المــلل والنــحل

**الباب الثالث

الصفاتية

اعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزة والعظمة ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل بل يسوقون الكلام سوقا واحداً‏.‏

وكذلك يثبتون صفات خبرية مثل‏:‏ اليدين والوجه ولا يؤولون ذلك إلا أنهم يقولون‏:‏ هذه الصفات قد وردت في الشرع فنسميها‏:‏ صفات خبرية‏.‏

ولما كانت المعتزلة ينفون الصفات والسلف يثبتون سمى السلف‏:‏ صفاتية والمعتزلة‏:‏ معطلة فبالغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بصفات المحدثات واقتصر بعضهم على صفات دلت الأفعال عليها وما ورد به الخبر فافترقوا فيه فرقتين فمنهم من أوله على وجه يحتمل اللفظ ذلك ومنهم من توقف في التأويل‏.‏

وقال‏:‏ عرفنا بمقتضى العقل أن الله تعالى ليس كمثله شيء‏.‏

فلا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها وقطعنا بذلك إلا أنا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه مثل قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ الرحمن على العرش استوى ‏"‏ ومثل قوله‏:‏ ‏"‏ خلقت بيدي ‏"‏ ومثل قوله‏:‏ ‏"‏ وجاء ربك إلى غير ذلك ‏"‏ ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه‏:‏ لا شريك له وليس كمثله شيء وذلك قد أثبتناه يقيناً‏.‏

ثم إن جماعة من المتأخرين زادوا على ما قاله السلف فقالوا‏:‏ لابد من إجرائها على ظاهرها والقول بتفسيرها كما وردت من غير تعرض للتأويل ولا توقف في الظاهر فوقعوا في التشبيه الصرف وذلك على خلاف ما أعتقده السلف‏.‏

ولقد كان التشبيه صرفاً خالصاً في اليهود لا في كلهم بل في القرائين منهم إذ وجدوا في التوراة ألفاظاً كثيرة تدل على ذلك‏.‏

ثم الشيعة في هذه الشريعة وقعوا في غلو وتقصير‏:‏ أما الغلو فتشبيه بعض أئمتهم بالإله تعالى وتقدس وأما التقصير فتشبيه الغلة بواحد من الخلق‏.‏

ولما ظهرت المعتزلة والمتكلمون من السلف رجعت بعض الروافض عن الغلو والتقصير ووقعت في الاعتزال وتخطت جماعة من السلف إلى التفسير الظاهر فوقعت في التشبيه‏.‏

وأما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل ولا تهدفوا للتشبيه فمنهم‏:‏ مالك ابن أنس رضي الله عنهما إذ قال‏:‏ الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة‏.‏

ومثل أحمد بن حنبل رحمه الله‏.‏

وسفيان الثوري وداود بن علي الأصفهاني ومن تابعهم‏.‏

حتى انتهى الزمان إلى‏:‏ عبد الله بن سعيد الكلابي وأبي العباس القلانسي والحارث بن أسد المحاسبي وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية وصنف بعضهم ودرس بعض‏.‏

حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري وبين أستاذه مناظرة في مسألة من مسائل الصلاح والأصلح فتخاصما وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة فأيد مقالتهم بمناهج كلامية وصار ذلك مذهباً لأهل السنة والجماعة‏.‏

وانتقلت سمة الصفاتية إلى الاشعرية‏.‏

ولما كانت المشبهة والكرامية‏:‏ من مثبتي الصفات عددناهم‏:‏ فرقتين من جملة الصفاتية‏.‏

الأشاعرة

أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المنتسب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما‏.‏

وسمعت من عجيب الاتفاقات أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه كان يقرر عين ما يقرر الأشعري أبو الحسن في مذهبه‏.‏

وقد جرت مناظرة بين عمرو بن العاص وبينه‏:‏ فقال عمرو‏:‏ أين أجد أحداً أحاكم إليه ربي فقال أبو موسى‏:‏ أنا ذلك المتحاكم إليه فقال عمرو‏:‏ أو يقدر على شيئاً ثم يعذبني عليه قال‏:‏ نعم قال عمرو‏:‏ ولم قال‏:‏ لا يظلمك فسكت عمرو ولم يحر جواباً‏.‏

قال الأشعري‏:‏ الإنسان إذا فكر في خلقته‏:‏ من أي شيء ابتدأ وكيف دار في أطوار الخلقة طوراً بعد طور حتى وصل إلى كمال الخلقة وعرف يقيناً‏:‏ أنه بذاته لم يكن ليدبر خلقته وينقله من درجة إلى درجة ويرقيه من نقص إلى كمال‏.‏

علم بالضرورة أن له‏:‏ صانعاً قادراً عالماً مريداً إذ لا يتصور حدوث هذه الأفعال المحكمة من طبع لظهور آثار الاختيار في الفطرة وتبين آثار الإحكام والإتقان في الخلقة فله صفات دلت أفعاله عليها لا يمكن جحدها وكما دلت الأفعال على كونه‏:‏ عالماً قادراً مريداً‏.‏

دلت على‏:‏ العلم والقدرة والإرادة لأن وجه الدلالة لا يختلف شاهداً وغائباً وأيضاً لا معنى للعلم حقيقة إلا أنه ذو علم ولا للقادر إلا أنه ذو قدرة ولا للمريد ألا أنه ذو إرادة فيحصل بالعلم والإحكام والإتقان ويحصل بالقدرة الوقوع والحدوث ويحصل بالإرادة التخصيص بوقت دون وقت وقدر دون قدر وشكل دون شكل‏.‏

وهذه الصفات لن يتصور أن يوصف بها الذات إلا وأن يكون الذات حياً بحياة للدليل الذي ذكرناه‏.‏

وألزم منكري الصفات إلزاماً لامحيص لهم عنه وهو‏:‏ أنكم وافقتمونا - بقيام الدليل - على كونه عالماً قادراً فلا يخلو‏:‏ إما أن يكون المفهومان من الصفتين واحداً أو زائداً فإن كان واحداً فيجب أن يعلم بقادريته ويقدر بعالميته ويكون من علم الذات مطلقاً علم كونه عالما قادراً وليس الأمر كذلك فعلم أن الاعتبارين مختلفان فلا يخلو‏:‏ إما أن يرجع الاختلاف إلى مجرد اللفظ أو إلى الحال أو إلى الصفة‏.‏

وبطل رجوعه إلى اللفظ المجرد فإن العقل يقضي باختلاف مفهومين معقولين ولو قدر عدم الألفاظ رأساً ما ارتاب العقل فيما تصوره‏.‏

وبطل رجوعه إلى الحال فإن إثبات صفة لا توصف بالوجود ولا بالعدم إثبات واسطة بين‏:‏ الوجود والعدم والإثبات والنفي وذلك محال‏.‏

فتعين الرجوع إلى صفة قائمة بالذات وذلك‏:‏ مذهبه‏.‏

على أن القاضي أبا بكر الباقلاني من أصحاب الأشعري قد ردد قوله في إثبات الحال ونفيها وتقرر رأيه على الإثبات ومع ذلك أثبت الصفات معاني قائمة به لا أحوالاً‏.‏

وقال‏:‏ الحال الذي أثبته أبو هاشم هو الذي نسميه صفة‏:‏ خصوصاً إذا أثبت حالة أوجبت تلك الصفات‏.‏

قال أبو الحسن‏:‏ الباري تعالى‏:‏ عالم بعلم قادر بقدرة حي بحياة مريد بإرادة متكلم بكلام سميع بسمع بصير ببصر وله في البقاء اختلاف رأي‏.‏

قال‏:‏ وهذه الصفات أزلية قائمة بذاته تعالى لا يقال‏:‏ هي هو ولا‏:‏ هي غيره ولا‏:‏ لا هو ولا‏:‏ لا غيره‏.‏

والدليل على أنه متكلم بكلام قديم ومريد بإرادة قديمة‏:‏ أنه قد قام الدليل على أنه تعالى ملك والملك من له الأمر والنهي فهو آمر نله فلا يخلو‏:‏ إما أن يكون آمراً بأمر قديم أو بأمر محدث وإن كان محدثاً فلا يخلو‏:‏ إما أن يحدثه في ذاته أو في محل أو لا في محل‏.‏

ويستحيل أن يحدثه في ذاته لأنه يؤدي إلى أن يكون محلاً للحوادث وذلك محال ويستحيل أن يحدثه في محل لأنه يوجب أن يكون المحل به موصوفاً ويستحيل أن يحدثه لا في محل لان ذلك غير معقول فتعين أنه‏:‏ قديم قائم به صفة له‏.‏

وكذلك التقسيم في الغدارة والسمع والبصر‏.‏

قال‏:‏ وعلمه واحد يتعلق بجميع المعلومات‏:‏ المستحيل والجائز والواجب والموجود والمعدوم‏.‏

وقدرته واحدة تتعلق بجميع ما يصلح وجوده من الجائزات‏.‏

وإرادته واحدة تتعلق بجميع ما يقبل الاختصاص‏.‏

وكلامه واحد هو‏:‏ أمر ونهي وخبر واستخبار ووعد ووعيد وهذه الوجوه ترجع إلى اعتبارات في كلامه لا إلى عدد في نفس الكلام والعبارات‏.‏

والألفاظ المذلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء عليهم السلام دلالات على الكلام الأزلي والدلالة مخلوقة محدثة والمدلول قديم أزلي‏.‏

والفرق بين القراءة والمقروء والتلاوة والمتلو‏:‏ كالفرق بين الذكر والمذكور فالذكر محدث والمذكور قديم‏.‏**

**النجارية

أصحاب الحسين بن محمد النجار وأكثر معتزلة الري وما حواليها على مذهبه وهم وإن اختلفوا أصنافاّ غلا أنهم لم يختلفوا في المسائل التي عددناها أصولاً وهم برغوثية وزعفرانية ومستدركة وافقوا المعتزلة في نفي الصفات‏:‏ من العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر ووافقوا الصفاتية في خلق الأعمال‏.‏

قال النجار‏:‏ الباري تعالى مريد لنفسه كما هو عالم لنفسه فألزم عموم التعلق فالتزم وقال‏:‏ هو مريد الخير والشر والنفع والضر‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ معنى كونه مريداً أنه غير مستكره ولا مغلوب‏.‏

وقال‏:‏ هو خالق أعمال العباد‏:‏ خيرها وشرها حسنها وقبيحها والعبد مكتسب لها‏.‏

وأثبت تأثيراً للقدرة الحادثة وسمى ذلك كسباً على حسب ما يثبته الأشعري ووافقه أيضاً في أن الاستطاعة مع الفعل‏.‏

وأما في مسألة الرؤية فأنكر رؤية الله تعالى بالأبصار وأحالها غير أنه قال‏:‏ يجوز أن يحول الله تعالى القوة التي في القلب - من المعرفة - إلى العين فيعرف الله تعالى بها فيكون ذلك رؤية‏.‏

وقال بحدوث الكلام لكنه انفرد عن المعتزلة بأشياء‏:‏ منها قوله‏:‏ إن كلام الباري تعالى إذا قرئ فهو عرض وإذا كتب فهو جسم‏.‏

ومن العجب أن الزعفرانية قالت‏:‏ كلام الله عيره وكل ما هو غيره ح فهو مخلوق ومع ذلك قالت‏:‏ كل من قال‏:‏ إن القرآن مخلوق فهو كافر ولعلهم أرادوا بذلك‏:‏ الاختلاف وإلا فالتناقض ظاهر‏.‏

والمستدركة منهم زعموا‏:‏ أن كلامه غيره وهو مخلوق لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ كلام الله غير مخلوق ‏"‏ والسلف عن آخرهم أجمعوا على هذه العبارة فوافقناهم وحملنا قولهم غير مخلوق أي‏:‏ على هذا الترتيب والنظم من الحروف والأصوات بل هو مخلوق غير هذه الحروف بعينها وهذه حكاية عنها‏.‏

وحكى الكعبي عن النجار أنه قال‏:‏ الباري تعالى بكل مكان ذاتاً وموجوداً لا وقال في المفكر قبل ورود السمع مثل ما قالت المعتزلة‏:‏ أنه يجب عليه تحصيل المعرفة بالنظر والاستدلال‏.‏

وقال في الإيمان إنه عبارة عن التصديق ومن ارتكب كبيرة ومات عليها من غير توبة عوقب على ذلك ويجب أن يخرج من النار فليس من العدل التسوية بينه وبين الكفار في الخلود‏.‏

ومحمد بن عيسى الملقب ببرغوث وبشر بن غياث المريسي والحسين النجار‏:‏ متقاربون في المذهب‏.‏

وكلهم أثبتوا كونه تعالى مريداً - لم يزل - لكل ما علم أنه سيحدث من‏:‏ خير وشر وإيمان وكفر وطاعة ومعصية‏.‏

وعامة المعتزلة يأبون ذلك‏.‏

الضرارية

أصحاب ضرار بن عمرو وحفص الفرد واتفقا‏:‏ في التعطيل وعلى أنهما قالا‏:‏ الباري تعالى قادر على معنى أنه ليس بجاهل ولا عاجز‏.‏

وأثبتا لله سبحانه ماهية لا يعلمها إلا هو وقالا‏:‏ إن هذه المقالة محكية عن أبي حنيفة رحمه الله وجماعة من أصحابه وأرادا بذلك‏:‏ أنه يعلم نفسه شهادة لا بدليل ولا خبرن ونحن نعلمه بدليل وخبر‏.‏

وأثبتا حاسة سادسة للإنسان يرى بها الباري تعالى يوم الثواب في الجنة‏.‏

وقالا‏:‏ أفعال العباد مخلوقة للباري تعالى حقيقة والعبد مكتسبها حقيقة وجوزاً حصول فعل بين فاعلين‏.‏

وقالا‏:‏ يجوز أن يقلب الله تعالى الأعراض أجساماً والاستطاعة والعجز بعض الجسم وهو جسم ولا محالة بنفي زمانين‏.‏

وقالا‏:‏ الحجة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإجماع فقط فما ينقل عنه في أحكام الدين من طريق أخبار الآحاد فغير مقبول‏.‏

ويحكى عن ضرار‏:‏ أنه كان ينكر حرف عبد الله بن مسعود وحرف أبي بن كعب ويقطع بأن الله تعالى لم ينزله‏.‏

وقال في المفكر قبل ورود السمع‏:‏ إنه لا يجب عليه بعقله شيء حتى يأتيه الرسول فيأمره وينهاه ولا يجب على لله تعالى شيء بحكم العقل‏.‏

وزعم ضرار أيضاً‏:‏ أن الإمامة تصلح في غير قريش حتى إذا اجتمع قرشي ونبطي قدمنا النبطي إذ هو أقل عدداً وأضعف وسيلة فيمكننا خلعه إذا خالف الشريعة‏.‏

والمعتزلة وإن جوزوا الإمامة في غير قريش إلا أنهم لا يجوزون تقديم النبطي على القرشي‏.‏**

**وبالجملة‏:‏ كل سبب ينسب إليه الحادث في زمان حدوثه بعد جوازه في زمان قبله وبعده فإن ذلك السبب جزئي خاص أوجب حدوث تلك الحادثة التي لم تكن قبل ذلك وإلا فالإرادة الكلية والقدرة الشاملة والعلم الواسع العام‏:‏ ليس يختص بزمان دون زمان بل نسبته إلى الأزمان كلها نسبة واحدة فلا بد لكل حادث من سبب حادث ويتعالى عنه الواحد الحق الذي لا يجوز عليه التغيير والاستحالة‏.‏

قال‏:‏ وإذا كان لا بد من محرك للمحركات ومن حامل للحركات‏:‏ تبين أن المحرك سرمدي والحركات سرمدية فالمتحركات سرمدية‏.‏

فإن قيل‏:‏ إن حامل الحركة وهو الجسم لم يحدث لكنه تحرك عن سكون‏:‏ وجب أن يعثر على السبب الذي يغير من السكون إلى الحركة‏.‏

فإن قلنا‏:‏ إن ذلك الجسم حدث فقد تقدم حدوث الجسم حدوث الحركة‏.‏

فقد بان‏:‏ أن الحركة والمتحرك والزمان الذي هو عاد للحركة‏:‏ أزلية سرمدية‏.‏

والحركات إما مستقيمة وإما مستديرة والاتصال لا يكون إلا للمستديرة لأن المستقيم ينقطع والاتصال أمر ضروري للأشياء الأزلية فإن الذي يسكن ليس بأزلي والزمان متصل لأنه لا يمكن أن يكون قطعاً مبتورة فيجب من ذلك أن تكون هي أزلية فيجب أن يكون محرك هذه الحركة المستديرة أيضاً أزلياً إذ لا يكون ما هو أخس علة لما هو أفضل ولا فائدة في محركات ساكنة غير محركة كالصور الأفلاطونية فلا ينبغي أن يضع هذه الطبيعة بلا فعل فتكون متعطلة غير قادرة أن تحيل وتحرك‏.‏

المسألة الثانية عشرة في كيفية تركب العناصر‏.‏

حكى فرفوريوس عنه أنه قال‏:‏ كل موجود ففعله مثل طبيعته فما كانت طبيعته بسيطة ففعله بسيط‏.‏

والله تعالى واحد بسيط ففعل الله تعالى واحد بسيط وكذلك فعله الاجتلاب إلى الوجود فإنه موجود‏.‏

لكن الجوهر لما كان وجوده بالحركة كان بقاؤه أيضاً بالحركة وذلك أنه ليس للجوهر أن يكون موجوداً من ذاته بمنزلة الوجود الأول الحق لكن من التشبه بذلك الأول الحق‏.‏

وكل حركة تكون‏:‏ إما أن تكون مستقيمة أو مستديرة فالحركة المستقيمة يجب أن تكون متناهية والجوهر يتحرك في الأقطار الثلاثة التي هي‏:‏ الطول والعرض والعمق‏:‏ على خطوط مستقيمة حركة متناهية فيصير بذلك جسماً‏.‏

وبقي عليه أن يتحرك بالاستدارة على الجهة التي يمكن فيها حركة بلا نهاية ولا يسكن في وقت من الأوقات إلا أنه ليس يمكن أن يتحرك بأجمعه حركة على الاستدارة وذلك أن الدائر يحتاج إلى شيء ساكن في وسط منه‏:‏ كالنقطة فانقسم قال‏:‏ وكل جسم يتحرك فيماس جسماً ساكناً وفي طبيعته قبول التأثير منه أحدث سخونة فيه وإذا سخن‏:‏ لطف وانحل وخف فكانت طبيعة النار تلي الفلك المتحرك‏.‏

والجسم الذي يلي النار يبعد عن الفلك ويتحرك بحركة النار فتكون حركته أقل فلا يتحرك بأجمعه لكن جزء منه فيسخن دون سخونة النار وهو الهواء‏.‏

والجسم الذي يلي الهواء لا يتحرك لبعده عن المحرك له فهو بارد لسكونه ورطب لمجاورة الهواء الحار الرطب ولذلك انحل قليلاً وهو الماء‏.‏

والجسم الذي في الوسط فإنه بعد في الغاية عن الفلك ولم يستفد من حركته شيئاً ولا قبل منه تأثيراً فيبس وبرد وهو الأرض‏.‏

وإذا كانت هذه الأجسام تقبل التأثير بعضها عن بعض‏.‏

وتختلط‏:‏ يتولد عنها أجسام مركبة وهي المركبات المحسوسات التي هي‏:‏ المعادن والنبات والحيوان والإنسان‏.‏

ثم يختص بكل نوع طبيعة خاصة تقبل فيضاً خاصاً على ما قدر الباري جلت قدرته‏.‏

المسألة الثالثة عشرة في الآثار العلوية‏.‏

قال أرسطوطاليس‏:‏ الذي يتصاعد من الأجسام السفلية إلى الجو ينقسم قسمين‏:‏ أحدهما‏:‏ أدخنة نارية بإسخان الشمس وغيرها‏.‏

والثاني‏:‏ أبخرة مائية فتصعد إلى الجو وقد صحبتها أجزاء أرضية فتتكاثف وتجتمع بسبب ريح أو غيرها فتصير ضباباً أو سحاباً فتصادفها برودة فتعصر ماءً وثلجاً وبرداً فتنزل إلى مركز الماء وذلك لاستحالة الأركان بعضها عن بعض فكما أن الماء يستحيل هواء فيصعد كذلك الهواء يستحيل ماء فينزل‏.‏

ثم الرياح والأدخنة إذا احتقنت في خلال السحاب واندفعت مرة سمع لها صوت وهو الرعد ويلمع من اصطكاكها وشدة صدمتها ضياء وهو البرق‏.‏

وقد يكون من الأدخنة ما تكون الهنية على مادتها أغلب فيشتعل فيصير شهاباً ثاقباً وهي الشهب‏.‏

ومنها ما يحترق في الهواء فيتحجر فينزل‏:‏ حديداً أو حجراً‏.‏

ومنها ما يحترق ناراً فيدفعها دافع فينزل صاعقة‏.‏

من المشتعلات ما يبقى فيه الاشتعال ووقف تحت كوكب ودارت به النار الدائرة بدوران الفلك فكان ذنباً له‏.‏

وربما كان عريضاً فرئي كأنه لحية كوكب وربما وقع صقيل الظاهر من السحاب صور اليرات وأضواؤها كما يقع على المرائي والجدران الصقيلة فيرى ذلك على أحوال مختلفة بحسب اختلاف بعدها من النير وقربها وصفائها وكدورتها في‏:‏ هالة وقوس قزح وشموس وشهب والمجرة‏.‏

وذكر أسباب كل واحد من هذه في كتابه المعروف بالآثار العلوية والسماء والعالم وغيرهما‏.‏

المسألة الرابعة عشرة في النفس الإنسانية الناطقة واتصالها بالبدن‏.‏

قال‏:‏ النفس الإنسانية ليست بحسم ولا قوة في جسم وله في إثباتها مآخذ‏:‏ منها الاستدلال على أما الأول فقال‏:‏ لا نشك أن الحيوان يتحرك إلى جهات مختلفة حركة اختيارية إذ لو كانت حركاته طبيعية أو قسرية‏:‏ لتحركت إلى جهة واحدة لا تختلف البتة فلما تحركت إلى جهات متضادة‏:‏ علم أن حركاته اختيارية‏.‏

والإنسان مع أنه مختار في حركاته كالحيوان إلا أنه يتحرك لمصالح عقلية يراها في عاقبة كل أمر فلا تصدر عنه حركاته إلا إلى غرض وكمال وهو في معرفته في عاقبة كل حال‏.‏

والحيوان ليست حركاته بطبعه على هذا النهج فيجب أن يتميز الإنسان بنفس خاص كما تميز الحيوان عن سائر الموجودات بنفس خاص‏.‏

وأما الثاني وهو المعول عليه قال‏:‏ إنا لا نشك أنا نعقل ونتصور أمراً معقولاً صرفاً مثل المتصور من الإنسان أنه إنسان كلي يعم جميع أشخاص النوع ومحل هذا المعقول جوهر ليس بحسم ولا قوة في جسم أو صورة لجسم فإنه إن كان جسماً فإما أن يكون محل الصورة المعقولة منه طرفاً منه لا ينقسم أو جملته المنقسمة‏.‏**

**وإذ فرضنا أنه لم يزل ولا يزال موجوداً بالفعل فيجب أن يكون له من ذاته الأمر الأكمل الأفضل لا من غيره‏.‏

قال‏:‏ وإذا عقل ذاته‏:‏ عقل ما يلزمها لذاتها بالفعل وعقل كونه مبدأ وعقل كل ما يصدر عنه على ترتيب الصدور عنه وإلا فلم يعقل ذاته بكنهها‏.‏

قال‏:‏ وإن كان ليس يعقل بالفعل فما الشيء الكريم الذي له وهو الكون الناقص كماله‏!‏ فيكون حاله كحال النائم وإن كان يعقل الأشياء من الأشياء فتكون الأشياء متقدمة عليه بتقدم ما يقبله ذاته وإن كان يعقل الأشياء من ذاته فهو المرام والمطلب‏.‏

وقد يعبر عن هذا الغرض بعبارة أخرى تؤدي قريباً من هذا المعنى فيقول‏:‏ إن كان جوهره العقل وأن يعقل فإما أن يعقل‏.‏

ذاته أو غيره فإن كان يعقل شيئاً آخر فما هو في حد ذاته غير مضاف إلى ما يعقله وهل لهذا المعتبر بنفسه فضل وجلال مناسب لأن يعقل بأن يكون بعض الأحوال أن يعقل له أفضل من أن لا يعقل أو بأن لا يعقل يكون له أفضل من أن يعقل‏.‏

فإنه لا يمكن القسم الآخر‏:‏ وهو أن يكون يعقل الشيء الآخر افضل من الذي له في ذاته من حيث هو في ذاته شيء يلزمه أن يعقل فيكون فضله وكماله بغيره‏.‏

وهذا محال‏.‏

المسألة الرابعة في أن واجب الوجود لا يعتريه تغير وتأثر من غيره بأن يبدع أو يعقل‏.‏

قال‏:‏ الباري تعالى عظيم الرتبة جداً غير محتاج إلى غيره ولا متغير بسبب من غيره‏:‏ سواء كان التغير زمانياً أو كان تغيراً بأن ذاته تقبل من غيره أثراً وإن كان دائماً في الزمان‏.‏

وإنما لا يجوز له أن يتغير كيفما كان لأن انتقاله إنما يكون إلى الشر لا إلى الخير لأن كل رتبة غير رتبته فهي دون رتبته وكل شيء يناله ويوصف به فهو دون نفسه ولا يكون أيضاً مناسباً للحركة خصوصاً إن كانت بعدية زمانية‏.‏

وهذا معنى قوله‏:‏ إن التغير‏:‏ إلى الشيء الذي هو شر‏.‏

وقد ألزم على كلامه‏:‏ أنه إذا كان الأول يعقل أبداً ذاته فإنه يتعب ويكل ويتغير ويتأثر‏.‏

وأجاب ثامسطيوس عن هذا بأنه إنما لا يتعب لأنه يعقل ذاته وكما لا يتعب من أن يحب ذاته فإنه لا يتعب من أن يعقل ذاته‏.‏

قال أبو الحسين بن عبد الله بن سينا‏:‏ ليست العلة أنه لذاته يعقل‏.‏

أو لذاته يجب بل لأنه ليس مضاداً لشيء في الجوهر العاقل فإن التعب هو أذى يعرض لسبب خروج عن الطبيعة وإنما يكون ذلك إذا كانت الحركات التي تتوالى مضادت لمطلوب الطبيعة فأما الشىء الملائم اللذيذ المحض الذي ليس فيه منافاة بوجه فلم يجب أن يكون تكرره متعباً‏.‏

المسألة الخامسة في أن واجب الوجود حي بذاته باق بذاته أي كامل في أن يكون بالفعل مدركاً لكل شيء نافذ الأمر في كل شيء‏.‏

وقال‏:‏ إن الحياة التي عندنا يقترن بها من إدراك خسيس وتحريك خسيس وأما هناك فالمشار إليه بلفظ الحياة‏:‏ هو كون العقل التام بالفعل الذي يتعقل من ذاته كل شيء وهو باق الدهر أزلي فهو حي بذاته باق بذاته‏.‏

عالم بذاته‏.‏

وإنما ترجع جميع صفاته إلى ما ذكرنا من غير تكثر ولا تغير في ذاته‏.‏

المسألة السادسة في أنه لا يصدر عن الواحد إلا واحد‏.‏

قال‏:‏ الصادر الأول هو العقل الفعال لأن الحركات إذا كانت كثيرة ولكل متحرك فيجب أن يكون عدد المحركات بحسب عدد المتحركات فلو كانت المحركات والمتحركات تنسب إليه لا على ترتيب أول وثان بل جملة واحدة لتكثرت جهات ذاته بالنسبة إلى محرك محرك ومتحرك متحرك فتكثر بذاته‏.‏

وقد أقمنا البرهان على أنه واحد من كل وجه فلن يصدر عن الواحد من كل وجه إلا واحد وهو العقل الفعال‏.‏

وله في ذاته وباعتبار ذاته إمكان الوجود وباعتبار علته وجوب الوجود فتتكثر ذاته لا من جهة علته فيصدر عنه شيئان ثم يزيد التكثر في الأسباب فتتكثر المسببات والكل ينسب إليه‏.‏

المسألة السابعة في عدد المفارقات‏.‏

قال‏:‏ إذا كان عدد المتحركات مرتباً على عدد المحركات فتكون الجواهر المفارقة كثيرة على ترتيب‏:‏ أول وثان فلكل كرة متحركة محرك مفارق غير متناهي القوة يحرك كما يحرك المشتهي والمعشوق ومحرك آخر مزاول للحركة فيكون صورة للجرم السماوي فالأول عقل مفارق والثاني نفس مزاول فالمحركات المفارقة تحرك على أنها مشتهاة معشوقة والمحركات المزاولة تحرك على أنها مشتهية عاشقة‏.‏

ثم يطلب عدد المحركات من عدد حركات الأكر‏.‏

وذلك شيء لم يكن ظاهراً في زمانه وإنما ظهر بعد‏.‏

والأكر تسع لما دل الرصد عليها فالعقول المفارقة عشرة‏:‏ تسعة منها مدبرات النفوس التسعة المزاولة وواحد هو العقل الفعال‏.‏

المسألة الثامنة في أن الأول مبتهج بذاته‏.‏

قال أرسطوطاليس‏:‏ اللذة في المحسوسات هو الشعور بالملائم وفي المعقولات الشعور بالكمال الواصل إليه من حيث يشعر به‏.‏

فالأول مغتبط بذاته ملتذ بها لأنه يعقل ذاته على كمال حقيقتها وشرفها وإن جل عن أن ينسب إليه لذة انفعالية‏.‏

بل يجب أن يسمي ذلك‏:‏ بهجة وعلاء وبهاء‏.‏

كيف ونحن نلتذ بإدراك الحق ونحن مصروفون عنه مردودون في قضاء حاجات خارجة عما يناسب حقيقتنا التي نحن بها ناس وذلك لضعف عقولنا وقصورنا في المعقولات وانغماسنا في الطبيعة البدنية لكنا نتوصل على سبيل الاختلاس فيظهر لنا اتصال بالحق الأول فيكون كسعادة عجيبة في زمان قليل جداً وهذه الحال له أبداً وهو لنا غير ممكن لأنا مذنبون ولا يمكننا أن نشيم تلك البارقة الإلهية إلا خطفه وخلسة‏.‏

المسألة التاسعة في صدور نظام الكل وتربيته عنه‏.‏

قال‏:‏ قد بينا أن الجوهر يقال على ثلاثة أضرب‏:‏ اثنان طبيعيان وواحد غير متحرك‏.‏

وقد بينا القول في الواحد غير المتحرك وأما الاثنان الطبيعيان فهما‏:‏ الهيولى والصورة أو العنصر والصورة وهما مبدأ الأجسام الطبيعية‏.‏

وأما العدم فيعد من المبادئ بالعرض لا بالذات‏.‏

فالهيولى جوهر قابل للصورة والصورة معنى ما يقترن بالجوهر فيصير به نوعاً كالجزء المقوم له لا كالعرض الحال فيه والعدم ما يقابل الصورة فإنا متى توهمنا أن الصورة لم تكن فيجب أن يكون في الهيولى عدم الصورة‏.‏**

**الباب الخامس

المرجئة

الإرجاء على معنيين‏:‏ أحدهما بمعنى‏:‏ التأخير كما في قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ قالوا‏:‏ أرجه وأخاه ‏"‏ أي‏:‏ أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والعقد‏.‏

وأما بالمعنى الثاني فظاهر فإنهم كانوا يقولون‏:‏ لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة‏.‏

وقيل‏:‏ الإرجاء‏:‏ تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة فلا يقضي عليه بحكم ما في الدنيا‏:‏ من كونه من أهل الجنة أو من أهل النار‏:‏ فعلى هذا‏:‏ المرجئة والوعيدية فرقتان متقابلتان‏.‏

وقيل‏:‏ الإرجاء‏:‏ تأخير علي رضي الله عنه عن الدرجة الأولى إلى الرابعة فعلى هذا‏:‏ المرجئة والشيعة فرقتان متقابلتان‏.‏

والمرجئة‏:‏ أصناف أربعة‏:‏

مرجئة الخوارج ومرجئة القدرية

ومرجئة الجبرية وكذلك الغيلانية أصحاب غيلان الدمشقي أول من أحدث القول بالقدر والإرجاء‏.‏

ونحن إنما نعد مقالات المرجئة الخالصة منهم‏.‏

اليونسية

أصحاب‏:‏ يونس بن عون النميري‏.‏

زعم أن الإيمان هو‏:‏ المعرفة بالله والخضوع له وترك الاستكبار عليه والمحبة بالقلب فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن وما سوى ذلك من الطاعة فليس من الإيمان ولا يضر تركها حقيقة الإيمان ولا يعذب على ذلك إذا كان الإيمان خالصاً واليقين صادقاً‏.‏

وزعم أن إبليس كان عارفاً بالله وحده غير انه كفر باستكباره عليه‏:‏ أبى واستكبر وكان من الكافرين‏.‏

قال‏:‏ ومن تمكن في قلبه‏:‏ الخضوع لله والمحبة له على خلوص ويقين‏:‏ لم يخالفه في معصية وغن صدرت منه معصية فلا تضره بيقينه وإخلاصه‏.‏

إنما يدخل الجنة بإخلاصه ومحبته لا بعمله وطاعته العبيدية‏:‏ أصحاب‏:‏ عبيد المكتئب‏.‏

حكي عنه أنه قال‏:‏ مادون الشرك مغفور لا محالة وغن العبد إذا مات على توحيده لا يضره ما اقترف من الآثام واجترح من السيئات‏.‏

وحكى اليمان عن عبيد المكتئب وأصحابه‏:‏ انهم قالوا‏:‏ إن علم الله تعالى لم يزل شيئاً غيره وغن كلامه لم يزل شيئاً غيره وكذلك دين الله لم يزل شيئا ًغيره‏.‏

وزعم أن الله تعالى عن قولهم على صورة إنسان وحمل عليه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن الله خلق آدم على صورة الرحمن ‏"‏‏.‏

الغسانية

أصحاب غسان الكوفي‏.‏

زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى وبرسله والإقرار بما أنزل الله وبما جاء به لرسول‏.‏

في الجملة دون التفصيل‏.‏

والإيمان‏:‏ لا يزيد ولا ينقص‏.‏

وزعم أن قائلاً لو قال‏:‏ أعلم أن الله تعالى قد حرم أكل الخنزير ولا أدري هل الخنزير الذي حرمه‏:‏ هذه الشاة أم غيرها كان مؤمناً‏.‏

لو قال‏:‏ أعلم أن الله تعالى قد فرض الحج إلى الكعبة غير أني لا أدري أين الكعبة ولعله بالهند‏:‏ كان مؤمناً‏.‏

ومقصودة‏:‏ أن أمثال هذه الاعتقادات أمور وراء الإيمان لا أنه كان شاكاً في هذه الأمور فإن عاقلاً لا يستجيز من عقله أن يشك في أن ومن العجيب‏!‏ أن غسان كان يحكي عن حنيفة رحمه الله مثل مذهبه ويعده من المرجئة ولعله كذب كذلك عليه‏.‏

لعمري‏!‏ كان يقال لأبي حنيفة وأصحابه‏:‏ مرجئة السنة‏.‏

وعده كثير من أصحاب المقالات‏:‏ من جملة المرجئة ولعل السبب فيه‏:‏ أنه لما كان يقول‏:‏ الإيمان‏:‏ هو التصديق بالقلب وهو لا يزيد ولا ينقص‏:‏ ظنوا أنه يؤخر العمل عن الإيمان‏.‏

والرجل مع تخريجه في العمل كيف يفتي بترك العمل‏!‏‏.‏

وله سبب آخر والمعتزلة كانوا يلقبون كل من خالفهم في القدر‏:‏ مرجئاً وكذلك الوعيدية من الخوارج فلا يبعد أن اللقب إنما لزمه من فريقي‏:‏ المعتزلة والخوارج‏.‏

والله أعلم‏.‏

الثوبانية

أصحاب‏:‏ أبي ثوبان المرجئ‏.‏

الذين زعموا‏:‏ إن الإيمان هو‏:‏ المعرفة والإقرار بالله تعالى وبرسله عليهم السلام وبكل ما لا يجوز في العقل أن يفعله وما جاز في العقل تركه فليس من الإيمان‏.‏

وأخر العمل كله عن الإيمان‏.‏

ومن القائلين بمقالة أبي ثوبان هذا‏:‏ أبي مروان غيلان بن مروان الدمشقي وأبي شمر ومويس بن عمران والفضل الرقاشي ومحمد بن شبيب والعتابي وصالح قبة‏.‏

وكان غيلان يقول بالقدر خيره وشره من العبد وفي الإمامة‏:‏ إنه تصلح في غير قريش وكل من كان قائماً بالكتاب والسنة كان مستحقاً لها وأنها لا تثبت إلا بإجماع الأمة‏.‏

والعجب أن الأمة أجمعت على أنها لا تصلح لغير قريش وبهذا دفعت الأنصار عن قولهم‏:‏ منا والجماعة التي عددناها اتفقوا على أن الله تعالى لو عفا عن عاص في القيامة‏:‏ عفا عن كل مؤمن عاص هو في مثل حاله وإن أخرج من النار واحداً‏:‏ أخرج من هو في مثل حاله‏.‏

ومن العجب أنهم لم يجزموا القول بأن المؤمنين من أهل التوحيد يخرجون من النار لا محالة‏.‏

ويحكى عن مقاتل بن سليمان‏:‏ أن المعصية لا تضر صاحب التوحيد والإيمان وأنه لا يدخل النار مؤمن‏.‏**

**الدهكينية من سننهم‏:‏ أن يتخذوا صنماً على صورة امرأة وفوق رأسه تاج وله أيد كثيرة‏.‏

ولهم عيد في يوم من أيام السنة عند استواء الليل والنهار ودخول الشمس الميزان فيتخذون في ذلك اليوم عريشاً عظيماً بين يدي ذلك الصنم ويقربون إليه القرابين من الغنم وغيرها ولا يذبحونها ولكن يضربون أعناقها بين يديه بالسيوف‏.‏

ويقتلون من أصابوا من الناس قرباناً بالغيلة حتى ينقضي عيدهم وهم مسيئون عند عامة الهند بسبب الغيلة‏.‏

الجلهكية‏:‏ أي عباد الماء يزعمون أن الماء ملك ومعه ملائكة وأنه أصل كل شيء وبه كل ولادة ونمو ونشوء ويقاء وطهارة وعمارة‏.‏

وما من عمل في الدنيا إلا وهو محتاج إلى الماء‏.‏

فإذا أراد الرجل عبادته تجرد وستر عورته ثم دخل الماء إلى وسطه فيقيم ساعة أو ساعتين أو أكثر ويأخذ ما أمكنه من الرياحين فيقطعها صغاراً ويلقي فيه بعضها بعد بعض وهو يسبح ويقرأ‏.‏

وإذا أراد الانصراف حرك الماء بيده ثم أخذ منه فنقط به‏:‏ رأسه ووجهه وسائر جسده‏.‏

خارجاً‏.‏

ثم سجد وانصرف‏.‏

الأكنواطرية‏:‏ أي عباد النار زعموا‏:‏ أن النار أعظم العناصر جرماً وأوسعها حيزاً وأعلاها مكاناً وأشرفها جوهراً وأنورها ضياءً وإشراقاً وألطفها جسماً وكياناً‏.‏

والاحتياج إليها أكثر من الاحتياج إلى سائر الطبائع ولا كون في العالم إلا بها ولا حياة ولا نمو ولا انعقاد‏:‏ إلا بممازجتها‏.‏

وغنما عبادتهم لها أن يحفروا أخدوداً مربعاً في الأرض ويؤججو النار فيه ثم لا يدعون طعاماً لذيذاً ولا شراباً لطيفاً ولا ثوباً فاخراً ولا عطراً فائحاً ولا جوهراً نفيساً‏.‏

إلا طرحوه فيها تقرباً إليها وتبركاً بها‏.‏

وحرموا إلقاء النفوس فيها وإحراق الأبدان بها خلافاً لجماعة أخرى من زهاد الهند‏.‏

وعلى هذا المذهب أكثر ملوك الهند وعطائها‏:‏ يعظمون النار لجوهرها تعظيماً بالغاً ويقدمونها على الموجودات كلها‏.‏

ومنهم زهاد وعباد يجلسون حول النار صائمين يسدون منافسهم حتى لا يصل إليها من أنفاسهم نفس صدر عن صدر محروم‏.‏

وسنتهم‏:‏ الحث على الأخلاق الحسنة والمنع من أضدادها وهي الكذب والحسد والحقد

الباب الخامس حكماء الهند

انتقال الحكمة إلى الهند‏:‏ كان لفيثاغورس الحكيم اليوناني تلميذ يدعى قلانوس قد تلقى الحكمة منه وتلمذ له ثم صار إلى مدينة من مدائن الهند وأشاع فيها مذهب فيثاغورس‏.‏

انتشار حكمة فيثاغورس في الهند وكان برخمنين رجلاً جيد الذهن نافذ البصيرة صائب الفكر راغباً في معرفة العوالم العلوية‏.‏

قد أخذ من قلانوس الحكيم حكمته واستفاد منه علمه وصنعته‏.‏

فلما توفي قلانوس ترأس برخمنين على الهند كلهم فرغب الناس في تلطيف الأبدان وتذهيب الأنفس وكان يقول‏:‏ أي امرئ هذب نفسه وأسرع الخروج عن هذا العالم الدنس وطهر بدنه من أوساخه‏.‏

ظهر له كل شىء وعاين كل غائب وقدر على كل متعذر وكان محبوراً مسروراً ملتذاً عاشقاً لا يمل ولا يكل ولا يمسه نصب ولا لغوب‏.‏

فلما نهج لهم الطريق واحتج عليهم بالحجج المقنعة‏:‏ اجتهدوا اجتهاداً شديداً‏.‏

وكان يقول أيضاً‏:‏ إن ترك لذات هذا العالم هو الذي يلحقكم بذلك العالم حتى تتصلوا به وتنخرطوا في سلكه وتخلدوا في لذاته ونعيمه‏.‏

فدرس أهل الهند هذا افتراق أهل الهند بعد برخمينن ثم توفي عنهم برخمنين وقد تجسم القول في عقولهم لشدة الحرص والعجلة في اللحاق بذلك العالم‏.‏

فافترقوا فرقتين‏:‏ فرقة قالت‏:‏ إن التناسل في هذا العالم هو الخطأ الذي لا خطأ أبين منه إذ هو نتيجة اللذة الجسدانية وثمرة النطفة الشهوانية فهو حرام وما يؤدي إليه من الطعام اللذيذ والشراب الصافي وكل ما يهيج الشهوة واللذة الحيوانية وينشط القوة البهيمية‏.‏

فهو حرام أيضاً فاكتفوا بالقليل من الغذاء على قدر ما تثبت به أبدانهم‏.‏

ومنهم من كان لا يرى ذلك القليل أيضاً ليكون لحاقه بالعالم الأعلى أسرع‏.‏

ومنهم من إذا رأى عمره قد تنفس ألقى بنفسه في النار تزكية لنفسه وتطهيراً لبدنه وتخليصاً لروحه‏.‏

ومنهم من يجمع ملاذ الدنيا من الطعام والشراب والكسوة فيمثلها نصب عينيه لكي يراها البصر وتتحرك نفسه البهيمية إليها فتشتاقها وتشتهيها فيمنع نفسه عنها بقوة النفس المنطقية‏.‏

حتى يذبل البدن وتضعف النفس وتفارق البدن لضعف الرباط الذي كان يربطها به‏.‏

وأما الفريق الآخر فإنهم كانوا يرون‏:‏ التناسل والطعام والشراب‏.‏

وسائر اللذات بالقدر الذي هو طريق الحق‏:‏ حلالاً‏.‏

وقليل منهم‏:‏ من يتعدى عن الطريق ويطلب الزيادة‏.‏

الفيثاغوريون الهنود وكان قوم من الفريقين سلكوا مذهب فيثاغورس من الحكمة والعلم فتلطفوا حتى صاروا يظهرون على ما في أنفس أصحابهم من الخير والشر ويخبرون بذلك فيزيدهم ذلك حرصاً على رياضة الفكر وقهر النفس الأمارة بالسوء واللحوق بما لحق به أصحابهم‏.‏

ومذهبهم في الباري تعالى‏:‏ أنه نور محض إلا أنه لابس جسداً ما‏:‏ يستمر به لئلا يراه إلا من استأهل رؤيته واستحقها كالذي يلبس في هذا العالم جلد حيوان فإذا خلعه نظر إليه من وقع بصره عليه وإذا لم يلبسه لم يقدر أحد من النظر إليه‏.‏

ويزعمون‏:‏ أنهم كالسبايا في هذا العالم فإن من حارب النفس الشهوية حتى منعها عن ملاذها فهو الناجي من دنيات العالم السفلى ومن لم يمنعها بقي أسيراً في بدنها‏.‏

والذي يريد أن يحارب هذا أجمع فإنما يقدر على محاربتها بنفي التجبر والعجب وتسكين الشهوة والحرص والبعد عما يدل عليها ويوصل إليها‏.‏

الإسكندر وحكماء الهند ولما وصل الإسكندر إلى تلك الديار وأراد محاربتهم صعب عليه افتتاح مدينة أحد الفريقين وهم اللذين كانوا يرون استعمال اللذات في هذا العالم بقدر القصد الذي لا يخرج إلى فساد البدن فجهد حتى افتتحها وقتل منهم جماعة من أهل الحكمة فكانوا يرون جثث قتلاهم مطروحة كأنها جثث السمك الصافية النقية التي في الماء الصافي فلما رأوا ذلك ندموا على فعلهم ذلك بهم وأمسكوا عن الباقين‏.‏**

**وبطل أن يكون طرفاً منه غير منقسم فإنه لو كان كذلك لكان المحل كالنقطة التي لا تميز لها في الوضع عن الخط فإن الطرف نهاية الخط والنهاية لا يكون لها نهاية أخرى وإلا تسلسل القول فيه فتكون النقط متشافعة ولكل نهاية وذلك محال‏.‏

وإن كل محل المعقول من الجسم شيئاً ينقسم‏.‏

فيجب أن ينقسم المعقول بانقسام محله ومن المعقولات ما لا ينقسم البتة فإن ما ينقسم يجب أن يكون شيئاً كالشكل والمقدار‏.‏

والإنسانية الكلية المتصورة في الذهن ليست كشكل قابل للقطع ولا كمقدار قابل للفصل‏.‏

فتبين أن النفس ليست بجسم ولا قوة في جسم ولا صورة في جسم‏.‏

المسألة الخامسة عشرة في وجه اتصالها بالبدن ووقت اتصالها‏.‏

قال‏:‏ إذا تحقق أنها ليست بجسم لم تتصل بالبدن اتصال انطباع فيه ولا حلول فيه بل اتصلت به اتصال تدبير وتصرف‏.‏

وإنما حدثت مع حدوث البدن لا قبله ولا بعده قال‏:‏ لأنها لو كانت موجودة قبل وجود الأبدان لكانت متكثرة بذواتها وإما متحدة‏.‏

وبطل الأول فإن المتكثر إما أن يكون بالماهية والصورة وقد فرضناها متفقة في النوع لا اختلاف فيها فلا تكثر فيها ولا تمايز‏.‏

وإما أن تكون متكثرة من جهة النسبة إلى العنصر والمادة المتكثرة بالأمكنة والأزمنة‏.‏

وهذا محال أيضاً فإنا إذا فرضناها قبل البدن ماهية مجردة لا نسبة لها إلى مادة دون مادة وهي من حيث إنها ماهية لا اختلاف فيها وأن الأشياء التي ذواتها معان تتكثر تنوعاتها بالحوامل والقوابل والمنفعلات عنها وإذا كانت مجردة فمحال أن يكون بينها مغايرة وكاثرة‏.‏

ولعمري إنها تبقى بعد البدن متكثرة فإن الأنفس قد وجد كل منها ذاتاً منفردة باختلاف موادها التي كانت وباختلاف أزمنة حدوثها وباختلاف هيئات وملكات حصلت عند الاتصال بالبدن فهي حادثة مع حدوث البدن تصيره نوعاً كسائر الفصول الذاتية وباقية بعد مفارقة البدن بعوارض معينة له‏:‏ لم توجد تلك العوارض قبل اتصالها بالبدن‏.‏

وبهذا الدليل‏:‏ فارق أستاذه‏.‏

وفارق قدماءه‏.‏

وقد وجد في أثناء كلامه ما يدل على أنه يعتقد أن النفس كانت موجودة قبل وجود الأبدان‏.‏

فحمل بعض مفسري كلامه قوله ذلك على أنه أراد به الفيض والصور الموجودة بالقوة في واهب الصور كما يقال‏:‏ إن النار موجودة في الحجر والشجر أو الإنسان موجود في النطفة والنخلة موجودة في النواة والضياء موجود في الشمس‏.‏

ومنهم من أجراه على ظاهره وحكم بالتمييز بين النفوس بالخواص التي لها وقال‏:‏ اختصت كل نفس إنسانية بخاصية لم يشاركها فيها غيرها فليست متفقة بالنوع أعني‏:‏ النوع الأخير‏.‏

ومنهم من حكم بالتمييز بالعوارض التي هي مهيأة نحوها وكما أنها تتمايز بعد الاتصال بالبدن بأنها كانت متميزة في المادة‏:‏ كذلك تتمايز بأنها ستكون متمايزة بالأبدان والصنائع والأفعال واستعداد كل نفس لصنعة خاصة أو علم خاص فتنهض هذه فصولاً ذاتية أو عوارض لازمة لوجودها‏.‏

المسألة السادسة عشرة في بقائها بعد البدن وسعادتها في العالم العقلي‏.‏

قال‏:‏ إن النفوس الإنسانية إذا استكملت قوتي العلم والعمل تشبهت بالإله سبحانه وتعالى وو صلت إلى كمالها وإنما هذا التشبه بقدر الطاقة يكون إما بحسب الاستعداد وإما بحسب الاجتهاد فإذا فارق البدن اتصل بالروحانيين وانخرط في سلك الملائكة المقربين‏.‏

ويتم له التذاذ والابتهاج‏.‏

وليس كل لذة فهي جسمانية فإن تلك اللذات نفسانية عقلية وهذه اللذة الجسمانية تنتهي إلى حد ويعرض للملتذ سآمة وكلال وضعف وقصور‏.‏

إن تعدى عن الحد المحدود بخلاف اللذات العقلية فإنها حيثما ازدادت‏:‏ ازداد الشوق والحرص والعشق‏.‏

إليها‏.‏

وكذلك القول في الآلام النفسانية فإنها تقع بالضد مما ذكرنا‏.‏

ولم يحقق المعاد إلا للأنفس ولم يثبت حشراً ولا نشراً ولا إحلالاً لهذا الرباط المحسوس من العالم ولا إبطالاً لنظامه كما ذكره القدماء‏.‏

فهذه نكت كلامه استخرجناها من مواضع مختلفة وأكثرها من شرح ثامسيطيوس وكلام الشيخ أبي على بن سينا الذي يتعصب له وينصر مذهبه ولا يقول من القدماء إلا به‏.‏

وسنذكر طريقة ابن سينا عند ذكر فلاسفة الإسلام إن شاء الله تعالى‏.‏

ونحن الآن ننقل كلمات حكمية لأصحاب أرسطوطاليس ومن نسج على منواله بعده دون الآراء العلمية إذ لا خلاف بينهم في الآراء والعقائد‏.‏

ووجدت كلمات وفصولاً للحكيم أرسطوطاليس من كتب متفرقة فنقلتها على الوجه الذي وجدت وإن كان في بعضها ما يدل على أن رأيه على خلاف ما نقله ثامسيطيوس واعتمده ابن سينا‏:‏ منها في حدوث العالم قال‏:‏ الأشياء المحمولة أعني الصور المتضادة فليس يكون أحدهما من صاحبه بل يجب أن يكون بعد صاحبه قيتعاقبان على المادة فقد بان أن الصورة تدثر وتبطل‏.‏

وإذا دثر معنى وجب أن يكون له بدء لأن الدثور غاية وهو أحد الجنبين‏:‏ يدل على أن جائياً جاء به‏.‏

فقد صح أن الكون حادث لا من شيء وأن الحامل لها غير ممتنع الذات من قبولها وحمله إياها وهي ذات بدء وغاية يدل على أن حواملها ذو بدء وغاية وأنه حادث لا من شيء ويدل على محدث لا بدء له ولا غاية لأن الدثور آخر والآخر ما كان له أول فلو كانت الجواهر والصور لم يزالا فغير جائز استحالتهما لأن الاستحالة دثور الصورة التي بها كان شيء‏.‏

وخروج الشيء من حد إلى حد ومن حال إلى حال يوجب دثور الكيفية وتردد المستحيل في الكون والفساد يدل على دثوره وحدوث أحواله يدل على ابتدائه وابتداء جزئه يدل على بدء كله وواجب إن قبل بعض ما في العالم الكون والفساد أن يكون كل العالم قابلاً له وكان له بدء يقبل الفساد وآخر يستحيل إلى كون فالبدء والغاية يدلان على مبدع‏.‏**

**والعدم المطلق مقابل للصورة المطلقة والعدم الخاص مقابل للصورة الخاصة‏.‏

قال‏:‏ وأول الصورة التي تسبق إلى الهيولى هي الأبعاد الثلاثة فتصير جرماً ذا طول وعرض وعمق وهي الهيولى الثانية وليست بذات كيفية‏.‏

ثم تلحقها الكيفيات الأربع التي هي الحرارة والبرودة الفاعلتان والرطوبة واليبوسة المنفعلتان فتصير الأركان والأسطقسات الأربعة التي هي النار والهواء والماء والأرض وهي الهيولى الثالثة‏.‏

ثم تتكون منها المركبات التي تلحقها الأعراض والكون والفساد ويكون بعضها هيولى بعض‏.‏

قال‏:‏ وإنما رتبنا هذا الترتيب في العقل والوهم خاصة دون الحس وذلك أن الهيولى عندنا لم تكن معراة عن الصورة قط فلم نقدر في الوجود جوهراً مطلقاً قابلاً للأبعاد ثم لحقته الأبعاد ولا جسماً عارياً عن هذه الكيفيات ثم عرض له ذلك وإنما هو عند نظرنا هو أقدم بالطبع وأبسط في الوهم والعقل‏.‏

ثم أثبت طبيعة خامسة وراء هذه الطبائع لا تقبل الكون والفساد ولا يطرأ عليها الاستحالة والتغير وهي طبيعة السماء‏.‏

وليس يعني بالخامسة طبيعة من جنس هذه الطبائع بل معنى ذلك أن طبائعها خارجة عن هذه‏.‏

ثم هي كلها على تركيبات يختص كل تركيب خاص بطبيعة خاصة ويتحرك بحركة خاصة‏.‏

ولكل متحرك محرك مزاول ومحرك مفارق‏.‏

والمتحركات أحياء ناطقون والحيوانية والناطقية لها بمعنى آخر وإنما يحمل ذلك عليها وعلى الإنسان بالاشتراك‏.‏

فترتيب العالم كله علوية وسفلية على نظام واحد وصار النظام في الكل‏:‏ محفوظاً بعناية المبدأ الأول على أحسن ترتيب وأحكم قوام متوجهاً إلى الخير‏.‏

وترتيب الموجودات كلها في طباع الكل على موع نوع ليس على ترتيب المساواة فليس حال السباع كحال الطير ولا حالها كحال النبات ولا حال النبات كحال الحيوان‏.‏

قال‏:‏ وليس مع هذا التفاوت منقطعاً بعضها عن بعض بحيث لا ينسب بعضها إلى بعض بل هناك مع الاختلاف اتصال وإضافة جامعة للكل تجمع الكل إلى الأصل الأول الذي هو المبدأ لفيض الجود والنظام في الوجود على ما يمكن في طباع الكل أن يترتب عنه‏.‏

قال‏:‏ وترتيب الطباع في الكل كترتيب المزل الواحد من الأرباب والأحرار والعبيد والبهائم والسباع فقد جمعهم صاحب المنزل ورتب لكل واحد منهم مكاناً خاصاً وقدر له عملاً خاصاً‏.‏

ليس قد أطلق لهم أن يعملوا ما شاءوا وأحبوا فإن ذلك يؤدي إلى تشويش النظام‏.‏

فهم وإن اختلفوا في مراتبهم وانفصل بعضهم عن بعض بأشكالهم وصورهم‏:‏ منتسبون إلى مبدأ واحد صادرون عن رأيه وأمره مصرفون تحت حكمه وقدره فكذلك تجري الحال في العالم بأن يكون هناك أجزاء أول مفردة متقدمة لها أفعال مخصوصة مثل السماوات ومحركاتها ومدبراتها وما قبلها منن العقل الفعال‏.‏

وأجزاء مركبة متأخرة تجري أكثر أمورها على الاتفاق المخلوط بالطبع المسألة العاشرة في أن النظام في الكل متوجه إلى الخير والشر واقع في القدر بالعرض‏.‏

قال‏:‏ لما اقتضت الحكمة الإلهية نظام العالم على أحسن إحكام وإتقان لا لإرادة وقصد أمر في السافل حتى يقال‏:‏ إنما أبدع العقل مثلاًلغرض في السافل حتى يفيض مثلاً على السافل فيضاً بل لأمر أعلى من ذلك وهو أن ذاته أبدع ما أبدع لذاته لا لعلة ولا لغرض فوجدت الموجودات كاللوازم واللواحق ثم توجهت إلى لخير لأنها صادرة عن أصل الخير وكان المصير في كل حال إلى رأس واحد‏.‏

ثم ربما يقع شر وفساد من مصادمات في الأسباب السافلة دون العالية التي كلها خير مثل المطر الذي لم يخلق إلا خيراً ونظاماً للعالم فيتفق أن يخرب به بيت عجوز فإن وقع كان ذلك واقعاً بالعرض لا بالذات أو بأن لا يقع شر جزئي في العالم لا تقتضي الحكمة أن لا يوجد خير كلي فإن فقدان المطر أصلاً شر كلي وتخريب بيت عجوز شر جزئي والعالم للنظام الكلي لا الجزئي فالشر إذاً‏:‏ واقع في القدر بالعرض‏.‏

وقال‏:‏ إن الهيولى قد لبست الصور على درجات ومراتب وإنما يكون لكل درجة ما تحتمله في نفسها دون أن يكون في الفيض الأعلى إمساك عن بعض وإفاضة على بعض‏.‏

فالدرجة الأولى احتمالها على نحو أفضل والثانية دون ذلك‏.‏

والذي عندنا من العناصر دون الجميع لأن كل ماهية من ماهيات هذه الأشياء إنما تحتمل ما تستطيع أن تلبس من الفيض على النحو الذي هيئت له ولذلك تقع العاهات والتشويهات في الأبدان لما يلزم من ضرورة المادة الناقصة التي لا تقبل الصورة على كمالها الأول والثاني‏.‏

قال‏:‏ إنا لم نجز الأمور على هذا المنهاج ألجأتنا الضرورة إلى أن نقع في محالات فيها من قبلنا كالثنوية وغيرهم‏.‏

المسألة الحادية عشرة في كون الحركات سرمدية وأن الحوادث لم تزل‏.‏

قال‏:‏ إن صدور الفعل عن الحق الأول إنما يتأخر لا بزمان بل بحسب الذات‏.‏

والفعل ليس مسبوقاً بعدم بل هو مسبوق بذات الفاعل فقط‏.‏

ولكن القدماء لما أرادوا أن يعبروا عن العلية افتقروا إلى ذكر القبيلة وكانت القبيلة في اللفظ تتناول الزمان وكذلك في المعنى عند من لم يتدرب فأوهمت عباراتهم أن فعل الأول الحق فعل زماني وأن تقدمه تقدم زماني‏.‏

قال‏:‏ ونحن أثبتنا أن الحركات تحتاج إلى محرك غير متحرك‏.‏

ثم نقول‏:‏ الحركات لا تخلو‏:‏ إما ان تكون لم تزل أو تكون قد حدثت بعد أن لم تكن وقد كان المحرك لها موجوداً بالفعل قادراً ليس يمانعه مانع من أن تكون عنه ولا حدث حادث في حال ما أحدثها فرغبه وحمله على الفعل إذاً‏:‏ كان جميع ما يحدث إنما يحدث عنه وليس شيء غيره يعوقه أو يرغبه‏.‏

ولا يمكن أن يقال‏:‏ قد كان لا يقدر أن يكون عنه مقدور فقدر أو لم يرد فأراد أو لم يعلم فعلم فإن ذلك كله يوجب الاستحالة ويوجب أن يكون شيئاً آخر غيره هو الذي أحاله‏.‏

وإن قلنا‏:‏ إنه منعه مانع يلزم أن يكون السبب المانع أقوى والاستحالة والتغير عن المانع حركة أخرى استدعت محركاً‏.‏**

**حكم بقراط :بقراط واضع الطب‏.‏
الذي قال بفضله الأوائل والأواخر‏.‏
وكان أكثر حكمته في الطب وشهرته به فبلغ خبره إلى بهمن ابن اسفنديار بن كشتاسب فكتب إلى فيلاطس ملك قوه وهو بلد من بلد اليونانيين يأمر بتوجيه بقراط إليه وأمر له بقناطير من الذهب فأبى ذلك وتأبى عن الخروج إليه ضناً بوطنه وقومه‏.‏
وكان لا يأخذ على المعالجة أجرة من الفقراء وأوساط الناس وقد شرط أن يأخذ من الاغنياء أحد ثلاثة أشياء‏:‏ طوقاً‏.‏
وإكليلاً أو سواراً‏.‏
من ذهب‏.‏
فمن حكمه إن قال‏:‏ استهينوا بالموت فإن مرارته في خوفه‏.‏
وقيل له‏:‏ أي العيش خير قال‏:‏ الأمن مع الفقر خير من الغنى مع الخوف‏.‏
وقال‏:‏ الحيطان والبروج لا تحفظ المدن ولكن تحفظها آراء الرجال وتدبير الحكماء‏.‏
وقال‏:‏ يداوي كل عليل بعقاقير أرضه فإن الطبيعة متطلعة إلى هوائها ونازعة إلى غذائها‏.‏
ولما حضرته الوفاة قال‏:‏ خذوا جامع العلم مني‏:‏ من كثر نومه ولانت طبيعته ونديت جلدته‏.‏
طال عمره‏.‏
وقال‏:‏ لو خلق الإنسان من طبيعة واحدة لما مرض لأنه لم يكن هناك شيء يضادها فيمرض‏.‏
ودخل على عليل فقال له‏:‏ أنا والعلة وأنت فإن أعنتني عليها بالقبول لما تسمع مني‏:‏ صرنا اثنين وانفرد العلة فقينا عليها والاثنان إذا اجتمعا على واحد غلباه‏.‏
وسئل‏:‏ ما بال الإنسان أثور ما يكون بدنه إذا شرب الدواء قال‏:‏ مثل ذلك مثل البيت أكثر ما يكون غبارا إذا كنس‏.‏
وحديث ابن الملك‏:‏ أنه عشق جارية من حظايا أبيه فنهك بدنه واشتدت علته فأحضر بقراط فجس نبضه ونظر إلى تفسرته فلم ير أثر علة فذكراه حديث العشق فرآه يهش لذلك ويطرب فاستخبر الحال من حاضنته فلم يكن عندها خبر وقالت‏:‏ ما خرج قط من الدار فقال‏:‏ بقراط للملك‏:‏ مر رئيس الخصيان بطاعتي فأمره بذلك فقال‏:‏ أخرج علي النساء فخرجن وبقراط واضع إصبعه على نبض الفتى فلما خرجت الحظية اضطرب عرقه‏.‏
وطار قلبه وحار طبعه فعلم بقراط أنها المعينة لهواه فصار بقراط إلى الملك‏.‏
وقال له‏:‏ ابن الملك قد عشق من الوصول إليها صعب قال الملك‏:‏ ومن ذاك قال‏:‏ هو يحب حليلتي قال‏:‏ انزل عنها ولك عنها بدل فتحازن بقراط ووجم‏:‏ وقال‏:‏ هل رأيت أحداً كلف أحداً طلاق امرأته ولا سيما الملك في عدله ونصفته يأمرني بمفارقة حليلتي ومفارقتها مفارقة روحي قال الملك‏:‏ إني أوثر ولدي عليك وأعوضك من هو احسن منها فامتنع حتى بلغ الأمر إلى التهديد بالسيف قال بقراط‏:‏ إن الملك لا يسمى عدلاً حتى ينتصف من نفسه ما ينتصف من غيره أرأيت لو كانت العشيقة حظية الملك‏!‏ قال‏:‏ يا بقراط‏!‏ عقلك أتم من معرفتك‏!‏ ونزل عنها لابنه وبرئ الفتى من مرضه ذلك‏.‏
وقال بقراط‏:‏ إياك أن تأكل إلا ما تستمرئ وأما مالا تستمرئ فإنه يأكلك‏.‏
وقيل لبقراط‏:‏ لم يثقل الميت قال‏:‏ لأنه كان اثنين‏:‏ أحدهما خفيف رافع والآخر ثقيل واضع فلما انصرف أحدهما وهو الخفيف الرافع ثقل الثقيل الواضع‏.‏
وقال‏:‏ الجسد يعالج جملة على خمسة أضرب‏:‏ ما في الرأس بالغرغرة وما في المعدة بالقيء وما في البدن بإسهال البطن وما بين الجلدين بالعرق وما في العمق وداخل العروق بإرسال الدم‏.‏
وقال الصفراء بيتها المرارة وسلطانها في الكبد والبلغم بيته المعدة وسلطانه في الصدر والسوداء بيتها الطحال وسلطانها في القلب والدم بيته القلب وسلطانه في الرأس‏.‏
وقال لتلميذ له‏:‏ ليكن أفضل وسيلتك إلى الناس محبتك لهم والتفقد لأمورهم ومعرفة حالهم واصطناع المعروف إليهم‏.‏
ويحكى عن بقراط قوله المعروف‏:‏ العمر قصير والصناعة طويلة والوقت ضيق والزمان جديد والتجربة خطر والقضاء عسر‏.‏
وقال لتلاميذه‏:‏ اقسموا الليل والنهار ثلاثة أقسام‏:‏ فاطلبوا في القسم الأول العقل الفاضل واعملوا في القسم الثاني بما أحرزتم من ذلك العقل ثم عاملوا في القسم الثالث من لا عقل له وانهزموا من الشر ما استطعتم‏.‏
وكان له ابن لا يقبل الأدب فقالت له امرأته‏:‏ إن ابنك هو منك فأدبه فقال لها‏:‏ هو مني طبعاً ومن غيري نفساً فما أصنع به‏.‏
وقال‏:‏ ما كان كثيراً فهو مضاد للطبيعة فلتكن الأطعمة والأشربة والنوم والجماع والتعب‏.‏
قصداً‏.‏
وقال‏:‏ إن صحة البدن إذا كانت في الغاية كان أشد خطراً‏.‏
وقال‏:‏ إن الطب هو حفظ الصحة بما يوافق الأصحاء ودفع المرض بما يضاده‏.‏
وقال‏:‏ من سقى السم من الأطباء وألقى الجنين ومنع الحمل واجترأ على المريض‏.‏
فليس من شيعتي وله أيمان معروفة على هذه الشرائط‏.‏
وكتبه معروفة كثيراً في الطب‏.‏
وقال في الطبيعة‏:‏ إنها القوة التي تدبر الجسم من الإنسان فتصوره من النطفة إلى تمام الخلقة خدمة للنفس في إتمام هيكلها ولا تزال هي المدبرة له غذاء من الثدي وبعده مما به قوامه من الأغذية‏.‏
ولها ثلاث قوى‏:‏ المولدة والمربية والحافظة‏.‏
ويخدم الثلاث أربع قوى‏:‏ الجاذبة حكم ديمقريطيس وهو من الحكماء المعتبرين في زمان بهمن بن اسفنديار وهو وبقراط كانا في زمان واحد قبل أفلاطون وله آراء في الفلسفة وخصوصاً في مبادئ الكون والفساد‏.‏
وكان أرسطوطاليس يؤثر قوله على قول أستاذه أفلاطون الإلهي وما أنصف‏.‏ **

**ومن اللحون ما هو بعد ناقص في التركيب لأن المنطق بعد لم يخرج إلى العقل فلا يكون السرور بغاية الكمال لأن اللحن ليس بغاية الاتفاق‏.‏

وكل عالم فهو دون الأول بالرتبة وتتفاضل العوالم بالحسن والبهاء والرتبة‏.‏

والأخير ثقل العوالم وثفلها وسفلها ولذلك لم يجتمع كل الاجتماع ولم تتحد الصورة بالمادة كل الاتحاد وجاز على كل جزء منه الانفكاك عن الجزء الآخر إلا أن فيه نوراً قليلاً من النور الأول فلذلك النور وجد فيه نوع ثبات ولولا ذلك لم يثبت طرف عين وذلك النور القليل‏:‏ جسم النفس والعقل الحامل لهما في هذا العالم‏.‏

وذكر أن الإنسان بحكم الفطرة واقع في مقابلة العالم كله وهو عالم صغير والعالم إنسان كبير ولذلك صار حظه من النفس والعقل أوفر فمن أحسن تقويم نفسه وتهذيب أخلاقه وتزكية أحواله أمكنه أن يصل إلى معرفة العالم وكيفية تأليفه ومن ضيع نفسه ولم يقم بمصالحها من التهذيب والتقويم خرج من عداد العدد والمعدود وانحل عن رباط القدر والمقدور وصار ضياعاً هملاً‏.‏

وربما يقول‏:‏ النفس الإنسانية تأليفات عددية أو لحنية ولهذا ناسبت النفس مناسبات الألحان والتذت بسماعها وطاشت وتوجدت باستماعها وجاشت‏.‏

ولقد كانت قبل اتصالها بالأبدان قد أبدعت من تلك التأليفات العددية الأولى ثم اتصلت بالأبدان فإن كانت التهذيبات الخلقية على تناسب الفطرة وتجردت النفوس عن المناسبات الخارجة‏:‏ اتصلت بعالمها وانخرطت في سلكها على هيئة أجمل وأكمل من الأول فإن التأليفات الأولى قد كانت ناقصة من وجه حيث كانت بالقوة وبالرياضة والمجاهدة في هذا العالم بلغت إلى حد الكمال خارجة من حد القوة إلى حد الفعل‏.‏

قال‏:‏ والشرائع التي وردت بمقادير الصلوات والزكوات وسائر العبادات‏.‏

هي لإيقاع هذه المناسبات في مقابلة تلك التأليفات الروحانية‏.‏

وربما يبالغ في تقرير التأليف حتى يكاد يقول‏:‏ ليس في العالم سوى التأليف والأجسام والأعراض تأليفات والنفوس والعقول تأليفات‏.‏

ويعسر كل العسر تقرير ذلك‏!‏ نعم‏!‏ تقدير التأليف على المؤلف والتقدير على المقدر أمر يهتدي إليه ويعول عليه‏.‏

وكان خرينوس وزينون الشاعر‏:‏ متابعين لفيثاغورس على رأيه في المبدع والمبدع‏.‏

إلا أنهما قالا‏:‏ الباري تعالى أبدع النفس والعقل دفعة واحدة ثم أبدع جميع ما تحتهما بتوسطهما وفي بدء ما أبدعهما‏:‏ أبدعهما لا يموتان‏.‏

ولا يجوز عليهما الدثور والفناء‏.‏

وذكرا أن النفس إذا كانت طاهرة زكية من كل دنس‏:‏ صارت في العالم الأعلى إلى مسكنها الذي يشاكلها ويجانسها وكان الجسم الذي هو من النار والهواء جسمها في ذلك العالم مهذباً من كل ثقل وكدر فأما الجرم الذي من الماء والأرض فإن ذلك يدثر ويفنى لأنه غير مشاكل للجسم السماوي لأن الجسم السماوي لطيف لا وزن له ولا يلمس‏.‏

فالجسم في هذا العالم مستبطن في الجرم لأنه أشد روحانية وهذا العالم لا يشاكل الجسم بل الجرم يشاكله‏.‏

فكل ما هو مركب والأجزاء النارية والهوائية عليه أغلب كانت الجسمية أغلب وكل ما هو مركب والأجزاء المائية والأرضية عليه أغلب كانت الجرمية أغلب‏.‏

وهذا العالم عالم الجرم وذلك العالم عالم الجسم‏.‏

فالنفس في ذلك العالم تحشر في بدن جسماني لا جرماني دائماً لا يجوز عليه الفناء والدثور ولذته تكون دائمة لا تملها الطباع والنفوس‏.‏

وقيل لفيثاغورس‏:‏ لم قمت بإبطال العالم قال‏:‏ لأنه يبلغ العلة التي من أجلها كان فإذا بلغها سكنت حركته‏.‏

وأكثر اللذات العلوية هي التأليفات اللحنية وذلك كما يقال‏:‏ التسبيح والتقديس غذاء الروحانيين وغذاء كل موجود هو مما خلق منه ذلك الموجود‏.‏

وأما هيراقليطس وأباسيس فقد كانا من الفيثاغوريين وقالا‏:‏ إن مبدأ الموجودات هو النار فما تكاثف منها وتحجر فهو الأرض وما تحلل من الأرض بالنار صار ماء وما تخلخل من الماء بالنار صار هواء وما تخلخل من الهواء بحرارة النار صار ناراً‏.‏

فالنار مبدأ وبعدها الارض وبعدها الماء وبعدها الهواء وبعدها النار‏.‏

والنار هي المبدأ وإليها المنتهي فمنها التكون وإليها الفساد‏.‏

وأما أبيقورس الذي تفلسف في أيام ديمقريطيس فكان يرى أن مبادىء الموجودات أجسام تدرك عقلاً وهي كانت تتحرك من الخلاء في الخلاء وزعم أن الخلاء لا نهاية له وكذلك الأجسام لا نهاية لها إلا أن لها ثلاثة أشياء‏:‏ الشكل والعظم والثقل‏.‏

وديمقريطيس كان يرى أن لها شيئين‏:‏ الشكل والعظم فقط‏.‏

وذكر أن تلك الأجسام لا تتجزأ أي لا تنفعل ولا تتكثر وهي معقولة أو متوهمة غير محسوسة فاصطكت تلك الأجزاء في حركاتها اضطراراً واتفاقاً فحصل من اصطكاكها صور هذا العالم وأشكالها وتحركت على أنحاء من جهات التحرك‏.‏

وذلك هو الذي يحكي عنهم‏:‏ أنهم قالوا بالاتفاق فلم يثبتوا لها صانعا أوجب الاصطكاك وأوجد هذه الصور‏.‏

وهؤلاء قد أثبتوا الصانع وأثبتوا سبب حركات تلك الجواهر‏.‏

وأما اصطكاكها فقد قالوا فيها بالاتفاق فلزمهم حصول العالم بالاتفاق والخبط‏.‏

وكان لفيثاغورس تلميذان رشيدان‏:‏ يدعى أحدهما‏:‏ فلنكس ويعرف بمرزنوش قد دخل فارس ودعا الناس إلى حكمة قيثاغورس وأضاف حكمته إلى مجوسية القوم‏.‏

ويدعى الآخر‏:‏ قلانوس دخل الهند ودعا الناس إلى حكمة فيثاغورس أيضاً وأضاف حكمته إلى برهمية القوم‏.‏

إلا أن المجوس كما يقال أخذوا جسمانية قوله والهند أخذوا روحانية قوله‏.‏

ومما أخبر عنه فيثاغورس وأوصى به‏:‏ قال‏:‏ إني عانيت هذه العوالم العلوية بالحس بعد الرياضة البالغة وارتفعت عن عالم الطبائع إلى عالم النفس وعالم العقل فنظرت إلى ما فيها من الصور المجردة وما لها من الحسن والبهاء والنور وسمعت ما لها من اللحون الشريفة والأصوات الشجية الروحانية‏.‏

وقال‏:‏ إن ما في هذا العالم يشتمل على مقدار يسير من الحسن لكونه معلول الطبيعة وما فوقه من العوالم أبهى وأشرف وأحسن إلى أن يصل الوصف إلى عالم النفس والعقل فيقف فلا يمكن المنطق وصف ما فيها من الشرف والكرم والحسن والبهاء‏.‏

فليكن حرصكم واجتهادكم على الاتصال بذلك العالم حتى يكون بقاؤكم ودوامكم طويلاً بعد ما نالكم من الفساد والدثور وتصيرون إلى عالم هو‏:‏ حسن كله وبهاء كله وسرور كله وعز وحق كله‏.‏

ويكون سروركم لذتكم دائمة غير منقطعة‏.‏

وقال‏:‏ من كانت الوسائط بينه وبين مولاه أكثر فهو في رتبة العبودية أنقص‏.‏

وإذا كان البدن مفتقراً في مصالحه إلى تدبير الطبيعة وكانت الطبيعة مفتقرة في تأدية أفعالها إلى تدبير النفس وكانت النفس مفتقرة في اختيارها الأفضل إلى إرشاد العقل ولم يكن فوق العقل فاتح إلا الهداية الإلهية‏.‏

فبالحري أن يكون المستعين بصريح العقل في كافة المصارف مشهوداً له بفطنة الاكتفاء بمولاه وأن يكون التابع لشهوة البدن المنقاد لدواعي الطبيعة المواتي لهوى النفس‏.‏

بعيداً من مولاه ناقصاً في رتبته‏.‏**

**المانوية

أصحاب ماني بن فاتك الحكيم الذي ظهر في زمان سابور بن أردشير وقتله بهرام بن هرمز بن سابور وذلك بعد عيسى بن مريم عليه السلام‏.‏

أحدث ديناً بين المجوسية والنصرانية و كان يقول بنبوة المسيح عليه السلام ولا يقول بنبوة موسى عليه السلام‏.‏

حكى محمد بن هارون المعروف بأبي عيسى الوراق وكان في الأصل مجوسياً عارفاً بمذاهب القوم‏:‏ ان الحكيم ماني زعم‏:‏ أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين‏:‏ أحدهماا نور والآخر ظلمة وأنهما‏:‏ أزليان لم يزالا ولن يزالا وأنكر وجود شيء إلا من أصل قديم وزعم أنهما لم يزالا‏:‏ قويين حساسين دراكين سميعين بصيرين وهما مع ذلك‏:‏ في النفسن والصورة والفعل والتدبير‏.‏

متضادان‏.‏

وفي الحيز‏:‏ متحاذيان‏:‏ تحاذي الشخص والظل‏.‏

وإنما تتبين جواهرهما وأفعالهما‏:‏ في هذا النور جوهره‏:‏ حسن فاضل كريم صاف نقي طيب الريح الظلمة جوهرها‏:‏ قبيح ناقص لئيم كدر خبيث منتن الريح النور حسن المنظر‏.‏

الظلمة قبيحة المنظر‏.‏

النور نفسه‏:‏ خيرة كريمة حكيمة نافعة عالمة‏.‏

الظلمة نفسها‏:‏ شريرة لئيمة سفيهة ضارة جاهلة‏.‏

النور فعله‏:‏ الخير والصلاح والنفع والسرور والترتيب والنظام والإتفاق‏.‏

الظلمة فعلها‏:‏ الشر والفساد والضر والغم والتشويش والتتبير والإختلاف‏.‏

النور جهته‏:‏ جهة فوق وأكثرهم على أنه مرتفع من ناحية الشمال و زعم بعضهم أنه تجنب الظلمة‏.‏

الظلمة جهتها‏:‏ جهة تحت وأكثرهم على أنها منحطة من ناحية الجنوب وزعم بعضهم أنها تجنب النور‏.‏

النور أجناسه خمسة‏:‏ أربعة منها أبدان والخامس روحه فالأبدان هي‏:‏ النار والنور والريح والماء وروحها النسيم وهي تتحرك في هذه الأبدان‏.‏

الظلمة أجناسها خمسة‏:‏ أربعة منها أبدان والخامس روحها‏.‏

فالأبدان هي‏:‏ الحريق والظلمة والسموم والضباب وروحها الدخان وتدعى الهامة وهي تتحرك في هذه الأبدان‏.‏

النور صفاته حية خيرة طاهرة زكية‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ كون النور لم يزل على مثال هذا العالم‏:‏ له أرض وجو‏.‏

فأرض النور‏:‏ لم تزل لطيفة على غير صورة الأرض وشعاعها كشعاع الشمس ورائحتها أطيب رائحة وألوانها ألوان قوس قزح‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ لا شيء إلا الجسم والأجسام على ثلاثة أنواع‏:‏ أرض النور‏:‏ أرض وهي خمسة‏.‏

وهناك جسم آخر الطف منه وهو‏:‏ الجو وهو نفس النور‏.‏

وجسم آخر وهو ألطف منه وهو النسيم‏.‏

قال‏:‏ ولم يزل يولد النور ملائكة وآلهة وأولياء لا على سبيل المناكحة بل كما تتولد الحكمة من الحكيم والمنطق الطيب من الناطق‏.‏

قال‏:‏ وملك ذلك العالم‏:‏ هو روحه‏.‏

ويجمع عالمه‏:‏ الخير والحمد والنور‏.‏

الظلمة صفاتها ميتة شريرة نجسة دنسة‏.‏

و قال بعضهم‏:‏ كون الظلمة لم تزل على مثال هذا العالم‏:‏ لها ارض وجو‏.‏

فأرض الظلمة‏:‏ لم تزل كثيفة على غير صورة هذه الأرض بل هي أكثف وأصلب ورائحتها كريهة أنتن الروائح وألوانها ألوان السواد‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ لا شيء إلا الجسم‏.‏

والأجسام على ثلاثة أنواع‏:‏ أرض الظلمة وجسم آخر أظلم منه وهو الجو‏.‏

وجسم آخر اظلم منه وهو السموم روح النور‏.‏

قال‏:‏ ولم تزل تولد الظلمة شياطين وأراكنة وعفاريت لا على سبيل لا على سبيل المناكحة بل كما تتولد الحشرات من العفونات القذرة‏.‏

قال‏:‏ وملك ذلك العالم هو‏:‏ روحه الشر والذميمة والظلمة‏.‏

ثم اختلفت المانوية في‏:‏ المزاج وسببه والخلاص وسببه‏:‏ قال بعضهم‏:‏ إن النور والظلام امتزجا بالخبط والإتفاق لا بالقصد والإختيار‏.‏

وقال أكثرهم‏:‏ إن سبب المزاج أن أبدان الظلمة تشاغلت عن روحها بعض التشاغلن فنظرت الروح فرأت النور فبعثت الأبدان على ممازجة النور فأجابتها لإسراعها إلى الشر فلما رأى ذلك ملك النور وجه إليها ملكاً من ملائكته في خمسة أجناس من أجناسها الخمسة فاختلطت الخمسة النورية بالخمسة الظلامية‏:‏ فخالط الدخان النسيم وإنما الحياة والروح في هذا العالم من النسيم والهلاك والآفات من الدخان و خالط الحريق النار والنور الظلمة والسموم الريح والضباب الماء‏.‏

فما في العالم من‏:‏ منفعة وخير وبركة فمن أجناس النور ومافيه من‏:‏ مضرة وشر وفساد فمن أجناس الظلمة‏.‏

فلما رأى ملك النور هذا الإمتزاج أمر ملكاً من ملائكته فخلق هذا العالم على هذه الهيئة لتخلص أجناس النور من أجناس الظلمة‏.‏

وإنما سارت الشمس والقمر وسائر النجوم والكواكب لاستصفاء أجزاء النور من أجزاء الظلمة‏:‏ فالشمس تصطفي النور الذي امتزج بشياطين الحر والقمر يصطفي النور الذي امتزج بشياطين البرد والنسيم الذي في الأرض لا يزال يرتفع لأن من شأنها الارتفاع إلى عالمها وكذلك جميع أجزاء النور أبداً في الصعود والارتفاع وأجزاء الظلمة أبداً في النزول والتسفل‏.‏

حتى تتخلص الأجزاء من الأجزاء ويبطل الامتزاج وتنحل التراكيب ويصل كل إلى كله وعالمه وذلك هو القيامة والمعاد‏.‏

قال‏:‏ ومما يعين في التخليص والتمييز ورفع أجزاء النور‏:‏ التسبيح والتقديس والكلام الطيب وأعمال البر فترتفع بذلك الأجزاء النورية في عمود الصبح إلى فلك القمر ولا يزال القمر يقبل ذلك من أول الشهر إلى نصفه فيمتلىء فيصير بدراً ثم يؤدي إلى الشمس إلى آخر الشهر وتدفع الشمس إلى نور فوقها‏.‏

فيسري ذلك في العالم‏.‏

إلى أن يصل إلى النور الأعلى الخالص‏.‏

ولا يزال يفعل ذلك حتى لا يبقي من أجزاء النور شيء في هذا العالم إلا قدر يسير منعقد لاتقدر الشمس والقمر على استصفائه فعند ذلك يرتفع الملك الذي يحمل الأرض ويدع الملك الذي يجذب السماوات فيسقط الأعلى على الأسفل ثم توقد نار حتى يضطرم الأعلى والأسفل ولا تزال تضطرم حتى يتحلل ما فيها من النور وتكون مدة الاضطرام‏:‏ ألفاً وأربعمائة وثمانياًو ستين سنة‏.‏

و ذكر الحكيم ماني في باب الألف من الجبلة وفي أول الشابرقان ‏:‏ أن ملك عالم النور في كل أرضه لا يخلو منه شيء وأنه ظاهر باطن وأنه لا نهاية له إلا من حيث تناهى أرضه إلى أرض عدوه‏.‏

و قال أيضاً‏:‏ الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والمزاج المحدث هو‏:‏ الخير والشر‏.‏

وقد فرض ماني على أصحابه‏:‏ العشر في الأموال كلها والصلوات الأربع في اليوم والليلة والدعاء إلى الحق‏.‏

وترك‏:‏ الكذب والقتل والسرقة والزنا والبخل والسحر وعبادة الأوثان وان يأتي على ذي روح ما يكره أن يؤتى إليه بمثله‏.‏

واعتقاده في الشرائع والأنبياء‏:‏ ان أول من بعث الله تعالى بالعلم والحكمة‏.‏

آدم أبو البشر ثم بعث شيثا بعده ثم نوحاً بعده ثم إبراهيم بعده عليهم الصلاة والسلام‏.‏**

**أرسطوطاليس‏.‏

ويسمى هو وأصحابه‏:‏ المشائين‏.‏

وأصحاب الرواق هم أهل المظال‏.‏

وكان لأفلاطون تعليمات‏:‏ تعليم كليس وهو الروحاني الذي لا يدرك بالبصر ولكن بالفكر اللطيف وتعليم كأيس وهو الهيولانيات‏.‏

والله الموفق للصواب‏.‏

رأي هرقل الحكيم كان يقول‏:‏ إن الباري تعالى هو النور الحق الذي لا يدرك من جهة عقولنا لأنها أبدعت من ذلك النور الأول الحق وهو اسم الله حقاً وهو اسم الله باليونانية حقاً‏.‏

إنها تدل عليه إنه مبدع الكل‏.‏

وهذا الاسم عندهم شريف جداً‏.‏

وكان يقول‏:‏ إن بدء الخلق وأول شيء أبدع والذي هو أول لهذه العوالم هو المحبة والمنازعة‏.‏

وقال هرقل‏:‏ السماء كرة متحركة من ذاتها والأرض مستديرة ساكنة جامدة بذاتها ة الشمس حللت كل ما فيها من الرطوبة فاجتمعت فيها فصار البحر والذي حجرت الشمس ونفذت فيه حتى لم تذر فيه شيئاً من الرطوبة صار منه‏:‏ الحصى والحجارة والجبل وما لم تنفذ فيه الشمس أكثر ولم تنزع عنه الرطوبة كلها فهو التراب‏.‏

وكان يقول إن السماء في النشأة الأخرى تصير بلا كواكب لأن الكواكب تهبط سفلاً حتى تحيط بالأرض وتلتهب فيصير متصلاً ببعضها البعض حتى تكون كالدائرة وحول الأرض وإنما يهبط منها ما كان من أجزائها ناراً محصنة ويصعد منها ما كان نوراً محصناً فتبقى النفوس الشريرة الدنسة الخبيثة في هذا العالم الذي أحاط به النار إلى الأبد في عقاب السرمد وتصعد النفوس الشريفة الخالصة الطيبة إلى العالم الذي تمحض نوراً وبهاءً وحسناً في ثواب السرمد‏.‏

وهناك‏:‏ الصور الحسان لذات البصر والألحان الشجية لذات السمع ولأنها أبدعت بلا توسط مادة وتركب اسطقسات فهي‏:‏ جواهر شريفة روحانية نورانية‏.‏

وقال‏:‏ إن الباري تعالى يمسح تلك الأنفس في كل دهر مسحة فيتجلى لها حتى تنظر إلى نوره المحض الخارج من جوهره الحق فحينئذ يشتد عشقها وشوقها ونورها ومجدها‏.‏

فلا تزال كذلك دائماً إلى الأبد‏.‏

رأي أبيقورس خالف الأوائل في الأوائل‏.‏

قال المبادئ اثنان‏:‏ الخلاء والصورة أما الخلاء فمكان فارغ وأما الصورة فهي فوق المكان والخلاء ومنها أبدعت الموجودات وكل ما كون منها فإنه ينحل إليها فمنها المبدأ وإليها المعاد‏.‏

وربما يقول‏:‏ الكل يفسد وليس بعد الفراق حساب ولا قضاء ولا مكافئة ولا جزاء بل كلها تضمحل وتدثر‏.‏

والإنسان كالحيوان مرسل مهمل في هذا العالم‏.‏

والحالات التي ترد على الأنفس في هذا العالم كلها من تلقائها على قدر حركاتها وأفاعيلها فإن فعلت خيراً وحسناً فيرد عليها سرور الفرح وإن فعلت شراً وقبيحاً فيرد عليها حزن وترح‏.‏

وإنما سرور كل نفس بالأنفس الأخرى وكذا حزنها مع الأنفس الأخرى‏.‏

بقدر ما يظهر لها من أفاعيل‏.‏

وتبعه جماعة من التناسخية على هذا الرأي حكم سولون الشاعر وكان عند الفلاسفة من الأنبياء العظام بعد هرمس وقبل سقراط وأجمعوا على تقديمه والقول بفضائله‏.‏

قال سولون لتلميذه‏:‏ تزود من الخير وأنت مقبل خير لك من أن تتزود منه وأنت مدبر‏.‏

وقال‏:‏ من فعل خيراً فليتجنب ما خالفه وإلا دعي شريراً‏.‏

وقال‏:‏ إذا عرضت عليك فكرة سوء فادفعها عن نفسك ولا ترجع باللائمة على غيرك لكن ما رأيك بما أحدث عليك‏.‏

وقال‏:‏ إن فعل الجاهل في خطابه أن يذم غيره وفعل طالب الأدب أن يذم نفسه وفعل الأديب أن لا يذم نفسه ولا غيره‏.‏

وقال‏:‏ إذا انكب الدن وأريق الشراب وانكسر الإناء‏.‏

فلا تغتم بل قل‏:‏ كما أن الأرباح لا تكون إلا فيما يباع ويشترى كذلك الخسرانات لا تكون إلا في الموجودات فانفي الغم والخسارة عنك فإن لكل ثمناً وليس يجيء بالمجان‏.‏

وسئل‏:‏ أيما أحمد في الصبا‏:‏ الحياء أم الخوف قال‏:‏ الحياء لأن الحياء يدل على العقل والخوف يدل على المقة والشهوة‏.‏

وقال لابنه دع المزاح فإن المزاح لقاح الضغائن‏.‏

وسأله رجل فقال‏:‏ هل ترى أن أتزوج أم أدع قال‏:‏ أي الأمرين فعلت ندمت عليه‏.‏

وسئل‏:‏ أي شيء أصعب على الإنسان قال‏:‏ أن يعرف عيب نفسه وأن يمسك عما لا يتكلم به‏.‏

ورأى رجلاً عثر فقال له‏:‏ لأن تعثر برجلك خير من أن تعثر بلسانك‏.‏

وسئل‏:‏ ما الحياة فقال‏:‏ التمسك بأمر الله تعالى‏.‏

وسئل‏:‏ ما النوم فقال‏:‏ النوم موتة خفيفة والموت نومة طويلة‏.‏

وقال‏:‏ ليكن اختارك من الأشياء حديثها‏.‏

ومن الإخوان أقدمهم‏.‏

وقال‏:‏ أنفع العلم ما أصابته الفكرة وأقله نفعاً ما قلته بلسانك‏.‏

وقال‏:‏ ينبغي أن يكون المرء‏:‏ حسن الشكل في صغره وعفيفاً عند إدراكه وعدلاً في شبابه وذا رأي في كهلولته وحافظاً للستر عند الفناء حتى لا تلحقه الندامة‏.‏

وقال‏:‏ ينبغي للشاب أن يستعد لشيخوخته مثل ما يستعد الإنسان للشتاء من البرد الذي يهجم عليه‏.‏

وقال‏:‏ يا بني‏!‏ احفظ الأمانة تحفظك وصنها حتى تصان‏.‏

وقال‏:‏ جوعوا إلى الحكمة واعطشوا إلى عبادة الله تعالى قبل أن يأتيكم المانع منهما‏.‏

وقال لتلامذته‏:‏ لا تكرموا الجاهل فيستخف بكم ولا تتصلوا بالأشرار فتعدوا فيهم ولا تعتمدوا الغنى إن كنتم تلامذة الصدق ولا تهملوا أمر أنفسكم في أيامكم ولياليكم ولا تستخفوا بالمساكين في جميع أوقاتكم‏.‏

وكتب إليه بعض الحكماء يستوصفه أمر عالمي العقل والحس فقال‏:‏ أما عالم العقل فدار ثبات وسئل‏:‏ ما فضل علمك على علم غيرك قال‏:‏ معرفتي بأن علمي قليل‏.‏

وقال‏:‏ أخلاق محمودة وجدتها في الناس إلا أنها إنما توجد في قليل‏:‏ صديق يحب صديقه غائباً كمحبته حاضراً وكريم يكرم الفقراء كما يكرم الأغنياء ومقر بعيوبه إذا ذكرت وذاكر يوم نعيمه في يوم بؤسه ويوم بؤسه في يوم نعيمه وحافظ لسانه عند غضبه‏.‏

وآمر بالمعروف دائماً‏.‏ **

**وحكى فلوطرخيس أن زينون كان يزعم أن الأصول هي الله عز وجل والعنصر فقط فالله هو العلة الفاعلة والعنصر هو المنفعل‏.‏

حكمه‏:‏ قال‏:‏ أكثروا من الإخوان فإن بقاء الإخوان كما أن شفاء الأبدان بالأدوية‏.‏

وقيل‏:‏ رأى زينون فتى على شاطئ البحر محزوناً يتلهف على الدنيا فقال له‏:‏ يا فتى‏!‏ ما يلهفك على الدنيا لو كنت في غاية الغنى وأنت راكب لجة البحر قد انكسرت السفينة وأشرفت على الغرق كانت غاية مطلوبك النجاة وتفوت كل ما في يدك قال‏:‏ نعم قال‏:‏ لو كنت ملكاً على الدنيا وأحاط بك من يريد قتلك‏:‏ كان مرادك النجاة من يده وتفوت كل ملكك قال‏:‏ نعم قال‏:‏ فأنت الغني وأنت الملك الآن فتسلى الفتى‏.‏

وقال لتلميذه‏:‏ كن بما تأتي من الخير مسروراً وبما تجتنب من الشر محبوراً‏.‏

وقيل له‏:‏ أي الملوك أفضل‏:‏ ملك اليونانيين أم ملك الفرس قال‏:‏ من ملك غضبه وشهوته‏.‏

وسئل عد أن هرم‏:‏ ما حالك قال‏:‏ هو ذا أموت قليلا قليلا على مهل‏.‏

وقيل له‏:‏ إذا مت‏!‏ من يدفنك‏.‏

قال‏:‏ من يؤذيه نتن جيفتي‏.‏

وسئل‏:‏ ما لذي يهرم قال‏:‏ الغضب والحسد وأبلغ منهما الغم‏.‏

وقال‏:‏ الفلك تحت تدبيره‏.‏

ونعى إليه ابنه فقال‏:‏ ما ذهب ذلك على إنما ولدت ولداً يموت وما ولدت ولداً لا يموت‏.‏

وقال‏:‏ لا تخف موت البدن ولكن يجب عليك أن تخاف موت النفس‏.‏

فقيل له‏:‏ لما قلت خف موت النفس والنفس الناطقة عندك لا تموت فقال‏:‏ إذا انتقلت النفس الناطقة من حد النطق إلى حد البهيمية وإن كان جوهرها لا يبطل فقد ماتت من العيش العقلي‏.‏

وقال‏:‏ أعط الحق من نفسك فإن الحق يخصمك إن لم تعطه حقه‏.‏

وقال‏:‏ محبة المال وتد الشر لأن سائر الآفات تتعلق بها ومحبة الشرف وتد العيوب لأن سائر العيوب متعلقة بها‏.‏

وقال‏:‏ أحسن مجاورة النعم فتنعم بها ولا تسيء بها فتسيء بك‏.‏

وقال‏:‏ إذا أدركت الدنيا الهارب منها جرحته وإذا أدركها الطالب لها قتلته‏.‏

وقيل له وكان لا يقتي إلا قوت يومه‏:‏ إن الملك يبغضك فقال‏:‏ وهل يحب الملك من هو أغنى منه‏.‏

وسئل‏:‏ بأي شيء يخالف الناس في هذا الزمان البهائم فقال‏:‏ بالشرور‏.‏

قال‏:‏ وما رأينا العقل قط إلا خادماً للجهل وفي رواية للسجزي إلا خادماً للجد والفرق بينهما ظاهر فإن الطبيعة ولوازمها إذا كانت مستولية على العقل‏:‏ استخدمه الجهل وإذا كان ما قسم للإنسان من الخير والشر فوق تدبيره العقلي‏:‏ كان الجد مستخدماً للعقل ويعظم جد الإنسان ما يعقل وليس يعظم العقل ما يجد ولهذا‏!‏ خيف على صاحب الجد ما لم يخف على صاحب العقل‏.‏

والجد‏:‏ أصم أخرس لا يفقه ولا ينقه وإنما هو ريح تهب وبرق يلمع ونار تلوح وصحو يعرض وحلم يمتع‏.‏

وهذا اللفظ أولى فإنه عمم الحكم فقال ما رأينا العقل قط وقد يعرض للعقل أن يرى ولا يستخدمه الجهل وذلك هو الأكثر‏.‏

وقال زينون‏:‏ في الجرادة خلقة سبعة جبابرة‏:‏ رأسها راس فرس وعنقها عنق ثور وصدرها صدر أسد وجناحها جناح رأي ديمقريطيس وشيعته كان يقول في المبدع الأول‏:‏ إنه ليس هو العنصر فقط ولا العقل فقط بل الأخلاط الأربعة وهي الاسطقسات‏:‏ أوائل الموجودات كلها ومنها أبدعت الأشياء البسيطة كلها دفعة واحدة وأما المركبة فإنها كونت دائمة داثرة إلا أن ديمومتها بنوع ودثورها بنوع‏.‏

ثم إن العالم بجملته باق غير داثر لأنه ذكر أن هذا العالم متصل بذلك العالم الأعلى كما أن عناصر هذه الأشياء متصلة بلطيف أرواحها الساكنة فيها‏.‏

والعناصر وإن كانت تدثر في الظاهر فإن صفوها من الروح البسيط الذي فيها فإذا كان كذلك فليس يدثر إلا من جهة الحواس فأما من نحو العقل فإنه ليس يدثر فلا يدثر هذا العالم إذا كان صفوها فيه وصفوه متصل بالعوالم البسيطة‏.‏

وإنما شنع عليه الحكماء من جهة قوله‏:‏ إن أول مبدع هو العناصر وبعدها أبدعت البسائط الروحانية فهو يرتقي من الأسفل إلى الأعلى ومن الأكدر إلى الأصفى‏.‏

ومن شيعته فليوخوس إلا أنه خالفه في المبدع الأول وقال بقول سائر الحكماء غير أنه قال‏:‏ إن المبدع الأول هو مبدع الصورة فقط دون الهيولى فإنها لم تزل مع المبدع‏.‏

فأنكروا عليه وقالوا‏:‏ إن الهيولى لو كانت أزلية قديمة‏:‏ لما قبلت الصور ولما تغيرت منحال إلى حال ولما قبلت فعل غيرها إذ الأزلي لا يتغير‏.‏

وهذا الرأي مما كان يعزى إلى أفلاطون الإلهي والرأي في نفسه مزيف والعزوة إليه غير صحيحة‏.‏

ومما نقل عن ديمقريطيس وزينون الأكبر وفيثاغورث أنهم كانوا يقولون‏:‏ إن الباري تعالى متحرك بحركة فوق هذه الحركة الزمانية‏.‏

وقد أشرنا إلى المذهبين وبينما المراد بإضافة الحركة والسكون إلى الله تعالى‏.‏

ونزيده شرحا من احتجاج كل فريق على صاحبه‏.‏

قال أصحاب السكون‏:‏ إن الحركة لا تكون أبداً إلا ضد السكون والحركة لا تكون إلا بنوع زمان إما ماض وإما مستقبل والحركة لا تكون إلا مكانية إما منتقلة وإما مستوية ومن المستوية تكون الحركة المستقيمة والحركة المعوجة والمكانية تكون مع الزمان فلو كان الباري تعالى متحركاً لكان داخلاً في الدهر والزمان‏.‏

قال أصحاب الحركة‏:‏ إن حركته أعلى من جميع ما ذكرتموه وهو مبدع الدهر والمكان وإبداعه ذلك هو يعنى بالحركة‏.‏

والله أعلم‏.‏

رأي فلاسفة أقاديما كانوا يقولون‏:‏ إن كل مركب ينحل ولا يجوز أن يكون مركباً من جوهرين متفقين في جميع الجهات وإلا فليس بمركب فإذا كان هذا هكذا فلا محالة أنه إذا انحل المركب رحل كل جوهر فاتصل بالأصل الذي كان منه فما كان منها بسيطاً روحانياً لحق بعالمه الروحاني البسيط والعالم الروحاني باق غير داثر ويرجع حتى يصل إلى ألطف من كل لطيف فإذا لم يبق من اللطافة شيء اتحد باللطيف الأول المتحد به فيكونان متحدين إلى الأبد وإذا اتحدت الأواخر بالأوائل وكان الأول هو أول مبدع ليس بينه وبين مبدعه جوهر آخر متوسط فلا محالة أن ذلك المبدع الأول متعلق بنور مبدعه فيبقى خالداً دهر الدهور‏.‏

وهذا الفصل أيضاً قد نقل عنهم وهو يتعلق بالمعاد لا بالمبدأ وهؤلاء يسمون‏:‏ مشائي أقاديما وأما المشاءون المطلق فهم‏.‏

أهل لوقيون وكان أفلاطون يلقن الحكمة ماشياً تعظيماً لها وتابعه على ذلك **

**الباب الثاني

الحكماء الأصول الذين هم من القدماء

إلا أنا لم نجد لهم رأياً في المسائل المذكورة غير حكم مرسلة عملية أوردناها لئلا تشذ مذاهبهم عن القسمة ولا يخلو الكتاب عن تلك الفوائد‏.‏

فمنهم الشعراء الذين يستدلون بشعرهم‏.‏

وليس شعرهم على وزن وقافية ولا الوزن والقافية ركن في الشعر عندهم بل الركن في الشعر عندهم إيراد المقدمات المخيلة فحسب‏.‏

ثم قد يكون الوزن والقافية معينين في التخيل‏.‏

فإن كانت المقدمة التي نوردها في القياس الشعري مخيلة فقط تمحض القياس شعرياً وإن انضم إليها قول إقناعي يقينياً تركبت المقدمة من معينين شعري وإقناعي وإن كان الضميم إليه قولاً يقينياً تركبت المقدمة من شعري وبرهاني‏.‏

ومنهم النساك ونسكهم وعبادتهم عقلية لا شرعية ويقتصر ذلك على تهذيب النفس عن الأخلاق الذميمة وسياسة المدينة الفاضلة التي هي الجنة الإنسانية‏.‏

وربما وجدنا لبعضهم رأياً في بعض المسائل المذكورة أعني‏:‏ المبدع والإبداع وأنه عالم وأن أول ما أبدعه ماذا وأن المبادئ كم هي وأن المعاد كيف يكون‏.‏

وصاحب الرأي الموافق للأوائل المذكورين أوردنا اسمه وذكرنا مقالته وإن كانت كالمكروه‏.‏

نبتدئ بهم ونجعل فلوطرخيس مبدأ آخر‏.‏

رأي فلوطرخيس قيل إنه أول من شهر بالفلسفة‏.‏

ونسبت إليه المحكمة‏.‏

تفلسف بمصر‏.‏

ثم سار إلى ملطية وأقام بها‏.‏

وقد يعد من الأساطين‏.‏

قال‏:‏ إن الباري تعالى لم يزل بالأزلية التي هي أزلية الأزليات وهو مبدع فقط‏.‏

وكل مبدع ظهرت صورته في حد الإبداع فقد كانت صورته عنده أي كانت معلومة له‏.‏

فالصور عنده بلا نهاية أي المعلومات بلا نهاية‏.‏

قال‏:‏ ولو لم تكن الصور عنده ومعه لما كان إبداع ولا بقاء للمبدع ولو لم تكن باقية دائمة لكانت تدثر بدثور الهيولى ولو كان ذلك كذلك لارتفع الرجاء والخوف ولكن لما كانت الصور باقية دائمة ولها الرجاء والخوف‏:‏ كان ذلك دليلاً على أن الصور أزلية في علمه تعالى‏.‏

قال‏:‏ ولا وجه إلا القول بأحد الأقوال‏:‏ إما أن يقال‏:‏ الباري تعالى لا يعلم شيئاً البتة وهذا من المحال الشنيع وأما أن يقال‏:‏ يعلم بعض الصور دون بعض وهذا من النقص الذي لا يليق بكمال الجلال وإما أن يقال‏:‏ يعلم جميع الصور والمعلومات وهذا هو الرأي الصحيح‏.‏

ثم قال‏:‏ إن أصل المركبات هو الماء فإنه إذا تخلخل صافياً وجد ناراً وإذا تخلخل وفيه بعض الثقل صار هواء وإذا تكاثف تكاثفاً مبسوطاً بالغاً صار أرضاً‏.‏

وحكى فلوطرخيس أن هيرقليطس زعم أن الأشياء إنما انتظمت بالبخت وجوهر البخت هو نطق عقلي ينفذ في الجوهر الكلي‏.‏

والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

رأي أكسنوفانس كان يقول‏:‏ إن المبدع الأول هو آنية أزلية دائمة ديمومة القدم لاتدرك بنوع صفة منطقية ولا عقلية مبدع كل صفة وكل نعت نطقي وعقلي فإذا كان هذا هكذا فقولنا‏:‏ إن صور ما في هذا العالم المبدعة لم تكن عنده أو كانت أو كيف أبدع ولم أبدع‏.‏

محال لأن العقل مبدع والمبدع مسبوق بالمبدع والمسبوق لا يدرك السابق أبداً فلا يجوز أن يصف المسبوق السابق‏.‏

بل نقول‏:‏ إن المبدع أبدع كيفما أحب وكيفما شاء فهو هو ولا شيء معه‏.‏

قال‏:‏ وهذه الكلمة أعنى‏:‏ هو ولا شيء بسيطاً ولا مركباً معه وهو مجمع كل ما نطلبه من العلم لأنك إذا قلت ولا شيء معه فقد نفيت عنه‏:‏ أزلية الصورة والهيولى وكل مبدع من صورة وهيولى وكل مبدع من صورة فقط‏.‏

ومن قال أن الصور أزلية مع آنيته فليس هو فقط بل هو وأشياء كثيرة فليس هو مبدع للصور بل كل صورة إنما أظهرت ذاتها فعند إظهارها ذاتها ظهرت هذه العوالم‏.‏

وهذه أشنع ما يكون من القول‏.‏

وكان تيرز والقادميون يقولان‏:‏ ليست أوائل البتة ولا معقول قبل المحسوس بحال فلا مثل بدعة الأشياء مثل الذي يفرخ من ذاته بلا حدث ولا فعل ظهر فلا يزال يخرجه من القوة إلى الفعل حتى يوجد فيكمل فنحسه وندركه وليس شيء معقول البتة‏.‏

والعالم دائم لا يزول ولا يفنى فإن المبدع لا يجوز أن يفعل فعلاً يدثر إلا وهو داثر مع دثور فعله وذلك محال‏.‏

رأي زينون الأكبر زينون الأكبر ابن ماوس‏:‏ من أهل قنطس‏.‏

كان يقول‏:‏ إن المبدع الأول كان في علمه صورة إبداع كل جوهر وصورة دثور كل جوهر فإن علمه غير متناه والصور التي فيه من حيث الإبداع غير متناهية وكذلك صور الدثور غير متناهية فالعوالم تتجدد في كل حين وفي كل دهر فما كان منها مشاكلاً لنا أدركنا حدود وجوده ودثوره بالحواس والعقل وما كان غير مشاكل لنا لم ندركه إلا أنه ذكر وجه التجدد فقال‏:‏ إن الموجودات باقية دائرة‏:‏ أما بقاؤهما فبتجدد صورها وأما دثورها فبدثور الصورة الأولى عند تجدد الأخرى‏.‏

وذكر أن الدثور قد يلزم الصورة والهيولى معاً‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ إن الشمس والقمر والكواكب تستمد القوة من جوهر السماء فإذا تغيرت السماء تغيرت النجوم أيضاً‏.‏

ثم هذه الصور كلها‏:‏ بقاؤها ودثورها في علم الباري تعالى والعلم يقتضي بقاءها دائماً وكذلك الحكمة تقتضي ذلك لأن بقاءها على هذه الحال أفضل‏.‏

والباري تعالى قادر على أن يفني العوالم يوماً ما إن أراد‏.‏

وهذا الرأي و وقد مال إليه الحكماء المنطقيون الجدليون دون الإلهيين‏.‏**

**فالبسائط حدوثها إبداعي غير زماني والمركبات حدوثها بوسائط البسائط حدوث زماني‏.‏

وقال‏:‏ إن العالم لا يفسد فساداً كلياً‏.‏

ويحكى عنه في سؤاله عن طيماوس‏:‏ ما الشيء الذي لا حدوث له وما الشيء الحادث وليس بباق وما الشيء الموجود بالفعل وهو أبدأ بحال واحدة‏.‏

وإنما يعنى بالأول وجود الباري تعالى وبالثاني وجود الكائنات الفاسدات التي لا تثبت على حالة واحدة‏.‏

وبالثالث وجود المبادئ والبسائط التي لا تتغير‏.‏

ومن أسئلته‏:‏ ما الشيء الكائن ولا وجود له وما الشيء الموجود ولا كون له‏.‏

وإنما يعنى بالأول الحركة المكانية والزمان لأنه لم يؤهله لاسم الوجود ويعنى بالثاني الجواهر العقلية التي هي فوق الزمان والحركة والطبيعة وحق لها اسم الوجود إذ لها السرمد والبقاء والدهر‏.‏

ويحكى عنه أنه قال‏:‏ إن الأسطقسات لم تزل تتحرك حركة مشوهة مضطربة غير ذات نظام وإن الباري تعالى نظمها ورتبها فكان هذا العالم‏.‏

وربما عبرة عن الأسطقسات بالأجزاء اللطيفة وقيل‏:‏ إنه عنى بها الهيولى الأزلية العارية عن الصور حتى اتصلت الصور والأشكال بها فترتبت وانتظمت‏.‏

ورأيت في راموز له أنه قال‏:‏ إن النفوس كانت في عالم الذكر مغتبطة مبتهجة بعالمها وما فيه من الروح والبهجة والسرور فأهبطت إلى هذا العالم حتى تدرك الجزئيات وتستفيد ما ليس لها بذاتها بواسطة القوى الحسية فسقطت رياشها قبل الهبوط فهبطت حتى يستوي ريشها وتطير إلى عالمها بأجنحة مستفادة من هذا العالم وحكى ارسطوطاليس عنه‏:‏ أنه أثبت المبادئ خمسة أجناس‏:‏ الجوهر والاتفاق والاختلاف والحركة والسكون‏.‏

ثم فسر كلامه فقال‏:‏ أما الجوهر فنعني به الوجود وأما الاتفاق فلأن الأشياء متفقة بأنها من الله تعالى وأما الاختلاف فلأنها مختلفة في صورها وأما الحركة فلأن لكل شيء من الأشياء فعلاً خاصاً‏.‏

وذلك نوع من الحركة لا حركة النقلة وإذا تحرك نحو الفعل وفعل فله سكون بعد ذلك لا محالة‏.‏

قال‏:‏ وأثبت البخت أيضاً مبدأً سادساً وهو نطق عقلي وناموس لطبيعة الكل وقال جرجيس‏:‏ إنه قوة روحانية مدبرة للكل وبعض الناس يسميه‏:‏ جداً وزعم الرواقيون‏:‏ أنه نظام لعلل الأشياء وللأشياء المعلولة‏.‏

وزعم بعضهم‏:‏ أن علل الأشياء ثلاثة‏:‏ المشتري والطبيعة والبخت‏.‏

وقال أفلاطون‏:‏ إن في العالم طبيعة عامة تجمع الكل وفي كل واحد من المركبات طبيعة خاصة وحد الطبيعة بأنها‏:‏ مبدأ الحركة والسكون في الأشياء أي مبدأ التغير وهي قوة سارية في الموجودات كلها تكون السكنات والحركات بها فطبيعة الكل محركة الكل‏.‏

والمحرك الأول يجب أن يكون ساكناً وإلا تسلسل القول فيه إلى ما لا نهاية له‏.‏

حكي أرسطو طاليس في مقالة الألف الكبرى من كتاب ما بعد الطبيعة‏:‏ أن أفلاطون كان يختلف في حداثته إلى أقراطيلوس فكتب عنه ما روى عن هرقليطس‏:‏ أن جميع الأشياء المحسوسة فاسدة وأن العلم لا يحيط بها‏.‏

ثم اختلف بعده إلى سقراط وكان مذهبه طلب الحدود دون النظر في طبائع المحسوسات وغيرها فظن أفلاطون أن نظر سقراط في غير الأشياء المحسوسة لأن الحدود ليست للمحسوسات لأنها إنما تقع على أشياء دائمة كلية أعني‏:‏ الأجناس‏.‏

والأنواع‏.‏

فعند ذلك‏:‏ سمى أفلاطون الأشياء الكلية صوراً لأنها واحدة ورأى أن المحسوسات لا تكون إلا بمشاركة الصور‏.‏

إذاً‏:‏ كانت الصور رسوماً ومثالات لها‏.‏

متقدمة عليها‏.‏

وإنما وضع سقراط الحدود مطلقاً لا باعتبار المحسوس وغير المحسوس‏.‏

وأفلاطون ظن أنه وضعها لغير المحسوسات فأثبتها مثلاً عامة‏.‏

وقال أفلاطون في كتاب النواميس‏:‏ إن الأشياء التي لا ينبغي للإنسان أن يجهلها منها‏:‏ أن له صانعاً وأن صانعه يعلم أفعاله‏.‏

وذكر‏:‏ أن الله تعالى إنما يعرف بالسلب أي‏:‏ لا شبيه له ولا مثاله‏.‏

أنه أبدع العالم من لا نظام إلى نظام وأن كل مركب فهو إلى الانحلال وأنه لن يسبق العالم زمان ولم يبدع عن شيء‏.‏

ثم إن الأوائل اختلفوا في الإبداع والمبدع‏:‏ هل هما عبارتان عن معبر واحد أم للإبداع نسبة إلى المبدع ونسبة إلى المبدع وكذلك في الإرادة‏:‏ إنها المراد أم المريد على حسب اختلاف متكلمي الإسلام في‏:‏ الخلق والمخلوق والإرادة‏:‏ إنها‏:‏ خلق أم مخلوقة أم صفة في الخالق‏.‏

قال انكساغورس بمذهب فلوطرخيس‏:‏ إن الإرادة ليست هي غير المراد ولا غير المريد وكذلك الفعل لأنهما لا صورة لهما ذاتية وإنما يقومان بغيرهما‏.‏

فالإرادة‏:‏ مرة تكون مستبطنة في المريد ومرة ظاهرة في المراد وكذلك الفعل‏.‏

وأما أفلاطون وأرسطوطاليس فلا يقبلان هذا القول وقالا‏:‏ إن صورة الإرادة وصورة الفعل قائمتان وهما أبسط من صورة المراد كالقاطع للشيء هو المؤثر وأثره في الشيء والمقطوع هو المؤثر فيه القابل للأثر والمؤثر فيه هو الأثر وهو محال فصورة المبدع فاعلة وصورة المبدع مفعولة وصورة الإبداع متوسطة بين الفاعل والمفعول‏.‏

فللفعل‏:‏ صورة وأثر فصورته من جهة المبدع‏.‏

وأثره من جهة المبدع‏.‏

والصورة من جهة المبدع في حق الباري تعالى ليست زائدة على ذاته حتى يقال صورة إرادة وصورة باري مفترقتان بل هي حقيقة واحدة‏.‏

وأما برمنيدس الأصغر فإنه أجاز قولهم في الإرادة ولم يجزه في الفعل وقال‏:‏ إن الإرادة تكون بلا توسط من الباري تعالى‏:‏ فأجاز ما وصفوه‏.‏

وأما الفعل فيكون بتوسط منه وليس ما هو بلا توسط كالذي يكون بتوسط بل الفعل قط لن يتحقق إلا بتوسط الإرادة ولا ينعكس‏.‏

وأما الأولون مثل‏:‏ تاليس وأبندقليس فقد قالوا الإرادة من جهة المبدع هي المبدع ومن جهة المبدع هي المبدع‏.‏

وفسروا هذا بأن الإرادة من جهة الصورة هي المبدع ومن جهة الأثر هي المبدع‏.‏

ولا يجوز أن يقال إنها من جهة الصورة هي المبدع لأن صورة الإرادة عند المبدع قبل أن يبدع فغير جائز أن تكون ذات صورة الشيء الفاعل هي المفعول بل من جهة أثر ذات الصورة هي المفعول‏.‏

ومذهب أفلاطون وأرسطوطاليس هذا بعينه‏.‏

وفي الفصل انغلاق‏.‏**

**واليونانيون بنوا ثلاثة أبيات على طوالع مقبولة‏:‏ أحدهما‏:‏ بيت بأنطاكية على جبلها وكانوا يعظمونه ويقربون القرابين فيه وقد خرب‏.‏

والثاني من جملة الأهرام التي بمصر‏:‏ بيت كانت فيه أصنام تعبد وهي التي نهاهم سقراط عن عبادتها‏.‏

والثالث‏:‏ بيت المقدس الذي بناه داود وأتمه سليمان عليهما السلام ويقال‏:‏ إن سليمان هو الذي بناه والمجوس يقولون‏:‏ إن الضحاك بناه وقد عظمه اليونانيون تعظيم أهل الكتاب إياه‏.‏

رأي أفلاطون الإلهي أفلاطون بن أرسطن بن أرسطوقليس‏:‏ من أثينية وهو آخر المتقدمين الأوائل الأساطين معروف بالتوحيد والحكمة‏.‏

ولد في زمان أردشير بن دارا في سنة ست عشرة من ملكه وفي سنة ست وعشرين من ملكه كان حدثاً متعلماً يتلمذ لسقراط ولما اغتيل سقراط بالسم ومات‏:‏ قام مقامه وجلس على كرسيه‏.‏

وقد أخذ العلم من سقراط وطيماوس والغريبين‏:‏ غريب أثينية وغريب الناطس وضم إليه العلوم الطبيعية والرياضية‏.‏

وحكى عنه قوم ممن شاهده وتلمذ له مثل أرسطو طاليس وطيماوس وثاوفرسطيس‏.‏

أنه قال‏:‏ إن للعالم محدثاً مبدعاً أزلياً واجباً بذاته عالما بجميع معلوماته على نعت الأسباب الكلية كان قي الأزل ولم يكن في الوجود رسم ولا طلل إلا مثالاً عند الباري تعالى ربما يعبر عنه بالهيولى وربما يعبر عنه بالعنصر ولعله يشير إلى صور المعلومات في علمه تعالى‏.‏

قال‏:‏ فأبدع العقل الأول وبتوسطه النفس الكلية وقد انبعثت عن العقل انبعاث الصورة في المرآة وبتوسطهما العنصر‏.‏

ويحكى عنه‏:‏ أن الهيولى التي هي موضوع الصور الحسية غير ذلك العنصر‏.‏

ويحكى عنه‏:‏ أنه أدرج الزمان في المبادئ وهو الدهر وأثبت لكل موجود مشخص في العالم الحسي‏:‏ مثالاً غير مشخص في العالم العقلي ويسمى ذلك‏:‏ المثل الأفلاطونية‏.‏

فالمبادئ الأول بسائط والمثل مبسوطات والأشخاص مركبات فالإنسان المركب المحسوس جزئي ذلك الإنسان المبسوط المعقول وكذلك كل نوع من الحيوان والنبات والمعادن‏.‏

وقال‏:‏ والموجودات في هذا العالم آثار الموجودات في ذلك العالم ولا بد لكل أثر من مؤثر يشابهه نوعاً من المشابهة‏.‏

قال‏:‏ ولما كان العقل الإنساني من ذلك العالم أدرك من المحسوس مثالاً منتزعاً من المادة معقولاً يطابق المثال الذي في عالم العقل بكليته ويطابق الموجود الذي في عالم الحس بجزئيته‏.‏

ولولا ذلك لما كان لما يدركه العقل مطابقاً مقابلاً من خارج فما يكون مدركاً لشيء يوافق إدراكه حقيقة المدرك‏.‏

وقال‏:‏ والعالم عالمان‏:‏ عالم العقل وفيه المثل العقلية والصور الروحانية وعالم الحس وفيه الأشخاص الحسية والصور الجسمانية كالمرآة المجلوة التي تنطبع فيها صور المحسوسات فإن الصور فيها مثل الأشخاص وكذلك العنصر في ذلك العالم مرآة لجميع صور هذا العالم يتمثل فيه جميع الصور كلها غير أن الفرق‏:‏ أن المنطبع في المرآة ة الحسية صور خيالية يرى أنها موجودة تتحرك بحركة الشخص وليس في الحقيقة كذلك وأن المتمثل في المرآة العقلية صور حقيقية روحانية هي موجودة بالفعل تحرك الأشخاص ولا تتحرك فنسبة الأشخاص إليها كنسبة الصور في المرآة إلى الأشخاص فلها الوجود الدائم ولها الثبات القائم وهي تتمايز في حقائقها تمايز الأشخاص في ذواتها‏.‏

قال‏:‏ وإنما كانت هذه الصور موجودة كلية دائمة باقية لأن كل مبدع ظهرت صورته في حد الإبداع فقد كانت صورته في علم الأول الحق والصور عنده بلا نهاية ولو لم تكن الصور معه في أزليته في علمه لم تكن لتبقى ولو لم تكن دائمة بدوامها لكانت تدثر بدثور الهيولى ولو كانت تدثر مع دثور الهيولى لما كانت على رجاء ولا خوف ولكن لما صارت الصور الحسية على رجاء وخوف استدل به على بقائها وإنما تبقى إذا كانت لها قال‏:‏ وإذا اتفقت العقلاء على أن هناك حساً ومحسوساً وعقلاً ومعقولاً وشاهدنا بالحس جميع المحسوسات وهي محدودة ومحصورة بالزمان والمكان فيجب أن نشاهد بالعقل جميع المعقولات وهي غير محدودة ومحصورة بالزمان والمكان فتكون مثلاً عقلية‏.‏

ومما يثبته أفلاطون موجودات محققة بهذا التقسيم‏!‏ قال‏:‏ إنا نجد النفس تدرك أمور البسائط والمركبات ومن المركبات أنواعها وأشخاصها ومن البسائط ما هي هيولانية وهي التي تعرى عن الموضوع وهي رسوم الجزئيات مثل‏:‏ النقطة والخط والسطح والجسم التعليمي‏.‏

قال‏:‏ وهذه الأشياء أشياء موجودة بذواتها وكذلك توابع الجسم مفردة مثل‏:‏ الحركة والزمان والمكان والأشكال فإنا نلحظها بأذهاننا بسائط مرة ومركبة مرة أخرى ولها حقائق في ذواتها من غير حوامل ولا موضوعات‏.‏

ومن البسائط‏:‏ ما ليست هي هيولانية مثل‏:‏ الوجود والوحدة والجوهر‏.‏

والعقل يدرك القسمين جميعاً متطابقين عالمين متقابلين‏:‏ عالم العقل وفيه المثل العقلية التي تطابقها الأشخاص الحسية وعالم الحس وفيه المتمثلات الحسية التي تطابقها المثل العقلية‏.‏

فأعيان ذلك العالم آثار في هذا العالم وأعيان هذا العالم آثار في ذلك العالم وعليه وضع الفطرة والتقدير ولهذا الفصل شرح وتقرير‏.‏

وجماعة المشائين وأرسطوطاليس لا يخالفونه في إثبات هذا المعنى الكلي إلا أنهم يقولون‏:‏ هو معنى في العقل موجود في الذهن والكلي من حيث هو كلي لا وجود له في الخارج عن الذهن إذ لا يتصور أن يكون شيء واحد ينطبق على زيد وعلى عمرو وهو في نفسه واحد‏.‏

وأفلاطون يقول‏:‏ ذلك المعنى الذي أثبته في العقل يجب أن يكون له شيء يطابقه في الخارج فينطبق عليه وذلك هو المثال الذي في العقل وهو جوهر لا عرض إذ تصور وجوده لا في موضوع وهو متقدم على الأشخاص الجزئية تقدم العقل على الحس وهو تقدم ذاتي وشرفي معاً‏.‏

وتلك المثل هي مبادئ الموجودات الحسية‏:‏ منها بدأت وإليها تعود‏.‏

ويتفرع على ذلك أن النفوس الإنسانية التي هي متصلة بالأبدان اتصال تدبير وتصرف‏:‏ كانت موجودة قبل وجود الأبدان وكان لها نحو من أنحاء الوجود العقلي وتمايز بعضها عن بعض تمايز الصور المجردة عن المادة بعضها عن بعض‏.‏

وخالفه في ذلك تلميذه أرسطوطاليس ومن بعده من الحكماء وقالوا‏:‏ أن النفوس حدثت مع حدوث الأبدان‏.‏

وقد رأيت في كلام أرسطوطاليس كما ستأتي حكايته أنه ربما يميل إلى مذهب أفلاطون‏:‏ في كون النفوس موجودة قبل وجود الأبدان إلا أن نقل المتأخرين ما قدمنا ذكره‏.‏

وخالفه أيضاً في حدوث العالم‏:‏ إن أفلاطون يحيل وجود حوادث لا أول لها لأنك إذا قلت حادث فقد أثبت سبق الأزلية لكل واحد وما ثبت لكل واحد يجب أن يثبت للكل‏.‏

قال‏:‏ وأن صورها لا بد وأن تكون حادثة لكن الكلام في هيولاها وعنصرها‏.‏

فأثبت عنصراً قبل وجودها فظن بعض العقلاء أنه حكم عليه بالأزلية والقدم وهو إذ أثبت واجب الوجود لذاته وأطلق لفظ الإبداع على العنصر فقد أخرجه عن الأزلية بذاته بل يكون وجوده بوجود واجب الوجود كسائر المبادئ التي ليست زمانية ولا وجودها ولا حدوثها حدوث زماني‏.‏**

**رأي سقراط سقراط بن سفر نيسقوس الحكيم الفاضل الزاهد‏:‏ من أهل أثينية‏.‏

وكان قد اقتبس الحكمة من فيثاغورس وأرسالاوس واقتصر من أصنافها على الإلهيات والأخلاقيات واشتغل بالزهد ورياضة النفس وتهذيب الأخلاق وأعرض عن ملاذ الدنيا واعتزل إلى الجبل وأقام في غاربه‏.‏

ونهى الرؤساء الذين كانوا في زمانه عن الشرك وعبادة الأوثان فثورا عليه الغاغة وألجأوا ملوكهم إلى قتله فحبسه الملك ثم سقاه السم‏.‏

وقضيته معروفة‏.‏

قال سقراط‏:‏ إن الباري تعالى لم يزل هوية فقط وهو جوهر فقط‏.‏

وإذا رجعنا إلى حقيقة الوصف والقول فيه‏:‏ وجدنا المنطق والعقل قاصرين عن إكتناه ووصفه وحقيقته وتسميته وإدراكه لأن الحقائق كلها من تلقاء جوهره فهو المدرك حقاً والواصف لكل شيء وصفاً والمسمى لكل موجود اسماً فكيف يقدر المسمى أن يسميه اسماً وكيف يقدر المحاط أن يحيط به وصفاً‏!‏ فنرجع فنصفه من جهة آثاره وأفعاله وهي أسماء وصفات إلا أنها ليست من الأسماء الواقعة على الجوهر المخبرة عن حقيقته وذلك مثل قولنا‏:‏ إله أي واضع كل شيء وخالق أي مقدر كل شيء وعزيز أي ممتنع أن يضام وحكيم أي محكم أفعاله على النظام‏.‏

وكذلك سائر الصفات‏.‏

وقال‏:‏ إن علمه وقدرته وجوده وحكمته‏.‏

بلا نهاية ولا يبلغ العقل أن يصفها ولو وصفها لكانت متناهية‏.‏

فألزم عليه‏:‏ إنك تقول‏:‏ إنها بلا نهاية ولا غاية وقد نرى الموجودات متناهية‏!‏ فقال‏:‏ إنما تناهيها بحسب احتمال القوابل لا بحسب القدرة والحكمة والجود ولما كانت المادة لم تحتمل صوراً بلا نهاية فتناهت الصور لا من جهة بخل في الواهب بل لقصور في المادة‏.‏

وعن هذا اقتضت الحكمة الإلهية أنها وإن تناهت‏:‏ ذاتاً وصورة وحيزاً ومكاناً إلا أنها لا تتناهى زماناً في آخرها إلا من نحو أولها وإن لم يتصور بقاء شخص فاقتضت الحكمة استبقاء الأشخاص ببقاء الأنواع وذلك بتجدد أمثالها ليستحفظ الشخص ببقاء النوع ويستبقي النوع بتجدد الأشخاص فلا تبلغ القدرة إلى حد النهاية ولا الحكمة تقف على غاية‏.‏

ثم إن من مذهب سقراط‏:‏ أن أخص ما يوصف به الباري تعالى هو كونه‏:‏ حياً قيوماً لأن‏:‏ العلم والقدرة والجود والحكمة‏:‏ تندرج تحت كونه حياً والحياة صفة جامعة للكل‏.‏

والبقاء والسرمد والدوام وحفظ النظام في العالم‏:‏ تندرج تحت كونه قيوماً والقيومية صفة جامعة للكل‏.‏

وربما يقول‏:‏ هو حي ناطق من جوهره أي من ذاته وحياتنا ونطقنا لا من جوهرنا ولهذا يتطرق إلى حياتنا ونطقنا العدم والدثور والفساد ولا يتطرق إلى حياته ونطقه تعالى وتقدس‏.‏

وحكى فلوطرخيس في المبادئ أنه قال‏:‏ أصول الأشياء ثلاثة وهي‏:‏ العلة الفاعلة والعنصر والصورة فالله تعالى هو الفاعل والعنصر هو الموضوع الأول للكون والفساد والصورة جوهر لا جسم‏.‏

وقال‏:‏ الطبيعة أمة للنفس والنفس أمة للعقل والعقل أمة للمبدع الأول من أجل أن أول مبدع أبدعه المبدع الأول صورة العقل‏.‏

وقال‏:‏ المبدع لا غاية له ولا نهاية وما ليس له نهاية ليس له شخص وصورة‏.‏

وقال‏:‏ اللانهاية في سائر الموجودات لو تحققت لكان لها صورة واقعة ووضع وترتيب وما تحقق له صورة ووضع وترتيب‏:‏ صار متناهياً فالموجودات ليست بلا نهاية والمبدع الأول ليس بذي نهاية ليس على أنه ذاهب في الجهات بلا نهاية كما يتخيله الخيال والوهم بل لا يرتقي إليه الخيال حتى يصفه بنهاية ولا نهاية فلا نهاية له من جهة العقل إذ ليس يحده ولا من جهة الحس فليس يحده‏.‏

فهو ليس له نهاية فليس له شخص وصورة خيالية وجودية حسية أو عقلية‏:‏ تعالى وتقدس‏.‏

ومن مذهب سقراط‏:‏ أن النفوس الإنسانية كانت موجودة قبل وجود الأبدان على نحو من أنحاء الوجود‏:‏ إما متصلة بكلها وإما متمايزة بذواتها وخواصها فاتصلت بالأبدان استكمالا واستدامة والأبدان قوالبها وآلاتها فتبطل الأبدان و ترجع النفوس إلى كليتها‏.‏

وعن هذا وكان يخوف بالملك الذي حبسه‏:‏ أنه يريد قتله قال‏:‏ إن سقراط في حب والملك لا يقدر إلا على كسر الحب فالحب يكسر ويرجع الماء إلى البحر‏.‏

ولسقراط أقاويل في مسائل الحكمة العلمية والعملية‏.‏

ومما اختلف فيه فيثاغورس وسقراط‏:‏ أن الحكمة قبل الحق أم الحق قبل الحكمة وأوضح القول فيه بأن الحق أعم من الحكمة إلا أنه قد يكون جلياً وقد يكون خفياً‏.‏

وأما الحكمة فهي أخص من الحق إلا أنها لا تكون إلا جلية فإذاً‏:‏ الحق مبسوط في العالم مشتمل على الحكمة المستفيضة في العالم والحكمة موضحة للحق ولسقراط أيضاً الغاز ورموز ألقاها إلى تلميذه أرسجانس وجلها في كتاب فاذن‏.‏

ونحن نوردها مرسلة معقودة‏:‏ منها قوله‏:‏ عندما فتشت عن علة الحياة ألفيت الموت وعندما وجدت الموت ألفيت الحياة الدائمة‏.‏

ومنها‏:‏ اسكت عن الضوضاء التي في الهواء وتكلم بالليالي حيث لا تكون أعشاش الخفافيش وأسدد الخمس الكوي ليضيء مسكن العلة وأملا الوعاء طيباً وأفرغ الحوض المثلث من القلال الفارغة وأحبس على باب الكلام وأمسك مع الحضرة اللجام الرخو لئلا تغضب فترى نظام الكواكب ولا تؤكل الأسود الذئب ولا تجاوز الميزان ولا تسوطن النار بالسكين ولا تجلس على المكيال ولا تشم التفاحة وأمت الحي تحيي بموته وكن قاتله بالسكين المزينة لوالديه واحذر الأسود ذا الأربع ومن جهة العلة كن أرنباً وعند الموت لا تكن نملة وعندما تذكر دوران الحياة أمت الميت لتكون ذاكراً وكن صديق مفضض ولا تكن صديق شرطي ولا تكن مع أصدقائك قوساً ولا تنعس على أبواب أعدائك واثبت على ينبوع واحد متكئاً على يمينك وينبغي أن تعلم أنه ليس زمان من الأزمنة يفقد فيه زمان الربيع وافحص عن ثلاث سبل فإذا لم تجدها فارض بأن تنام لها نوم المستغرق واضرب الأترجة بالرمانة واقتل العقرب بالصوم وإن أحببت أن تكون ملكاً فكن حمار وحش وليست السبعة بأكمل من الواحد وبالإثني عشر اقتن اثني عشر وازرع بالأسود واحصد بالأبيض ولا تسلبن الإكليل ولا تهتكه ولا تقفن راضياً بعدمك للخير وأنت موجود ذلك لك في أربعة وعشرين مكاناً وإن سألك سائل أن تعطيه من هذا الغذاء فميزه وإن كان مستحقاً للغذاء المريء فأعطه وإن احتاج إلى غذاء يمينك فاصنعه لأن اللون الذي يطلب كذلك من كمال الغذاء فهو للبالغين‏.‏

وقال‏:‏ يكفي من تأجج النار نورها‏.‏

وقال له رجل‏:‏ من أين لك أن هذا المشار إليه واحد فقال إني لأعلم أن الواحد بالإطلاق غير محتاج إلى الثاني فمتى فرضته قريناً للواحد كنت كواضع ما لا يحتاج غليه البتة إلى جانب ما لا بد منه البتة‏.‏

وقال‏:‏ الإنسان له مرتبة واحدة من جهة حده وثلاث مراتب من جهة هيئته‏.‏

وقال‏:‏ للقلب آفتان الغم والهم فالغم يعرض منه النوم والهم يعرض منه السهر‏.‏

وقال‏:‏ الحكمة إذا أقبلت خدمت الشهوات العقول وإذا أدبرت حدمت العقول الشهوات‏.‏

وقال‏:‏ لا تكرهوا أولادكم على آثاركم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم‏.‏

وقال‏:‏ ينبغي أن تغتم بالحياة وتفرح بالموت لأنا نحيا لنموت‏.‏

ونموت لنحيا‏.‏

وقال‏:‏ قلوب المغرقين في المعرفة بالحقائق منابر الملائكة وبطون المتلذذين بالشهوات قبور الحيوانات الهالكة‏.‏

وقال‏:‏ النفس الناطقة جوهر بسيط ذو سبع قوى يتحرك بها حركة مفردة وحركات مختلفة‏.‏

فأما حركتها المفردة فإذا تحركت نحو ذاتها ونحو العقل وأما حركاتها المختلفة فإذا تحركت نحو الحواس الخمس‏.‏**

**وما وراء ذلك فهو‏:‏ زوج الفرد وزوج الزوج وزوج الزوج والفرد‏.‏

ويسمي الخمسة عدداً دائراً فإنها إذا ضربتها في نفسها أبداً عادت الخمسة من الرأس‏.‏

ويسمي الستة عدداً تاماً فإن أجزائها مساوية لجملتها‏.‏

والسبعة عدداً كاملاً فإنها مجموع الزوج والفرد وهي نهاية أخرى‏.‏

والثمانية مبتدأة‏:‏ مركبة من زوجين‏.‏

والتسعة من ثلاثة أفراد وهي نهاية أخرى‏.‏

والعشرة من مجموع العدد من الواحد إلى الأربعة وهي نهاية أخرى‏.‏

فللعدد أربع نهايات‏:‏ أربعة وسبعة وتسعة وعشرة‏.‏

ثم يعود إلى الواحد فيقول‏:‏ أحد عشر ويعد‏.‏

والتركيبات فيما وراء الأربعة على أنحاء ستة‏:‏ فالخمسة على مذهب من لا يرى الواحد داخلاً في العدد فهي مركبة من عدد وفرد وعلى مذهب من يرى ذلك فهي مركبة من فرد وزوجين‏.‏

وكذلك الستة على الأول فمركبة من فردين أو عدد وزوج وعلى الثاني فمركبة من ثلاثة أزواج‏.‏

والسبعة على الأول فمركبة من فرد وزوج وعلى الثاني فمركبة من فرد وثلاثة أزواج‏.‏

والثمانية على الأول فمركبة من زوجين وعلى الثاني فمركبة من أربعة أزواج‏.‏

والتسعة على الأول فمركبة من ثلاثة أفراد وعلى الثاني فمركبة من فرد وأربعة أزواج‏.‏

والعشرة على الأول فمركبة من عدد وزوجين أو زوج وفردين وعلى الثاني فما يحسب من الواحد إلى الأربعة وهو النهاية والكمال‏.‏

ثم الأعداد الأخرى فقياسها هذا القياس‏.‏

قال‏:‏ وهذه هي أصول الموجودات‏.‏

ثم إنه ركب العدد على المعدود والمقدار على المقدور فقال‏:‏ المعدود الذي فيه اثنينية وهو أصل المعدودات ومبدؤها هو العقل باعتبار أن فيه اعتبارين‏:‏ اعتباراً من حيث ذاته وأنه ممكن الوجود بذاته واعتباره من حيث مبدعه وأنه واجب الوجود به فقابله الاثنان‏.‏

والمعدود الذي فيه ثلاثية هو النفس إذ زاد على الاعتبارين اعتباراً ثالثاً‏.‏

والمعدود الذي فيه أربعة هو الطبيعة إذ زاد على الثلاثة رابعاً‏.‏

وثم النهاية أعني نهاية المبادئ وما بعدها المركبات فما من موجود مركب إلا وفيه من العناصر والنفس والعقل شئ إما عين أو أثر حتى ينتهي إلى السبعة فيقدر المعدودات على ذلك وينتهي إلى العشرة ويعد العقل والنفوس التسعة بأفلاكها التي هي أبدانها وعقولها المفارقة كالجوهر وتسعة أعراض‏.‏

وبالجملة إنما يتعرف حال الموجودات من العدد والمقادير الأول ويقول‏:‏ الباري تعالى عالم بجميع المعلومات على طريق الإحاطة بالأسباب التي هي الأعداد المقادير وهي لا تختلف فعلمه لا يختلف‏.‏

وربما يقول‏:‏ المقابل للواحد هو العنصر الأول - كما قال أنكسيمانسو يسميه الهيولي الأولي وذلك هو الواحد المستفادلا الواحد الذي هو كالاحادو هو‏:‏ واحد كل‏:‏ تصدر عنه كل كثرة وتستفيد الكثرة منه الوحدة التي تلازم الموجودات ولا تفارقها البتة كما قررنا‏.‏

وذكر إن العنصر انفراد بوحدته ثم أفاضها على الموجودات فلا يوجد موجود إلا وفيه من وحدته حظ على قدر استعداده ثم من هداية العقل حظ على قدر قبوله ثم من قوة النفس حظ على قدر تهيئته‏.‏

وعلى ذلك آثار المبادئ في المركبات فإن كل مركب لا يخلو عن مزاج ما وكل مزاج لا يعرى عن اعتدال ما وكل اعتدال عن كمال أو قوة كمال‏:‏ إما طبيعي إلي هو مبدأ الحركة وإما عن كمال نفساني هو مبدأ الحس‏.‏

فإذا بلغ المزاج الإنساني إلى حد قبول هذا الكمال‏:‏ أفاض عليه العنصر وحدته والعقل هدايته والنفس نطقه وحكمته‏.‏

قال‏:‏ ولما كانت التأليفات الهندسية مرتبة على المعادلات العددية عددناها أيضاً من المبادئ‏.‏

فصارت طائفة من الفيثاغوريين إلى أن المبادئ هي التأليفات الهندسية على مناسبات عددية ولهذا صارت المتحركات السماوية ذات حركات متناسبة لحنية هي أشرف الحركات وألطف التأليفات‏.‏

ثم تعد من ذلك إلى الأقوال حتى صارت طائفة منهم إلى أن المبادئ هي الحروف والحدود المجردة عن المادة وأوقعوا الألف في مقابلة الواحد والباء في مقابلة الاثنين‏.‏ إلى غير ذلك من المقابلات‏.‏

ولست أدري‏!‏ على أي لسان ولغة قدروها فإن الألسن يختلف باختلاف الأمصار والمدن أو على أي وجه من التركيب فإن التركيبات أيضاً مختلفة‏.‏

فالبسائط من الحروف مختلف فيها والمركبات كذلك ولا كذلك العدد فإنه لا يختلف أصلاً‏.‏

وصارت جماعة منهم إلى أن مبدأ الجسم هو الأبعاد الثلاثة والجسم مركب عنها وأوقعوا النقطة في مقابلة الواحد والخط في مقابلة الاثنين والسطح في مقابلة الثلاثة والجسم في مقابلة الأربعة‏.‏

وراعوا هذه المقابلات في تراكيب الأجسام وتضاعيف الأعداد‏.‏

ومما ينقل عن فيثاغورس‏:‏ أن الطبائع أربعة والنفوس التي فينا أيضاً أربعة‏:‏ العقل والعلم والرأي والحواس‏.‏

ثم ركب فيه العدد على المعدود‏.‏

والروحاني على الجسماني‏.‏

قال الرئيس أبو علي الحسين بن سينا‏:‏ وأمثل ما يحمل عليه هذا القول أن يقال‏:‏ كون الشيء واحداً غير كونه موجوداً أو إنساناً وهو في ذاته أقدم منهما فالحيوان الواحد لا يحصل واحداً إلا وقد تقدمه معنى الوحدة الذي صارا به واحداً ولولاه لم يصح وجوده فإذاً هو‏:‏ الأشرف‏:‏ الأبسط‏:‏ الأول وهذه صورة العقل فالعقل يجب أن يكون الواحد من هذه الجهة والعلم دون ذلك في الرتبة لأنه بالعقل ومن العقل فهو كالاثنين الذي يفتقر إلى الواحد ويصدر منه وكذلك العلم يؤول إلى العقل‏.‏

ومعنى الظن والرأي عدد السطح والحس عدد المصمت‏:‏ أن السطح لكونه ذا ثلاث جهات هو طبيعة الظن الذي هو أعم من العلم مرتبة وذلك لأن العلم يتعلق بمعوم معين والظن والرأي ينجذب إلى الشيء ونقيضه والحس أعم من الظن فهو المصمت أي الجسم له أربع جهات‏.‏

ومما نقل عن فيثاغورس‏:‏ أن العالم إنما ألف من اللحوم البسيطة الروحانية‏.‏

ويذكر أن الأعداد الروحانية غير منقطعة بل أعداد متحدة تتجزأ من نحو العقل ولا تتجزأ من نحو الحواس‏.‏

وعد عوالم كثيرة‏:‏ فمنه عالم هو سرور محض في أصل الإبداع وابتهاج وروح في وضع الفطرة ومنه عالم هو دونه‏.‏

ومنطقها ليس مثل منطق العوالم العالية فإن المنطق قد يكون باللحون الروحانية البسيطة وقد يكون باللحون الروحانية المركبة‏.‏

والأول يكون سرورها دائماً غير منقطع‏.‏**

**وأما زينون الأكبر وديمقريط والشاعريون فصاروا إلى أنه تعالى متحرك وقد سبق النقل عن أن كسا غورس أنه قال‏:‏ هو ساكن لا يتحرك لأن الحركة لا تكون إلا محدثة ثم قال‏:‏ إلا أن يقولوا‏:‏ إن تلك الحركة فوق هذه الحركة كما أن ذلك السكون فوق هذا السكون‏.‏

وهؤلاء ما عنوا بالحركة والسكون النقلة عن مكان واللبث في مكان ولا بالحركة التغيير والاستحالة ولا بالسكون ثبات الجوهر والدوام على حالة واحدة فإن الأزلية والقدم تنافي هذه المعاني كلها‏.‏

ومن يحترز ذلك الاحتراز عن التكثر فكيف يجازف هذه المجازفة في التغيير‏!‏ فأما الحركة والسكون في العقل والنفس فإنما عنوا بهما الفعل والانفعال وذلك أن العقل لما كان موجوداً كاملاً بالفعل قالوا‏:‏ هو ساكن واحد مستغن عن حركة يصير بها فاعلاً والنفس لما كانت ناقصة متوجهة إلى الكمال قالوا‏:‏ هي متحركة طالبة درجة العقل‏.‏

ثم قالوا‏:‏ العقل ساكن بنوع حركة أي هو في ذاته كامل بالفعل فاعل يخرج النفس من القوة إلى الفعل‏.‏

والفعل نوع حركة في سكون والكمال نوع سكون في حركة أي هو كامل ومكمل غيره‏.‏

فعلى هذا المعنى يجوز على قضية مذهبهم إضافة الحركة والسكون إلى الباري تعالى‏.‏

ومن العجب أن مثل هذا الاختلاف قد وجد في أرباب الملل حتى صار بعض إلى أنه تعالى مستقر في مكان ومستو على مكان وذلك إشارة إلى السكون وصار بعض إلى أنه يجيء ويذهب وينزل ويصعد وذلك عبارة عن الحركة إلى أنه يحمل على معنى صحيح لائق بجناب القدس حقيق بحلال الحق‏.‏

ومما نقل عن أنبادقليس في أمر المعاد أنه قال‏:‏ يبقى هذا العالم على الوجه الذي عهدناه من النفوس التي تشبثت بالطبائع والأرواح التي تعلقت بالشباك حتى تستغيث في آخر الأمر إلى النفس الكلية التي هي كلها فتتضرع النفس إلى العقل ويتضرع العقل إلى الباري تعالى فيسيح الباري تعالى على العقل ويسيح العقل على النفس وتسيح النفس على هذا العالم بكل نورها فتستضئء الأنفس الجزئية وتشرق الأرض بنور ربها حتى تعاين الجزئيات كلياتها فتتخلص من الشبكة فتتصل بكلياتها وتستقر في عالمها‏:‏ مسرورة محبورة‏:‏ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور‏.‏

رأي فيثاغورس ابن منسارخس من أهل ساميا‏.‏

وكان في زمان سليمان النبي ابن داود عليهما السلام‏.‏

قد أخذ الحكمة من معدن النبوة‏.‏

وهو الحكيم الفاضل ذو الرأي المتين والعقل الرصين‏.‏

يدعى‏:‏ أنه شاهد العوالم العلوية بحسه وحدسه وبلغ في الرياضة إلى أن سمع حفيف الفلك ووصل إلى مقام الملك وقال‏:‏ ما سمعت شيئاً قط ألذ من حركاتها ولا رأيت شيئاً أبهى من صورها وهيئاتها‏.‏

قوله في الإلهيات‏.‏

قال‏:‏ إن الباري تعالى واحد لا كالآحاد ولا يدخل في العدد ولا يدرك من جهة العقل ولا من جهة النفس فلا الفكر العقلي يدركه ولا المنطق النفسي يصفه فهو فوق الصفات الروحانية غير مدرك من نحو ذاته وإنما يدرك بآثاره وصنائعه وأفعاله‏.‏

وكل عالم من العوالم يدركه بقدر الآثار التي تظهر في صنعته فينعته ويصفه بذلك القدر الذي يخصه من صنعته فالموجودات في العالم الروحاني قد خصت بآثار خاصة روحانية فتنعنه من حيث تلك الآثار والموجودات في العالم الجسماني قد خصت بآثار خاصة جسمانية فتنعته من حيث تلك الآثار‏.‏

ولا نشك أن هداية الحيوان مقدرة على الآثار التي جبل الحيوان عليها وهداية الإنسان مقدرة على الآثار التي فطر الإنسان عليها‏.‏

فكل يصفه من نحو ذاته ويقدسه عن خصائص صفاته‏.‏

ثم قال‏:‏ الوحدة تنقسم إلى وحدة غير مستفادة من الغير وهي‏:‏ وحدة الباري تعالى‏:‏ وحدة الإحاطة بكل شيء‏:‏ وحدة الحكم على كل شيء‏:‏ وحدة تصدر عنها الآحاد في الموجودات والكثرة فيها وإلى وحدة مستفادة من الغير وذلك وحدة المخلوقات‏.‏

وربما يقولون‏:‏ الوحدة على الإطلاق تنقسم إلى وحدة قبل الدهر ووحدة مع الدهر ووحدة بعد الدهر وقبل الزمان ووحدة مع الزمان‏.‏

فالوحدة التي هي قبل الدهر هي وحدة الباري تعالى والوحدة التي هي مع الدهر هي وحدة العقل الأول والوحدة التي هي بعد الدهر وقبل الزمان هي وحدة النفس والوحدة التي هي مع الزمان هي وحدة العناصر والمركبات‏.‏

وربما يقسم الوحدة قسمة أخرى فيقول‏:‏ الوحدة تنقسم إلى وحدة بالذات وإلى وحدة بالعرض‏.‏

فالوحدة بالذات يئست إلا للمبدع للكل الذي منه تصدر الوجدانيات في العدد والمعدود والوحدة بالعرض تنقسم إلى ما هو مبدأ العدد وليس داخلاً في العدد وإلى ما هو مبدأ للعدد وهو داخل فيه‏:‏ فالأول كالواحدية للعقل الفعال لأنه لا يدخل في العدد والمعدود والثاني ينقسم إلى ما يدخل فيه كالجزء له فإن الاثنين إنما هو مركب من واحدين وكذلك كل عدد فهو مركب من آحاد لا محالة وحيثما ارتقى العدد إلى أكثر نزلت نسبة الوحدة إليه إلى أقل وإلى ما يدخل فيه كاللازم له لا كالجزء فيه وذلك لأن كل عدد أو معدود لن يخلو قط عن وحدة تلازمه فإن الاثنين والثلاثة في كونهما أثنين وثلاثة واحدة وكذلك المعدودات من المركبات والبسائط واحدة‏:‏ إما في الجنس أو في النوع أو في الشخص كالجوهر في أنه جوهر على الإطلاق والإنسان في أنه إنسان والشخص المعين مثل زيد في أنه ذلك الشخص بعينه واحد فلم تنفك الوحدة من الموجودات قط‏.‏

وهذه وحدة مستفادة من وحدة الباري تعالى تلزم الموجودات كلها وإن كانت في ذواتها متكثرة‏.‏

وإنما شرف كل موجود بغلبة الوحدة فيه فكل ما هو أبعد من الكثرة فهو أشرف وأكمل‏.‏

ثم إن لفيثاغورس رأياً في العدد والمعدود قد خالف فيه جميع الحكماء قبله وخالفه فيه من بعده وهو أنه جرد العدد عن المعدود تجريد الصورة عن المادة وتصوره موجوداً محققاً وجرد الصورة وتحققها‏.‏

وقال‏:‏ مبدأ الموجودات هو العدد وهو أول مبدع أبدعه الباري تعالى‏.‏

فأول العدد هو الواحد وله اختلاف رأي في أنه هل يدخل في العدد أم لا كما سبق وميله الأكثر إلى أنه لا يدخل في العدد فيبتدئ العدد من اثنين‏.‏

ويقولون هو منقسم إلى زوج وفرد فالعدد البسيط الأول اثنان والزوج البسيط الأول أربعة وهو المنقسم بمتساويين ولم يجعل الاثنين زوجاً فإنه لو انقسم لكان إلى واحدين وكان الواحد داخلا في العدد ونحن ابتدأنا في العدد من اثنين والزوج قسم من أقسامه فكيف يكون نفسه‏.‏

والفرد البسيط الأول ثلاثة قال‏:‏ وتتم القسمة بذلك وما وراءه فهو قسمة القسمة فالأربعة هي نهاية العدد وهي الكمال وعن هذا كان يقسم بالرباعية‏:‏ لا وحق الرباعية التي هي تدبر أنفسنا‏:‏ الني هي أصل الكلام‏.‏**

**رأي انبادقليس وهو من الكبار عند الجماعة دقيق النظر في العلوم رقيق الحال في الأعمال‏.‏

وكان في زمن داود النبي عليه السلام مضى إليه وتلقى منه العلم واختلف إلى لقمان الحكيم واقتبس منه الحكمة ثم عاد إلى يونان وأفاد‏.‏

قال‏:‏ إن الباري تعالى لم تزل هويته فقط وهو العلم المحض وهو الإرادة المحضة وهو الجود والعزة والقدرة والعدل والخير والحق لا أن هناك قوى مسماة بهذه الأسماء بل هي هو وهو‏:‏ هذه كلها‏.‏

مبدع فقط لا أنه أبدع من شيء ولا أن شيئاً كان معه‏.‏

فأبدع الشيء البسيط الذي هو أول البسائط المعقول وهو العنصر الأول‏.‏

ثم كثر الأشياء المبسوطة من ذلك المبدع البسيط الواحد الأول ثم كون المركبات من المبسوطات‏.‏

وهو مبدع الشيء واللاشيء‏:‏ العقلي والفكري والوهمي أي مبدع المتضادات والمتقابلات‏:‏ المعقولة والخيالية والحسية‏.‏

وقال‏:‏ إن الباري تعالى أبدع الصور لا بنوع إرادة مستأنفة بل بنوع أنه علة فقط وه العلم والإرادة‏.‏

فإذا كان المبدع إنما أبدع الصور بنوع أنه علة لها فالعلة ولا معلول وإلا فالمعلول مع العلة معية بالذات فإن جاز أن يقال إن معلولاً مع العلة فالمعلول حينئذ ليس هو غير العلة وأن يكون المعلول ليس أولي بكونه معلولاً من العلة ولا العلة بكونها علة أولي من المعلول فالمعلول إذا تحت العلة وبعدها والعلة علة العلل كلها أي علة كل معلول تحتها فلا محالة أن المعلول لم يكن مع العلة بجهة من الجهات البتة وإلا فقد بطل اسم العلة والمعلول‏.‏

فالمعلول الأول هو العنصر والمعلول الثاني هو بتوسطه العقل والثالث بتوسطهما النفس وهذه بسائط ومتوسطات وما بعدها مركبات‏.‏

وذكر أن المنطق لا يعبر عما عند العقل لأن العقل أكبر من المنطق من أجل أنه بسيط والمنطق مركب والمنطق يتجزأ والعقل يتحد ويحد فيجمع المتجزئآت‏.‏

فليس للمنطق إذاً أن يصف الباري تعالى إلا صفة واحدة وذلك أنه هو ولا شيء من هذه العوالم بسيط ولا مركب‏.‏

فإذا كان هو ولاشيء فقد كان الشيء واللاشيء مبدعين‏.‏

ثم قال أنبادقليس‏:‏ العنصر الأول بسيط من نحو ذات العقل الذي هو دونه وليس هو بسيطاً مطلقاً أي واحداً بحتاً من نحو ذات العلة فلا معلول إلا وهو مركب تركيباً عقلياً أو حسياً فالعنصر في ذاته مركب من المحبة والغلبة وعنهما أبدعت الجواهر البسيطة الروحانية والجواهر المركبة الجسمانية فصارت المحبة والغلبة صفتين أو صورتين للعنصر مبدأين لجميع الموجودات فانطبعت الروحانيات كلها على المحبة الخالصة والجسمانيات كلها على الغلبة والمركبات منهما على طبيعتي المحبة والغلبة والازدواج والتضاد وبمقدارهما في المركبات تعرف مقادير الروحانيات في الجسمانيات‏.‏

قال‏:‏ ولهذا المعنى ائتلفت المزدوجات بعضها ببعض نوعاً بنوع وصنفاً بصنف واختلفت المتضادات فتنافر بعضها عن بعض نوعاً عن نوع وصنفاً عن صنف‏.‏

فما كان فيها من الائتلاف والمحبة فمن الروحانيات وما كان فيها من الاختلاف والغلبة فمن الجسمانيات وقد يجتمعان في نفس واحدة بإضافتين مختلفتين‏.‏

وربما أضاف المحبة إلى المشتري والزهرة والغلبة إلى زحل والمريخ فكأنهما تشخصتا بالسعدين والنحسين‏.‏

ولكلام أنبادقليس مساق آخر قال‏:‏ إن النفس النامية قشر للنفس البهيمية الحيوانية والنفس الحيوانية قشر للنفس المنطقية والمنطقية قشر للعقلية وكل ما هو أسفل فهو قشر لما هو أعلى والأعلى لبه‏.‏

وربما يعبر عن القشر واللب بالجسد والروح فيجعل النفس النامية جسداً للنفس الحيوانية وهذه روحاً لها وعلى ذلك حتى ينتهي إلى العقل‏.‏

وقال‏:‏ لما صور العنصر الأول في العقل ما عنده من الصور المعقولة الروحانية وصور العقل في النفس ما استفاد من العنصر‏:‏ صورت النفس الكلية في الطبيعة الكلية ما استفادت من العقل فحصلت قشور في الطبيعة لا تشبهها ولا هي شبيهة بالعقل الروحاني اللطيف‏.‏

فلما نظر العقل إليها وأبصر الأرواح واللبوب في الأجسام والقشور‏:‏ ساح عليها من الصور الحسنة الشريفة البهية وهي صور النفوس المشاكلة للصور العقلية اللطيفة الروحانية حتى يدبرها ويتصرف فيها بالتمييز بين القشور واللبوب فيصعد باللبوب إلى عالمها فكانت النفوس الجزئية أجزاء للنفس الكلية كأجزاء الشمس المشرقة على منافذ البيت والطبيعة الكلية معلولة للنفس وفرق بين الجزء وبين الطبيعة فالجزء غير المعلول‏.‏

ثم قال‏:‏ وخاصية النفس الكلية المحبة لأنها لما نظرت إلى العقل وحسنه وبهائه أحبته حب وامق عاشق لمعشوقه فطلبت الاتحاد به وتحركت نحوه‏.‏

وخاصية الطبيعة الكلية العذبة لأنها لما توحدت لم يكن لها نظر وبصر تدرك بهما النفس والعقل وتعشقهما بل انبجست منها قوى متضادة‏:‏ أما في بسائطها فمتضادات الأركان وأما في مركباتها فمتضادات القوى المزاجية والطبيعية والنباتية والحيوانية‏.‏

والطبيعية تمردت عليها لبعدها من العلة بكونها معلولة عن كلياتها وطاوعتها الأجزاء النفسانية مغترة بعالمها الغرار الغدار فركنت إلى لذات حسية‏:‏ من مطعم مري ومشرب هني وملبس طرى ومنكح شهى‏.‏

ونسيت ما قد طبعت عليه من ذلك البهاء والحسن والكمال الروحاني النفساني العقلي فلما رأت النفس الكلية تمردها واغترارها أهبطت إليها جزءاً من أجزائها هو أزكى وألطف وأشرف من هاتين النفسين البهيمية والنباتية ومن تلك النفوس المغترة بهما فيكسر النفسين عن تمردهما ويحبب إلى النفوس المغترة عالمها ويذكرها بما نسيت ويعلمها ما جهلت ويطهرها مما تدنست فيه ويزكيها عما تنجست به‏.‏

وذلك الجزء الشريف هو النبي المبعوث في كل دور من الأدوار فيجري على سنن العقل والعنصر الأول من رعاية المحبة والغلبة فيتألف بعض النفوس بالحكمة والموعظة الحسنة‏.‏

ويشدد على بعضها بالقهر والغلبة‏.‏

فتارة يدعو باللسان من جهة المحبة لطفاً وتارة يدعو بالسيف من جهة الغلبة عنفاً فيخلص النفوس الجزئية الشريفةالتى اغترت بتمويهات النفسين المزاجيتين عن التمويه الباطل والتسيل الزائل الفائل‏.‏

وربما يكسو النفسين السافلتين كسوة النفس الشريفة فتنقلب الصفة الشهوية إلى المحبة فتغلب محبة الخير والحق والصدق وتنقلب الصفة الغضبية إلى الغلبة فتغلب الشر والباطل والكذب فتصعد النفس الجزئية الشريفة إلى عالم الروحانيين بهما جميعاً فتكونان جسداً لها في ذلك العالم كما كانتا جسداً لها في هذا العالم‏.‏

وقد قيل‏:‏ إذا كانت الدولة والجد لأحد أحبه أشكاله فيغلب بمحبتهم له أضداده‏.‏

ومما نقل عن أنبادقليس أنه قال‏:‏ العالم مركب من الأسطقسات الأربعة فانه ليس وراءها شئ ابسط منها وان الأشياء كامنة بعضها في بعض‏.‏

وأبطل الكون والاستحالة والنمو وقال‏:‏ الهواء لا يستحيل ناراً ولا الماء هواء ولكن ذلك بتكاثف وتخلخل وبكمون وظهور وتركب وتحلل‏.‏

وإنما التركب في المركبات بالمحبة يكون والتحلل في المتحللات بالغلبة يكون‏.‏

ومما نقل عنه أيضاً‏:‏ انه تكلم في الباري تعالى بنوع حركة وسكون فقال‏:‏ أنه متحرك بنوع سكون لأن العقل والعنصر متحركان بنوع سكون وهو مبدعهما ولا محالة أن المبدع أكبر لأنه علة كل متحرك وساكن‏.‏

وشايعه على هذا الرأي فيثاغورس ومن بعده من الحكماء‏.‏

إلى أفلاطون‏.‏**