**وواقع القاضي أنه أجير عند الحاكم ، استأجره بأجير معين على عمل معين ، وكلمة أجير الواردة في الأحاديث الصحيحة تشمل كل أجير على أي عمل ، وإذا كان معلم القرآن اعتبره الرسول صلى الله عليه وسلم أجيراً فقال عليه السلام : " إن خير ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله " فإن القاضي كذلك يعتبر أجيراً ، وما يأخذه من بيت المال هو أجرة . ولا يقال إن القاضي معاون للحاكم فيلحق به في الحكم ، لأن القاضي إنما هو أجير عند الحاكم ، وليس معاوناً له ، ووظيفته فهم واقع المشكلة بين المتخاصمين ، وتبيان انطباق المواد القانونية في حالة التبني للأحكام الشرعية ، أو الأحكام الشرعية مطلقاً في حالة عدم التبني ، على من يدينهم القضاء ، ومن لا يدينهم فهو أجير استؤجر بأجر معين على عمل معين .
هذا بالنسبة للقاضي وللمحتسب . أما بالنسبة لقاضي المظالم فإنه لا يجوز أن يكون امرأة ، فلا يجوز أن تتولى المرأة قضاء المظالم ، لأنه حكم وواقعه واقع الحكم ، وينطبق عليه الحديث . لأنه يرفع المظلمة التي تقع من الحاكم على الناس ، سواء ادعاها أحد ، أو لم يدعها أحد . وهو لا يحتاج إلى دعوة المدعي عليه الحاكم إذا ادعى أحد المظلمة عليه ، بل يجوز له أن يدعوه ليجلس بين يديه ، ويجوز أن لا يدعوه . لأن الموضوع ليس الأخبار بحكم في قضية ، وإنما هو رفع الظلم الذي يقع من الحكام على الناس . فالواقع المتمثل في قضاء المظالم أنه حكم ، ولذلك لا يجوز للمرأة أن تتولاه .
بقيت مسألة جواز أن تكون المرأة عضواً في مجلس الأمة في حالة وجود مجلس أمة ، أو لا تكون ، فإنها قد تخفى على بعضهم ، فيظنها لا تجوز قياساً منه لمجلس الأمة في الإسلام على المجلس النيابي في الديمقراطية . والحقيقة أن هنالك فرقاً بين مجلس النواب في النظام الديمقراطي ، ومجلس الأمة في الإسلام . فمجلس النواب هو من الحكم ، لأنه في عرف الديمقراطية له صلاحية الحكم ، إذ هو الذي ينتخب رئيس الدولة ويعزله ، وهو الذي يمنح الوزارة الثقة، وينزع منها الثقة فيسقطها من الحكم حالاً . وواقع مجلس النواب أنه يقوم بثلاثة أمور ، أحدها أنه يحاسب الحكومة ويراقبها ، والثاني أنه يسن القوانين ، والثالث أنه يقيم الحكام ويسقطهم . فهو من حيث محاسبة الحكومة ومراقبتها ليس من الحكم ، ولكنه من حيث سن القوانين وعزل الحكام وإقامتهم يعتبر من الحكم ، وهذا بخلاف مجلس الأمة فإن واقعه أنه يحاسب الحاكم ويراقبه ، ويظهر سخطه بما يحتاج إلى إظهار سخط ، كالتقصير في رعاية الشؤون ، وكالتساهل في تطبيق الإسلام ، أو القعود عن حمل الدعوة الإسلامية وما شاكل ذلك . ولكنه لا يسن القوانين ، ولا ينصب حاكماً ، ولا يعزل حاكماً ، فهو غير مجلس النواب ، ولذلك لا يجوز للمرأة أن تكون عضواً في مجلس النواب ما دام يعتبر من الحكم حسب المبدأ الرأسمالي الديمقراطي . ويجوز لها أن تكون عضواً في مجلس الأمة ، لأنه ليس من الحكم . إلا أنه لا يعني عدم جواز المرأة عضواً في مجلس أنه لا يجوز لها أن تنتخب الحاكم . لأن كونها عضواً في مجلس النواب يجعلها من الحكم أي ممن له صلاحية الحكم ، وهذا لا يجوز ، لصريح النهي عن ذلك في قوله عليه السلام : " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " وهذا بخلاف انتخابها للحاكم فإنه لا يجعلها من الحكم ، وإنما يجعل لها حق اختيار من يحكمها . وقد أجاز الشرع للمرأة أن تنتخب الحاكم ، وأن تختار أي رجل لأي عمل من أعمال الحكم ، لأنه يجوز لها أن تبايع الخليفة ، وأن تنتخبه . فعن أم عطية قالت : بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا أن لا يشركن بالله شيئاً ونهانا عن النياحة فقبضت امرأة منا يدها فقالت فلانة أسعدتني وأنا أريد أن أجزيها فلم يقل شيئاً فذهبت ثم رجعت " وبيعة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن على النبوة وإنما كانت على الطاعة للحاكم . فهذا يدل على أن للمرأة أن تبايع الحاكم ، وأن تنتخبه . هذا بالنسبة لمجلس النواب . أما مجلس الأمة فهو على خلاف ذلك لأنه مجلس لأخذ الرأي وإعطاء الرأي ، وليست له صلاحية الحكم ، فهو لا ينتخب الحاكم إلا إذا أنابته الأمة عنها في ذلك ولا يعز الحاكم ، ولا يسن القوانين ، وعمله كله يتعلق بالرأي . فأعمال مجلس الأمة هي أن الدولة ترجع إليه لأخذ رأيه فيما تريد القيام به من أعمال داخلية ، ومحاسبتها على ما قامت به من أعمال داخلية وخارجية ، أو من نفسه يعطيها آراء في الأمور ، داخلية أو خارجية ، ومن أعماله أيضاً إعطاء رأيه فيمن يكونون مرشحين لمنصب الخلافة ، وإظهار تذمرهم من الولاة والمعاونين ، وهو إعطاء رأي أيضاً ، وكلها تدخل تحت إعطاء الرأي الذي يرشد إلى عمل ، ومن عمله الذي هو لمجرد الشورى ، ولا يلزم به الخليفة ، إعطاء رأيه فيما يتبناه الخليفة من أحكام . وهذه كلها آراء وليست حكماً . ولذلك كان عمله يتعلق بالرأي ليس غير .
وأعضاء مجلس الأمة هو وكلاء عن الناس بالرأي ليس غير ، وليسوا وكلاْ عنهم في الحكم ، لا في نصب الحاكم إلا إذا أنابتهم الأمة عنها في ذلك ولا في عزله . حتى إنهم حين يظهرون تذمرهم من المعاونين والولاة لا يعزلون طبيعياً من رأيهم ، وإنما يعزلهم الخليفة بناء على رأيهم ، بخلاف مجلس النواب فإن الوزارة تعزل في الحال إذا سحب مجلس النواب ثقته منها دون حاجة لعزل رئيس الدولة لها .
وما دام أعضاء مجلس الأمة هم وكلاء في الرأي فإن للمرأة الحق بان تعطي رأيها في كل ما هو من صلاحيات مجلس الأمة ، فلها أن تعطي رأيها السياسي ، والاقتصادي ، والتشريعي ، وغير ذلك . ولها أن توكل عنها من تشاء لإعطاء الرأي ، وأن تتوكل عمن تشاء بإعطاء هذا الرأي . وقد أعطاها الإسلام حق إعطاء الرأي ، كما أعطى الرجل سواء بسواء ، فالشورى في الإسلام حق للرجل والمرأة على السواء قال تعالى : { وشاورهم في الأمر } وقال : { وأمرهم شورى بينهم } وهو كلام عام يشمل المرأة والرجل . والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الرجل والمرأة على السواء قال تعالى : { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } وقال عليه السلام : " من رأى منكم منكراً فليغيره " الحديث ، وهو كلام عام يشمل الرجل والمرأة . ومحاسبة الحكام فرض على الرجل والمرأة ، والنصيحة شرعت للرجل والمرأة فالنبي صلى الله عليه وسلم حين يقول : : الدين النصيحة ، قيل لمن يا رسول الله قال لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " لم يقتصر إعطاء النصيحة على الرجل ، بل للمسلم أن يعطي النصيحة للأئمة المسلمين وعامتهم ، سواء أكان المعطي رجلاً أم امرأة .**
**
**