة أخذ كل كلمة الموضع اللائق بها، وفي دلالته من جهة تصوير المعاني، وإيصالها إلى الأذهان من غير تعسف ولا التواء، ثم في جمله من جهة ما تحمل من المعاني التي يستدعي المقام مراعاتها.

أمَّا فصاحة مفرداته، فلا تَمرُّ بك كلمة منه إلا وجدتَها محكمة الوضع، خفيفة الوقع على السمع.

وأمَّا متانة نظمه، فقد بلغت الغاية التي ليس وراءها مطلع، فلا يمكنك وأنت العارف بقوانين البيان، الناظر في منشآت البلغاء بإمعان، أن تشير إلى جملة من جمله وتقول: ليتها جاءت على غير هذا الوضع، أو تشير إلى كلمة من كلمها وتقول: لو استبدل بها كلمة أخرى لكانت الجملة أشد انسجامًا، وأصفى ديباجة.

يصل الكلمة بما يلائمها، ويعطف الجملة على ما يناسبها، ويضع الجملة معترضة بين الكلمتين المتلائمتين، أو الجملتين المتناسبتين، فترى الكلمتين أو الجملتين مع الجملة المعترضة بينهما كالبناء المحكم المتلائم الأجزاء، فلا يكاد الفكر يشعر بأنه انقطع بالجملة المعترضة عن الكلمة الأولى أو الجملة، ثم عاد إلى كلمة أو جملة مرتبطة بها ارتباطًا وثيقًا.

وللبحث بقية**