**بسم الله الرّحمن الرّحيم
المعجزة
الكاتب: د. سعيد بن حسين
تعريف المعجزة
لغة: المعجزة من العجز عن الأمر وهو ضد القدرة.
اصطلاحاً: المعجزة هي أمر خارق للعادة سالم من المعارضة يظهر على يد مدعي النبوة يتحدى به على وجه يعجز المنكرون عن الإتيان بمثله.
و الغاية من الإعجاز هي إقناع الناس بأنّ من جاءت على يده المعجزة هو رسول مرسل من عند الله تعالى, أو لزيادة تقوية إيمان المؤمنين وبيان قدرة الله تعالى.
فحتى نطلق اسم المعجزة على أمر ما، يجب أن يكون ذلك الأمر بخلاف العادة أي لم يعتد البشر أن يأتي مثله على يد البشر. ويجب أيضا أن يكون سالما من المعارضة أي لا يستطيع أحد أن يعارضه بأن يأتي بمثله.
وأما قولنا: أن يكون الإتيان بها على يد شخص يدعى النبوة؛ فلأنّ المعجزات لا تكون إلاّ للأنبياء. وأما أنّ تكون مما يتحدى به أي صالحة للتحدّي، فمعناه أن يستطيع من أتت على يديه أن يتحدى الناس بمثلها. وقد يتحدّى الرسول بمعجزته وقد لا يتحدى, فليس بالضرورة أن يتحدى بها إلا أنه لا بدّ أن تثبت أمام التحدّي إن حصل حتى تعتبر معجزة.
ولكي تتم المعجزة، وتكون قاطعة ومفحمة، فإنها تأتي من جنس ما يتفوّق به الناس الذين يبعث فيهم الرسل عليهم السلام.
عهد موسى عليه السلام
فأهل مصر انتشر بينهم فن السحر ووصل إلى درجة عالية في عصر موسى عليه السلام, فكانت معجزته تشبه السحر أو من جنس ما اشتهر بينهم وادعوا التفوق فيه:
{قَالَ إِنْ كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112) وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ (114) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122)} (الأعراف).
وآمن السحرة لما أدركوا بالحس القطعي أنّ ما عند موسى عليه السلام ليس بسحر. وقد آمنوا رضي الله عنهم إيماناً عجبا وثبتوا على إيمانهم رغم تهديد الطاغية فرعون لهم بالصلب وبقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. وقالوا والإيمان يملأ قلوبهم: {قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73)} (طه).
عهد عيسى عليه السلام
وفي عهد عيسى عليه السلام كان للطب شأن عظيم، وكان قد استعصى على الأطباء إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص. فجاءت معجزة عيسى عليه السلام قوية واضحة التحدي في أعظم علم عندهم: {وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ (49)} (آل عمران).
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
وفي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت صناعة العرب هي الفصاحة والبيان يعقدون لهما أسواقاًً يتنافسون فيها في أعذب الكلام وأبلغه, فكانت معجزة محمّد صلى الله عليه وسلم أن أنزل الله عليه قرآناً يتلى عليهم من جنس كلامهم, وتحداهم أن يأتوا بمثله فما استطاعوا لذلك سبيلاً.
فتحداهم أولاً أن يأتوا بمثل هذا القرآن: {قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88)} (الإسراء).
ثمّ بعشر سور مثله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (13)} (هود).
ثمّ بسورة: {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (23)} (البقرة). {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38)} (يونس).
ولكنهم عجزوا، ولم يأتوا بمثله أو بسورة واحدة من مثله رغم أنهم كانوا في أشدّ الحاجة إلى الإتيان بما طلب منهم لإبطال دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أنى لهم ذلك؟
الحجة على أنّ القرآن معجز
وأما إثبات كون القرآن معجزا وأنّه من عند الله، فهذا لا يشترط فيه معرفة اللغة العربية، إذ يمكن إثبات ذلك بأي لغة كانت وفق الحجة العقلية أي بإثبات عجز الناس عن الإتيان بمثله بالرغم من تحدّيه لهم. فهذا القرآن كتاب عربيّ جاء به محمّد صلى الله عليه و سلم، فهو إمّا أن يكون: من العرب، أو من محمد صلى الله عليه وسلم، أو من الله سبحانه. ولا يمكن أن يكون من غير هؤلاء.
أما أنّه من العرب فباطل لأنّه تحدّاهم أن يأتوا بمثله ولكنهم عجزوا عن ذلك كما سبق ذكره.
و أما أنّه من محمّد صلى الله عليه وسلم فباطل أيضاً لأنّ محمّدا عربيّ من العرب, ومهما سما العبقريّ فهو من البشر وواحد من مجتمعه وأمته, وما صدق على العرب يصدق على محمّد صلى الله عليه وسلم أنّه لا يأتي بمثله، فهو ليس منه. وهذا ما أكده العرب أنفسهم إذ لم يقل احد منهم أنّه من عنده وإنّما قالوا أنّه يأتي به من غلام اسمه جبر، فرد الله سبحانه عليهم بقوله: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)} (النحل).
وبما أنّه ثبت أنّ القرآن ليس كلام العرب ولا كلام محمّد صلى الله عليه وسلم فيكون قطعاً كلام الله عزّ وجل.**