انكار المنكر فـــــرض واستعمال القوى المادية لازالته منوط بالاستطاعــة

إنكار المنكر فـــــرض
واستعمال القوى المادية لازالته منوط بالاستطاعــة

المنكر هو كل ما قبحه الشرع وحرمه، من ترك واجب، او فعل حرام، وانكار المنكر حكم شرعي اوجبه الله سبحانه على المسلمين جميعا افرادا وجماعات، كتلا وامة ودولة، روى مسلم عن ابي سعيد الخدرى قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من راى منكم منكرا فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه، وذلك اضعف الايمان ) وقد اوجب الله على المسلمين ان يقيموا من بينهم تكتلات وجماعات ليأمروا بالمعروف ولينهوا عن المنكر . قال تعالى ( ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون ) .
وقد شرف الله سبحانه هذه الامة بان جعلها خيرا مة اخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله حيث قال : (‎كنتم خير امة اخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله )‎.
وقد فرق سبحانه بين المؤمنين والمنافقين بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث قال : " المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يامرون بالمنكر وينهون عن المعروف " وحيث قال : " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر “‎.
وقد توعد الله سبحانه المسلمين بالعقاب ان هم سكتوا عن المنكر، ولم يعملوا على تغييره وازالته . عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " والذى نفسي بيده لتامرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، او ليوشكن الله ان يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم " وعن هيثم$ قال : واني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على ان يغيروا، الا يوشك ان يعمهم الله منه بعقاب " وعنه صلى الله عليه وسلم فيما رواه احمد قوله " ان الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على ان ينكروه فلا ينكروه، فاذا فعلوا ذلك عذب الخاصة والعامة”.
‎فكل مسلم يشاهد منكرا اى منكر امامه وجب عليه ان يعمل على انكاره وتغييره باحد الاساليب الثلاثة الواردة في حديث ابي سعيد الخدرى السابق حسب استطاعته، والا لحقه الاثم .
والامر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على المسلمين في كل الاحوال، سواء اكانت هناك دولة خلافة اسلامية ام لم تكن، وسواء اكان الحكم المطبق على المسلمين هو حكم الاسلام، ام حكم الكفر، وسواء احسن الحاكم تطبيق احكام الاسلام ام اساء التطبيق . وقد كان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر موجودا ايام الرسول صلى الله عليه وسلم وايام الصحابه، وايام التابعين وتابعيهم، وسيبقى حكمه قائما حتى قيام الساعة .
والمنكر قد يحصل من افراد، او من جماعات او من الدولة . والذى يعمل على انكار المنكر وتغييره هوالدولة والافراد والتكتلات والاصل في الدولة الاسلامية ان يكون الحاكم فيها هو القوام على رعاية شؤون الناس باحكام الشرع، وهو المسؤول شرعا عن منع المنكرات، سواء حصلت من افراد او من جماعات، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول ( الامام راع وهو مسؤول عن رعيته ) . وقد اوكل الله اليه ان يرغم الناس افرادا وجماعات على القيام باداء جميع الواجبات التي اوجبها الله عليهم، واذا استدعى الامر استخدام القوى لارغامهم على ادائها وجب عليه ان يستخدمها . كما اوجب الله عليه ان يمنع الناس عن ارتكاب المحرمات، واذا استدعى الامر استخدام القوى لمنعهم من ارتكاب المحرمات وجب عليه استخدامها . فالدولة هي الاصل في تغيير المنكر وازالته باليد، اى بالقوة لانها مسؤولة شرعا عن تطبيق الاسلام، وعن الزام الناس باحكامه .
اما تغيير الافراد للمنكر، فالفرد الذى يرد امامه منكرا كأن يرى شخصا يشرب الخمر او يسرق او يهم بقتل شخص او الزنى . فان كان قادرا ولو بغلبه الظن على ازالة هذا المنكر بيده وجب عليه ان يبادر الى تغييره وازالته بيده . فيمنع الشخص من شرب الخمر، او من السرقة، او من القتل، او من الزنى، يمنع كل ذلك ويزيله بيده، لانه قادر على تغييره باليد، تنفيذا لقوله صلى الله عليه وسلم ( من راى منكم منكرا فليغيره بيده ) واستعمال اليد، اى القوة المادية لتغيير المنكر منوط بالقدرة الفعلية ولو بغلبة الظن على تغيير عين هذا المنكر وازالته باليد، فان عدمت قدرة الازالة لا يستعمل اليد، لان استعمالها عندئذ لا يحقق الغرض الذى استعملت اليد من اجله، وهو تغيير المنكر وازالته، فمناط استعمال اليد الوارد في الحديث منوط بالقدرة على تغيير المنكر بالفعل، بدليل ان الحديث نفسه جعل الانتقال الى انكار المنكر باللسان عند عدم الاستطاعة، اى عدم القدرة على تغير المنكر وازالته باليد حيث قال : ( فان لم يستطع فبلسانه ) وانكار المنكر باللسان لا يعتبر تغييرا للمنكر، وانما هو تغيير على مرتكب المنكر، اى انكار عليه ارتكابه المنكر، فان لم يستطع الانكار بلسانه فعليه ان يكره ذلك المنكر بقلبه وان لا يرضى به .‎
هذا كله في المنكر الذى يحصل من افراد او جماعات، اما المنكر الذى يحصل من الحاكم كان ياكل اموال الناس بالباطل، او يمنع الحقوق، او يهمل في شأن من شؤون الرعية، او يقصر في واجب من واجباتها، او يخالف حكما من احكام الاسلام، او غير ذلك من المنكرات ففرض على المسلمين جميعا ان يحاسبوه، وان ينكروا عليه ذلك، وان يعملوا على التغيير عليه، امة، وجيشا، وتكتلات، وافرادا، وياثمون بالسكوت عنه، وبترك الانكار والتغيير عليه .
ويكون الانكار والتغيير عليه عند ارتكابه منكرا من المنكرات بطريقة المحاسبة باللسان . لما روى مسلم عن ام سلمة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ستكون امراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره برىء، ومن انكر سلم، ولكن من رضى وتابع " ولما روى عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( .. كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتاخذن على يدي الظالم، ولتاطرنه على الحق اطرا ولتقصرنه على الحق قصرا، او ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعننكم كما لعنهم ) . كما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله الحق عند سلطان جائر افضل الجهاد، حيث اجاب الرجل الذى ساله : اى الجهاد افضل ? قال : ( كلمة حق عند سلطان جائر ) . ولورود احاديث تحرم الخروج عليه بالسلاح الا في حالة واحدة استثنيت من حرمه الخروج عليه بالسلاح، وهي حالة ما اذا ظهر الكفرالبواح، الذى فيه من الله برهان بانه كفر صراح لا شك فيه . اى اذا اظهر الحكم باحكام الكفر الصراح، وترك الحكم بما انزل الله . فعن عوف ابن مالك الاشجعي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( خيار ائمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، قال : قلنا يا رسول الله افلا ننابذهم بالسيف، فقال : لا ما اقاموا فيكم الصلاة ) والمراد باقامة الصلاة الحكم بالاسلام، اى تطبيق احكام الشرع من باب تسميه الكل باسم الجزء، وعن ام سلمة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ستكون امراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره برىء، ومن انكر سلم، ولكن من رضي وتابع،قالوا : افلا نقاتلهم ? قال : لا ما صلوا ) اي ما قاموا باحكام الشرع ومنها الصلاة من باب اطلاق الجزء على الكل، وعن عبادة بن الصامت قال : ( بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى اثره علينا، وعلى ان لا ننازع الامر اهله، وعلى ان نقول بالحق اينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم ) وزاد في رواية ( قال الا ان تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان ) .
فمفهوم هذه الاحاديث الثلاثة ينهى عن الخروج على الحاكم بالسلاح، الا في حالة عدم حكمه بما انزل الله، اى في حالة حكمه باحكام الكفر البواح، الذى فيه من الله برهان بانه كفر صراح لا شك فيه .
وعليه فان اى حاكم من حكام المسلمين لم يحكم بما انزل الله، وحكم باحكام الكفر الصراح وجب على المسلمين جميعا الخروج عليه بالسلاح، لازاحته عن الحكم، ولازالة حكم الكفر الذى يحكم به، ووضع ما نزل الله من احكام موضع التطبيق والتنفيذ .
ووجوب الخروج عليه بالسلاح منوط بالقدرة على ازاحته، وازالة حكم الكفر الصراح بالقوة المادية، ولو بغلبة الظن، لان استعمال اليد، اى القوة المادية لتغيير المنكر والحكم باحكام الكفر من اكبر المنكرات منوط بالاستطاعة على ازالة المنكر ازالة فعلية بتلك القوة المادية . فمناط حديث وجوب تغيير المنكر باليد، ومناط حديثي وجوب الخروج عل الحاكم الذى يحكم باحكام الكفر الصراح بالسلاح مربوط بقدرة القوة المادية واستطاعتها على تغيير المنكر، والكفر الصراح وازالته بالفعل، ولو بغلبة الظن، ولكن اذا لم تكن القوة المادية قادرة بالفعل، او بغلبة الظن على تغيير المنكر واحكام الكفر وازالته بالفعل، فانها لا تستعمل، لان استعمالها حينئذ لايحقق الغرض الذى اوجب الشارع لاجله استعمالها، وهو تغيير المنكر، واحكام الكفر وازالتهما بالفعل . ويعمل عندئذ على انكار المنكر باللسان، كما يعمل على زيادة القوة حتى تصل الى حد استطاعتها، ولو بغلبه الظن على تغيرا المنكر واحكام الكفر بالفعل وعند ذلك يجب استعمالها .
والامة بمجموعها اذا وحدت ارادتها، والجيش بما يملك من القوة المادية، والقبائل الكبيرة ذات النفوذ والتي تملك القوة والتكتلات السياسية التي لها قوة كبيرة مؤثرة في الجيش، او في القبائل الكبيرة، او في الامة، كل واحد منهم اذا ملك القدرة على ازاحة الحاكم، الذى يحكم باحكام الكفر الصراح، ولا يحكم باحكام الاسلام، كان واجبا عليه شرعا الخروج على ذلك الحاكم، ليزيحه عن الحكم، وليزيل احكام الكفر، وليعيد الحكم بما انزل الله .‎
هذا حكما اساسي من احكام الاسلام، راينا واجبا علينا ان نبلغه للناس، ليكونوا على بصيرة من امرهم على هداه .‎
( والله غالب على امره ولكن اكثر الناس لا يعلمون )

وهل يكون تغيير المنكر باليد منوطًا بالجماعة ؟؟ أم أنه منوط بالأفراد والدولة فقط ؟؟ وكيف يُفهم هذا من الحديث الشريف ؟؟

مأمون إدعيس كتب:
وهل يكون تغيير المنكر باليد منوطًا بالجماعة ؟؟ أم أنه منوط بالأفراد والدولة فقط ؟؟ وكيف يُفهم هذا من الحديث الشريف ؟؟

بداية أرحب بالأخ مأمون في أولى مشاركاته بهذا المنتدى فأهلاً وسهلاً.
من استعراض الأدلة على الموضوع نجد أنها أتت أحينا تخاطب الفرد : ( من راى منكم منكرا فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه، وذلك اضعف الايمان )
وفي مواضع أتت تخحاطب الجماعات داعية اياهم لعمل الأحزاب القائمة بذلك من خلال حمل الدعوة ومحاسبة الحكام : ( ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون ).
وفي مواضع أخرى خطبت الدولة في شخص رئيسها أي الخليفة أو الإمام : ( الامام راع وهو مسؤول عن رعيته ).
وفي مواضع أتت مطالبة بمحاسبة الحكام وإنكار منكرهم أو مخالفاتهم : ( كلمة حق عند سلطان جائر ) .
لذا نجد أنّ الأمر عام لا يختص بحالة معينة … ففي حالات يكون الأمر ذلك للفرد ، وفي حالات أخرى لجماعة المسلمين وفي حالات أخرى فالمطالبة تكون للدولة.
مما يعني أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الضرورات المطالب بها جميع المسلمين بحيث يأثموا جميعا في حالة إنعدامه . عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " والذى نفسي بيده لتامرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، او ليوشكن الله ان يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم " وعن هيثم$ قال : واني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على ان يغيروا، الا يوشك ان يعمهم الله منه بعقاب " وعنه صلى الله عليه وسلم فيما رواه احمد قوله " ان الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على ان ينكروه فلا ينكروه، فاذا فعلوا ذلك عذب الخاصة والعامة".
وقد فهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصة الخلفاء ذلك وعملوا به وشجعوا الأمّة به فياستجابة عمر لمن خاطبه ب ( إتقي الله ياعمر ! ) قائلاً : ( لاخير قيهم إن لم يقولوها. ولا خير فينا إن لم نسمعها ونعمل بها .)
ورب قائل : ( أرى تشابكاً في الأمر !!! ) فنجيبه أن لا تشابك مُطلقاً … ففي موضع يتطلب الإنكار الفردي … وفي موضع آخر - منكر الحكام - يتطلب إنكار كافة الأمة أحزاباً وجماعات، وفي مواضع تتطلب تدخل الدّولة لإستعمال الوسائل المغيرة للمنكر مادياً. فلا تعارض ولا تشابك في الأمر بل ترتيب صلاحيات.