باب مواقيت العبادات

**إذا فرغنا من هذا انتقلنا إلى مسألة الشهادات لنفهم أن مراد الشارع يتعدى إلى ما لم يفكر فيه بعض الناس في مثل هذه القضايا

فأقول:

قاض في الأندلس رآى أن العقوبة المرتبة على شخص غني بأن يعتق الرقاب، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، سهلة عليه، فرآى قلب الترتيب، فجعل عليه الصيام شهرين لتكون عقوبة صعبة ثم العتق

لم يفطن هذا القاضي إلى أن الشارع جعل من هذا الأمر بابا لعتق الرقاب، فنسي أن عبيدا بانتظار عتقهم من هذا الباب، وتفكر فقط في ذلك الذي يفعل المنهي عنه، وتغليظ العقوبة عليه

إذن:

فالشاهد هنا أن الشارع حين رتب أحكاما معينة بأوضاع معينة فإن العقل لا يصح له أن يتجاوزها إلى غيرها، لأن الشارع لم ينس ولم يغفل ولم يجهل بأن الواقع سيصبح كذا أو في ظرف ما سيكون أسهل على الجاني أن يفعل الفعلة لأن العقوبة بالنسبة له سهلة

مثال ثان:

شدد الشارع في مسألة الشهادة على الزنا، فجعله أربعة شهود، إكراما للمرأة، وللرجل، بأن لا يتهما بسهولة، فإنه من العسير جدا أن يحصل في الواقع أن يشاهد أربعة واقعة زنا

ثم إن تبين أن الشهود أو أحدهم كاذبين، فمنع قبول شهادتهم أبدا

اسقط عدالتهم، واسقط شهادتهم

حفاظا على كرامة الناس في المجتمع من أن يتعرضوا للقذف، فإن لم يقم الشهود بإثبات شهادتهم على نحو صحيح سقطت عدالتهم

وهذا أبو بكرة رضي الله عنه من الصحابة شهد ولم يستطع إثبات شهادته، وأسقطت شهادته في المجتمع

فتساءل الفقهاء: هل هناك فرق بين من يشهد وهو صادق، ومن يشهد وهو كاذب ؟

سأقول بعد قليل ما قاله الفقهاء في مثل هذه الحالة

لكن ما أريدكم أن تتفكروا فيه، هو رفع قيمة الشخص في المجتمع بحيث أن التعدي على كرامته بقذفة جريمة تجعل من يفعلها ساقط العدالة في المجتمع أبدا، فلا تقبلوا منهم شهادة أبدا

فما دخل هذا بقضية الهلال؟

سأقول لكم الآن

لقد رفع الله من قدر المسلمين أفرادا إلى درجة أن شهادة الواحد منهم بأنه رآى الهلال ملزمة للأمة كلها بأن تصوم بناء عليها

هذا هو قدرك عند الله

لأنك مسلم، تستحق أن تعامل هذه المعاملة الكريمة

كما أن من يعتدي على حرمتك فيقذفك يستحق أن تسقط شهادته وأن يجلد

فإن قيمتك أيضا عالية سامقة بأن شهادتك تلزم الأمة بالصوم

كما كان الصحابة رضوان الله عليهم: يجير بذمتهم أدناهم

لو أجار مسلم واحد ملكا من ملوك الفرس أو الروم للزمت ذمته للمسلمين فيجيرون من أجار

هذه الأمور غابت عن أذهانكم وأنتم تحاكمون شهادة العدول المسلمين

الشارع رفع أقداركم فلا تجعلوها موضع اتهام

كما جعل في الكفارة عتق الرقبة مقدما كي يجعله سبيلا لتلك الرقاب لتعتق

وكما رفع من قيمتك بأن من يقذفك يجلد وتسقط عدالته

وكما أن مت يقتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا

هذه النصوص كلها ترفع أقدارنا بأن تجعل وزن شهادتنا على مستوى الأمة كلها

الحقيقة أن هنالك مشكل، وهو أن الحسابات الفلكية قد تقطع بأن الرؤية في اليوم الفلاني مستحيلة،**

**فالإمساك والإفطار تتفاوت أوقاتهما من بلد لآخر كما تتفاوت أوقات الصلاة فيه، ولكن هذا التفاوت يحصل ضمن اليوم الواحد، وبدء الصوم لا بدّ أن يكون في يوم واحد، والتفاوت يحصل في أجزاء هذا اليوم، هذا ما دلت عليه نصوص الأحاديث، وهذا ما يثبته مناط الحكم، فالتفاوت في مطالع الهلال بين أبعد نقطتين على سطح الكرة الأرضية لا يزيد عن اثنتي عشرة ساعة. وعليه فإن جميع أهل الأرض بإمكانهم رؤية الهلال في خلال اثنتي عشرة ساعة هذه، لولا حيلولة العوامل الطبيعية من غمام ونحوه دون ذلك، أي أن تحديد بدء الصوم يثبت لأهل الأرض كافة في أجزاء من اليوم الواحد، فيلزمهم حينئذ أن يبدوأ صيامهم جميعاً، وهذا ينطبق على تحديد بدء العيد.

إلاّ أن المجتهدين الأوائل معذورون في عدم فهمهم للمناط، إذ لم يكونوا يدركون حركة الأرض والشمس والهلال، أما الآن وقد وضحت لدينا حركتهم، وفهمنا مناط الحكم لم يعد هناك مبرراً لمن يقول باختلاف المطالع يوماً كاملاً فضلاً عمن يقول باختلافها عدة أيام.

أما ثانيهما، فهو ما ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنهما من عدم التزامه رؤية اهل الشام للهلال، وقوله: "هكذا أمرنا رسول الله " في ذلك، فيتخذ من يقول باختلاف بدء يوم الصوم وباختلاف بدء يوم العيد هذا الحديث حجة لقولهم هذا، ووجه استدلالهم هو أن ابن عباس لم يعمل برؤية أهل الشام، ودلالة حديث ابن عباس هو أنه حفظ عن رسول الله أن لا يلزم أهل بلد العمل برؤية بلد آخر، فيكون الحديث مخصصاً لحديث الرؤية ومبيناً له، والجواب على ذلك أن الحديث لابن عباس وليس لرسول الله ، فهو اجتهاد له كصحابي، واجتهاد الصحابي ليس دليلاً شرعياً، فليس بحجة ولا يلزم إلاّ صاحبه ومن يقلده، وفوق ذلك، فإن اجتهاد الصحابي لا يجوز أن يخصص الحديث، وعليه وبعد هذا التبيان لواقع حكم توحيد بدء الصوم بيوم واحد وتوحيد يوم العيد بيوم واحد، لم يعد من مسوّغ للزوم الفهم السابق الذي يقضي باختلاف مطالع الهلال.

أيها المسلمون هذا بيان لكم، ولتعلموا أن بامتثالكم أمر الله وباتباعكم شرعه، وحرصكم على تعظيم شعائر الله بإظهار هذا الجانب من وحدتكم المتمثل بتوحيد يوم الصوم وتوحيد يوم العيد، تكونوا قد سرتم على الطريق السويّ الذي اخططه لكم رسول الله ، ولتنظروا حولكم ولتروا فتدركوا، أن امتكم الإسلامية لا يمكن أن يستقيم لها أمر، أو يعظم لها شأن، ما لم يكن لها إمام تجتمعون حوله، ويكون له أمر كل صغيرة وكبيرة، وخاصة الأمور التي يختلف حولها، ويلزمها من يبت بها، وينفذ منها ما يرسّخ حقيقة وحدة الأمة. وخير دليل نسوقة للدلالة على صحة هذه الحقيقة، هو اجتماع كافة المسلمين في سائر أنحاء الأرض على اعتبار يوم العاشر من ذي الحجة أي يوم عيد الأضحى عيداً لهم لا يشذ عنهم أحد، علماً بأن التوافق في تحديد يوم العيد أي يوم العاشر من ذي الحجة مرهون ومرتبط بالتوافق في تحديد أول أيام هذا الشهر - ذي الحجة - وهذا يلزم بالضرورة توافق عامة المسلمين والعمل برؤية واحدة، فكيف يلزم المسلمون أنفسهم العمل برؤية واحدة ويجتمعون عليها في تحديد بدء شهر، ولا يلزمون أنفسهم ويختلفون في تحديد بدء شهر آخر، وعلى ذلك فإننا نعزو أمر الاختلاف والتشرذم بين أمتنا الواحدة ونقرنه باختلاف الحكم والسلطان، كما ونؤمن أن أمر توافقها ووحدتها مرهون بوحدة الحكم والسلطان، فإلى هذا الأمر العظيم ندعوكم، فهل من مستجيب.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

أ**

**التعارض بين: استحالة الرؤية فلكيا، وشهادة الشاهد

المهندس ثائر سلامه

قبل الخوض في الموضوع، أحببت أن أوضح شأنا بشأن قيمة شهادة الشاهد في الشرع، ثم أعرج على المسألة المبحوثة فقهيا في المداخلة التالية ان شاء الله:

كيفية الاجتهاد وفهم النصوص الشرعية

الاجتهاد هو بذل الوسع في تحصيل غلبة الظن بأن الحكم الشرعي في مسألة ما هو كذا.

على وجه يعجز معه المجتهد عن المزيد فيه.

ويكون بالاتيان بكل النصوص الشرعية المتعلقة بالمسألة المبحوثة، وفهم دلالات الألفاظ فيها، وأنواع هذه الدلالات، والبحث في الناسخ والمنسوخ من هذه النصوص، العام والخاص، المطلق والمقيد وفقا لأصول الفقه في التعامل مع هذه النصوص.

… ثم بعد أن يعرف حكم الله في هذه المسألة، مثلا أن حكم الله في الخمر أنه حرام

يأتي إلى فهم الواقع المطلوب إنزال الحكم الشرعي عليه

مثلا هل العطر خمر؟ هل المخدرات خمر؟

واقع جديد مجهول الحكم نريد أن نفهم هل ينطبق عليه حكم معلوم وهو حكم الخمر ، هل يندرج تحته أم لا

يجري المجتهد البحث في واقع الخمر ما هو؟ بأي شيء يوصف الشيء بأنه خمر شرعا؟ الإسكار مثلا، هل حدد الشرع كمية أدنى مثلا ؟ هل وهل؟

يضع المجتهد الأسئلة التي تلزم لفهم هل يندرج هذا الواقع الذي نبحث له عن حكم شرعي تحتها أم لا

ثم ينزل الحكم على الواقع فيحصل الاجتهاد

ما هو دور العقل؟

العقل في العقيدة دوره أن يكون حكما، فيحاكم القضايا حتى يتوصل إلى القناعات بأن وجود الله حقيقة وعليه أدلة، فيعتقده، ومطلوب منه شرعا أن يفكر ويتدبر ويقيم الأدلة

ويحرم شرعا إيمان التقليد،

بمعنى أن المقلد في إيمانه آثم وليس بكافر، لأن الشرع طلب منه أن يفكر هو ويستدل هو بما يوصله إلى القناعة

أما في الأحكام الشرعية فالعقل ليس بحكم، بمعنى أنه آلة للفهم، لفهم النصوص وإنزالها على الواقع ليفهم مراد الشارع منه

أبسط دليل: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره

وقوله تعالى: أيحسب الانسان أن يترك سدى؟

الإمام الشافعي يقول ما معناه: أن من لم يؤمر وينه في مسألة فهو في تلك المسألة في مقام السدى

والله ينفي أنه ترك الناس في مقام السدى

والله بين أنه سيسألهم عن اتباع أمره في مثقال الذرة

وابن حزم أقام الحجة على فهم حديث معاذ

بأن الرسول عليه سلام الله لما أذن له بأن يجتهد برأيه ولا يألوا

أن معناه أن يجتهد في ضمن آلية الاجتهاد في النصوص الشرعية، بدليل أن هذا الأمر ليس لمعاذ وحده

فإن كان لكل امرئ أن يجتهد رأيه الشخصي، أي حكم عقله في المسائل، فعلى أي منها سيحكم الله على فلان بأنه في النار وعلى فلان بأنه في الجنة؟

فكل من يتبع رأي عقله يكون قد فعل الخير فلا شر إذن، ولا عصيان لأمر الله، فلا عقوبة إذن

وهذا دليل دامغ على أن الشارع يعاقب على عصيان أمر الشارع لا على اتباع العقول والأهواء

وقال تعالى: ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض

يعني لو ترك الشرع للناس ليشرعوا على أهوائهم لفسدت السموات والأرض

ولذلك لم يترك أمر التشريع للناس، بل أوجب عليهم أن يتبعوا في كل أمر حكم الله وحكم رسوله**

**الاختلاف في بدء يومي الصوم والعيد … لماذا؟

حمد عبد الرحيم ـ بيروت

الاختلاف في بدء يومي الصوم والعيد… لماذا

جعل الله الأمة الإسلامية أمة واحدة: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، وشرع لها أحكاماً عدة تحفظ وحدتها وتصونها، وتحول دون تمزقها وتبعثرها، فكان أن أناط أمرها لرجل واحد، تلتفت بشعوبها وقبائلها وأفرادها حوله، ولا تخرج عن أمره كائناً ما تكون الظروف، ما التزم شرع الله، ودأب على تطبيقه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، وقال : «ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع. فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر».

فيا حبذا أن نقوم نحن جميع المسلمين في بقاع العالم أن نظهر مظهر الأمة الواحدة بتوحيد بدء شهر الصيام من كل عام، كما وأننا رجل واحد، وتوحيد بدء العيد بيوم واحد لا يتخلف عنا متخلف، فهذا الأمر ليس مجرد حرص أملته رغبة غيارى مندفعين أو مخلصين.

وإنما هو حكم شرعي، أمر الله الأمة امتثاله صوناً لوحدتها، حيث عادت أو تكاد شعوباً وقبائل منقسمة على ذاتها. والحكم الشرعي هذا، يقضي بأن يبدأ المسلمون جميعهم الصوم، قال : «صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته»، «لا تصوموا حتى تروا الهلال»، فكلمة (صوموا)، الواردة في الحديث الشريف عامة تشمل جميع المسلمين، في جميع بقاع الأرض، وكلمة الرؤية جاءت بلفظ عام كذلك (لرؤيته)، (إذا رأيتم)، (حتى تروا)، وهذا يجعلها تشمل كل رؤية، وليست خاصة برؤية الشخص نفسه، ولا برؤية أهل بلده.

وعليه فإن الخطاب الذي يأمر المسلمين بالصوم، وبالفطر عام، ومتعلق الخطاب وهو الرؤية هو عام أيضاً، فلا شك أن الحكم يكون حينئذ عاماً، فليزم الأمر بالصوم والفطر جميع المسلمين في جميع أنحاء العالم عند رؤية الهلال. فلو رأي أهل أقصى بلاد الشرق الهلال لزمت لرؤيتهم هذه أهل أقصى بلاد الغرب، ورؤية هؤلاء رؤية لأولئك وتلزمهم، فيبدأوا صومهم سوية ويبدأوا العيد معاً، كأهل البلد الواحد سواء بسواء.

هذا هو حكم الله حسب دلالة النصوص الشرعية، وقد كان المسلمون على عهد رسول الله يصومون ويفطرون جميعاً في يوم واحد، رغم اختلاف مناطقهم، وأماكن وجودهم قربت أم بعدت، وهذا أيضاً يشكل دليلاً شرعياً آخر، يؤكد ما ذهبنا إليه من أن رؤية الهلال، توجب على جميع المسلمين أن يصوموا معاً، وأن يفطروا معاً بيوم واحد.

أما ما ذهب إليه القائلون باختلاف بدءِ الصوم وباختلاف بدءِ يوم العيد، فيتلخص في أمرين اثنين، أحدهما: أنهم يقولون أن لكل بلد رؤيته التي لا تلزم غيرهم، فأهل كل بلد مخاطب بما عنده كما في أوقات الصلاة ومن هنا قالوا باختلاف المطالع. ونقول بأن اختلاف أوقات الصلاة بين الأقطار، مقيد بدخول أوقاتها، وهذه متفاوتة في الحصول من بلد إلى آخر، فضلاً عن تفاوتها في البلد الواحد، وهذا أمر لا بدّ منه لأن العلامات التي حددها الشارع، تتفاوت في الحصول، ولكون حركة الشمس وصيرورتها في كبد السماء في بلد ما، وهي وقت دخول صلاة الظهر فيه، لا يمكن أن تلقي ظلالها على بقعة أخرى من الأرض، تكون للشمس، كما لذلك البلد منها في الوقت نفسه، وبعبارة أخرى لا يمكن للشمس أن تكون في وسط السماء بالنسية لنقطتين متباعدتين على الأرض في ذات الوقت، فيكون التفاوت في العلامات الدالة على دخول أوقات الصلاة أمراً حتمياً بين بلد وآخر. وبالنسبة للصوم فإن هذا التفاوت حاصل عند الإمساك قبيل الفجر وعند الافطار بعيد الغروب، لأن النص الشرعي جاء يدل على هذا التفاوت. : ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾.**

**سؤال

حول مواقيت الصلاة والصيام**

**السؤال :

أنا أحد الشباب من فنلندا أتساءل عن حكم مواقيت الافطار عندنا، حيث ان الشمس وان كانت تغيب الا انه ليس هناك “ظلمة ليل” وتبقى مثل حالة الشفق بعيد الغروب، علما أنني أعيش في منطقة نائية في شمال فنلندا في منطقة تبعد 800 كلم عن العاصمة هلسنكي، وبالكاد توجد جماعة من المسلمين هناك.

فكيف نقدر مواعيد الامساك عند الفجر، مع ان وقت الغروب شبه معروف (مع ملاحظة ان “الغروب” يكون حوالي الساعة 11 مساء. أما الفجر فمن الصعب تحديد وقته نظرا لعدم وجود “ليل” بالمعنى المتعارف عليه. فهل يصح لنا ان نقضي صوم رمضان في موعد اخر؟؟ وهل يؤثر عدم وجود زمن محدد للامساك (الفجر) على صحة الصيام (حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر)؟ أم أن علي ان أقتفي مواقيت الجامع في العاصمة هلسنكي؟؟**

**الجواب:

إن المواقيت هي أسباب الصلاة والصيام، فيوجد الحكم بوجود السبب، وينعدم وجود الحكم بانعدام وجود السبب، ولذلك يقال في السبب أصولياً: “السبب، في الاصطلاح، هو كل وصف ظاهر منضبط دل الدليل السمعي على كونه معرفاً لوجود الحكم لا لتشريع الحكم.” أي أن الأسباب هي أمارات وضعها الشارع لتعريف المكلَّف وجود الحكم من قبل المكلِّف، وبالتالي فإن السبب يترتب على وجوده وجود الحكم وعلى عدمه عدم الحكم.

وعليه فلا يجوز الصيام أو الصلاة بمواقيت منطقة أخرى غير منطقتك من حيث صلاة الفجر أو الظهر… ومن حيث وقت الإمساك في رمضان ووقت الفطر، فلا يجوز أن تصوم بمواقيت جامع هلسينكي في العاصمة وأنت تسكن في منطقة سمال فنلندا بعيدة عن العاصمة800 كلم.

أخي الكريم، يبدو أن المشكلة عندكم هي في المغرب والفجر من حيث الإفطار والإمساك، وهذه المسألة هي كالتالي:

حيث إن غروب الشمس معروف، فيفطر الصائم عند الغروب ولو أن حالة الشفق باقية، لأن أذان المغرب هو عند غروب الشمس، فعند مسلم في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل الذي جاءه يسأل عن مواقيت الصلاة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «…ثمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالْمَغْرِبِ حِينَ وَقَعَتِ الشَّمْسُ» وفي رواية « ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْمَغْرِبِ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ…»، أي غربت، وهذا وقت الإفطار، أي ليس عند غياب الشفق، فغياب الشفق هو وقت صلاة العشاء، كما جاء عند مسلم في الحديث المذكور « ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ…» وفي رواية « ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعِشَاءِ حِينَ وَقَعَ الشَّفَقُ…» أي غاب، ولذلك لا يؤثر وجود الشفق بعد الغروب في الإفطار، والشفق عند بعض الفقهاء هو الحمرة بعد غياب الشمس، وعند فقهاء آخرين هو البياض الذي يعقب الحمرة بعد غياب الشمس، فغياب الشفق لصلاة العشاء هو غياب الحمرة بعد الغياب، أو غياب بياض النهار بعد الحمرة. قال بن الْأَثِيرِ: (الشَّفَقُ مِنَ الْأَضْدَادِ يَقَعُ عَلَى الْحُمْرَةِ الَّتِي تُرَى فِي الْمَغْرِبِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَعَلَى الْبَيَاضِ الْبَاقِي فِي الْأُفُقِ الْغَرْبِيِّ بَعْدَ الْحُمْرَةِ الْمَذْكُورَةِ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ).

أما الفجر الذي يجب عنده الإمساك فهو آذان الفجر والصلاة، وفي حديث مسلم المذكور « فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ…» وفي رواية « فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ بِغَلَسٍ، فَصَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ…» وفي حديث الترمذي عندما أمّ جبريل الرسولَ صلى الله عليه وسلم ورد «ثُمَّ صَلَّى الفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الفَجْرُ، وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ…». ومعنى “بغلس” قال ابن الأثير: الغلس ظلمة الليل إذا اختلطت بضوء الصباح.

والفجر هنا هو الفجر الصادق أي تغير في ظلمة الليل نحو البياض، حتى ولو كانت ظلمة الليل جزئية كما عندكم، فإذا تغيرت هذه الظلمة إلى بياض ينتشر في الأفق معترضاً فهو الفجر الصادق، فتمسك عنده وتصلي، وهو يختلف عن الفجر الكاذب الذي هو تغيير في ظلمة اللليل إلى البياض، ولكنه بياض يظهر عمودياً صاعداً نحو السماء ليس منتشراً أفقيا، وهذا لا تجوز صلاة الفجر عنده لأنه من الليل فتأكل وتشرب… أي ليس شرطاً أن تمسك عنده.

والبياض الذي يخالط ظلمة الليل عند الفجر الصادق لا يعني أن ترى كل شيء بل وأنت تراقب الأفق عند المشرق تجد أن الظلمة “الجزئية” قد بدأت بالانقشاع، أي الرؤية أصبحت تنتشر يميناً وشمالاً عند الأفق باختلافٍ عما قبلها.

قال ابن حجر في فتح الباري لابن حجر عند شرح حديث مسلم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ - أَوْ أَحَدًا مِنْكُمْ - أَذَانُ بِلاَلٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ - أَوْ يُنَادِي بِلَيْلٍ - لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ، وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الفَجْرُ - أَوِ الصُّبْحُ -» وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا إِلَى فَوْقُ وَطَأْطَأَ إِلَى أَسْفَلُ حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا وَقَالَ زُهَيْرٌ: «بِسَبَّابَتَيْهِ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الأُخْرَى، ثُمَّ مَدَّهَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ» قال ابن حجر: (… وَالصُّبْحُ يَأْتِي غَالِبًا عَقِبَ نَوْمٍ فَنَاسَبَ أَنْ يُنَصَّبَ مَنْ يُوقِظُ النَّاسَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا لِيَتَأَهَّبُوا وَيُدْرِكُوا فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ… وَكَذَا قَوْلُهُ “وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا” أَيْ أَشَارَ… قَوْلُهُ “إِلَى فَوْقُ” بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ وَكَذَا “أَسْفَلُ” … وَكَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ ثُمَّ فَرَّقَهُمَا لِيَحْكِيَ صِفَةَ الْفَجْرِ الصَّادِقِ لِأَنَّهُ يَطْلُعُ مُعْتَرِضًا ثُمَّ يَعُمُّ الْأُفُقَ ذَاهِبًا يَمِينًا وَشِمَالًا بِخِلَافِ الْفَجْرِ الْكَاذِبِ وَهُوَ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ ذَنَبُ السِّرْحَانِ فَإِنَّهُ يَظْهَرُ فِي أَعْلَى السَّمَاءِ ثُمَّ يَنْخَفِضُ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ رَفَعَ وَطَأْطَأَ رَأْسَهُ…) ومعترضاً أي عريضاً أفقياً.

والخلاصة: حيث لا إمساكية معتمدة للمنطقة عندكم، عليه فاصنع ما يلي:

? عند الغروب تفطر…

? وعند ظهور بياض أفقي أكثر من حالة الظلمة “الجزئية” التي تقول إنها تكون عندكم في الليل، أي عندما ترى تغيراً فيها لافتاً للنظر نحو البياض الأفقي يميناً وشمالاً عند جهة المشرق فهو الفجر الصادق، فتمسك وتصلي الفجر…

? فاجتهد في ذلك ما أمكنك، وابذل الوسع فيه، واستعن بإخوانك عندك واستشرهم، وافطر وأمسك على ذلك، واحتط لنفسك عند الإمساك والإفطار، والله غفور رحيم ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج: 78] وقال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البيهقي في سننه الكبرى «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ».

تقبل الله منا ومنك ومن المسلمين الصيام والقيام، والله معك.**

وهنا لا بد أن أوضح أن هنالك فرقا بين أمرين:
أولا: تولد الهلال
ثانيا: إمكانية رؤية الهلال بالبصر
أما تولد الهلال، فقليلا ما تجد من يدافع عن جعل الحسابات الفلكية التي تبين متى يتولد بداية للشهر
لأن الشرع لم يجعل دخول الشهر بتولد الهلال، بل جعله برؤية الهلال
لكن مسألة أن تقول الحسابات الفلكية بأن الهلال في تلك الليلة لم يبلغ من العمر ما يجعل رؤيته بالبصر ممكنة
أو أن موقعه في السماء يطغى عليه مثلا نور غيره من الكواكب، أو يظهر في ذلك الموقع كوكب كزحل مثلا (كما حدث قبل عام حين أثبتت السعودية الشهر وتراجعت عن الاثبات بعد أن تبين أن ما رؤي هو زحل) … الخ
أقول: القضيتان مختلفتان
فالسؤال الذي يطرح نفسه: لو جاء شاهد إلى القاضي، وقال أنه رآى الهلال، والقاضي يعلم أن الحسابات الفلكية تقطع بأن هذه الرؤية مستحيلة، فما هو التصرف الذي يجب على القاضي القيام به إزاء هذه الشهادة؟
لاحظوا مرة أخرى الفرق: ليست الحسابات من أجل أن تقول: تولد الهلال
لكن من أجل أن تقول: أنه لا يمكن رؤيته بالبصر
وأظن الفرق بين الأمرين كبيرا
بعد التفكير في الموضوع، رأيت أن الشهادة، يجب أن يتوثق القاضي من عدالة صاحبها من جهة، حتى يقبلها ابتداء
وكما نعلم من الأصول: أن الأمر مداره هو العمل بخبر الواحد، حتى لو كان مخطئا أو كاذبا طالما أنه عدل
وأن التحقق يكون حين يكون الشاهد فاسقا، حتى وإن أخبر بالصدق:
سيدي الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول:

وَأَوْجَبَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - عَلَى عِبَادِهِ حُدُودًا وَبَيْنَهُمْ حُقُوقًا فَدَلَّ عَلَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ بِشَهَادَاتٍ وَالشَّهَادَاتُ أَخْبَارٌ وَدَلَّ فِي كِتَابِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ أَنَّ الشُّهُودَ فِي الزِّنَا أَرْبَعَةٌ وَأَمَرَ فِي الدَّيْنِ بِشَاهِدَيْنِ أَوْ شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
وَفِي الْوَصَايَا بِشَاهِدَيْنِ…
فَكَانَ مَا فَرَضَ اللَّهُ مِنْ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ مُؤَدِّي خَبَرًا كَمَا تُؤَدِّي الشَّهَادَاتُ خَبَرًا، وَشَرَطَ فِي الشُّهُودِ ذَوِي عَدْلٍ وَمَنْ نَرْضَى وَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ لَا يُقْبَلَ خَبَرُ أَحَدٍ عَلَى شَيْءٍ يَكُونُ لَهُ حُكْمٌ حَتَّى يَكُونَ عَدْلًا فِي نَفْسِهِ وَرِضًا فِي خَبَرِهِ،
وَكَانَ بَيِّنًا إذْ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا قَبُولَ أَهْلِ الْعَدْلِ أَنَّهُ إنَّمَا كَلَّفَنَا الْعَدْلَ عِنْدَنَا مَا يَظْهَرُ لَنَا لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ مَغِيبِ غَيْرِنَا فَلَمَّا تَعَبَّدَنَا اللَّهُ بِقَبُولِ الشُّهُودِ عَلَى الْعَدَالَةِ عِنْدَنَا وَدَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى إنْفَاذِ الْحُكْمِ بِشَهَادَاتِهِمْ، وَشَهَادَاتُهُمْ أَخْبَارٌ دَلَّ عَلَى أَنَّ قَبُولَ قَوْلِهِمْ وَعَدَدِهِمْ تَعَبُّدٌ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْهُمْ عَدَدٌ إلَّا،
وَفِي النَّاسِ أَكْثَرُ مِنْهُ وَكَانَ فِي قَبُولِهِمْ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ مَقْبُولًا مِنْ وُجُوهٍ مِمَّا وَصَفْت مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ قَوْلِ عَوَامِّ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ مَا ثَبَتَ وَشُهِدَ بِهِ عِنْدَنَا مَنْ قَطَعْنَا الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِ إحَاطَةً عِنْدَنَا عَلَى الْمَغِيبِ وَلَكِنَّهُ صِدْقٌ عَلَى الظَّاهِرِ بِصِدْقِ الْمُخْبِرِ عِنْدَنَا،
وَإِنْ أَمْكَنَ فِيهِ الْغَلَطُ فَفِيهِ مَا دَلَّ عَلَى الْفَرْضِ عَلَيْنَا مِنْ قَبُولِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يُؤْخَذُ عَدَدُ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا بِأَحَدِ الدَّلَائِلِ الَّتِي قَبِلْنَا بِهَا عَدَدًا مِنْ الشُّهُودِ فَرَأَيْنَا الدَّلَالَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَنْهُ فَلَزِمَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ نَقْبَلَ خَبَرَهُ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ كَمَا لَزِمَنَا قَبُولُ عَدَدِ مَنْ وَصَفْت عَدَدَهُ فِي الشَّهَادَةِ بَلْ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَنْهُ أَقْوَى سَبَبًا بِالدَّلَالَةِ عَنْهُ ثُمَّ مَا لَمْ أَعْلَمْ فِيهِ خِلَافًا مِنْ أَحَدٍ مِنْ مَاضِي أَهْلِ الْعِلْمِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَتَابِعِيهِمْ إلَى الْيَوْمِ خَبَرًا نَصًّا مِنْهُمْ وَدَلَالَةً مَعْقُولَةً عَنْهُمْ مِنْ قَبُولِ عَدَدِ الشُّهُودِ فِي بَعْضِ مَا قَبِلْنَا فِيهِ.
انتهى
وشارح أصول البزدوي رحمه الله يقول:
بَابُ تَقْسِيمِ الرَّاوِي الَّذِي جُعِلَ خَبَرُهُ حُجَّةً):
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ
فَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ خَبَرٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْقَبُولِ التَّصْدِيقُ، وَلَا بِالرَّدِّ التَّكْذِيبُ
بَلْ يَجِبُ عَلَيْنَا قَبُولُ قَوْلِ الْعَدْلِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ كَاذِبًا أَوْ غَالِطًا،
وَلَا يَجُوزُ قَبُولُ قَوْلِ الْفَاسِقِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ صَادِقًا، بَلْ الْمَقْبُولُ مَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَالْمَرْدُودُ مَا لَا تَكْلِيفَ عَلَيْنَا فِي الْعَمَلِ بِهِ ثُمَّ لِلْقَبُولِ شَرَائِطُ بَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهَذَا الْبَابُ لِبَيَانِ بَعْضِ شَرَائِطِهِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الرَّاوِي مَعْرُوفًا بِالرِّوَايَةِ وَالْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ وَالْفَقَاهَةِ لِقَبُولِ خَبَرِهِ مُطْلَقًا، مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ أَوْ مُخَالِفًا وَلَيْسَتْ الْفَقَاهَةُ فِيهِ شَرْطًا عِنْدَ الْبَعْضِ
انتهى

إذن: مدار الأمر ليس التصديق والتكذيب
لكن مداره العمل بخبر الواحد وقبول شهادته

طيب:
المشكلة الآن في هذه الشهادة هي مخالفتها للواقع المحسوس، كأن يأتي شاهد في السابع والعشرين من الشهر الهجري ويقول: لقد رأيت هلال الشهر الجديد
لا شك أن القاضي سيقول له بأن الشهر إما أن يكون 29 يوما أو 30 يوما، ولا يمكن أن يكون 27 يوما

فهل سيقبل القاضي شهادة الشاهد وهو يعلم استحالة إمكانية رؤية الهلال بالعين المجردة؟
أقول:
بعد التفكير في المسألة، رأيت أن الشاهد من شروطه عند بعض الأصوليين: الفقاهة
فالقاضي يقوم بسؤاله عن الموضع الذي شاهد فيه الهلال، وعن شكله، وعن إمكانيته في تمييز الهلال عن غيره
فإن تبين علمه بما يشهد عليه قبل شهادته حتى وإن لم يكن بالإمكان رؤية الهلال في تلك الأوقات لأن هذا الموعد موعد ترقب للهلال، أي نحن في اليوم 29 والشهر قد يكون 29 يوما أو 30 يوما، فنحن في يوم يمكن أن يكون الهلال فيه في السماء
فشهادة مثل هذا والله أعلم أنها تقبل
لكن إن لم يكن يستطيع تمييز الهلال عن غيره، أو لا يعرف موضع البحث عنه، أو ما هو من الأمور التي تطعن في صحة شهادته
فلا يقبلها القاضي
هذا ما أراه إلى الآن
والمسألة قيد البحث
فمن كان لديه علم فليدل بدلوه مأجورا بارك الله بكم
ثائر سلامه ( أبو مالك )

ألاختلاف في تحديد المراصد الفلكية
يوسف الساريدي
السلام عليكم
لقد أزعجتني هذه المسألة قبل حوالي عشر سنوات ، وقررت أن أقرأ ما يقوله علم الفلك حول هذه القضية، فطفقت أبحث عن مراجع علمية حول هذه القضية وبدأت بمراقبة الأهلة والشمس ومواقيت الصلاة، وقد وجدت أن هنالك مغالطات في المسألة وتلبيسا على الناس.

فعلم الفلك يستطيع أن يحدد لك مواقيت الخسوف والكسوف بدقة متناهية، وكذلك موقع القمر والنجوم في القبة السماوية، ويستطيع تحديد تولد الأهلة لألف سنة قادمة، كل هذا صحيح إلى درجة ما، ودعنا نقبل ذلك.

لكن التلبيس على الناس أن يقال لهم إن علم الفلك يستطيع أن يحدد رؤية الأهلة الجديدة بناء على أنه يستطيع تحديد موقع القمر في القبة السماوية، ويستطيع تحديد وقت تولد الهلال بدقة، وهذا غير صحيح على الإطلاق وهنا لب الموضوع.

فرؤية الهلال غير تولد الهلال، والشهر القمري يبدأ من خلال الرؤية وليس من خلال التولد، فالتولد ليس هو المعتبر لا شرعا ولا عرفا.

والآن نوجه السؤال إلى علماء الفلك ونقول لهم هل تستطيعون كما حددتم تولد الهلال بشكل دقيق أن تحددوا لنا رؤية الهلال بنفس الدقة؟ وجوابهم سيكون بكل تأكيد لا.

ولكن لماذا ؟
والجواب هو أن الرؤية مسألة غير منضبطة علميا، فهي تتعلق بعشرات العوامل المختلفة الفزيائية والجوية والجغرافية والفلكية والبشرية، بحيث أن أي عالم لا يستطيع وضع معادلة حسابية أو نموذج رياضي لذلك، وأحد هذه العوامل هو ساعة التولد، وعمر الهلال بعد التولد، ومنها الرطوبة ونسبة الغبار في الجو ووجود الغيوم وكثافتها،ومقدار قوس النور في الهلال، وزاوية ميل فلك القمر عن الشمس بعد الغروب، ومكث الهلال بعد غروب الشمس، وارتفاع مكان الراصد ، وحدة بصر الراصد، الخبرة والدربة للراصد، وتأثير غلاف الأرض الجوي في انكسار اشعة الشمس والقمر،وغير ذلك من العوامل المتعددة والكثيرة التي تؤثر في الرؤية للهلال.

افضل ما قام به علماء الفلك هو أنهم عملوا نماذج رياضية اخذوا فيها 3 أو 4 عوامل وحاولوا من خلالها تحديد الأماكن التي يمكن رؤية الهلال فيها بعد تولده، ومن خلال متابعة هذه النماذج تجدهم يذكرون أن اقل وقت للرؤية بعد التولد هو بين 13 إلى 19 ساعة وهذا يختلف حسب العوامل المؤثرة الأخرى التي لم يدخلوها في حساباتهم.

طبعا أهم قضية في الموضوع هي حدة بصر عين الراصد ودربته على الرصد، وهذه لا يوجد لهم أي بحث موضوعي حولها، وأكثر ما عملوه أنهم في امريكا -كما أخبرني مرة الدكتور عبد القادر عابد رئيس قسم الجيولوجيا في الجامعة الأردنية- أنهم عملوا مسابقة لرصد الأهلة وأن أقصر فترة بين الرؤية والتولد كانت 13 ساعة.

وعلى ذلك تجد الاختلاف بين المراصد الفلكية في تحديد إمكانية الرؤية، فبعضهم يعتبرون الفترة 4 ساعات وبعضهم 12 ساعة وبعضهم 20 وبعضهم 24 ساعة، ومع ذلك فكلهم يتفقون على ساعة ودقيقة التولد بدقة عالية، ولكنهم -كما ترى- في الرؤية مختلفون أشد الاختلاف
وهذا ما قصدته من قولي التلبيس على الناس في مسألة علم الفلك والأهلة.

والخلاصة أن هناك فرقا بين مسألة تولد الهلال وبين مسألة رؤية الهلال وهما مسألتان مختلفتان ولا يجوز الخلط بينهما لا علميا ولا شرعيا.

باب مواقيت العبادات

.

ونعود الآن لسؤال أخينا أبي مالك :
**الحقيقة أن هنالك مشكل، وهو أن الحسابات الفلكية قد تقطع بأن *الرؤية في اليوم الفلاني مستحيلة،
وهنا لا بد أن أوضح أن هنالك فرقا بين *أمرين:
أولا: تولد الهلال
ثانيا: إمكانية رؤية الهلال بالبصر
أما تولد *الهلال، فقليلا ما تجد من يدافع عن جعل الحسابات الفلكية التي تبين متى يتولد بداية *للشهر
لأن الشرع لم يجعل دخول الشهر بتولد الهلال، بل جعله برؤية الهلال
لكن *مسألة أن تقول الحسابات الفلكية بأن الهلال في تلك الليلة لم يبلغ من العمر ما يجعل *رؤيته بالبصر ممكنة
أو أن موقعه في السماء يطغى عليه مثلا نور غيره من الكواكب، *أو يظهر في ذلك الموقع كوكب كزحل مثلا (كما حدث قبل عام حين أثبتت السعودية الشهر وتراجعت عن الاثبات بعد أن تبين أن ما رؤي هو زحل) … الخ

المشكل هو أن علماء الفلك لا يستطيعون الجزم بعدم إمكانية رؤية الهلال بعد تولده كما جزموا في ساعة تولده، ولكنهم يستطيعون الجزم في حالة واحدة هي عدم تولد الهلال ابتداء وعندها فقط يجزمون بعدم إمكانية الرؤية بشكل قاطع.

المسألة من ناحية فقهية متعلقة بالقاضي الشرعي الذي يأخذ بشهادة الشاهد ومدى فقهه، ومدى تحفزه لنيل الجائزة المالية عند قبول شهادته كما يحصل في بلاد نجد والحجاز.

بعض الفقهاء يأخذون بالحسابات الفلكية ليس في الاثبات ولكن في النفي، أي يعتبرون الحسابات الفلكية إذا جزمت بعدم تولد الهلال.
ملاحظة سريعة… الحسابات الفلكية هي نتاج أبحاث علمية…و العلوم متغيرة غير ثابتة لمحدودية عقل الإنسان…فمثلا تعلمت أنا أن الذرة تتكون من نواة و إليكترونات حولها فقط ، و لكن منذ أيام إكتشف العلماء وجود أجسام جديدة تحت إسم بوزون هيغز في داخل النواة.
الحسابات الفلكية لحركة القمر حول الأرض و حركة الـأرض حول الشمس مبنية على مشاهدات.
ماذا لو ظهرت مشاهدات جديدة لم يعهدها علماء الفلك؟ مثلا مشاهدات لا تظهر إلا كل كذا ألف سنة مرة واحدة؟ ماذا سيحدث لكل تلك الحسابات الفلكية؟؟؟ أكيد سيتم تعديلها.
ما قصدته هو أن تبقى نظرتنا إلى الأمور العلمية أنها نتاج عقل بشري بناء على ما شوهد إلى يومنا هذا و تجدد المشاهدات يعني تجديد هذا النتاج.

أقترح أن نبتعد عن هذه الصيغة التوافقية بين الحسابات الفلكية و الرؤية و لتبقى ثقتنا بأوامر الله أنها هي الوحيدة التي تكفل لنا العيش السليم. فليقتصر البحث على الصفات الواجب توفرها في الشاهد دون تقييم الشاهد بحسابات فلكية التي ربما تجافي الصواب…و الله أعلم

**أحب أن أضيف أمرا صغيرا في هذا الموضوع ، وأثني على ما تفضل به الإخوة من قبل

إن من يشدد على مسألة الحساب والقدرة العلمية يهدف بالدرجة الأولى - عن قصد ووعي ، أو بدون قصد وقلة وعي - إلى رفع مستوى العلم إلى ما فوق الشرع ، وهي دعوى في حد ذاتها علمانية التوجه ، فنحن ندرك الفارق بين التفكير العلمي والعقلي ونعرف منهج كل منهما ، وندرك أن لكل منهج مساربه ومتعلقاته ومناطاته ، ولا يصح الخلط بينهما . ونعلم أيضا معنى الدليل العقلي والدليل النقلي وتخصص كل واحد منهما في ناحية من المبدأ ..

لكن دعاة العلمانية جعلوا الطريقة العلمية في التفكير ، وأسس العلوم مقدمة على غيرها من الأسس

وهذه تنعكس الآن على مسألة الهلال ، فنجد تشبث البعض من المضبوعين بالطريقة العلمية بالحساب ، وتقديمه على الطريقة الشرعية المعتبرة وهي الرؤيا ، بحجج واهية يدركون تماما أنها غير صحيحة من مثل أن على المسلمين تعلم الحساب ، ومتابعة العلوم الفلكية ومواكبة التقدم العلمي وغيره ، وكأنهم لم يعلموا أن المسلمين كانوا الرواد في هذا المضمار فلا يشق لهم غبار حتى الساعة رغم الكمبيوترات والمكبرات ..

أقول إنه لا بد من التركيز على إرجاع الأمور إلى نصابها في المسائل الشرعية ، التي يقدم فيها الدليل النصي (النقلي ) ويعمل بمنطوقه ويجتهد في مفهومه ، ولا يعطل بحجة عقلية أو منطقية

والله ولي التوفيق ،

والهلال القادم بإذن الله لن يختلف عليه المسلمون ، لأنه سيطل على الأمة الإسلامية من مشرقها إلى مغربها وحدة واحدة يعلم أهل المغرب أن غدا أول أيام العيد لأن الهلال رآه مسلمان في أندونيسيا ، أو ماليزيا ، فيتهيؤون للعيد في ضحى يوم رمضان الأخير

إن شاء الله تعالى**