الملف الأسود — موضوع مستورد

**الملف الأسود

يقول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ {الأنفال:27}.

من سورة الأنفال نزلت هذه الآية كما قال المفسرون في قصة الصحابي الجليل أبي لبابة الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ مع حوادث أخرى، وتدل هذه الآية على عظم شأن الأمانة وأن أداءها دليل على استقامة المؤمن ونزاهته، ومعنى خيانة المؤمن لله ورسوله هو أن يضيع حق الله وحق رسوله في الأوامر والنواهي فلا يمتثل ما أمر به ولا يجتنب ما نهي عنه، أو أن يوالي أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا فكل من فعل شيئا من ذلك فهو خائن لله ورسوله وأمانته، والأمانات تعم جميع ما يجب على المسلم من حقوق الله عز وجل على عباده من التوحيد والطهارة والصلاة والزكاة والصيام والكفارات والنذور وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه ولا يطلع عليه العباد، كما تشمل أيضا حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بينة على ذلك، فأمر الله عز وجل بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة، فالتفريط في هذه الواجبات كلها، أو نقصها من الخيانة لله ورسوله، قال ابن كثير بعد أن ذكر أسباب نزول الآية قلت: والصحيح أن الآية عامة، وإن صح أنها وردت على سبب خاص، فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء، والخيانة تعم الذنوب الصغار والكبار اللازمة والمتعدية وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: وتخونوا أماناتكم ـ الأمانة: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد، يعني الفريضة يقول: لا تخونوا لا تنقضوها، وقال في رواية: لا تخونوا الله والرسول، يقول بترك سنته وارتكاب معصيته، قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير في هذه الاية، أي لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم، ثم تخالفوه في السر إلى غيره، فإن ذلك هلاك لأماناتكم، وخيانة لأنفسكم ـ وقال السدي: إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم. انتهى.

وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسير الآية المذكورة: والأمانات: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد، وسميت أمانة، لأنها يؤمن معها من منع الحق. انتهى.

وقال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور عند تفسير هذه الآية: فالإيمان والطاعة لله ورسوله عهد بين المؤمن وبين الله ورسوله فكما حذروا من المعصية العلنية حذروا من المعصية الخفية، وتشمل الخيانة كل معصية خفية فهي داخلة في لا تخونوا، لأن الفعل في سياق النهي يعم إلى أن قال وللأمانة شأن عظيم في استقامة أحوال المسلمين ما ثبتوا عليها وتخلقوا بها وهي دليل على نزاهة النفس واستقامتها.

وبناء عليه:

نسجل في هده الصفحات لمحات واشارات وشرح وبيان وتسجيل مواقف لرجال وحركات وتجمعات وأحزاب كانت لهم مواقف خيانية كان لها التأثير السيء على واقع المسلمين… انهم ممن تلبسوا بخيانة الله ورسوله وجماعة المسلمين، فألحقت مواقفهم وأعمالهم الكوارث في حياة المسلمين، وأهم تلك الأعمال كان ( هدم الخلافة )…

نبدأ بملف ( رفاعة الطهطاوي ) ويتبعه ملف المجرم ( مصطفى كمال أتاتورك ) … ألخ.

يشمل الملف من عمل منهم بعمالة واحرام قاصدا الشر، ومن تلبس بأعمال غير مقصودة تسببت بالحاق الضرر.

لكنه عهد قضى وانقضى = بدنب من خان ومن اهملا**

**نصير الطُوسي

قال عنه ناصر السُنّة شيخ الإسلام ابن تيمية ـــ رحمه الله تعالى ـــ في المجلد الرابع عشر من مجموع الفتاوى عند تفسير سورة البقرة ص (165 ـــ 166 ) : … لكن دخولهم فى هذا كدخولهم فى سياسة الملوك، كما كانوا مع الترك الكفار، وكانوا مع هولاكو ملك المغول الكفار، ومع القان الذى هو أكبر منه خليفة جنكزخان ببلاد الخطا، وانتساب الواحد منهم هناك إلى الإسلام انتساب إلى إسلام يرضاه ذلك الملك بحسب غرضه، كما كان النصير الطوسى ‏[‏هو محمد بن محمد بن الحسن نصير الدين الطوسى، فيلسوف، كان رأسا فى العلوم العقلية، ذا منزلة من هولاكو،فكان يطيعه فيما يشير به عليه،اتخذ خزانة ملأها من الكتب التى نهبت من بغداد والشام والجزيرة، اجتمع فيها نحو أربعمائة ألف مجلد، ولد بطوس سنة 597 هـ، وتوفى سنة 672 هـ‏]‏ وأمثاله مع هولاكو ملك الكفار، وهو الذى أشار عليهم بقتل الخليفة ببغداد لما استولى عليها وأخذ كتب الناس، ملكها ووقفها، وأخذ منها ما يتعلق بغرضه، وأفسد الباقى، وبنى الرصد ووضعها فيه، وكان يعطى من وقف المسلمين لعلماء المشركين البخشية والطوينية،و يعطى فى رصده الفيلسوف والمنجم والطبيب أضعاف ما يعطى الفقيه، ويشرب هو وأصحابه الخمر فى شهر رمضان، ولا يصلون‏.‏

وقال في موضع آخرـــ رحمه الله ـــ عند كلامه في الجهاد قال: وصنف القاضي أبو بكر ابن الطيب فيهم كتابا في كشف أسرارهم وسماه ‏[‏كشف الأسرار وهتك الأستار‏]‏ في مذهب القرامطة الباطنية‏.‏ والذين يوجدون في بلاد الإسلام من الإسماعيلية و النصيرية والدرزية وأمثالهم من أتباعهم‏.‏ وهم الذين أعانوا التتار على قتال المسلمين وكان وزير ‏[‏هولاكو‏]‏ النصير الطوسي من أئمتهم‏.‏ وهؤلاء أعظم الناس عداوة للمسلمين وملوكهم ثم الرافضة بعدهم‏.‏ فالرافضة يوالون من حارب أهل السنة والجماعة ويوالون التتار ويوالون النصارى‏.‏ وقد كان بالساحل بين الرافضة وبين الفرنج مهادنة حتى صارت الرافضة تحمل إلى قبرص خيل المسلمين وسلاحهم وغلمان السلطان وغيرهم من الجند والصبيان‏.‏ وإذا انتصر المسلمون على التتار أقاموا المآتم والحزن وإذا انتصر التتار على المسلمين أقاموا الفرح والسرور‏.‏ وهم الذين أشاروا على التتار بقتل الخليفة وقتل أهل بغداد‏.‏ ووزير بغداد ابن العلقمي الرافضي هو الذي خامر على المسلمين وكاتب التتار حتى أدخلهم أرض العراق بالمكر والخديعة ونهى الناس عن قتالهم‏.‏

وقال رحمه الله في المجلد الثامن والعشرين من مجموع الفتاوى ص ( 637) وقد عرف العارفون بالإسلام‏:‏ أن الرافضة تميل مع أعداء الدين‏.‏ ولما كانوا ملوك القاهرة كان وزيرهم مرة يهوديًا ومرة نصرانيًا أرمينيًا وقويت النصارى بسبب ذلك النصراني الأرميني و بنوا كنائس كثيرة بأرض مصر في دولة أولئك الرافضة المنافقين وكانوا ينادون بين القصرين‏:‏ من لعن و سب فله دينار و إردب‏.‏

وفي أيامهم أخذت النصارى ساحل الشام من المسلمين حتى فتحه نور الدين وصلاح الدين‏.‏ وفي أيامهم جاءت الفرنج إلى بلبيس وغلبوا من الفرنج، فإنهم منافقون وأعانهم النصارى والله لا ينصر المنافقين الذين هم يوالون النصارى فبعثوا إلى نور الدين يطلبون النجدة فأمدهم بأسد الدين وابن أخيه صلاح الدين‏.‏ فلما جاءت الغزاة المجاهدون إلى ديار مصر قامت الرافضة مع النصارى فطلبوا قتال الغزاة المجاهدين المسلمين وجرت فصول يعرفها الناس حتى قتل صلاح الدين مقدمهم شاور‏.‏ ومن حينئذ ظهرت بهذه البلاد كلمة الإسلام والسنة والجماعة وصار يقرأ فيها أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالبخاري ومسلم ونحو ذلك‏.‏

وقال ـــ رحمه الله تعالى ـــ في منهاج السنة في المجلد السابع ص (414) ما نصه:… لهذا الرافضة يوالون أعداء الدين الذين يعرف كل أحد معاداتهم من اليهود و النصارى و المشركين مشركي الترك و يعادون أولياء الله الذين هم خيار أهل الدين و سادات المتقين و هم الذين أقاموه و بلغوه و نصروه و لهذا كان الرافضة من أعظم الأسباب في دخول الترك الكفار إلى بلاد الإسلام و أما قصة الوزير ابن العلقمي و غيره كالنصير الطوسي مع الكفار و ممالأتهم على المسلمين فقد عرفها الخاصة والعامة و كذلك من كان منهم بالشام ظاهروا المشركين على المسلمين و عاونوهم معاونة عرفها الناس و كذلك لما انكسر عسكر المسلمين لما قدم غازان ظاهروا الكفار النصارى و غيرهم من أعداء المسلمين و باعوهم أولاد المسلمين بيع العبيد و أموالهم و حاربوا المسلمين محاربة ظاهرة و حمل بعضهم راية الصليب و هم كانوا من أعظم الأسباب في استيلاء النصارى قديما على بيت المقدس حتى استنقذه المسلمون منهم.

وقال ابن القيم ـــ رحمه الله ـــ في كتابه الصواعق المرسلة المجلد الثاني ص (790): نصير الشرك والكفر والإلحاد الطوسي فإن له عقلا آخر خالف فيه سلفه من الملحدين, ولم يوافق فيه أتباع الرسل

وقال أيضًا في نفس الكتاب في المجلد الثالث منه ص (991): أفضل متأخريهم عندهم, وأجهلهم بالله , وأكفرهم نصير الكفر والشرك الطوسي

وقال أيضًا في المجلد الثالث ص(1077): وكاد الإسلام أن يذهب اسمه وينمحي رسمه وكان مشار ( مستشار ) هذه الفرقة وعالمها الذي يرجعون إليه وزعيمهم الذي يعولون عليه شيخ شيوخ المعارضين بين الوحي والعقل ، وإمامهم في وقته ، نصير الكفر والشرك الطوسي , فلم يعلم في عصره أحد عارض بين العقل والنقل معارضته ، فرام إبطال السمع بالكلية ، وإقامة الدعوة الفلسفية ، وجعل الإشارات بدلا عن السور والآيات ، وقال هذه عقليات قطعية برهانية،قد عارضت تلك النقليات الخطابية ، واستعرض علماء الإسلام وأهل القرآن والسنة على السيف ، فلم يبق منهم إلا من أعجزه قصدا لإبطال الدعوة الإسلامية ، وجعل مدارس المسلمين وأوقافهم للنجسة السحرة والمنجمين والفلاسفة والملاحدة والمنطقيين ، ورام إبطال الآذان وتحويل الصلاة إلى القطب الشمالي , فحال بينه وبين ذلك من تكفل بحفظ الإسلام ونصره وهذا كله من ثمرة المعارضين بين الوحي والعقل وتقديم العقل على السمع.

وقال ــ رحمه الله ـــ في كتابه إغاثة اللهفان المجلد الثاني :

“ولما انتهت النوبة إلى نصير الشرك والكفر الملحد، وزير الملاحدة النصير الطوسي وزير هولاكو شفا نفسه من أتباع الرسول الكريم ? وأهل دينه، فعرضهم على السيف، حتى شفا إخوانه من الملاحدة، واشتفى هو فقتل الخليفة والقضاة والفقهاء والمحدثين، واستبقى الفلاسفة والمنجمين والطبائعيين والسحرة، ونقل أوقاف المدارس والمساجد والربط إليهم، وجعلهم خاصته وأولياءه، ونصر في كتبه قدم العالم وبطلان المعاد وإنكار صفات الرب جل جلاله من علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره، وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، وليس فوق العرش إله يعبد ألبته، واتخذ للملاحدة مدارس، ورام جعل إشارات إمام الملحدين ابن سينا مكان القرآن، فلم يقدر على ذلك، فقال هي قرآن الخواص، وذاك قرآن العوام، ورام تغيير الصلاة وجعلها صلاتين فلم يتم له الأمر وتعلم السحر في آخر الأمر، فكان ساحرًا يعبد الأصنام، وصارع محمد الشهرستاني ابن سينا في كتابه سماه المصارعة أبطل فيه قوله بقدم العالم وإنكار المعاد ونَفْي علم الرب تعالى وقدرته وخلقه للعالم، فقام له نصير الإلحاد وقعد، ونقضه بكتاب سماه مصارعة المصارعة.. وبالجملة فكان هذا الملحد هو وأتباعه من الملحدين الكافرين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر”

المصدر

www.alwaraqat.net

3
الطهطاوي والمرأة المسلمة:
وكعادة دعاة التغريب والانحلال تحت مسمى التنوير والحداثة، ينفثون سمومهم من أجل تحرير المرأة ليس من الظلم الذي يدعونه، ولكن من كل حياء إسلامي رفيع؛ ولذا فقد نالت المرأة من كتاباته الكثير، فقد عاد الطهطاوي من فرنسا ليقول بملء فيه: (إن السفور والاختلاط ليس داعيًا إلى الفساد) [تخليص الإبريز في تلخيص باريز، الطهطاوي، ص(305)]، ويُبرر لدعوته ذلك بالاقتداء بالفرنسيين حتى في إنشاء المسارح والمراقص، وضمَّن ذلك كتابين: (تلخيص الإبريز في تلخيص باريز) وكتاب: (المرشد الأمين).

العوامل المؤثرة في تكوينه الفكري:
وعن هذا يخبرنا الأستاذ سالم مبارك في كتابه “اللغة العربية … التحديات والمواجهة”، فيقول عن رفاعة الطهطاوي: (ذكيًّا نعم، نابهًا بين أقرانه نعم، محبًّا للعلم نعم، ولكنه مع ذلك في الخامسة والعشرين من العمر … غريرًا، طري العود، جاء من أقصى الصعيد حيث البؤس والضنك إلى قلب باريس بحدائقها وميادينها ومباهجها.
وتم تسليمه إلى أخطر مستشرق وأدهاهم، إنه البارون الفرنسي “سلفستر دي ساسي”، فتنوه وجعلوه يشاهد أروع المحافل التي تتألق أنوارها، فتتألق معها مفاتن النساء، انتزعوه من بؤس الصعيد وأزقتها المخربة وقضى في باريس 6 سنوات، تعلم فيها الفرنسية، ودرس التاريخ، والجغرافيا، والفلسفة والآداب الفرنسية، وقرأ مؤلفات “فولتير”، و"جان جاك روسو"، و"مونتسكيو"، وتعلم فن العسكرية, والرياضيات.
كيف يمكن لست سنوات أن تلم هذه العلوم التي شابت لها نواصي الرجال إلا أن تكون خطفًا، وأن يكون ما ألفه سطوًا على كتب، حتى مدرسة الألسن التي أنشأها لم تكن من بنات عبقريته بل بإيعاز ممن درَّبوه هناك، وهذه المدرسة أحدثت صدعًا في ثقافة الأمة وقسمتها إلى شطرين: الأزهر في ناحية, ومدرسة الألسن في ناحية, والوظائف طبعًا تكون للأخيرة حيث يدرس فيها المستشرقون) [اللغة العربية .. التحديات والمواجهة، سالم مبارك، ص(28) نقلًا عن في الطريق إلى ثقافتنا، محمود محمد شاكر ص(210-213)].
وفاته:

انزوى رفاعة الطهطاوي في آخر حياته عن الساحة، وترك مكان الصدارة الذي ظل يشغله طيلة خمسين سنة يترجم علوم وأفكار أوروبا والقوانين الوضعية ويرأس تحرير جريدة “الوقائع المصرية”، ويكتب المقالات ويؤلف الكتب ويقنن الأفكار، حتى وافته المنية في 1 ربيع الآخر سنة 1289هـ/1873م، بعد أن قام بالدور الأول في طمس معالم الحضارة الإسلامية وتحويلها لمسخ من الحضارة الغربية.


أهم المراجع:

  1. الأعلام، الزركلي.
  2. تخليص الإبريز في تلخيص باريز، الطهطاوي.
  3. المرشد الأمين، الطهطاوي.
  4. دراسات في حضارة الإسلام، “جب”.
  5. أعلام وأقزام في ميزان الإسلام، العفاني.
  6. في الطريق إلى ثقافتنا، محمود محمد شاكر.
  7. اللغة العربية .. التحديات والمواجهة، سالم مبارك.
  8. معجم المؤلفين، عمر كحالة.
  9. مجلة التاريخ العربي.
  10. الموسوعة الحرة على شبكة الإنترنت.
    [عن لواء الشريعة

** 2

جهوده في محاربة الشريعة:

لقد كانت كراهية أتاتورك للإسلام وشريعته واضحة حتى قبل أن يُسقط الخلافة رسميًّا، فكما يقول أرمسترونج: (ولقد طالما أوضح لأصدقائه أنه يرى وجوب اقتلاع الدين من تركيا) [المسألة الشرقية، محمود ثابت الشاذلي، ص(239)، نقلًا عن كتاب “الذئب الأغبر .. مصطفى كمال”، أرمسترونج، ص(195)].

وفي نفس السياق يقول جورح حداد: (كان التحديث بالنسبة له ـ أي أتاتورك ـ يعني أن يتم تغريب وعلمنة المجتمع التركي وتحرير القطر من تأثير الإسلام والشرق ومن مظاهر الثقافة العربية) [المسألة الشرقية، محمود ثابت الشاذلي، ص(239)، نقلًا عن كتاب “الثورات والحكم العسكري في الشرق الأوسط”، ص(108)].

ونفَّذ مصطفى كمال أتاتورك مخططًا مرسومًا له في المعاهدات التي عُقدت مع الدول الغربية، فقد فرضت معاهدة لوزان سنة 1340هـ/1923م على تركيا شروطًا عُرفت بشروط “كرزون” الأربع، نسبة إلى رئيس الوفد الانجليزي في مؤتمر لوزان، وهي [تاريخ الدولة العثمانية، د.علي حسون، ص(287)]:

1- قطع كل صلة لتركيا بالإسلام.

2- إلغاء الخلافة الإسلامية إلغاءً تامًا.

3- إخراج الخليفة وأنصار الخلافة والإسلام من البلاد ومصادرة أموال الخليفة.

4- اتخاذ دستور مدني بدلًا من دستور تركيا القديم.

ومن ثم أقحمت تركيا في عمليات تغريب، شملت جميع مناحى الحياة بلا استثناء يذكر، أراد من خلالها أتاتورك أن يجعل تركيا العلمانية مثالًا يحتذي به الآخرون في التحرر والانفلات من شرع الله، وكان لذلك مظاهر عدة كما يلي:

  1. المساجد والمؤسسات الدينية:

حيث أُلغيت وزارة الأوقاف سنة 1343هـ/1924م، وعُهد بشؤونها إلى وزارة المعارف، وفي عام 1344هـ/1925م أُغلقت المساجد وقَضت الحكومة في قسوة بالغة على كل تيار ديني وواجهت كل نقد ديني متهمة إياه بإثارة العنف والبلبلة والفوضى.

وفي عام (1350-1351هـ/1931-1932م) حُدد عدد المساجد ولم يسمح بغير مسجد واحد في كل دائرة من الأرض يبلغ محيطها 500 متر وأعلن أن الروح الإسلامية تعوق التقدم.

وتمادى مصطفى كمال في تهجمه على المساجد فخَفَّض عدد الواعظين الذين تدفع لهم الدولة أجورهم إلى ثلاثمائة واعظ، وأمرهم أن يفسحوا في خطبة الجمعة مجالًا واسعًا للتحدث عن الشؤون الزراعية والصناعية وسياسة الدولة وكَيْلِ المديح له.

وأغلق أشهر جامعين في إسطنبول، فحوَّل أولهما وهو مسجد آيا صوفيا إلى متحف، وحوَّل ثانيهما وهو مسجد الفاتح إلى مستودع.

  1. القوانين والتشريعات الإسلامية:

أما الشريعة الاسلامية فقد استبدِلت وحلَّ محلها قانون مدني أخذته حكومة تركيا عن القانون السويسري عام 1345هـ/1926م، وغيَّرت التقويم الهجري واستخدمت التقويم الجريجوري الغربي، فأصبح عام 1345هـ ملغيًّا في كل أنحاء تركيا وحلَّ محله عام 1926م.

وفي دستور عام 1347هـ/1928م أغفل النص أن تركيا دولة إسلامية، وغيَّر نص القَسَم الذي يُقسمه رجال الدولة عند توليهم لمناصبهم، فأصبحوا يُقسِمُون بشرفهم على تأدية الواجب بدلًا من أن يحلفوا بالله كما كان عليه الأمر من قبل.

  1. الحياة الاجتماعية:

وفي عام 1935م غيَّرت الحكومة العطلة الرسمية فلم تعد الجمعة، بل أصبحت العطلة الرسمية للدولة يوم الأحد، وأصبحت عطلة نهاية الأسبوع تبدأ منذ ظهر يوم السبت وتستمر حتى صباح يوم الاثنين.

وأمعنت حكومة مصطفى كمال في حركة التغريب فأصدرت قرارًا بإلغاء لبس الطربوش وأمرت بلبس القبعة تشبهًا بالدول الأوروبية [حاضر العالم الإسلامي، تأليف لوثروب سنودارد وتعليق شكيب أرسلان، ص(115)].

وأخذ أتاتورك ينفخ في الشعب التركي روح القومية، واستغل ما نادى به بعض المؤرخين من أن لغة السومريين أصحاب الحضارة القديمة في بلاد ما بين النهرين كانت ذات صلة باللغة التركية.

وعملت حكومته على الاهتمام بكل ماهو أوروبي فازدهرت الفنون وأُقيمت التماثيل لأتاتورك في ميادين المدن الكبرى كلها، وزاد الاهتمام بالرسم والموسيقى ووفد إلى تركيا عدد كبير من الفنانين أغلبهم من فرنسا والنمسا.

3**

**7

الجواب: لا، فالنصارى دأبوا على التحريض والثورات ويتضح ذلك جليًا في ثورة اليونان الكبيرة سنة 1821 م ـ 1237 هـ، وفي عهد من؟ في عهد محمود الثاني الذي فتح الباب للنصارى على مصراعيه، وفي هذه الثورة كان النصارى يهاجرون من بلادهم إلى اليونان للاشتراك في ثورتها ضد الدولة العثمانية، وتسببت تلك الثورة في إضعاف الدولة العثمانية وتنازلها لروسيا عن الكثير من الموانئ والبلاد، وانفصال الشام ومصر تحت حكم العميل محمد علي باشا، ويتضح أيضًا هذا الدور من ثورات النصارى الدائمة بأرمينيا وجورجيا الذين كانوا يرون دائمًا في الدولة العثمانية عدوًا أبديًا يجب التخلص منه؛ ويتضح أيضًا هذا الدور في المحافل الماسونية التي دخلت بلاد الإسلام مع الحملة الفرنسية على مصر 1213 هـ؛ حيث كانت معظم هذه المحافل مكونة من النصارى، ومنها خرجت الأفكار العلمانية والقومية فنجد أن فكرة القومية العربية التي وضعت أصلًا لضرب الولاء والبراء بين المسلمين نشأت ببيروت على يد رجال أمثال بطرس البستاني وإبراهيم اليازجي وغيرهم من رجال"النصارى" المشهورين.

ثانيًا: دور اليهود في سقوط الدولة العثمانية:

إن كان للنصارى دور كبير في سقوط الدولة العثمانية، فإن اليهود هم أصحاب الدور الأكبر والأخبث في تلك المهمة القذرة، ذلك لأن النصارى كانوا يعتمدون سياسة الثورة والقوة التي تهدف لتحطيم الدولة عسكريًّا، أما اليهود فقد كانوا يعملون في الخفاء وينخرون في جسد الأمة كالسوس يقفون بالمرصاد أمام محاولات الإحياء والصحوة ويروجون لكل المنظمات والأفكار الهدامة التي من شأنها على المدى البعيد أن تقوض هذا الملك الكبير، هذا رغم كبير الجميل الذي قام به العثمانيون تجاه اليهود، ذلك لأنه في عهد سليمان القانوني المتوفى سنة 974 هـ، وقعت محنة محاكم التفتيش بالأندلس للمسلمين واليهود وتشرد من اليهود مئات الألوف وهاموا على وجوههم ورفضت كل البلاد استقبالهم لسابق سوء صنيعهم وسمعتهم الشهيرة في الفساد والشر، وكان سليمان متزوجًا من امرأة يهودية كالأفعى اسمها “روكسلان” ظلت تستعطف سليمان ليتقبل اليهود ببلاده حتى وافق وأذن لهم بالاستيطان بالبلاد الثمانية فاستوطنوا الأناضول خاصة “إزمير، سلانيك، أدرنة” وتمتعوا بقدر كبير من الاستقلال الذاتي وتولوا المناصب واقتنوا الثروات وعاشوا في حرية ورفاهية تامة.

فماذا كان رد فعلهم؟ وكيف تعاملوا مع دولتهم ومجتمعهم؟

أخذ اليهود في إنشاء جماعة خاصة بهم غرضها إفساد عقائد المسمين والدعوة لتجميع اليهود من شتى أنحاء العالم لاتخاذ القدس مقرًا لهم وهؤلاء المعروفين “يهود الدونمة” وداعيتهم “شتباي زيفي” الذي ادعى النبوة وذاع أمره بأوروبا والشام ومصر، وجاءته وفود اليهود لتبايعه ولما أخذته الدولة العثمانية لتعاقبه، ادعى الإسلام وأظهر أنه مسلم وسمى نفسه “محمد البواب”، وطلب من الدولة أن تأذن له في الدعوة للإسلام بين اليهود، وظل “شتباي زيفي” على يهوديته في الباطن يمارس العمل للصهيونية في الخفاء، ويظهر الإخلاص للإسلام في العلن، وتعتبر حركته “يهود الدونمة”، حركة سياسية موجهة ضد الدولة العثمانية، أكبر من كونها حركة دينية، وكان لها إسهامات عديدة في هدم الخلافة عن طريق:

أ ـ هدم القيم الإسلامية في المجمع العثماني المسلم والعمل على نشر الإلحاد والأفكار الغربية والدعوة للعري والاختلاط بين الرجال والنساء خاصة في المدارس والجامعات.ب ـ قام يهود الدونمة بدور فعّال في نصرة القوى المعادية للسلطان عبد الحميد، والتي تحركت من “سلانيك” لعزله، وهم الذين سمموا أفكار الضباط للشباب، وتغلغلوا داخل صفوف الجيش.جـ ـ قام اليهود بالتأثير في جمعية الاتحاد والترقي، تحكموا فيهم وحركوهم كالدمى حتى ينفذوا مخططهم الشرير في عزل عبد الحميد، وتطبيق الدستور العلماني.

د ـ أسسوا المحافل الماسونية داخل الدولة العثمانية، واستخدموا شعارات خادعة، مثل: الحرية، ومكافحة الاستبداد، ونشر الديمقراطية، لاجتذاب البسطاء وترويح الأفكار الهدامة.

ويعتبر “شتباي زيفي” والذي هلك سنة 1678م ـ 1067 هـ، أول من نادى باتخاذ فلسطين وطن قومي لليهود، ويعتبر المؤسس الحقيقي للصهيونية العالمية، وذلك قبل “تيودور هيرتزل” بثلاثة قرون، ويكفي أن نعرف أن “مصطفى كمال” ينتسب إلى هذه الطائفة اليهودية الخبيثة لندرك مدى دورها في تحطيم الخلافة العثمانية، ويعتبر اليهودي “موئيز كوهين” مؤسس الفكر القومي الطوراني، وكتابه في القومية الطورانية هو الكتاب المقدس للسياسة الطورانية التي قوضت الخلافة العثمانية، وأحبطت فكرة الجامعة الإسلامية، واليهود ويؤكدون على دورهم في تحطيم الخلافة العثمانية بإرسال أحد كبار اليهود، وهو “إيمانويل قراصو” وهو من قادة الاتحاد والترقي ليسلم السلطان عبد الحميد قرار عزله كنوع من التشفي والانتقام وإظهار عاقبة رفض عبد الحميد لطلبهم باستيطان فلسطين.

8

**5

الأقليات ودورها في الحملة الفرنسية على مصر:

وفي مصر كان للأقليات جولة وجولات تطفح بمدى الشعور بالانعزال والانقطاع عن المجتمعات المسلمة التي ظلوا في حمايتها قرونًا عديدة، ولكن أبرز هذه الخيانات وأخس هذه الأدوار ما كان منهم عندما احتل الفرنسيون مصر سنة 1213 هـ، بدافع صليبي مغلف بدوافع اقتصادية وتجارية وسياسية ووجدوا أمامهم معارضة شعبية إسلامية قوية وصامدة من مسلمي مصر فقرروا الاستفادة من وجود “الأقليات” بالديار المصرية، ولعبوا على وتر العقيدة الصليبية عندهم، ونجح الفرنسيون في استثارة “الأقليات” وجندوا العناصر النصرانية المصرية التي طالما عاشت وترعرعت آمنة مطمئنة بأرض مصر، وكان رمز الخيانة وقتها ممثلًا في شخصية المعلم “يعقوب حنا” الذي يعد أبرز من خانوا بلادهم في المجتمع الحديث؛ حيث قام هذا الصليبي الخائن بتكوين فرق عسكرية من النصارى المصريين، وقام الضباط الفرنسيون بتدريبهم على نظم أوروبا العسكرية وتزويدهم بالأسلحة الحديثة لمساعدتهم في قمع الثورات الشعبية، وقد منحه الفرنسيون رتبة “جنرال”، ولقب القائد العام للفيالق القبطية بالجيش الفرنسي.

وقد استطاعت القوات الفرنسية بمعاونة ميليشيات يعقوب القبطي من قمع ثورة القاهرة الأولى سنة 1213 هـ، وثورة القاهرة الثانية سنة 1214هـ، وقد أباح الكلب “كليبر” للمعلم يعقوب القبطي أن يفعل بأهل القاهرة ما يشاء بعد أن قمع ثورة القاهرة الثانية، فقام بإحراق الدور ونهب الأموال وتهديم المساجد وانتهاك الأعراض، ووقع منه من المنكرات والأحقاد ما يعجز القلم عن وصفه، وكان يعقوب بن حنا القبطي وفرقته القبطية العسكرية، بداية لما عرف في التاريخ المصري باسم الفتنة الطائفية، والعجيب أنه صار بعد ذلك قديسًا يقام له بأرض مصر مولدًا واحتفالًا بذكراه في الجهاد ضد المسلمين، ولكن العجيب من ذلك موقف المؤرخين النصارى المعاصرين؛ حيث يثنون على ما قام به هذا الخائن الصليبي، فهذا هو الكاتب الصليبي الشهير د.لويس عوض المعروف بكراهيته الشديدة للإسلام، يقول: “إن الدور الذي قام به المعلم يعقوب حنا مع الفرنسيين ضد العثمانيين يعتبر تعاونًا يستحق بموجبه أن يقام له تمثال من ذهب في أكبر ميادين القاهرة، ويكتب عليه أنه أول من نادى باستقلال مصر في العصر الحديث”، ومازال الجدل محتدمًا حتى الآن في مصر حول دور يعقوب حنا في الحملة الفرنسية، علي الرغم من أن المؤرخين المعاصرين للحملة مثل الجبرتي قد وصفه بما يليق به من خيانة ونذالة وحقد علي الإسلام والمسلمين.

الأقليات ودورها في سقوط الدولة العثمانية:

ونحن هنا قد وصلنا للدور الأروع والأفظع والجريمة الأشنع التي قامت بها “الأقليات” في حق مجتمعاتها المسلمة ودولتها التي عاشت فيها ونمت وازدهرت، وهو ما قام به اليهود والنصارى من رعايا الدولة العثمانية، حيث كانت أوروبا الصليبية في حربها ضد الدولة العثمانية حريصة على تمزيق الدولة بإثارة الفتن وتفجير الثورات الدينية الداخلية، وكانت أدواتهم في ذلك وسلاحهم الشرير في تنفيذ مخططهم الآثم هو اليهود والنصارى، رغم ما كانوا يلقونه من عناية ورعاية وعطف من سلاطين الدولة العثمانية حتى أن كثيرًا من هؤلاء السلاطين قد تزوجوا من نساء “الأقليات”، ولربما يضطلع اليهود بالدور الأكبر في هدم الخلافة العثمانية، ولكن هذا لا يقلل دور النصارى في إثارة الفتن والقلاقل، وكان القساوسة ورجال الدين على صلات وثيقة بزعماء الدول الأوروبية وخصوصًا روسيا، وهذا يتضح من نص الوثيقة التاريخية الهامة التي أرسلها بها البطريرك “جريجوريوس” إلى قيصر روسيا يبين له فيها كيفية هدم الدولة العثمانية من الداخل، التي يركز فيها على كيفية تحطيم الروح الإيمانية والمعنوية للمسلمين، وتمزيق الروابط التي تجمعهم نحو النصر “عقيدة الولاء والبراء”. ولنعرض لدور طرفي “الأقليات” في سقوط الدولة العثمانية:

أولًا: دور النصارى في سقوط الدولة العثمانية:

كانت الدولة العثمانية تنظر إلى رعاياها النصارى على أنهم جزء من نسيج هذه الدولة يتولون المناصب ويشتركون في المعارك وينعمون بالمن والأمان، والرفاهية التامة، وازداد نفوذهم مع تدهور الدولة العثمانية، وانتشار الأفكار التغريبية، خاصة من بداية عهد السلطان محمود الثاني المتوفى سنة 1839 م ـ 1255هـ، والذي فتح المجال على مصراعيه للنصارى، ومسخ عقيدة الولاء والبراء تمامًا، فها هو يقول في إحدى خطبه: “إني لا أريد ابتداءً من الآن أن يميز المسلمون إلا في المسجد والمسيحيون إلا في الكنيسة واليهود في المعبد، إني أريد ما دام يتوجه الجميع نحوي بالتحية أن يتمتع الجميع بالمساواة في الحقوق”، لذلك نعمت النصرانية في عهد بحرية تامة جدًا، ثم جاء من بعد السلطان عبد المجيد الأول المتوفى عام 1860م ـ 1277 هـ، وكان شابًا في السادسة عشر فعبث برأسه المفتونون بالغرب، وعلى رأسهم “مصطفى باشا رشيد” الذي أصدر “خط شريف جلخانة” الذي ينص على المساواة في الحقوق والواجبات بين المسلم وغير المسلم ثم أتبعه بالخط الهمايوني الأكثر انحلالًا، والذي ينص على 8 نقاط ترشح وتؤكد على المساواة بين المسلم وغير المسلم في كافة الحقوق والواجبات، وتكتب شهادة بوفاة عقيدة الولاء والبراء عند هؤلاء القوم، ورغم كل هذه الحريات التي تصل لمرحلة التمييع الشديد والطمس الكامل لعقيدة الولاء والبراء، كيف جاء رد فعل الآخر على هذه التنازلات؟ وهل شعر أنه جزء من هذا الوطن الذي لا يفرق بينه وبين غيره؟

6

**4

ب ـ سقوط طليطلة سنة 478 هـ: دأبت الأقليات في طليطلة على تدبير الدسائس وبث الفتن والاضطرابات داخل المدينة والاتصال المستمر بألفونسو الصليبي زعيم صليبي إسبانيا ومؤازرة الناقمين من المسلمين الأغبياء ضد الحكومة القائمة، والعمل على تحطيم كل جبهة حقيقية للمقاومة، ولعبت الأقليات دورها على أكمل وجه حتى سقطت طليطلة بيد ألفونسو الصليبي سنة 478 هـ.

جـ ـ غزوة الأندلس الكبرى 519 هـ: هذه الغزوة تمثل قمة الاجتراء والخيانة وذروة نكران الجميل من جانب الأقليات، عندما قام النصارى المعاهدون باستدعاء “ألفونسو الأرجوني” المعروف بالمحارب وكان أقوي ملوك الصليبيين وقتها لغزو الأندلس واحتلالها ووعدوه بانضمام عشرات الألوف منهم، وأرسلوا له بأسمائهم في عرايض لضمان ولائهم، ووعدوه بالمساعدة بالذخائر والمؤن والأرواح والدماء، وبالفعل قام ألفونسو المحارب بغزوته الشهيرة واخترق قواعد الأندلس يعيث فيها فسادًا، وجنود “الأقليات” ينضمون إليه أثناء سيره يدلونه على المسالك والطرق ومداخل البلاد، ولكن بفضل الله عز وجل وحده فشلت تلك الغزوة الجريئة، وعاد ألفونسو خائبًا فما كان من "الأقليات " إلا أن شعرت بخطورة موقفها، ففر عشرات الألوف من النصارى، ورحلوا في صحبة “ألفونسو” وتركوا ديارهم وأهليهم.

بالجملة كانت الأقليات في الأندلس نكبة على البلاد والعباد، ورغم كل ما لاقوه من عون ورعاية وحماية من الحكومات الإسلامية، وكانوا طابورًا خامسًا للأعداء، وهذا ما أقر به مؤرخي الصليبيين أنفسهم فهذا الأستاذ “بيدال” يقول: “إن نجم المعاهدين قد بزغ ثانية عقب انحلال الدولة الأندلسية وقيام دول الطوائف الضعيفة واستطاعوا أن يؤدوا خدمات جليلة لقضية النصرانية والاسترداد النصراني” بل إن الحرية الممنوحة لـ “الأقليات” دفعتها لأن يتطاولوا على المسلمين وأصلهم، كما نرى من الرسالة الشهيرة التي كتبها “ابن جرسيا” في تفضيل العجم على العرب سنة 450 هـ، وهي رسالة تفيض تحاملًا ضد الجنس العربي، وتنوه بوضاعة منبته وخسيس صفاته، وحقارة عيشه وميوله وانغماسه في شهوات الجنس، وتشييد بالعكس بصفات العجم “كل من ليس عربي”، وترفعهم عن الشهوات الدنية وتبحرهم في العلوم وغير ذلك، مما يوضح نتاج سياسة التسامح واللين مع “الأقليات”، والجدير بالذكر أن خيانات وجرائم “الأقليات” المتكررة دفعت فقهاء المسلمين لأن يحملوا الحكام على عقابهم كما حدث من كبير فقهاء الأندلس “ابن رشد الجد” عندما أصدر فتوى بوجوب تغريب النصارى المعاهدين من الأندلس إلى المغرب، وذلك سنة 521 هـ، في عهد أمير المسلمين على بن يوسف.

الأقليات ودورها مع المغول في دمشق:

دائمًا يذكر المؤرخون أن سبب خروج المغول على بلاد المسلمين كان بسبب ما وقع بين جنكيز خان ملك التتار وعلاء الدين خوارزم ملك المسلمين وقتها، ولكن السبب الحقيقي الذي ذكره المحققون من المؤرخين هو الكيد الصليبي الذي خاف من إسلام قبائل المغول باحتكاكهم مع المسلمين.

كما حدث لأبناء عمومتهم من الترك مثل: السلاجقة والتركمان، والذي لو وقع لأصبح المسلمون قوة لا يقف أمامها أحد فعمل الصليبيون على إرسال الرسل للتتار يحسنوا فيها لهم غزو بلاد الإسلام، وغلاتها ومنتجاتها وخيراتها وحمالها، وكان سلاح النساء النصرانيات يعمل بقوة في التتار عندما دخلوا على شكل خليلات وعاهرات، المهم خرج التتار كالجراد المنتشر الذي يأكل الأخضر واليابس، ولا يذر شيئًا حتى تمكنوا من إسقاط الخلافة العباسية سنة 656 هـ، وواصلوا زحفهم حتى وصلوا إلى دمشق في شهر صفر سنة 658 هـ، وجعلوا على المدينة واليًا من قبلهم رجلًا اسمه “إبل سيان”، وكان معظمًا لدين النصارى، وهذا يوضح أثر الصليبيين على المغول منذ البداية، فاجتمع هذا الشقي بأساقفة وقساوسة النصارى الذين كانوا يمثلون “الأقلية” في هذا الوقت، وعظمهم جدًّا، وزار كنائسهم، صارت لهم دولة وصولة، بسبب وذهب طائفة من النصارى إلى هولاكو.

وأخذوا معهم هدايا وتحفًا وقدموا من عنده ومعهم أمان فرمان من جهته، ودخلوا من باب “توها” ومعهم صليب منصوب يحملونه على رءوس الناس و ينادون بشعارهم ويقولون “ظهر الدين الصحيح دين المسيح” ويذمون دين الإسلام وأهله، ومعهم أواني الخمر لا يمرون على باب مسجد إلا رشوا عنده خمرًا، ويرشون منها على وجوه الناس وثيابهم، ويأمرون كل من يجتازون به في الأزقة والأسواق أني قوم لصليبهم، ووقف خطيبهم إلى دكة دكان في السوق فمدح دين النصارى، وذم دين الإسلام وأهله ثم دخلوا كنيسة مريم، وأخذوا في ضرب النواقيس ابتهاجًا بما فعلوه، وكان في نيتهم إن طالت مدة التتار أن يخربوا المساجد والجوامع والمدارس وغيرها من آثار الإسلام، وعندما اعترض المسلمون ودخلوا على الشقي “إبل سيان” ليشكوا إليه، نهرهم وشتمهم وطردهم، وكان هذا فصلًا آخر من فصول موقف “الأقليات” عندما يجدون فرصة للتنفيث عن مكنونات صدرهم ودفائن حقدهم.

5

**3

وهذه عينة مما يمكن أن تنتجه حملات التشكيك على عقيدة المسلمين، ولا أريد أن أطيل عليكم إنما بالجملة كانت التهمة والسلاح الجديد المحارب به المسلمين هو “اضطهادهم للأقليات” وتمسكهم بعقيدتهم الناصع “عقيدة الولاء والبراء”؛ ولكن السؤال الذي يثور في هذا المقام والذي يجب أن نجيب عليه للمسلمين ليس لغيرهم لأن الأعداء لا يعنونا في هذا المقام بشيء؛ لأنه مهما حشدنا عليهم من حجج وأدلة لا يفد ذلك، ولا يغير من عداوتهم للمسلمين، هذا السؤال هو ما موقف الأقليات من الدول المسلمة التي يعيشون تحت مظلتها؟ وما مدي توافق هذه الأقليات مع معني المواطنة الصحيح؟ وهل هذه الأقليات حقًا من ضمن النسيج الداخلي لهذه الدول، وتعمل لصالحها؟ أما أنها طابور خامس يعمل ضد الأمة المسلمة التي رعتهم وآوتهم؟ هم يطلبون منا أن نحبهم ونتولّهم ونجعلهم كالمسلمين بقلوبنا قبل أجسادنا فهلا سألوا “الآخر” عن موقفه من المسلمين؟ هل بحثوا في كتب التاريخ عن أفعال الأقليات مع المسلمين؟ ثم هل قرءوا في أحداث التاريخ عن موقف المسلمين إذا كانوا أقلية، وأصبحوا هم “الآخر” في مجتمع غير مسلم، وكيف تصرف وتعامل معهم الأكثرية؟ سوف نطوف في أحداث التاريخ الإسلام لنرى حجم الجرائم التي ارتكبتها الأقليات في حق مجتمعاتها وبلادها، ودورها الخطير في سقوط العديد من الدول والممالك المسلمة عبر التاريخ.

الأقليات ودورها في سقوط الأندلس:

عندما فتح المسلمون الأندلس كان أهلها من النصارى وبعضهم من اليهود لم يعاملهم المسلمون معاملة الفاتح المتجبر الذي يستبيح الديار والأعراض، ولم يكرههم على ترك دينهم إنما ترك لهم حرية الاعتقاد، وقامت دولة الإسلام في الأندلس بقوة وتمكن خاصة في عهد الدولة الأموية وعبد الرحمن الداخل ومن جاء بعده، وكان النصارى المعاهدون “الآخر” قد أصبحوا أقلية بسبب إسلام معظم أهل الأندلس بعد الفتح اختيارًا لا إجبارًا، وكان “الآخر” يعيش آمنًا مطمئنًا على داره وعرضه وماله في ظل الحكومة الإسلامية، وكانوا يستوطنون القواعد الأندلسية الكبرى مثل قرطبة، وإشبيلية، وطليطلة، وبلنسية، وسرقسطة، ويتمتع النابهون من أبناء الأقلية النصرانية بعطف الخلفاء وثقتهم وتقديرهم، ويشغل الكثير منهم مناصب هامة في الإدارة وفي القصر “لاحظ أن هذا مخالف لما يجب أن تكون عليه عقيدة الولاء والبراء بين المسلمين، وما ورد من النهي عن اتخاذهم بطانة من دون المسلمين”.

فلما سقطت دولة الخلافة الأموية بالأندلس وقامت دولة الطوائف المشئومة على الإسلام والمسلمين طرأ تغيير ملحوظ على أحوال الأقليات حيث تمتعوا بحرية مطلقة في كل شيء أكبر من الأول بكثير، واعتنى ملوك الطوائف بالآخر بشدة وأولاهم رعاية فائقة وبذلوا جهودًا كبيرًا في تأمين “الآخر” وحمايته وكسب مودته، وكان ملوك قرطبة وإشبيلية وسرقسطة يتسابقون في العطف على “الأقليات”، وكانت بواعث هذه السياسة الودية واضحة، ذلك لأن إسبانيا النصرانية في تلك المرحلة كانت بدأت تتفوق على الأندلس المسلمة، وبدأت تشن ما يسمى بـ"حرب الاسترداد"، وكان ملوك الطوائف يشعرون في هذه الأقلية بأنها مكمن للخطر والدسائس، وكان بنو عباد ملوك قرطبة أكثر الناس تسامحًا مع “الأقليات” وبلاط بني عباد يغص بالنصارى واليهود، وعلى شاكلته كان باقي الملوك فهذا “عبد الله بن بلقين” يصطنع النصارى، ويعتمد على الفرسان النصارى، ويتخذهم نصحاء وأمناء ووزراء يعاونوه في حربه ضد المسلمين! وهذا ابن هود نكبة الإسلام في شمال شرق الأندلس كان أكبر ملوك الطوائف تسامحًا نحو “الأقليات”، ويعتمد على محالفة “النصاري” في كل مشاريعه ضد المسلمين، وكان هو السبب وراء بطولة الفارس الصليبي الشهير “الكمبيادور” الذي أصبح فيما بعد أكبر نكبة علي دولة الإسلام في الأندلس، وهو معدود ضمن أبطال إسبانيا القوميين حتى الآن، هذه كانت حالة “الأقليات” في ظل حكم المسلمين بالأندلس رفاهية وأمان ورعاية وحماية ووزارة وبطانة وكلها أمور يجب أن تجعل ولاءهم الأول لهذا الحكم وهذا المجتمع، ولكن كيف كان رد فعل الأقليات تجاه كل هذه المزايا والنعيم؟ كان النصارى المعاهدون بالرغم من هذه الرعاية والحماية، وهذا التسامح الكبير من جانب ملوك الطوائف لا يشعرون أبدًا أنهم جزء من المجتمع المسلم، ولم يشعروا قط بعاطفة من الولاء نحو تلك الحكومة المسلمة التي كانت تبذل وسعها لحمايتهم واسترضائهم بل لبثوا دائمًا على ضغنهم وخصومتهم لها وتبصرهم بها ينتهزون أية فرصة للإيقاع بها، وممالأة ملوك إسبانيا النصرانية ومعونتهم بكل وسيلة على محاربتها وتسهيل مهمتهم في غزوها والتنكيل بها، والأمثلة على ذلك كثيرة منها:

أ ـ حصار قلمرية سنة 456 هـ: وفيه قام النصارى المعاهدون، وقد كانوا كثرة في هذه المنطقة بدور بارز في معاونة الجيش الإسباني الصليبي، وقام رهبان دير “لورفان” القريب من قلمرية بمؤنهم المختزنة بإمداد الجيش الصليبي ودلوهم على عورات المدنية حتى سقطت بيد الصليبيين.

4

**2

جاء الإعلان عن تشكيل جبهة متحدة من العلمانيين والأقباط داخل مصر، تعمل من أجل إلغاء الهوية الإسلامية والعربية للشعب المصري، من خلال الاستقواء بالخارج، وممارسة ضغوط داخلية وخارجية كبيرة علي النظام المصري المثقل بالضغوط والملفات، من أجل إلغاء البند الأول والثاني في الدستور المصري، والذي ينص علي هوية الدولة الإسلامية والعربية، وعلي اعتبار الشريعة الإسلامية أهم مصادر التشريع المصري؛ جاء هذا الإعلان ليجدد المخاوف من الدور المتنامي للأقليات الدينية داخل البلاد المسلمة، واستخدام أعداء الأمة هذا الملف كورقة ضغط علي الشعوب المسلمة من أجل تقديم المزيد من التنازلات المهينة، وقبول حلول مخزية في كثير من المسائل والقضايا، ومن أبرزها ملف فلسطين والعراق، ونحن في هذه الدراسة سنلقي الضوء حول الدور الخطير التي لعبته الأقليات الدينية داخل الدول الإسلامية عبر التاريخ لنقف علي خطورة تقديم تنازلات في هذا المضمار وعواقب الرضوخ لكل ما يطلبه هؤلاء الموتورون؛ لأنهم وبمنتهى البساطة لن يرضوا بأدنى من تدمير الأمة الإسلامية.

الأقليات والدولة المسلمة:

فلقد كثر الكلام في الآونة الأخيرة عن قضية علاقة المسلمين بغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى سواءً كانت سماوية أو أرضية وظهرت مصطلحات قديمة تم استحضارها من سلة مهملات التاريخ مثل “زمالة الأديان” “السلام العالمي” “الإنسانية الدولية” إلى غير ذلك من الأفكار التي تم استيرادها خصيصًا لإثارة الجدل والشبه والشكوك على عقيدة المسلمين ومن المصطلحات الحديثة التي ظهرت في الفترة الأخيرة “مصطلح الآخر” ويقصد بالآخر غير المسلم الذين هم عادة اليهود والنصارى المقيمين داخل البلدان الإسلامية كأقلية وسط المجتمعات المسلمة، ولما كان هذا المصطلح كسابقيه يخفي تحت جمال ظاهره الكثير من الأباطيل، فلقد أفردنا الدراسة السابقة عن مصطلح الآخر وحقيقة وجوده، وأصل نشأته ومترادفاته الثقافية والتاريخية، إن عداوة حزب الشيطان وأولياءه لحزب الرحمن وأولياءه عداوة أبدية باقية ببقاء الفريقين، فطالما هناك خير فهناك شر، وطالما هناك أهل للحق فهناك أهل للباطل، ولما كانت هذه العداوة باقية أبدًا إلى أن يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها؛ فإنها حتمًا ولابد أن تتطور وتختلف أساليبها باختلاف الزمان وتبعًا لطبيعة المرحلة تكون المواجهة، ولكل زمان سلاحه؛ فقديمًا كانت الحرب بالسيف والسهم والآن بالصواريخ والطائرات، وقديمًا كانت حرب الإسلام وبالغزو والاحتلال حال ضعف المسلمين، وبالكيد والمكر والشائعات حال قوتهم، وأعداء الإسلام ظلوا يطورون أساليبهم القتالية ضد أمة الإسلام بل إنهم يغيرون أساليبهم الشريرة من بلد لآخر فما يناسب بلدًا قد لا يناسب الآخر فمثلًا كان الغزو والاحتلال أسلوبهم في أفغانستان أو العراق لضعف البلدين ووجود المنافقين فيها.

وكانت السيطرة الاقتصادية والتحكم في المعونات أسلوبهم مع مصر والأردن وغيرهما، وهكذا ومن الأسلحة الجديدة والتي ليست حقًا بجديدة لأنه قد سبق استخدامها وبنجاح هو سلاح خطير اسمه “اضطهاد الأقليات” أو “كبت الحريات الدينية” فلقد تم التلويح بهذا السلاح الخطير لمصر والسعودية “على الرغم من خلو السعودية من غير المسلمين”، وقاومت مصر قليلًا، ولكنها سرعان ما خضعت للتهديدات الأمريكية؛ وجاءت التنازلات تترى بعد إلغاء الخط الهمايوني، وتعيين بعض الأقباط في وزارات هامة سيادية “مثل: يوسف غالي وزير الاقتصاد”، ثم تُوجت التنازلات بإقرار يوم عيد الأقباط الأرثوذكس “7 يناير” إجازة رسمية في البلاد كلها، وما زال النهم القبطي نحو مزيد من التنازلات لا ينقطع، حتى وصل الأمر للمطالبة باعتبار اللغة القبطية لغة رسمية للدولة مثل: العربية.

والعجيب أن المسلمين نتيجة جهلهم بدينهم وبتاريخهم يجعلون أمثال تلك الشبهات والتهم تروج عليهم؛ فيقعون صرعى حمى التأويل الدفاعي للإسلام، وتعقد المؤتمرات للدفاع عن الإسلام ضد هجمات أعداءه وينبري العلماء للدفاع عنه بصورة كأننا مخطئون ومذنبون يقفون موقف المدافع ابتداءً وتراهم يؤولون ويشوهون حقائق الإسلام من حيث لا يشعرون؛ وهذا يذكرنا من قبل عندما احتل الإنجليز مصر بدعوى حماية الأقباط ونشروا الشائعات عن ذلك فانبرى العلماء والمشايخ للدفاع ويا ليتهم ما فعلوا!، إذ قال الشيخ المراغى “شيخ الأزهر السابق” في رسالة بعث بها إلى مؤتمر الأديان العالمي “اقتلع الإسلام من قلوب المسلمين جذور الحقد الديني بالنسبة لأتباع الديانات السماوية الأخرى، وأقر بوجود زمالة عالمية بين أفراد النوع البشري، ولم يمانع أن تتعايش الأديان جنبًا على جنب”.

3

** 3

وعملت حكومته على إلغاء حجاب المرأة وأمرت بالسفور، وألغي قوامة الرجل على المرأة وأطلق لها العنان باسم الحرية والمساواة، وشجع الحفلات الراقصة والمسارح المختلطة والرقص.

وأمر بترجمة القرآن إلى اللغة التركية ، وأمر أن يكون الأذان باللغة التركية.

  1. الحياة التعليمية والثقافية:

وأهملت الحكومة التعليم الديني في المدارس الخاصة، ثم تَمَّ إلغاؤه بل أن كلية الشريعة في جامعة إسطنبول بدأت تقلل من أعداد طلابها، ثم ما لبثت أن أُغلِقَت عام 1352هـ/1933م.

وفي عام 1348هـ/1929م بدأت الحكومة تفرض إجباريًّا استخدام الأحرف اللاتينية في كتابة اللغة التركية بدلًا من الأحرف العربية، وبدأت الصحف والكتب تصدر بالأحرف اللاتينية وحُذِف من الكليات التعليم باللغة العربية واللغة الفارسية، وحُرِّمَ استعمال الحرف العربي لطبع المؤلفات التركية.

وأما الكتب التي سبق لمطابع إسطنبول أن طبعتها في العهود السالفة، فقد صُدِّرَت إلى مصر، وفارس، والهند، وهكذا قطعت حكومة تركيا كل ما بين تركيا وماضيها الإسلامي من ناحية، وما بينها وبين المسلمين في سائر البلدان العربية والاسلامية من ناحية أخرى [حاضر العالم الإسلامي، تأليف لوثروب سنودارد وتعليق شكيب أرسلان، ص(115)].

ولم يكتفِ بذلك كله، بل عمل على تغيير المناهج الدراسية وأُعيد كتابة التاريخ من أجل إبراز الماضي التركي القومي، وجرى تنقية اللغة التركية من الكلمات العربية والفارسية، وأُستبدِلت بكلمات أوروبية أو حثية وهي حضارة أسيوية قديمة.

وعود زائفة:

وتسربت تلك الأحلام الوردية التي طالما خدع بها الشعب التركي، وجاءت النتيجة واضحة صريحة، كما عبر عنها أرمسترونج فقال: (كان الفقر يعم كل مكان، والأيام الذهبية التي وعد الشعب بها بعد طرد الأعداء قد تمخضت عن أيام أسوأ من أيام السلطان عبد الحميد ذاته، فقد عز الطعام وتفاقم الغلاء وشحت النقود، بل شحت البضائع الضرورية واختفت من الأسواق وثقلت الضرائب وازداد جشع جباتها.

وجند الشباب جميعًا في الجيش برغم انتهاء الحرب، فانهارت البيوت والمزارع على أصحابها، وماتت الماشية لقلة العلف، وأَتلف الجدب الحاصلات الزراعية، وصارت الحياة عبئًا لا يطاق بعد أن بلغت الفاقة والعوز حدًّا لم يُسمع بمثله من قبل) [المسألة الشرقية، محمود ثابت الشاذلي، ص(242)، نقلًا عن كتاب “الذئب الأغبر .. مصطفى كمال”، أرمسترونج].

وفاته:

تُوفِّي مصطفى كمال أتاتورك في 10 نوفمبر 1938م بعد معاناة شديدة مع أمراض عدة أصابته، (حيث نُشرت الوثيقة الطبية الخاصة به قبل وفاته والتي أعلنت أنه قد أُصيب في شبابه بمرض السيلان الذي لم يكن له علاج أكيد في ذلك الوقت، ثم أُصيب بمرض عضال في الكِلية سنة 1917م، لم يعرف ماهيته.

وكان يتعرض لآلام مبرحة مزمنة لا تُطاق، كانت السبب في إدمانه على شرب الخمر؛ مما أدى إلى إصابته بتليف الكبد والتهاب في أعصابه الطرفية وتعرضه لحالات من الكآبة والانطواء، وتدهور في المستويات العليا في المخ) [المسألة الشرقية، محمود ثابت الشاذلي، ص(242)، نقلًا عن جريدة الوفد المصرية، بتاريخ 29 أغسطس 1985م].

ورحل أتاتورك عن الدنيا غير مأسوف عليه، فقد عاش خائنًا لدينه وأمته وعقيدته، ومات على ذلك، بعد أن أجرم في حق الأمة الجريمة الكبرى.

أهم المراجع:

  1. العلمانية .. إمبراطورية النفاق، من مهَّد لها الطريق، د.عبد العزير مصطفى كامل.

  2. الدولة العثمانية .. عوامل النهوض وأسباب السقوط، د.علي الصلابي.

  3. المسألة الشرقية، محمود ثابت الشاذلي.

  4. الذئب الأغبر، أرمسترونج.

  5. حاضر العالم الإسلامي، تأليف لوثروب سنودارد وتعليق شكيب أرسلان.

  6. تاريخ الدولة العثمانية، د.علي حسون.

  7. الثورات والحكم العسكري في الشرق الأوسط، جورج حداد.

  8. التاريخ العثماني في شعر أحمد شوقي، محمد أبو غدة.

عن لواء الشريعة**

**أتاتورك .. اسم يقطر بالخيانة للشريعة

بقلم : أحمد عادل

أتاتورك .. اسم يقطر بالخيانة للشريعة والعمالة لأعداء الدين، فقد كان صاحب الجريمة الكبرى، والكارثة العظمى التي أطاحت بالخلافة الإسلامية، وأطفأت شمسها بعد سطوع غير منقطع لقرون عديدة.

مولده:

ولد مصطفى علي رضا في 19 مايو 1881م في مدينة سالونيك اليونانية، والتي كانت تابعة للدولة العثمانية وقتئذ، وحينما التحق بالمدرسة العسكرية أظهر نبوغًا دراسيًّا، دفع أحد أساتذته أن يطلق عليه اسم “كمال”، بينا اسم “أتاتورك” يعني أبو الأتراك، وقد أُطلق عليه أيضًا اسم الذئب الأغبر، وهو اسم على مسمى.

نشأته ومراحل حياته:

نشأ أتاتورك في بداية حياته في مدرسة من المدارس الدينية المنتشرة في أرجاء السلطنة العثمانية وقتئذ، ولكنه التحق بعدها بمدرسة أخرى، ثم بالمدرسة العسكرية العليا عام 1893م.

وفي عام 1905م تخرج مصطفى كمال في الكلية العسكرية في إسطنبول برتبة نقيب أركان حرب وأُرسل إلى دمشق حيث بدأ مع العديد من زملائه بإنشاء خلية سرية أطلق عليها اسم “الوطن والحرية” لمحاربة الخلافة الإسلامية متمثلة في السلطنة العثمانية.

ولكنه اختار في الوقت ذاته أسلوبًا ماكرًا لكسب قلوب الناس واستمالتهم إليه، فاجتهد في الحصول على الترقيات وأنواط الشرف وأوسمة النصر كقائد من قواد الجيش العثماني، وذلك أمام بطولاته في كافة أركان الامبراطورية العثمانية بما فيها ألبانيا وليبيا، كما خدم فترة قصيرة كضابط أركان حرب في سالونيك وإسطنبول وكملحق عسكري في صوفيا.

أتاتورك ومسيرة الخداع العسكري:

واجتهد أتاتورك في تكملة مسيرة الكذب والخداع، فعندما شُنَّت حملة الدردنيل عام 1915م، أصبح الكولونيل مصطفى كمال بطلًا وطنيًّا عندما حقق انتصارات متلاحقة وأخيرًا رد الغزاة ورُقِّي إلى رتبة جنرال عام 1916م وهو لا يبلغ من العمر سوى 35 سنة.

وفي نفس السنة قام بتحرير مقاطعتين رئيستين في شرق أنطاليا، وفي السنتين التاليتين خدم كقائد للعديد من الجيوش العثمانية في فلسطين وحلب وحقق نصرًا رئيسيًّا آخر عندما أوقف تقدم أعداء العثمانين عند حلب.

وفي 19 مايو 1919م، نزل مصطفى كمال في ميناء البحر الأسود سامسون لبدء حرب أسماها “حرب الاستقلال”، وهي في الحقيقة كانت المرة الأولى التي يسفر فيها أتاتورك عن وجهه الحقيقي، ويكشف النقاب عن مخططه الخبيث، حيث أعلن الحرب على الخلافة الإسلامية وفي تحدي لحكومة السلطان نظم جيش التحرير في الأناضول، ونتيجة لذلك وفي 23 ابريل 1920م تأسس مجلس الأمة الكبير وانتخب مصطفى كمال لرئاسته، وتم ترقيته إلى رتبة مارشال.

أتاتورك وإسقاط الخلافة:

واستطاع المارشال أتاتورك في صيف 1922م أن يطرد الجيوش البريطانية والفرنسية وجيوش الاحتلال الأخرى من الأراضي التركية، فاكسبته هذه الانتصارات ذيعًا وشهرة كبيرة ملأت آفاق الدول الإسلامية؛ لينظر له العالم الإسلامي على أنه البطل المسلم، لاسيما وأنه استعان زورًا وبهتانًا بالرموز الدينية وعلماء الدين في حشد الناس للقتال معه، وانهالت عليه برقيات التهاني من البلدان الإسلامية.

حتى أن رجلًا بحجم أمير الشعراء أحمد شوقي ليسطر قصيدة يصف فيها أتاتورك بأنه خالد الترك تيمنًا بخالد العرب وهو خالد بن الوليد رضي الله عنه وشتان ما بين الثرا والثريا، فقال في قصيدته (تكليل أنقرة وعزل الأستانة) أبياته المشهورة:

الله أكبر كم في الفتح من عجبِ يا خالد الترك جدد خالد العربِ

وهي الأبيات التي رجع عنها شوقي لما فوجئ بخالد الترك يبدد آمال الترك ويضيع أمجاد العرب وذلك حينما أسقط الخلافة الإسلامية، وأنشأ قائلًا:

الهنــدُ والهة، ومصر حزينة تبـكي عـليك بمدمع سحاحِ

والشام تسأل والعراق وفارسٌ أمَحا من الأرض الخلافة مـاحِ

وفي 1 نوفمبر 1922م، تَمَّ فصل الخلافة عن السلطة وألغيت السلطنة، وبذلك تكون قد قطعت روابط الإدارة في الدولة العثمانية، وتم قبول إدارة الجمهورية للبلاد في 13 أكتوبر 1923م، وانتخب أتاتورك أول رئيسًا للجمهورية.

وفي 3 مارس 1924م، وفي يوم لم يتمناه أي مسلم غيور على دينه، ألغى مصطفى كمال الخلافة العثمانية، والتي أسماها (هذا الورم من القرون الوسطى) [التاريخ العثماني في شعر أحمد شوقي، محمد أبو غدة، ص(110)]، وطرد الخليفة وأسرته من البلاد، وكتب آخر فصول الخلافة الإسلامية، التي استمرت من عهد النبوة وحتى أواسط العقد الثاني من القرن العشرين.

2**

**2ويقول في وصفه لحال المراقص في باريس، ولا أدري ما حاجة الواعظ والإمام فضلًا عن غيره من المسلمين في دخول مثل تلك الأماكن: (فالرقص في باريس دائمًا غير خارج عن قوانين الحياء، بخلاف الرقص في أرض مصر فإنه من خصوصيات النساء؛ لأنه لتهيج الشهوات، أما في باريس فإنه لا يُشم منه رائحة العهر أبدًا! وكل إنسان يعزم امرأة يرقص معها، فإذا فرغ الرقص عزمها آخر للرقصة الثانية، وهكذا، وسواء أكان يعرفها أو لا، وتفرح النساء بكثرة الراغبين في الرقص معهن) [تخليص الإبريز في تلخيص باريز، الطهطاوي، ص(119)].

ثم يسهب في وصف نوع الرقصات وشكلها؛ فيقول: (وقد يقع في الرقص رقصة مخصوصة؛ بأن يرقص الإنسان ويده في خاصرة من ترقص معه، وأغلب الأوقات يمسكها بيده) [تخليص الإبريز في تلخيص باريز، الطهطاوي، ص(119)].

وهنا يعلق الدكتور العفاني قائلًا: (وهذا الكلام يوحي لقارئه بدلالات؛ نذكر منها اثنتين:

  1. أن الأخلاق ليست مرتبطة بالدين، وهي فكرة انقدحت في ذهن الشيخ، لكنه لم يستطع أن يعبر عنها بجلاء، فها هو المجتمع يمارس ألوان الدياثة التي لا يرضاها الدين طبعًا، ولكنها مع ذلك ليست خارجة عن قوانين الحياء، ولا يُشم منها رائحة العهر، حتى قيل صراحة: أن الحجاب وسيلة لستر الفواحش، وأن التبرج دليل على الشرف والبراءة، ومن ثَم فلا علاقة بين الدين والأخلاق.

  2. إن هذا المجتمع الديوث يكرم المرأة ويحترمها، وفي المقابل نرى المجتمع الإسلامي عنده يحافظ على العرض ولكنه يحتقر المرأة، ويصل إلى المفهوم الذي وجد في أوروبا نفسه؛ وهو أن حقوق المرأة مرتبطة بتحررها من الدين، فما لم يُنبذ الدين فلن تحصل على هذه الحقوق) [أعلام وأقزام في ميزان الإسلام، العفاني، (1/58-60)].

دفاعه عن قواعد الحضارة الغربية الباطلة:

فهو يقول في أحد مؤلفاته، محاولًا تلبيس تلك القواعد العقلية الاعتزالية الغربية لباس الشرع: (ومن زاول علم أصول الفقه، وفقه ما اشتمل عليه من الضوابط والقواعد؛ جزم بأن جميع الاستنباطات العقلية التي وصلت عقول أهالي باقي الأمم المتمدنة إليها وجعلوها أساسًا لوضع قوانين تمدنهم وأحكامهم؛ قلَّ أن تخرج عن تلك الأصول التي بُنيت عليها الفروع الفقهية التي عليها مدار المعاملات، فما يُسمى عندنا بعلم أصول الفقه، يشبه ما يُسمى عندهم بالحقوق الطبيعية أو النواميس الفطرية، وهي عبارة عن قواعد عقلية تحسينًا وتقبيحًا يؤسسون عليها أحكام المدنية.

وما نسميه العدل والإحسان يعبرون عنه بالحرية والتسوية، وما يتمسك به أهل الإسلام من محبة الدين والتولع بحمايته مما يفضلون به عن سائر الأمم القوة والمنعة يسمونه محبة الوطن) [المرشد الأمين، الطهطاوي، ص(36-37)].

وكان لتلك الدعوى آثارًا وتلاميذ يحملونها؛ ومنهم محمد عثمان جلال لترى موجة عاتية من موجات التغريب، فقد كانت أبرز آثاره الأدبية ترجمات لبعض المؤلفات الفرنسية ذات الشهرة؛ مثل: “بول وفرجيني”، و"خرافات لافونتين" وبعض “ملاهي موليير”، (والأمر الذي يجب التنويه به في عمله هذا ليس هو فكر الترجمة في ذاتها، بل الروح التجديدية التي تكمن وراءها، فقد ترجم “لافونتين” إلى شعر سهل لا تصنع فيه ولا رهق.

إلا أنه حين ترجم “ملاهي موليير” كتبها بلهجة العامة في مصر، ولم يكن الوقت قد حان بعد للإقدام عى مثل هذا العمل الجريء، غير أن ما تجلى في تلك الخطوة من انفكاك تام من أسر الماضي كان دليلًا على روح العصر، فقد قال الخديوي إسماعيل: “مصر أصبحت قطعة من أوروبا”؛ ولذا كان لابد للأدب المصري من أن يعبر عن استقلاله عن التقاليد الآسيوية والإفريقية) [دراسات في حضارة الإسلام، جب، ص(320-321)].

3**

الأقليات ودورها في سقوط الدول الإسلامية
بقلم : شريف عبد العزيز
جاء الإعلان عن تشكيل جبهة متحدة من العلمانيين والأقباط داخل مصر، تعمل من أجل إلغاء الهوية الإسلامية والعربية للشعب المصري، من خلال الاستقواء بالخارج، وممارسة ضغوط داخلية وخارجية كبيرة علي النظام المصري المثقل بالضغوط والملفات، من أجل إلغاء البند الأول والثاني في الدستور المصري، والذي ينص علي هوية الدولة الإسلامية والعربية، وعلي اعتبار الشريعة الإسلامية أهم مصادر التشريع المصري؛ جاء هذا الإعلان ليجدد المخاوف من الدور المتنامي للأقليات الدينية داخل البلاد المسلمة، واستخدام أعداء الأمة هذا الملف كورقة ضغط علي الشعوب المسلمة من أجل تقديم المزيد من التنازلات المهينة، وقبول حلول مخزية في كثير من المسائل والقضايا، ومن أبرزها ملف فلسطين والعراق، ونحن في هذه الدراسة سنلقي الضوء حول الدور الخطير التي لعبته الأقليات الدينية داخل الدول الإسلامية عبر التاريخ لنقف علي خطورة تقديم تنازلات في هذا المضمار وعواقب الرضوخ لكل ما يطلبه هؤلاء الموتورون؛ لأنهم وبمنتهى البساطة لن يرضوا بأدنى من تدمير الأمة الإسلامية.

الأقليات والدولة المسلمة:

فلقد كثر الكلام في الآونة الأخيرة عن قضية علاقة المسلمين بغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى سواءً كانت سماوية أو أرضية وظهرت مصطلحات قديمة تم استحضارها من سلة مهملات التاريخ مثل “زمالة الأديان” “السلام العالمي” “الإنسانية الدولية” إلى غير ذلك من الأفكار التي تم استيرادها خصيصًا لإثارة الجدل والشبه والشكوك على عقيدة المسلمين ومن المصطلحات الحديثة التي ظهرت في الفترة الأخيرة “مصطلح الآخر” ويقصد بالآخر غير المسلم الذين هم عادة اليهود والنصارى المقيمين داخل البلدان الإسلامية كأقلية وسط المجتمعات المسلمة، ولما كان هذا المصطلح كسابقيه يخفي تحت جمال ظاهره الكثير من الأباطيل، فلقد أفردنا الدراسة السابقة عن مصطلح الآخر وحقيقة وجوده، وأصل نشأته ومترادفاته الثقافية والتاريخية، إن عداوة حزب الشيطان وأولياءه لحزب الرحمن وأولياءه عداوة أبدية باقية ببقاء الفريقين، فطالما هناك خير فهناك شر، وطالما هناك أهل للحق فهناك أهل للباطل، ولما كانت هذه العداوة باقية أبدًا إلى أن يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها؛ فإنها حتمًا ولابد أن تتطور وتختلف أساليبها باختلاف الزمان وتبعًا لطبيعة المرحلة تكون المواجهة، ولكل زمان سلاحه؛ فقديمًا كانت الحرب بالسيف والسهم والآن بالصواريخ والطائرات، وقديمًا كانت حرب الإسلام وبالغزو والاحتلال حال ضعف المسلمين، وبالكيد والمكر والشائعات حال قوتهم، وأعداء الإسلام ظلوا يطورون أساليبهم القتالية ضد أمة الإسلام بل إنهم يغيرون أساليبهم الشريرة من بلد لآخر فما يناسب بلدًا قد لا يناسب الآخر فمثلًا كان الغزو والاحتلال أسلوبهم في أفغانستان أو العراق لضعف البلدين ووجود المنافقين فيها.

وكانت السيطرة الاقتصادية والتحكم في المعونات أسلوبهم مع مصر والأردن وغيرهما، وهكذا ومن الأسلحة الجديدة والتي ليست حقًا بجديدة لأنه قد سبق استخدامها وبنجاح هو سلاح خطير اسمه “اضطهاد الأقليات” أو “كبت الحريات الدينية” فلقد تم التلويح بهذا السلاح الخطير لمصر والسعودية “على الرغم من خلو السعودية من غير المسلمين”، وقاومت مصر قليلًا، ولكنها سرعان ما خضعت للتهديدات الأمريكية؛ وجاءت التنازلات تترى بعد إلغاء الخط الهمايوني، وتعيين بعض الأقباط في وزارات هامة سيادية “مثل: يوسف غالي وزير الاقتصاد”، ثم تُوجت التنازلات بإقرار يوم عيد الأقباط الأرثوذكس “7 يناير” إجازة رسمية في البلاد كلها، وما زال النهم القبطي نحو مزيد من التنازلات لا ينقطع، حتى وصل الأمر للمطالبة باعتبار اللغة القبطية لغة رسمية للدولة مثل: العربية.

والعجيب أن المسلمين نتيجة جهلهم بدينهم وبتاريخهم يجعلون أمثال تلك الشبهات والتهم تروج عليهم؛ فيقعون صرعى حمى التأويل الدفاعي للإسلام، وتعقد المؤتمرات للدفاع عن الإسلام ضد هجمات أعداءه وينبري العلماء للدفاع عنه بصورة كأننا مخطئون ومذنبون يقفون موقف المدافع ابتداءً وتراهم يؤولون ويشوهون حقائق الإسلام من حيث لا يشعرون؛ وهذا يذكرنا من قبل عندما احتل الإنجليز مصر بدعوى حماية الأقباط ونشروا الشائعات عن ذلك فانبرى العلماء والمشايخ للدفاع ويا ليتهم ما فعلوا!، إذ قال الشيخ المراغى “شيخ الأزهر السابق” في رسالة بعث بها إلى مؤتمر الأديان العالمي “اقتلع الإسلام من قلوب المسلمين جذور الحقد الديني بالنسبة لأتباع الديانات السماوية الأخرى، وأقر بوجود زمالة عالمية بين أفراد النوع البشري، ولم يمانع أن تتعايش الأديان جنبًا على جنب”.

2

رفاعة الطهطاوي …البذرة الأولى لشجرة التغريب

بقلم : مصطفى كريم

الطهطاوي، إمام البعثة المصرية إلى فرنسا وواعظها، الذي أصبح بين عشية وضحاها بوق من أبواق هجمات التغريب والانبهار بالحضارة الغربية، فكيف تحول الأزهري الشرعي إلى داعية للتغريب؟

المولد والنشأة:
وُلد رفاعة رافع الطهطاوي في 15 أكتوبر 1801م، بمدينة طهطا إحدى مدن محافظة سوهاج بصعيد مصر، ونشأ في أسرة كريمة الأصل شريفة النسب، فأبوه ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب [الأعلام، الزركلي، (3/29)]، وأمه فاطمة بنت الشيخ أحمد الفرغلي، ينتهي نسبها إلى قبيلة الخزرج الأنصارية.
لقي رفاعة عناية من أبيه؛ فحفظ القرآن الكريم، وبعد وفاة والده رجع إلى موطنه طهطا، ووجد من أخواله اهتمامًا كبيرًا حيث كانت زاخرة بالشيوخ والعلماء، فحفظ على أيديهم المتون التي كانت متداولة في هذا العصر، وقرأ عليهم شيئًا من الفقه والنحو.
سافر رفاعة إلى القاهرة، وهناك التحق وهو في السادسة العشر من عمره بالأزهر في عام 1817م [معجم المؤلفين، عمر كحالة، (4/168)]، وشملت دراسته في الأزهر الحديث والفقه والتفسير والنحو والصرف … وغير ذلك.

نقطة التحول:
وبعد تلك السنوات التي قضاها رفاعة الطهطاوي في طلب العلم، ودراسة الشريعة، أرسلته الحكومة المصرية إلى فرنسا مع البعثات التغريبية التي نقلت الحضارة الغربية الغث منها قبل السمين، فخرج في الأصل إمامًا للصلاة والوعظ مع البعثة، ولكنها كانت نقطة التحول وبداية مرحلة من جهوده المناهضة للشريعة.
ولما عاد إلى مصر ولي رئاسة الترجمة في المدرسة الطبية، وأنشأ جريدة “الوقائع المصرية”، وألف وترجم عن الفرنسية كتبًا كثيرة، وأسس مدرسة الألسن وعمل ناظرها، وهي المدرسة التي (أوحى له الفرنسيون بإنشائها، والتي كانت مركزًا لبث الحضارة الغربية بين طلبتنا باسم العلم والثقافة، عندما استقدمت مصر أساتذة من فرنسا؛ لتدريس المواد في تلك المدرسة التي شوهت حضارة الإسلام، وبذلك حقق الفصل بين الأزهر من جهة، وعلوم العصر من جهة ثانية، وأحدث انقسامًا بين النخبة التي يرى أطرافها نقائض لبعضهما) [جذور الهيمنة على الثقافة العربية الإسلامية، الأستاذ سمير أحمد الشريف، مجلة التاريخ العربي، (1/8501)].

ولقاء انضوائه تحت لواء الحضارة الغربية، فقد رضي محمد علي ومعظم أبنائه الولاة عن الشيخ رفاعة الطهطاوي، فقد بلغت ثروته يوم وفاته 1600 ألف وستمائة فدان غير العقارات، وهذه ثروته كما ذكرها علي مبارك باشا في خططه، فقد أهدى له إبراهيم باشا حديقة نادرة المثال في “الخانقاة”، وهي مدينة تبلغ 36 فدانًا، كما أهداه محمد علي 250 فدانًا بمدينة طهطا، وأهداه الخديو سعيد 200 فدانًا، وأهداه الخديو إسماعيل 250 فدانًا، بينما اشترى الطهطاوي نفسه 900 فدانًا، فبلغ جميع ما في ملكه [الموسوعة الحرة] إلى حين وفاته 1600 فدان، غير ما شراه من العقارات العديدة في بلده طهطا وفي القاهرة، فماذا قدم الطهطاوي حتى يخلع عليه هؤلاء الولاة هذه الأموال والأراضي؟

جهوده في مناهضة الشريعة:
رائد الإصلاح والتنوير كما يطلق عليه مؤيدوه، كان الثغرة الأولى التي نفذ منها الغربيون إلى عالمنا الإسلامي، فكما يقول المستشرق “جب”: (كانت المصادر الأولى التي أخذ الفكر الأوروبي يشع منها هي المدار المهنية التي أنشأها محمد علي، والبعثات العلمية التي أرسلها إلى أوروبا، ويذكر أن منها مدرسة الألسن التي كان يشرف عليها العالم “الفذُّ” رفاعة الطهاطاوي، وهو تلميذ جومار ألبار) [أعلام وأقزام في ميزان الإسلام، العفاني، (1/57)].
أما ما يتعلق بإعجابه الهائل بزيف الحضارة الغربية، فيقول في كتابه “تخليص الإبريز في تلخيص باريز”: (والغالب أن الجلوس للنساء، ولا يجلس أحد من الرجال إلا إذا اكتفى النساء، وإذا دخلت امرأة على أهل المجلس ولم يكن ثم كرسي خالٍ قام لها رجل وأجلسها، ولا تقوم لها امرأة لتجلسها، فالأنثى دائمًا في هذه المجالس معظمة أكثر من الرجل، ثم إن الإنسان إذا دخل بيت صاحبه؛ فإنه يجب عليه أن يحيي صاحبة البيت قبل صاحبه ولو كبر مقامه ما أمكن، فدرجته بعد زوجته أو نساء بيته) [تخليص الإبريز في تلخيص باريز، الطهطاوي، ص(168)].

2

**8

هذه كانت جولة سريعة في أحداث التاريخ السابقة التي ربما تكون غائبة عن ذهن المسلمين الآن كعادتهم مع تاريخهم التليد وضحنا فيها موقف الآخر من قضية الولاء والبراء، أما واقعنا الحاضر وتاريخنا القريب فهو مليء أيضًا بالمواقف التي تبرهن لنا على حقيقة موقف الآخر في مجتمعه المسلم، نذكر منها رءوس أقلام للتذكرة والتنبيه:

ـ ما جرى من الآخر في بلاد البوسنة والهرسك والمجازر البشعة التي ارتكبت في حق المسلمين، لا لشيء إلا لأنهم أرادوا أن يكون لهم دولة خاصة ترفع شعار الإسلام.ـ ما جرى من الآخر في بلاد كوسوفا ومقدونيا.ـ ما جرى من الآخر في الشيشان.ـ ما جرى من الآخر في جنوب السودان وجنوب نيجيريا وساحل العاج وإثيوبيا وإريتريا.

ـ ما جرى من الآخر في لبنان وخيانة الآخر الكبيرة بتكوين جيش صليبي بقيادة أنطوان لحد.

وما زالت دماء المسلمين تراق كل يوم وليلة في شتى بقاع الأرض على يد الأقليات والتي نعمت مئات السنين تحت حكم الإسلام، مما سبق عرضه من هذه الدراسة التاريخية الموجزة، والعرض السريع لأحداث التاريخ القديم والمعاصر يتضح لنا عدة أمور هامة في قضية الأقليات، وموقفهم تجاه المجتمعات التي يحيون فيها، ومنها:

أولًا: أن الأقليات قد نعمت في ظل حكم الدولة الإسلامية بكل أنواع الأمان والرفاهية والمساواة التي لم يكن يخطر لهم بمثلها على بال لو حكم بعضهم بعضًا “مثلما حدث من الأسبان عندما حكموا الأندلس طردوا كل اليهود منها”، ولم يعلم من أحداث التاريخ شيئًا يدان به المسلمون في معاملتهم للأقليات، بل إن حسن المعاملة كانت سببًا لإسلام الكثير منهم، كما حدث مع نصارى حمص أيام ولاية أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه سنة 15 هـ.

ثانيًا: أن الأقليات رغم كل هذه المعاملة الحسنة والتسامح الكبير الذي يصل على حد التساهل لم يشعروا أنهم جزء من المجتمع المسلم بل دائمًا، وأبدًا يشعرون أنهم نسيج بمفرده، مثلما حدث مع نصارى مدينة طرابلس الشامية الذين رحلوا بعيالهم ونسائهم مع الصليبيين عندما خرجوا من هذه المدينة مع نهاية الحروب الصليبية سنة 680هـ، ونجد أيضًا أن الإنجليز عندما احتلوا العراق سنة 1917م/1335هـ، دخلوا بغداد في استقبال رائع وكبير من اليهود والنصارى الذين أعلنوا أنهم في خدمة الإنجليز وتحت تصرفهم، وعندما طالب المسلمون بالعراق تكوين دولة مستقلة لهم من شمال الموصل إلى الخليج العربي سنة 1338 هـ، رفض اليهود والنصارى ذلك وطلبوا أن يكونوا رعايا بريطانيين.

ثالثًا: أن “الأقليات” لم تكتف بانعزالهم شعوريًّا ووجدانيًّا عن المجتمعات المسلمة التي يحيون فيها بل تمادوا في ذلك، وأصبح بمثابة الطابور الخامس لأعداء الأمة المسلمة يحيكون الدسائس وينقلون الأخبار ويتجسسون لصالح الأعداء فهم مع كل عدو وحاقد على الإسلام، حتى ولو لم يطلب الأعداء منه العمل فالأقليات دائمًا تحت أمر وخدمة وتصرف أعداء الإسلام، ولم يعلم منهم موقفًا واحدًا في نصرة الدين أو الدفاع عن مجتمعه المسلم الذي يحيى فيه إلا ما كان اضطراريًّا أو دفاعًا عن النفس.

رابعًا: أن “الأقليات” لم تنشط أو ترفع رأسًا أو تحيك المؤامرات أو تتعاون مع أعداء الإسلام إلا في الفترات التي تضعف فيها عقيدة الولاء والبراء عند المسلمين أنفسهم ويتساهلون مع “الأقليات” ويرفعونهم إلى درجة المساواة مع المسلمين، كما حدث عند إطلاق الخط الهمايوني في عهد السلطان “محمود الثاني” حيث شهد هذا العصر إطلاق المحافل الماسونية والمدارس التبشيرية والإرساليات النصرانية، وظهور الأفكار التحررية والعلمانية، ومن قبل نشطت الأقليات في الأندلس في عهد ملوك الطوائف المشهورين لتمييعهم الشديد في أمر الإسلام، وضعف عقيدتهم الإسلامية، مما أتاح الفرصة أمام “الأقليات” لئن تتآمر مع إسبانيا الصليبية وتضيع حواضر الإسلام التليدة، قرطبة، طليطلة، إشبيلية، وعلى المقابل ففي الفترات التي كانت الدولة المسلمة تطبق شرع الله بصورة تامة وكاملة خاصة عقيدة الولاء والبراء، وكانت شروط أهل الذمة تطبق على الأقليات كانت هذه الفترات، هي فترات القوة والعظمة والفترات التي لم يستطع فيها أهل الذمة أن يتحركوا أو يخرجوا مكنون صدورهم، أو حتى يفكروا في التآمر على المجتمع لأنه يعلموا علم اليقين أن يد الشرع ستطولهم، وعندها يكون العقاب الأليم والحد الفاصل.

خامسًا: أن المتاعب والفتن التي تسببت فيها “الأقليات” لمجتمعاتهم المسلمة لم يكن لها أن تحدث لو أن المجتمع المسلم كان ملتزمًا بشرعه، متمسكًا بعقيدته النقية، وهذا يقودنا إلى حقيقة هامة قررها القرآن الكريم منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان عندما قال رب العزة { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة:120]، فمهما فعل المسلمون ومهما قدموا من تنازلات للأقليات، ومهما تساهلوا وتهاونوا معه إلى حد التمييع فلن يرضوا أبدًا، عن كل هذا ولن يشعروا بأنهم جزء من هذا المجتمع، ولن ترضيهم قصائد المدح وشعارات الوحدة الوطنية الجوفاء؛ وإفطارات الكنائس والإجازات الرسمية والكنائس الجديدة إلى غير ذلك، فكل ذلك لن يُرضيهم أبدًا ؛ لأنه أولًا وأخيرًا أعداء لله ولرسوله، وصدق الشاعر عندما قال:

كل العداوات ترجى مودتها = إلا عداوة من عاداك في الدين

عن لواء الشريعة