المعلم والمربي والشاعر مصطفى حيدر زيد الكيلاني

**من وحي مجزرة الخليل

عندما وقعت مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل فجر يوم الجمعة منتصف شهر رمضان 1414هـ (25/2/1994م) عندما اقتحم غولدشتاين الصهيوني الحرم، ومعه مجموعة من المستوطنين، وفتحوا النار من رشاشاتهم على المصلين وهم سجود، ولم يتدخل الجيش الإسرائيلي لوقف المجزرة، نظم شاعرنا هذه القصيدة من وحي المجزرة:

من وحي مجزرة الخليل في 15 رمضان 1414هـ

إلامَ تظنُّ إسرائيل أنّا =على أقدامها (خَسئَتْ) ركعنا

ألايا مسلمون وأين أنتم =أحقاً ويحكم أنّا هُزمنا

ألا تتحركون ولو قليلاً =فقد نهض الجميعُ ونحن نمنا

تُطلُّ دماؤُنا في كلّ يوم =ونُسجنُ دونما ذنب جَنَيْنا

وتُنهَبُ أرضنا ونضامُ فيها =ولا يبقى لنا في الكون معنى

وفي حرم الخليل أقيم سوقٌ =غرابُ البين فوق حماهُ غنّى

تُباعُ به الضحايا زاكياتٍ =بلا ثمنٍ فمن يرغبْ يَجِئنا

ضحايا في صلاة الفجر غيلوا =سجوداً يذكرون الله وَهْنا

ضحايا النصف من رمضانَ جاءوا =لسجدةِ جمعةٍ يمشون هَوْنا

فأصلاهم يهودُ الغدرِ ناراً =توقَّدُ خِسّةً وتفيضُ جبُنا

ولستُ بلائمٍ أبداً يهوداً =لما قترفوا فهم أخزى وأدنا

ولكنّي ألومُ جموعَ قومي =وقادَتَهمْ فماذا قد فعلنا

ألومُ المسلمين وقد تخلَّوا =وصمّوا عن صُراخِ الحقّ أُذُنا

تخلَّوا عن جهادٍ كان فيه =كرامتُنا ولو أنّا قُتلنا

وولوا شطرَ أمريكا فجوراً =لمجلسِ أمنها يشكون غُبْنا

إلى الطاغوتِ يبغونَ احتكاماً=فلن يَجدوا بذاك الأمن أمنا

وقد أُمِروا بشرعِ الله أن لا =يُقيموا قطُّ للطاغوت وَزنا

عجبتُ لقومِنا لهمو جيوشٌ =معطّلةٌ فأنّى النصر أنّى

لمن هذي الجيوشُ ربطتموها؟ =مللنا طول مربطها مللنا

كذبتم ما لنا فيها نصيبٌ =وما كانت لنا دِرعاً وحِصنا

عجيبٌ أمرُ قادتِنا عجيبٌ =أمِنْ عند العدى يرجون عَوْنا

وربّ العرشِ قال لنا خذوهم =وحيثُ ثقفتموهم فاقتُلنَّ

ومما أخرجوكم أخرجوهمْ=فكيف بكلِّ ما اغتصبوا اعترفنا

وسلَّمنا مصايرنا إليهمْ=وسِرْنا خلفهم حتى هلكنا


إلى من نشتكي يا ربّ لسنا =بأهلٍ كي نَفرَّ إليك لسنا

تولّينا اليهود مع الأعادي =وفي دنياهما الخرقاءِ هممنا

حلُمنا عن أُناسٍ جرّعونا =كؤوسَ القهر بل إنّا جَبُنا

أرادوا أن نظلّ بلا سلاحٍ =ليحموا نفسهم ويهودَ منا

وقالوا لا جهادَ بزعم أنّا =ضعافٌ واليهودُ أعزُّ ركنا

فصدقنا مزاعمَهم ورحنا =نُفَدِّيهم فيا أسفاً وحُزنا

عبدناهمْ، نسينا الله، زُغنا =وغايةُ أمرنا أنّا جُنِنّا

خضعنا للطغاةِ خضوعَ ذلٍّ =فلو قالوا لنا موتوا لمتنا

سألتُ الله من قلبٍ جريحٍ =لينصرَنا فإنّا قد ظُلِمنا

إلهي نحن مظلمون فامننْ =علينا يا خفي اللطفِ مَنّا

ومكنّا من الطاغين وافتحْ =لنا فتحاً ومن تقواك زِدْنا

ألا يا ظالمون أما اكتفيتمْ =بما أفحشتمو وبما احتملنا

فإنّ الظلمَ مرتعُهُ وخيمٌ =وما سَعِدَ الظلومُ وما تهنّا

ونور الحق ?ويحكمو- سيجلو =خباياكم إذا ما الليل جنّا

وسوف تعودُ للإسلام يوماً =خلافتُهُ ويرضى الله عنّا

مصطفى حيدر الكيلاني**

مناجاة
مصطفى حيدر زيدالكيلاني
إلهـي بـاسمك الأعـظمْ _

دعـوتك فـاستجـب وارحـمْ
وكـن سمعـي وكـن بصري _

وكـن حـرزي عـن الـمأثــم
وكفِّر كلّ زلاتـي _

ومـا أنـت بـه أعـلـمْ
إلهـي إنّني عَبْدُ _

وأنـت السـيِّد الفردُ
إلهـي أنـت لي ذخرُ _

وأنـت الـواحد السرّ
عـنـت لجلالك الـدنـيا _
وسبّح بـاسمك الطير
وهـذا الكـون ناطقَةٌ _

بـه آياتك الغُرّ
ومـا مـن نعـمة إلا _

بفضلك أمـرهـا قـد تـمْ**

في ذكرى الاسراء :هذه القصيدة نظمها شاعرنا الكيلاني وألقاها في حفل أقامته وزارة الأوقاف في عمان بتاريخ 10/4/1986 في ذكرى الإسراء.. وذكّر المسلمين فيها بالمسجد الأقصى قبلة المسلمين الأولى، وحضّهم على تحرير أرض الإسراء من الغاصبين اليهود.
في ذكرى الإسراء

القدسُ والمسجدُ الأقصى أعاذانا = بالله من أنْ نُرى في الأرضِ عُبدانا
وناشدانا بربِّ البيتِ أنْ نَلقى = عدوّنا قبل أن يجتثَّ خضرانا
وأنْ نُعدّ إلى الهيجاءِ أنفسَنا = ولا ننامَ على أشلاءِ قتلانا
وأنْ نعودَ إلى الإسلام يخرجُنا =مجاهدين وعينُ الله ترعانا


تململ المسجدُ الأقصى وحُقَّ لهُ = ألم يذقْ من ضروبِ الخَسْفِ ألوانا؟
حَرْقٌ وهَدْمٌ وتدنيسٌ لحرمته =وفتنةٌ تدعُ الإنسانَ حيرانا
ونحنُ في غفلةٍ عنهُ ومشغلةٍ = نجري وراءَ ملاهينا وأهوانا!
كأنما الحرمُ القدسيُّ ليس لنا = وليس قبلتَنا الأولى ومَسرانا
كأنَّه لم يكنْ رمزاً لعزّتنا =كأننا لم نقمْ فيه مُصلاّنا!
كأننا ما شددنا نحوه أبداً = رِحالنا أو أقلّتنا مطايانا!
كأنَّ أحمدَ لم يَسر الإلهُ به =إليه إلا لننسى قُدسه الآنا
كأننا لم نكن يوماً أعزَّ بني الـ =ـدنيا وأعدَلَ من في الأرضِ ميزانا


وليلةٍ في جبينِ الدهرِ خالدةٍ = خُصّت بأحمدَ تكريماً وإحسانا
أسرى به الله فيها قبلَ هجرته =فعانقَ الحرمُ المكيُّ أقصانا
وقاد موكبَهُ الروحُ الأمينُ إلى =السّبع الطباق فما أنضى وما عانى
وأبصر الآية الكبرى علانيةً =كما رأى جنّة المأوى ورضوانا
وكلَّم الله تحتَ العرشِ وانكشفتْ=له السرائرُ والمخفيُّ قد بانا
كرامةً لم ينلها في الورى أحدٌ = سبحانَ ربّكَ ربّ العرش سبحانا


وعاد أحمدُ من إسرائهِ ليرى = كفار مكةَ يزدادونَ طغيانا
عَمُوا وصَمُّوا ولجّوا في غوايتهم =وأمعنوا في ضلال الشركِ إمعانا
وقاوموا الدعوةَ العظمى فلست ترى = إلا عُتُلاً يماريها وشيطانا
لم يبقَ فيهمْ فتى تُرجى هدايتُه =هلْ يصلحُ النحتُ لو جرّبتَ صَوّانا
فما بقاءُ رسولِ اللهِ بينهمو = إنْ لم يجد لهداهم قطٌ إمكانا؟


ويأذنُ الله للهادي بهجرته = فيستجيبُ لإذن الله سَرعانا
اثنانِ في الغارِ والرحمانُ جارُهما =ومَنْ يكنْ جارَه الرحمانُ ما هانا
لم يَجبُنا وقريشٌ أحدقت بهما =ولم يخافا بجنبِ الله إنسانا
إلى المدينة حيثُ الدعوةُ انتشرتْ =وحيثُ يَلقى رسولُ الله أعوانا
ومصعبُ بن عُمير عزَّ جانبُهُ = فيها نشيَّد للإسلام بُنيانا
إلى المدينة فالأنصارُ قد خرجوا =يستقبلون رسولَ الله رَكبانا
حتى إذا طلعَ الهادي بطلعته =عليهمو سجدوا لله شكرانا


وفي المدينة قامتْ دولةٌ جعلتْ =كسرى وقيصرَ ينهاران أركانا
لم يبقَ في الأرض طاغوتُ يقول لنا: =لم يبقَ حُكمٌ يقودُ الناسَ قطعانا
شريعةُ الله حلَّتْ كلَّ مَعضلةٍ =وأصبحَ الناسُ كلّ الناسِ إخوانا


يا يومَ غزوة بدرٍ حينما ارتفعتْ =الله أكبرُ وانقضتْ سرايانا
فُلَّتْ قناةُ أبي جهلٍ وطغمته =فأصبحوا في قليب الأرضِ ديدانا
وفتحُ مكة زكّاها وطهّرها =فلم يدَعْ ثمَّ أصناماً وأوثانا
ولم يدعْ مشركاً يمشي بأبطحها =أو أن يطوفَ ببيتِ الله عُريانا


أكرمْ بعشرة آلاف إذا نطقوا =أعارهم كلُّ من في الكون آذانا
باعوا نفوسهمو لله خالصةً =فسطّروا في جنانِ الخُلد عُنوانا
لا يصبرونَ على ضيم يُراد بهمْ =فإن أُريدَ مَشَوا للرَّوح عِقبانا
أولاءِ صحبُ رسولِ اللهِ ما وَهَنوا =ولا استكانوا ولا غُرّوا بدُنيانا
تألَّقوا في سماوات الهدى دُرراً =فطاولوا الشمسَ إعزازاً وسلطانا


مَنْ لي بشرذمةٍ من قومي انخدعتْ=بباطلِ الغربِ غصَّتْ في حنايانا
لم ترقبِ اللهَ في أعمالها فغدتْ =حرباً علينا وإرصاداً وخذلانا


يا قومُ لا تسكتوا عن حقكم أبداً = حتامَ نخنقُ في الأعماقِ شكوانا؟
مَنّوكُمو بالضمير العالميّ أما = شبعتمو ويحكم إفكاً وبهتانا؟
هل الشيوعيةُ الحمراءُ تنصُرنا =أم هل تساندُ أمريكا قضايانا
يئةُ الأمم الشمّاء هلْ عرفتْ =حقَّ الضعيف فهزتها ضحايانا؟
لا والذي خلق الدنيا وجمّلها = وبارك المسجدّ الأقصى وزكّانا؟
لن يستقيمَ لنا دربٌ نسيرُ به =ولن نُعيدَ فلسطيناً ولبنانا
وسوفَ نبقى غُثاءً مالنا خطرٌ =مجزّءينَ دويلاتٍ وأوطانا
حتى تعودَ إلى الإسلام يجمعُنا =عُرباً وعجماً وأجناساً وألوانا
حتى نعودَ إلى الرحمانِ بارئنا = مومّلين هدىً منه ورضوانا
مستمسكينَ به فكراً وأنظمةً =راجين رحمتهُ تقوى وإيمانا
لقوله وكتابُ الله حجَتُنا = إن تنصروا الله ينصرْكُمْ وقد كانا

مصطفى حيدر الكيلاني
.

متى الإسلام في الدنيا يسود

مصطفى حيدر الكيلاني

متى الإسلام في الدنيـا يَسـودُ = ويُشرِقُ بيننـا الفجـر الجديـدُ

متى ننقض كالشهب البـوازي = وننزوا مثلما تنـزوا الأسـودُ

علـى المستعمريـن وتابعيهـم = نُريهم كيـف تتحطـمُ القيـودُ

وكيف تفورُ من غضب دمانـا = وكيـف نبيدهـم فيمـا نٌبيـدُ

متى نستأنف الإسـلام حٌكمـاً = سماويـاً تقـامُ بِـهِ الـحُـدودُ

ورايتنا العُقـاب تعـود يومـاً = مُرَفرِفَـةً تخـر لهـا البُنـودُ

متـى يـا رب ترحمنـا فإنّـا = أضرَّبنـا التخـاذل والقـعـودُ

عهدت المسلميـن أبـاة ضيـم = غداة الـرَّوع بأسهمـو شديـدُ

إذا ما استنفروا نفـروا خفافـاً = يحث خطاهمـوا عـزمٌ حديـدُ

فهاهما نسـوا الإسـلام حتـى = تغشاهم علـى الدَّهـر الجمـودُ

ولم تعـد الشريعـة ذات حكـم = تسيرهم ولا الشـرع الرَّشيـدُ

دعا داعي الجهـاد فلـم يلبـو = اولا فقهوا النداء غـداة نـودوا

فأين فوارس الصحـراء ولـوا = أأموات همـوا أم هـم رُقـودُ

ألم يتنسمـوا خبـر الأعـادي = أما سمعوا بمـا أثمـت يهـودُ

ففي حوسان كم راحت ضحايـا = وفـي قلقيليـة أمحـت حـدودُ

وفي سيناء كم حدثـت مـآسٍ = عظـام تقشعـر لهـا الجلـودُ

وغزة يا لغـزة كيـف هانـت = وكيف استأسدت فيهـا القـرودُ

أبيح حرامهـا ظلمـاُ وجـوراً = وحاق بأهلهـا الهـول العنيـدُ

فيـا لله كـم شقـت جـيـوبٌ = على الصرعى وكم لطمت خُدودُ

وأعـراض تهتكـت انتقـامـاً = يإنُ لهتكهـا الشّـرَفُ الفقيـدُ

غـدت فتياتنـا فيهـا سبايـا = تمـوجُ بهـنَّ عاتيـة صـدودُ

بربـك أيهـا الغافـي تيقـظ = فقد ضجـت بغفوتـك المُهـودُ

ألم توقظـك ولولـةُ العـذارى = مروعـة ترددهـا النـجـودُ

ونيـرانٌ وأحــداثٌ جِـسـامٌ = تلقتهـا الأبـيـة بورسعـيـدُ

تقحمها الـرّدى بـراً وبحـراً = وجـواً وهـي ثابتـة صمـودُ

وبين ربوعهـا طلـت دمـاءٌ = بريئـات وأطلقـت الحـقـودُ

فآلاف مـن الشهـداء خـروا = بـلا قــود والآف أقـيـدوا

أيرعى الإنجليـز لنـا عهـود = أترعاهـا فرنسـا واليـهـودُ

ثلاثة مجرميـن دعـاة كفـرٍ = لئامُ الطبع ليـس لهـم عُهـودُ

وأمريكـا تخـدرنـا ليبـقـى = لهـا بترولنـا الكنـز الفريـدُ

وما انفكـت تساومنـا لصلـح = مـع اسرائيـل تأبـاه العبيـدُ

أقامتهـا لتسلـط سيـف كفـر = علـى أعناقنـا لمّـا تُـريـدُ

وروسيـا تليـن لنـا ولـكـن = وراء الليـن داهيـة مــرودُ

تهيئـنـا لإلـحـاد أثـيــم = عليه يقـوم مبدؤهـا الكـؤودُ

أنأمـن هـؤلاء علـى حمانـا = وحكمهمو لنـا خصـم لـدودُ

أنوليهـم مودتـنـا وهــذي = جرائمهم يضـج لهـا الوجـودُ

أنتـخـذ المـلاحـد أولـيـاء = لعمري إنَّ ذاك هـو الجحـودُ

أنبغي عندهـم عونـاً وعـزاً = الا عـودوا لقـول الله عـودوا

ولا ترضوا سوى الإسلام ديناً = ففي الإسـلام طالعنـا السًّعيـدُ

وبالإسلام قـد قدنـا السَّرايـا = وبالإسلام قـد عـزَّ الجُـدودُ

دعاة الكفـر لا مولـى لديهـم = ومولانـا هـو الله الحمـيـدُ**

ديوان الشاعر مصطفى حيدر زيد الكيلاني

يعبد : المعلم والمربي والشاعر مصطفى حيدر زيد الكيلاني
بقلم: حسني أدهم جرار

مصطفى حيدر زيد الكيلاني.. معلّم ومربّ قدير من رواد التربية في الأردن، وشاعر إسلامي حمل قضايا أمته والإسلامية، ونظم شعراً في تلك القضايا، وحذّر أبناء الأمة من الغزو الصليبي والصهيوني المعاصر، ودعاهم إلى مقاومته، وهو شاعر متمكّن من لغته الشعرية، ذو لسان صادق، وعاطفة جيّاشة.

حياته:

ولد الأستاذ مصطفى حيدر زيد الكيلاني في مدينة نابلس بفلسطين عام 1923، ورحل مع والده في سنّ مبكرة إلى مدينة السلط، حيث كان يقيم أعمامه وهم شيوخ أجلاّء عرفهم أهل السلط بالتقوى والصلاح والتفقّه في الدين.

درس مصطفى في مدرسة السلط الثانوية منذ كان طفلاً حتى حصل على شهادة الدراسة الثانوية عام 1941، واستكمل تعلّمه بنفسه، وقد أولع بالمطالعة وحبّ الأدب والشعر، وكان شاباً طموحاً تملأ رأسه الأحلام العذاب، وتداعب عواطفه عرائس الشعر. أما ثقافته الإسلامية فقد اتّسمت بالعمق والوعي وسعة الإطلاع.

ذاق مصطفى مرارة اليتم في التاسعة من عمره حين تُوفي والده رحمه الله، ولمّا حصل على شهادة الدراسة الثاوية العامة التحق بدائرة جوازات السفر مراقباً على الحدود، وانتقل بين الجسور المقامة على نهر الأردن، وإلى بلدة الرمثا المطلة على الحدود السورية.

ولكن هذا العمل لم يشبع روح التطلّع في نفسه، فلبث طيلة السنتين اللتين قضاهما في الجوازات يحنُّ إلى أجواء أخرى تزخر بالشعر والأدب، وتحفل بالعلم والحيوية والتجدّد والانطلاق.. كان يحس أنه غريب يعيش في عالم لا يألفه، إنه عالم مهزوز مضطرب لم يُخلق له.. ولعل البيتين التاليين من قصيدة نظمها حينذاك يصوران مشاعره أصدق تصوير، فيقول:

تقولين لي ماتت أغانيك كلُّها وهُنَّ عذابٌ لم يزلن على فمي

لعمرك ما ماتت أغانيَّ إنما دُفنَّ على أنقاض جـرح مكتّم

وتقدّم بطلب نقل من دائرة الجوازات إلى وزارة المعارف، فاستجيب طلبه وعيّن معلماً في قرية صويلح اعتباراً من 1/10/1943، ولم يطب له المقام في مكان واحد، ولم يحتمل أجواء المجتمع القروي أكثر من عامين، فكان يسعى إلى أجواء أكثر رحابة وأوسع أفقاً.

ومن قرية صويلح انتقل إلى قرية حوارة على مقربة من اربد، وبعد عامين انتقل إلى الطفيلة، ومنها إلى الزرقاء، ثم عاد إلى الطفيلة ومنها إلى طيبة بني علوان قضاء اربد.وأخيراً وضع عصا الترحال في مدينة اربد حيث قضى فيها سبعة عشر عاماً، عمل فيها معلماً فمديراً في مدرسة أولية، ثم معلماً للغة العربية في المرحلة الثانوية، وفي نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات ثم تكليفه بتدريس اللغة العربية في ثانوية البنات لبضع سنوات.

وفي عام 1966 أسندت إليه إدارة مدرسة ثانوية اربد للبنين، ثم انتقل إلى صويلح مديراً لمدرستها الثانوية، ثم صار موجهاً ومشرفاً لمادة اللغة العربية في مديرية تربية السلط، ومنها طلب إحالته على المعاش في 1/4/1970.

وفي مطلع العام الدراسي 70/1971 التحق بالكلية العلمية الإسلامية ليستأنف الرسالة التعليمية التي نذر لها حياته مهما امتدّ به العمر، فدرّس مادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية، ثم صار مشرفاً على تدريس المادتين، وترك الكلية بعد أن نيّف على السبعين من عمره.

وجلس في منزله المتواضع في صويلح، يجترُّ الذكريات، ويستعرض شريط حياته، ويسبح في ملكوت الله سبحانه وتعالى، يستجلي من خلقه سرّ عظمته وجلاله، متفرّغاً إلى التفكير في ما سوف يكون حاله حينما يمثل بين يديه سبحانه.. وفي أوائل عام 2003، انتقل إلى رحمة الله تعالى.

نشاطه الأدبي:

كانت للكيلاني مساهمات أدبية.. شعرية ونثرية، نشر الكثير منها في الصحف الأردنية والعربية، وقد انتسب إلى رابطة الأدب الإسلامي في عمان، وكانت له فيها أمسيات أدبية.

شعره:

بدأ ميله نحو الشعر والأدب والمطالعة ينمو ويتفتّح منذ صغره، ففي المرحلة الابتدائية من دراسته شغف بقراءة القصص الشعبية والأزجال الحماسية، فقرأ تغريبة بني هلال وسيرتهم، وقصة عنترة والزير سالم وألف ليلة وليلة وغيرها من القصص والروايات، ولما وصل المرحلة الثانوية ازداد تعطشه إلى المطالعة، وكانت مجلة الرسالة المصرية التي كان يصدرها أحمد حسن الزيّات هي المفضلة عنده، فكان يقرأ فيها مقالات الشيخ علي الطنطاوي والشيخ عبد العزيز البشري، وإبراهيم المازني لأنها تتميز بسهولة أسلوبها وحلاوته ورقّته، يتابع فيها المعارك الأدبية وخاصة بين الرافعي والعقاد، وكان يتخذ كرّاساً يسجّل فيه ما يعجبه من القصائد كمعلقة عمرو بن كلثوم، وقصيدة شوقي في نكبة دمشق، ويصطحب الكرّاس معه في غده ورواحه، يقرأ منه على رفاقه ويُسَلّي به نفسه حينما تضيق به السبل، وكان يحب من الشعراء أولئك الذين تغلب على طابعهم السهولة والوضوح والرقة والعذوبة كجرير والبحتري والبهاء زهير.

كان مصطفى طالباً فقيراً ولكنه أحب المطالعة، وكان يتطلع إلى اقتناء كثير من الكتب الأدبية، ولكن العين بصيرة واليد قصيرة، وما إن تخرّج من المدرسة وتوفّرت له بضعة قروش من راتبه المتواضع حتى بادر إلى تعويض ما حُرم منه، واستطاع أن يزوّد مكتبته بكثير من المؤلفات.

وهكذا نمت شخصيته الأدبية وذخيرته الشعرية حتى وجد نفسه يمسك القلم ويبدأ محاولاته في نظم الشعر منذ كان في المرحلة الثانوية، وقد شجعه على ذلك أساتذته الأجلاّء أمثال محمد حسن البرقاوي، وسعيد الدرّة، وأخذت المجلات والصحف تنشر إنتاجه وتفسح له في صفحاتها ما يثير فيه حبّ الكتابة ونشوة الشهرة.

ومع مضي الأيام صقلت شاعريته، ونظم شعراً كان سجلاً أميناً لتقلبات حياته، وتعبيراً صادقاً لانفعالاته وعواطفه، وقد تميّز شعره بأمور قال هو عنها(1):

“إنني لا أعرض أي قصيدة أنظمها إلا بعد أن أشبعها تهذيباً وتنقيحاً، فتخرج ذات لغة سليمة وتركيب متين وأسلوب سلس رقيق عذب.. ثم إني لا أتكلف في نظم شعري تكلفاً يخرجني عن صدق الشعور بل إنّ تفاعلي مع الأحداث هو الذي يثير فيّ الرغبة العارمة في معالجتها، فتجيش عواطفي وينطلق لساني وتنسكب كلماتي عفوية صادقة من أعماق قلبي.. إنّ شعري كان وما زال مرآة أمينة لشخصيتي وسجلاً واعياً لأحاسيسي وأحداث حياتي”.
نظم الكيلاني شعراً في مجالات شتى، ومناسبات كثيرة..

نقلا عن رابطة ادباء الشام

**من وحي طلع البدر علينا

دار حديث بين شاعرنا الكيلاني وصديق له حول نشيد “طلع البدر علينا”.. فقال الصديق: كانت فتيات الأنصار ينشدن في نشوة وسرور:

طـلع البـدر علينا = مـن ثنيّات الوداع

وجـب الشكر علينا = مـا دعـا لله داع

أيـها المبعوث فينا = جئت بالأمر المطاع

جئت شرّفت المدينة= مـرحباً يا خير داع

إنّ هذا النشيد ليوقظ في الإنسان المسلم ذكريات حلوة، تحيي في صدره روح الإيمان الصادق والشعور الكريم.. إنها يا أخي أبيات أربعة ومع ذلك فهي منذ خمسة عشر قرناً ما زالت تشدّ السامع إليها وتأسره بإيقاعها المعبّر وجرسها الحبيب، فليتها طالت وطالت حتى تشتفي منها النفس ويمتلئ القلب وترتوي الروح.

فقال له شاعرنا: قد والله شوقتني إلى ذلك الجو المبارك لأعيشه بخيالي وأنتقل إليه بمشاعري.. فلأنظمنّ على غرار “طلع البدر علينا” ولأتمنّها وإن لم أبلغ شأوها.. فنظم أبياتاً جاءت صدى لذلك اللحن الخالد الحبيب، ورجعاً لتلك الترنيمة العذبة الشجيّة، فقال:

طلع البدر علينا = مشرقاً حلو الشّعاع

جلب السَّعدَ إلينا =والأمانيّ الرّفاع

وكسانا المجد برداً = أذهل الشّمسَ وراع

فإذا الدنيا سلام = وأمانٌ لا نزاع


طلع البدر علينا =وشذا الأزهار ضاع

هو ذا كهف اليتامى = هو ذا غوث الجياع

ينقل الخطو حبيباً = وقعه يعلو اليفاع

تنزل الرحمة أنّى = حلّ والذكر يذاع


يا رسول الله أهلاً =بك في هذي البقاع

مرحباً في كلَ يوم = مرحباً في كلّ ساع

مرحباً في كلّ نجد = مرحباً في كلّ قاع

مرحباً من كلّ قلب =مؤمن لله داع


أنت توّجت حمانا = بالهدى بعد الضياع

وأقمت العدل حتى = لم تدع طفلاً يُراع

وسمعنا منك ذكراً = حبّذا ذاك السّماع

فشعرنا بخشوع = وسموّ وارتفاع


يا رسول الله يا من = هدية في الكون شاع

قد أتيناك حيارى = طائري النفس شعاع

أمننا أصبح خوفاً = حقّنا أمسى مضاع

فاسأل الرحمن فينا =رحمة فيها اتّساع

مصطفى حيدر الكيلاني

.**

في رثاء مصطفى حيدر زيدالكيلاني

علي فهيم زيد الكيلاني- أبو العلاء

أبا أنمار يهنيك النجاة!

أبا أنمار واجتاح الطغاة عراق المجد وانسحب الكماة

وما تنفك تحتنك الرزايا وما تنفك تربو النازلات

أمرتَهم فما سمعوا لنصح فصبّحهم غداة غد موات

قد استغشوا ثيابهم فأنى لداعي الحق ينصاع الولاة

نعي الموت يعلو كل صوت وأصوات الحماة بها سكات

لقد أعذرت إذ أنذرت حيا أنعقل حين يصطخب الشتات!؟

تفرقنا عن الجلى عَصاة ويجمعنا على الذل العُصاة

يشكلنا عدو الله قسراً كما تتشكل المستنقعات

وما زلت المعلم والمربي ونحن لديك طلاب عفاة

وقفت تصيح فينا أن أفيقوا فقد باعت رعيتها الرُعاة

إذا لم تسلكوا سبل المعالي فخير من حياتكم الممات

نزعت لنا لبوسهم فبانت نفوسهم فإذا بهم عراة

فأسلمت الحياة على جهاد ويسلمنا إلى الذل السبات

فأخلص روحك الباري إليه وقد أحرمت ما قضت الصلاة

يخر الشامخون وهم وقوف وإن سجدوا تخر الراسيات

فلم أر قبل موتك قط ميتاً يتوق لمثل ميتته التقاة

حياتك عشتها حراً أبياً وموتك فيه عز بل حياة

فإنك (مصطفى) حياً وميتاً ونفسك مثل روحك مصطفاة

إذا ملك البيان لسان صدق كسيف الحق يخشاه العتاة

وأنت ملكت ناصية القوافي بها الركبان تحدو والمشاة

متى الإسلام في الدنيا يسود مجلجلة يرددها الرواة

وأوتيت البيان سداه فقه ولحمته على الحق الثبات

أما كنا على نسق وسمت وتجمعنا عليه الأمسيات

فها أنا يا ابن عم أمضي وحيداً ترافقني إليها الذكريات

فتشجيني على شجو الأماني محطمة.. إلى الله الشكاة

وتبكيك المنابر والقوافي ويرثيك الأمثال والهداة

عليك تنزل الرحمات تترى على جدث به زكت الرفات

لقد أسلفت إيماناً وصدقاً وجنات الخلود لك الهبات

فأما عيشنا قهر وذل وقد أخلصت.. يهنيك النجاة

فنم في مهدك الهاني قريراً فمن أعقبت أبناء تقاة

أباة أوفياء ذوو فداء أخوّتهم مثالك مقتداة

تفادوا بينهم لما أخوهم أصابت كليتيه النائبات

وفاز (نمير) بالجلى وفازوا وقد زكت الأخوة والصِلات

فمن إيثارهم صغت القوافي وآيات الخصاصة ناطقات

فحسبهم انتساباً وانتماء لخير أب تأسّاه الأُباة

وزوجك لم تطق عنك اصطباراً وقد عَجِلت فأعجلها الممات

وكانت نعم زوج في حياةٍ حسيبة تقتديها الطيبات

وفرَّ العام مذعوراً سريعاً لأن الطالبين له جُناة

لقد بسطوا على الأرض المنايا كأن بساطها جثث، رفاة

كأن الحادثات هم رحاها تدور بهم علينا الدائرات

وما وفّوا لغير الموت عهداً وقد غذوا القبور فهم ثقاة

أما علموا بأن الموت يحيا بنا أبداً فنحن له الرئات

وأن الموت يسعفنا لنحيا وينعشنا فتنتعش الحياة

وأن الأمنيات لها زكاة وأن دماءنا لهي الزكاة

إذا الأيام غصّت بالمنايا فنحن دواؤها والمكرمات

سنجعلها تطيب بنا وتزكو ويشرق وجهها والأمنيات

سنجعلها تفيض هدى وعدلاً مغانيها جنان وارفات

لسوف نظل نذكر ما حيينا أبا أنمار ما قست الحياة

وما طابت ورقت واستقامت فذاكرة الوفاء لها الثبات

ابن عمك الملتاع لفراقك

علي فهيم زيد الكيلاني- أبو العلاء**

معلم في قرية
مصطفى حيدر زيدالكيلاني
يـا آسي الروح، هل يُشجـيك تغريـدي؟

إنـي هجـرت ربـوع الخُرَّد الغـيـدِ
وبتّ فـي عزلةٍ خرسـاءَ: لا وتــرٌ

يُشجـي فؤادي، ولا طـيرٌ عـلى عود
فـي قـريةٍ مـن قـرى الأردنِّ نـائيةٍ

أعـيش فـيـهـا كأنـي غـير مـوجود
مستسلـمًا لقضـاء الله، يـهـزأ بـي

دهـري، ويـمعـن فـي هـمّي وتـنكـيـدي
واللهِ مـا ركـنـت نفسي إلى وَهَنٍ
ولا نزعت لأمـرٍ غـير محـمود
ولـم أكـن، إن دَهَت دهـيـاءُ عـارمةٌ

إلا صـبـورًا عـلى أيّامـيَ السـود _
حـاشـا لـمـثلـي، وإن قـلّت حوائجه

إطراقةَ الهـام أو إحنـاءة الجـيـد!
لكـننـي لست ذا مـالٍ فـيسعـدَنـي

ولست فـي هـذه الـدنـيـا بـمـجدود**

**أإفكاً آلهة دون الله تريدون؟؟

شعر: مصطفى حيدر الكيلاني

يا إلهي كن لنا اليوم مجيرا … إنّني ألمحُ شرّاً مستطيرا

إن أميركا علت واستكبرتْ … وطغتْ في الأرض طغياناً كبيراً

نصَّبَتْ من نفسها آلهةً … تَقْدِرُ الرزقَ علينا والمصيرا

وتُشيعُ الإفك ما بين الورى … وتبيحُ الفِسقَ جهراً والفجورا

وتصد الناس عن دَربِ الهُدى … وتُحيلُ الحقَّ بهتاناً وزوراً

وهي في إعطائها أسلحةً … لليهودِ مثَّلتْ دوراً حقيراً

من تُرى ملكها بترولنا؟ … من حباها ذلك الكنزَ الوفيرا؟

حشدتْ قوّاتِها في أرضنا … واستباحتْ مِن حواليْنا البحورا

ما لطيّاراتها قد ملأتْ … فوقنا الأجواءَ قصفاً وهديرا!؟

وظَّفت حكّامَنا حتى غدَوْا … في يديها لعباً تُكْسي حريرا

فأذلَونا وباعونا لها … دون أن ندريَ شيئاً أو نحيرا

يا لأسياد عُتاةٍ أصبحوا … عند أميركا بُعاثاً لا نسورا

إن أرادتْ غارة شدّوا لها … أو أرادت معبرا كانوا جُسورا

يا ربوعَ الحرمين انفجري … لهباً فوق الصحاري وسعيرا

دمّري قوةَ أميركا ولا … تتركي منها كبيراً أو صغيرا

الطواغيتُ أباحوكِ فلا … عاش من كان لأميركا أجيرا

حطِّمي الأغلالَ لا تستسلمي … وارفعي صوتَكِ بالحقِّ جهيرا

وابصُقي كلَّ عميلٍ مارقٍ … خائنٍ يختالُ كِبْراً وغرورا

إجعليه للبرايا عِبْرةً … وأذيقيه الرّدى كأساً مريرا

ويحكُم يا مسلمونَ اتّحدوا … وارجعوا لله لا تَخْشَوْا نَكيرا

قلِّدوا الأمرَ إماماً منكمو … يتقي الله، قويّاً مستنيرا

وأعيدوا دولةَ الإسلام، إِنْ … شئتمو في هذه الدنيا ظُهورا

جاهدوا في الله وارضَوْا حُكْمَهُ … تجدوا اللهَ معيناً ونصيرا

إنّ أميركا بغت في أرضنا … وأحالت خصبها مَحْلاً وبورا

نهبتْ أموالَ،ا، أزْرتْ بنا … فرَّقَتْنا زرِعتْ فيها الشرورا

أعلنتْ حرباً علينا غِرّةً … وهي لا ناقة فيها أو بعيرا

لم تدعْ الشرقِ والغربِ لنا … صاحبناً يَدفَعُ عنّا ظهيرا

ما لنا الاّكَ يا ربّي فلا … تذر الإسلام في الكون أَسيرا

إخز أميركا ومن لاذ بها … أرهمْ يوماً عَبوساً قمطريرا

أنتَ يا ربّي عظيمٌ قادرٌ … فأجِرْنا وامنعِ البيت الطهور**