**(7)
والذي يراجع قوائم الخطباء، والمتحدثين، في تلك المؤتمرات من سنوات، يراهم هم أنفسهم، يصلحون لكل المناسبات، وكل الموضوعات، وكل المواسم، وقد لا يرى بجوار ذلك، ندوة متخصصة بحاجات المبتعثين الأصلية، ونوعية دراساتهم، واهتماماتهم، والمستقبل الذي نعدهم له، ونطلبه منهم، إلا ما رحم الله.
فمتى نرتقي بندواتنا ومؤتمراتنا، ونبصر الساحة الثقافية والفكرية، التي يخضع لها هؤلاء الطلبة، ونرسل لهم المتخصصين في العالم الإسلامي، يلتقون بهم ويعالجون قضاياهم العلمية والثقافية؟ فذلك أجدى من أن يبقى كياننا الفكري قائماً على مهاجمة الآخرين، دون أن نقدم البديل، وفي تلك الحال سوف ينتهي هجومنا إلى مصلحة الآخرين.
وهنا قضية قد يكون من المفيد أن نعرض لها، ونحن بسبيل الكلام عن بعض ملامح التحكم الفكري، والاحتواء الثقافي، الذي يمارسه الاستشراق، في المعاهد والجامعات، والأطر الأكاديمية، والغزو الفكري، في نطاق الإعلام والتشكيل الثقافي، وهي قضية اللغة بشكل عام.
فمما لا شك فيه أن اللغة أمر كسبي، بمقدور كل إنسان أن يتعلمها ويبدع فيها، والواقع يؤيد ذلك، ويؤكده، على مستوى اللغات جميعاً. ولو أخذنا ما يهمنا هنا، اللغة العربية، لأمكننا القول:
إن الكثر من أئمة، اللغة بصرفها، ونحوها، وفقهها، هم من الأعاجم، الذين أسلموا وتعلموا العربية، ولسنا بحاجة هنا، لذكر أولئك الأئمة، فالذي يمتلك حداً أدنى من الثقافة، أو يستخدم القدر الأقل من المراجع اللغوية، سيراهم موجودين أمامه باستمرار.. ولا أدري، إذا افترضنا أن اللغة لا يمكن معرفتها، وإدراك أسرارها إلا من أبنائها، ماذا سيكون موقفنا من الخطاب القرآني العالمي، الذي يتوقف فهمه على معرفة اللغة العربية، وإدراك معهود العرب بالخطاب؟ وكيف يمكن أن يتم التكليف، وتبنى أمة مسلمة - واللغة من أهم عوامل التفاهم والتواصل وبناء الثقافة، وصياغة الشعور، وترتيب التفكير - إذا قررنا أن اللغة وقف على أبنائها فقط؟ وما مصير المكتبة اللغوية، التي تعتبر مصدرنا، إذا أسقطناها بسبب أن مؤلفيها من غير العرب؟
لذلك نعتقد أن القول: بأن اللغة لا يدرك أسرارها إلا أبناؤها فيه الكثير من التجاوز، ومناقضة الحقائق الواقعة. . ولو أن إدراك اللغة على غير العرب مستحيل، لكان الخطاب القرآني تكليفاً بما لا يطاق، وهذا مستحيل شرعاً وعقلاً.
وقضية أخرى نرى من الضروري التنبه إليها أيضاً، وهي قضية الثقافة الذاتية للأمة.. فالأمر الذي لا بد من إيضاحه ابتداءً: أن الثقافة الإسلامية هي ثقافة عالمية، وأن الخطاب القرآني، أو الخطاب الإسلامي، الذي يشكلها خطاب عالمي، وأن الحضارة الإسلامية جاءت ثمرة لمساهمات عالمية لكثير من الشعوب والأمم، وكانت نتيجة للخطاب الإسلامي، يصعب تقطيعها، وفرز ألوانها القومية، فهي إنسانية في دعوتها، وهدفها، ومنطقها، وإنتاجها، وإن كانت قاعدتها البشرية الأولى من العرب. .
لذلك فالتجاوز أكثر من اللازم في التأكيد على الخصوصية الثقافية، يخشى أن يؤدي إلى نزع صفة العالمية ومحاصرتها، ويغلق الطرق أمام انسلاك، ومساهمة الشعوب البشرية الأخرى فيها، وتعطيل التبادل المعرفي، باسم التخوف من الغزو الفكري. وبذلك نعين الأعداء على الانتصار علينا.
أما النظر إلى موضوع التاريخ الإسلامي واعتباره هو الإسلام فأمر محل نظر.. فالمعروف أن مصدر التشريع في الإسلام هو القرآن الكريم، وبيانه السنة النبوية، وهو الحاكم على فعل البشر بالخطأ أو الصواب، وأن التاريخ الإسلامي لا يخرج عن اجتهادات بشرية في تنزيل القيم على الواقع، أو في تحويل القيم إلى فعل، قد تخطئ وقد تصيب، مثله مثل أي اجتهاد بشري فكري، أو فقهي آخر.. فاعتبار التاريخ الإسلامي هو الدين، وهو مصدر التشريع والأحكام، فيه الكثير من المجازفة.. فالتاريخ الذي هو وعاء الحياة الإسلامية العملية، في استجابتها للقيم الواردة في الكتاب والسنة، هو محل العبرة والعظة والدرس، وفيه من السلبيات والإصابات، التي كان فيها عدول عن القيم، ما يجب تجنبه، وفيه من الإنجازات العظيمة، المتسقة مع القيم، ما يجب الاهتداء والاعتزاز به.. وتبقى القيم هي الضابط، وهي الحاكم، على تصرفات البشر ومسالكهم.. وحبنا للتاريخ، وانتصارنا له، لا يجوز أن يجعلنا نتجاوز هذه الحقيقة. وكم ستكون الخطورة كبيرة إذا لم نضبط التاريخ، ونحكم عليه بالقيم، من التفسيرات والإسقاطات التاريخية، التي يحاول أعداء الإسلام توظيف التاريخ لها اليوم، وكم ستكون الخطورة أكبر، إذا أصبح التاريخ ديناً، وتفسيره ملزماً، واعتبر النص والفعل التاريخي، كالنص الإلهي.
وقد يكون الدافع لذلك كله، غياب روح النقد، والخوف من الاعتراف بالخطأ، الذي ما يزال يشكل المناخ العقلي المغشوش لكثير منا، ذلك أن هذا المناخ هو السبب وراء سقوطنا في الفخاخ المنصوبة لعقولنا، بأيد ماهرة من المستشرقين، الذين أدركوا ذلك فأتقنوا فن المديح، الإشادة بحضارتنا وتاريخنا، الأمر الذي حرك مكامن الفخر فينا، وساهم بحالة الاسترخاء، والسبات العام، والاكتفاء بإنجاز الآباء والأجداد، وأدى إلى شلل الأجهزة الفكرية، عن معالجة الحاضر، واستشراف المستقبل، فأصبح حالنا كما يقول الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله: شبيه بحال ذلك الفقير الذي لا يجد ما يسد به الرمق اليوم، عندما نتحدث له عن الثروة الطائلة التي كانت لآبائه وأجداده، إننا بذلك الحديث نأتيه بنصيب من التسلية عن متاعبه بوسيلة مخدر، يعزل فكره مؤقتاً، وضميره عن الشعور بها، إننا قطعاً لا نشفيها، فكذلك لا تشفى أمراض مجتمع بذكر أمجاد ماضيه.
يتبع**