المعاهدات والأحلاف

**المعاهدات والأحلاف **

**?والأحلاف أيضا تجعل الكفار يقاتلون مع المسلمين مع احتفاظهم بكيانهم أي يقاتلون كدولة لا كأفراد، وقد نهى الرسول عن الاستعانة بالكفار ككيان، فقد ورد من حديث الضحاك رضي الله عنه )أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوم أحد فإذا كتيبة حسناء قال أو خشناء، فقال: من هؤلاء؟ قال: يهود كذا وكذا. فقال: لا نستعين بالكفار). وقد أخبر الحافظ أبو عبدالله، فساق بسنده إلى أبي حميد الساعدي قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا خلف ثنية الوداع إذا كتيبة قال: من هؤلاء؟ قال: بنو قينقاع رهط عبدالله بن سلام. قال: أوتسلموا. قالوا: لا. فأمرهم أن يرجعوا وقال: لا نستعين بالمشركين. فأسلموا). فالرسول رفض الاستعانة باليهود وقال بصيغة العموم: (لا نستعين بالكفار)، (لا نستعين بالمشركين). ولا يقال: إنا نستعين بالكفار على عدونا والاستعانة بالكافر جائزة لأن الرسول أقر قزمان على الحرب معه في أحد وهو كافر، واستعان بناس من يهود خيبر في حربه. لا يقال ذلك لأن الاستعانة بالكفار جائزة إذا كانوا أفرادا تحت راية المسلمين. وهؤلاء الذين استعان بهم الرسول استعان بهم وهم أفراد. ولذلك لما جاء يهود بني قينقاع وجاءوا وهم قبيلة لهم رئيس وحدهم وهم كدولة عاهدوا الرسول من قبل، جاءوا يحاربون مع الرسول وهم على هذه الحال وقيل له: رهط عبدالله بن سلام، فأبى الاستعانة بهم على هذا الوجه. وعليه لا تجوز الاستعانة بجيش كافر وهو تحت راية دولته الكافرة.

?قال الإمام السرخسي في المبسوط في كتاب السير: من حديث الضحاك رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوم أحد فإذا كتيبة حسناء أو قال خشناء فقال: من هؤلاء؟ قالوا: يهود كذا وكذا. فقال: لا نستعين بالكفار)، وتأويله أنهم كانوا متعززين في أنفسهم لا يقاتلون تحت راية المسلمين، وعندنا إنما نستعين بهم إذا كانوا يقاتلون تحت راية المسلمين، فأما إذا انفردوا براية أنفسهم فلا يستعان بهم، وهو تأويل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تستضيئوا بنار المشركين)، وقال صلى الله عليه وسلم: (أنا بريء من كل مسلم قاتل مع مشرك)، يعني إذا كان المسلم تحت راية المشركين.

?ومن ذلك يتبين أن الأحلاف العسكرية مع الدول الكافرة حرام شرعا ولا تنعقد. على أن المسلم لا يحل له أن يسفك دمه في سبيل الدفاع عن كافر حربي، وإنما يقاتل المسلم الناس ليدخلوا في الإسلام من الكفر، فأما أن يقاتلوا الكفار ليدخلوا من الكفر إلى الكفر ويسفكوا في ذلك دماءهم، فهذا حرام.**

الأحلاف العسكرية?الحلف في اللغة: العهد والصداقة. يقال: حالفه من عاهده. إلا أن كلمة الحلف صار الاصطلاح عليها بأنها أكثر ما تطلق على المعاهدات العسكرية خاصة. والأحلاف العسكرية هي اتفاقات تعقد بين دولتين أو أكثر تجعل جيوشهما تقاتل مع بعضها عدوا مشتركا بينهما، أو تجعل المعلومات العسكرية والأدوات الحربية متبادلة بينهما، أو إذا وقعت إحداهما في حرب تتشاوران لتدخل الأخرى معها أو لا تدخل حسب المصلحة التي يريانها.

?وهذه الأحلاف قد تكون معاهدات ثنائية تعقد بين دولتين أو ثلاث أو أكثر، ولكن لا يعتبر فيها الاعتداء على إحدى الدول المتعاهدة اعتداء عليها جميعها، بل إذا حصل اعتداء على إحدى الدول المتعاهدة تتشاور الدولة المعتدى عليها مع الدول التي بينها وبينها حلف عسكري، وعلى ضوء مصلحتهما تعلن الحرب مع الدولة المعتدى عليها ضد الدولة المعتدية أو لا تعلن. وقد تكون هذه الأحلاف معاهدات جماعية يعتبر فيها الاعتداء على أحد الدول المتعاهدة اعتداء عليها جميعها، وإذا وقعت إحداها في حرب مع دولة ما أصبحت جميع الدول المتعاهدة في حالة حرب ضد هذه الدولة. وهذه الأحلاف كلها، سواء أكانت معاهدات ثنائية أو معاهدات جماعية أو غير ذلك، تحتم أن يحارب الجيش مع حليفه ليدافع عنه وعن كيانه، سواء أكانت لها قيادات متعددة أو قيادة واحدة.
?وهذه الأحلاف باطلة من أساسها، ولا تنعقد شرعا ولا تلزم بها الأمة حتى لو عقدها خليفة المسلمين، لأنها تخالف الشرع، إذ تجعل المسلم يقاتل تحت إمرة كافر، وتحت راية كفر، وتجعله يقاتل من أجل بقاء كيان كفر، وذلك كله حرام. فلا يحل لمسلم أن يقاتل إلا تحت إمرة مسلم وتحت راية الإسلام. وقد ورد النهي في الحديث الصحيح عن القتال تحت راية الكفار وتحت إمرتهم، فقد روى أحمد والنسائي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تستضيئوا بنار المشركين) أي لا تجعلوا نار المشركين ضوءا لكم. والنار كناية عن الحرب، ويقال: أوقد نار الحرب أي أوجد شرها وهيجها، ونار التهويل نار كانت العرب في الجاهلية يوقدونها عند التحالف. والحديث يكني عن الحرب مع المشركين وأخذ رأيهم، فيفهم منه النهي عن الحرب مع المشركين.

**نقض المعاهدات

?جميع المعاهدات التي تعقدها الدولة الإسلامية يجب أن تكون محددة لأجل معين. ولكن ليس معنى عقد المعاهدة إلزام المسلمين بها في جميع الأحوال، كما أنه ليس معناه جواز الغدر بالمعاهدة ونقض المعاهدة، بل يجوز أن تنقض المعاهدة في أحوال معينة نص عليها الشرع، ولا يجوز نقضها في غير الأحوال التي نص عليها الشرع. والأحوال التي نص الشرع على جواز نقض المعاهدة مع العدو هي:

?أولا- إذا ظاهر المعاهد عدوا من أعداء المسلمين وناصره على المسلمين، وذلك كأن يكون بين الدولة الإسلامية وبين دولة أخرى حالة حرب فعلية فصارت الدولة التي بيننا وبينها معاهدة، تمد هذا العدو بالسلاح أو المال أو الرجال وتنصره علينا. ففي هذه الحال يجوز للدولة الإسلامية أن تنقض المعاهدة لأن الله يقول: (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا)، فإن مفهومه إذا ظاهروا على المسلمين أحدا جاز للمسلمين نقض المعاهدة معهم.

?ثانيا- أن ينقض المعاهد شرطا من شروط المعاهدة، وذلك كما حصل مع الروسل صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، فإن خزاعة دخلت في حماية الرسول وحالفته فنقضت قريش هذا الشرط وحرضت بني بكر على خزاعة ثم ندمت وحاولت إبقاء المعاهدة، ولكن الرسول اعتبر هذا النقض مبيحا له نقض المعاهدة، فنقضها وحاربهم وفتح مكة.

?ثالثا- إذا خيف خيانة المعاهد وغدره يجوز نقض المعاهدة، قال الله تعالى: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء)، وفي هذه الحالة يجب إعلام العدو بنقض المعاهدة معه. ولا يشترط في النقض حصول الغدر بالفعل، بل يكفي مجرد الخوف من العدو لأن يكون مبررا لنقض المعاهدة. ويكتفى بالإعلام حتى يستوي علم الطرفين بالنقض.

?رابعا- أن ينقض المعاهد المعاهدة مع الدولة الإسلامية نقضا تاما. وفي هذه الحال يجب نقض المعاهدة معهم وضربهم ضربات قاسية تكون درسا وعبرة لغيرهم حتى لا يقدموا على معاملة المسلمين بمثل هذه المعاملة، قال تعالى: (إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون، الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون، فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون).

?هذه هي الأحوال الأربعة التي يجوز للمسلمين فيها أن ينقضوا المعاهدات المعقودة بنيهم وبين عدوهم ويجوز لهم أن يقاتلوا هذا العدو، قال تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)، وهي المدة التي ذكرت قبل هذه الآية وهي قوله: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، وقال تعالى: (ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم). إلا أنه ينبغي في نقض المعاهدة أن ينبذ إليهم على سواء، قال تعالى: (فانبذ إليهم على سواء)، وهذا عام في جميع المعاهدات أي على سواء منكم ومنهم في العلم بذلك. ولا يحل قتال الأعداء قبل النبذ وقبل أن يعلموا بذلك ليعودوا إلى ما كانوا عليه من التحصن وكان ذلك تحرزا من الغدر. وهذا كله في غير من يوفون بعهدهم، أما الذين يوفون بمعاهداتهم ويستقيمون مع الدولة الإسلامية فيجب أن يوفي المسلمون معهم بعهدهم ويستقيموا معهم كما استقاموا، قال تعالى: (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم)، ومفهومه أن الذين نقضوا المسلمين شيئا، كالحالة الثانية السابقة، أو ظاهروا عليهم أحدا، كالحالة الأولى السابقة، فلا يتموا إليهم عهدهم. أما إذا لم يفعلوا ذلك فأتموا إليهم معاهدتهم إلى نهاية مدتها. فعلى المسلمين أن يتموا إليهم عهدهم إلى نهاية مدة العهد. وقال تعالى: (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد

الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم)، ومفهومه إذا لم يستقيموا لكم فلا تستقيموا لهم. أما إذا استقاموا فاستقيموا ووفوا لهم عهدهم.

?ومن ذلك يتبين أن الوفاء بالمعاهدات أمر واجب، وأنه وإن كانت المعاهدة إلى مدة معلومة فيجب الوفاء بها إلى مدتها، فإذا انتهت مدتها جاز عدم تجديدها وإنهاؤها، قال تعالى: (فأتموا عليهم عدهم إلى مدتهم)، كما يتبين أن القسوة على الذين ينقضون المعاهدات أمر واجب أيضا وإذا أخل العدو بشرط من شروط المعاهدة أو نقضها كلها أو حدث منه أن ظاهر أعداء المسلمين على المسلمين أو خيف منه الخيانة، فإن كل هذا يبيح للمسلمين أن ينقضوا المعاهدات مع أعدائهم، ونقضهم هذا ليس غدرا. وعليه فإن الاتفاقات الدولية قد حدد الشارع أنواعها وحدد الحالات التي تنقض بها أو ينتهي العمل بها فيجب التزام ما بينه الشارع وحده في المعاهدات والوقوف عند حد الشرع في شأنها مع ترك أمر الأسلوب والاختيار إلى رأي الخليفة واجتهاده.**

**المعاهدات الاضطرارية قد يقع المسلمون في أحوال شديدة تضطرهم إلى التسليم بأمور لا تجوز ولكن الضرورة تحتمها. وقد تقع الدولة الإسلامية في أزمات داخلية أو خارجية تضطرها لأن تعقد معاهدات لا تؤدي مباشرة إلى حمل الدعوة، ولا إلى القتال في سبيل الله، ولكنها تسهِّل إيجاد ظروف تمكِّن حملها في المستقبل، أو تدفع شر وقف الدعوة أو تحفظ كيان المسلمين. فمثل هذه المعاهدات تجبِر الضرورة على عقدها، ولذلك يجوز للخليفة أن يعقدها وتكون نافذة على المسلمين، وتقع هذه المعاهدات في حالتين اثنتين نص عليهما الفقهاء وهما:

الحالة الأولى- إنْ أراد قوم من أهل الحرب الموادعة مع المسلمين سنين معلومة على أن يؤدي أهل الحرب الخراج إليهم كل سنة شيئاً معلوماً على أن لا تجري أحكام الإسلام عليهم في بلادهم، لم يُفعل ذلك لأنه إقرار على الكفر، إلاّ إذا كانت الدولة غير قادرة على منع الظلم، ورأت في هذه الموادعة خيراً للمسلمين فإنه يجوز حينئذ اضطراراً عقدها. وفي هذه الحال لا يكون لهم على الدولة الإسلامية المعونة والنصرة لأنهم بهذه الموادعة لا يلتزمون أحكام الإسلام ولا يخرجون عن أن يكونوا أهل حرب حين لم ينقادوا لحكم الإسلام، فلا يجب على المسلمين القيام بنصرتهم. وقد عاهد رسول الله يوحنا بن رؤبة وهو في تبوك على حدود بلاد الشام وتَرَكه في منطقته على دينه ولم يدخل تحت راية المسلمين وحكمهم. وهذه المعاهدة المحدودة المدة تجعل الأمان لهذه الدولة مضموناً من الدولة الإسلامية، فمَن دخلها من المسلمين يدخلها بأمان المعاهدة دون أمان منفرد، ولا يجوز له أن يتعرض لأهلها. ومَن دخل بلاد المسلمين من رعايا هذه الدولة يدخلونها بأمان المعاهدة ولا يحتاج إلى أمان جديد سوى الموادعة، ولا يجوز أن يتعرض له أحد من المسلمين. ولا يُمنع التجار من حمل التجار لهذه الدولة إلاّ الأدوات التي تُستعمل في الحرب، كالسلاح والمواد الحربية وما شابه ذلك، لأنهم أهل حرب وإن كانوا موادِعين.

الحالة الثانية- عكس الحالة الأولى, وهي أن يدفع المسلمون إلى عدوهم مالاً مقابل سكوته عنهم. وقد ذكر الفقهاء أنه إن حاصر العدو المسلمين وطلبوا الموادعة سنين معلومة على أن يؤدي المسلمون للكفار شيئاً معلوماً كل سنة، فلا ينبغي للخليفة أن يجيبهم إلى ذلك لِما فيه من الدنيّة والذِلّة بالمسلمين، إلاّ عند الضرورة، وهو أن يخاف المسلمون الهلاك على أنفسهم، ويرى الخليفة أن هذا الصلح خير لهم، فحينئذ لا بأس بأن يفعله، فقد روى الطبراني (أن المشركين أحاطوا بالخندق وصار المسلمون في بلاء كما قال الله تعالى: (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا (الأحزاب: 11). ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن وطلب منه أن يرجع بمن معه على أن يعطيه كل سنة ثلث ثمار المدينة، فأبى إلاّ النصف. فلمّا حضر رسله ليكتبوا الصلح بين يدي رسول الله، قام سيدا الأنصار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رضي الله عنهما وقالا: يا رسول الله إن كان هذا عن وحي فامضِ لما أُمرتَ به، وإن كان رأياً رأيت فقد كنا نحن وهم في الجاهلية لم يكن لنا ولا لهم دين فكانوا لا يَطمعون في ثمار المدينة إلاّ بشراء أو قِرى، فإذا أعزّنا الله بالدين وبعث فينا رسوله نعطيهم الدنيّة؟ لا نعطيهم إلاّ السيف. فقال صلى الله عليه وسلم: إني رأيت العرب رَمَتكُم عن قوس واحدة فأحببت أن أصرفهم عنكم، فإذا أبيتُم ذلك فأنتم وأولئك. اذهبوا فلا نعطيكم إلاّ السيف)، فهذا يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مال إلى الصلح في الابتداء لمّا أحس ضعف المسلمين، فحين رأى القوة فيهم بما قاله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رضي الله عنهما، امتنع عن ذلك، فدل على أنه لا بأس من عقد معاهدة مع الكفار يُدفع لهم مال عند خوف الضرر. وهذا لأنهم إن ظهروا على المسلمين أخذوا جميع الأموال وسبوا الذراري، فدفْعُ بعض المال ليَسلَم المسلمون في ذراريهم وأموالهم أهون وأنفع.**

**المعاهدات الجائزة

?للدولة الإسلامية أن تعقد معاهدات الصلح والهدنة وحسن الجوار ومعاهدات ثقافية والمعاهدات التجارية والمالية وما شابه ذلك من المعاهدات التي تقتضيها مصلحة الدعوة الإسلامية بالشروط التي يقرها الإسلام. وإذا تضمنت هذه المعاهدات شروطا لا يقرها الإسلام فإنه يبطل منها من الشروط ما لا يصح في الإسلام، وتبقى المعاهدة نافذة في باقي الشروط، لأن كل شرط يخالف الشرع فهو باطل، ولو رضي به ووافق عليه خليفة المسلمين. فإذا كانت بين الدولة الإسلامية وبين عدوها حالة حرب فإنه يجوز لها أن تعقد معه معاهدة هدنة، ومعاهدة صلح، حسب ما يقتضيه الموقف حينئذ، وما تتطلبه مصلحة الدعوة. وإذا رأت الدولة الإسلامية أن تسالم وتصادق دولة مجاورة أو دولة بعيدة عنها لأمر تقتضيه مصلحة الدعوة، فإنه يجوز لها أن تفعل ذلك. فقد تجد الدولة في الموادعات مع الكفار أداة لتوصيل الدعوة إليهم ولإيجاد رأي عام عندهم عن الإسلام، وقد تجد في الموادعات دفع شر كبير أو التوصل إلى عدو آخر. ولذلك يجوز للدولة الإسلامية أن تعقد مع الدولة المجاورة معاهدة حسن جوار، كما يجوز أن تعقد مع الدول غير المجاورة معاهدات عدم اعتداء لمدة معينة، إذا رأت في ذلك طريقا للدعوة الإسلامية أو حماية للمسلمين أو أي مصلحة للمسلمين أو للإسلام أو لسير الدعوة الإسلامية. فقد عاهد الرسول صلى الله عليه وسلم بني مدلج وبني دمرة ليؤمن الطرق التي يسلكها جيشه لمحاربة عدوه، وعاهد يوحنا بن رؤبة في تبوك ليؤمن حدود الدولة من جهة الروم على حدود بلاد الشام. وإذا طلب قوم من أهل الحرب الموادعة سنين معلومة بغير شيء، نظر الخليفة في ذلك فإن رآه خيرا للمسلمين لشدة شوكتهم أو لغير ذلك فعله، لقوله تعالى: (فإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكة عام الحديبية على أن يضع الحرب بينه وبينهم مدة معلومة، وقد كان ذلك لأن الرسول بلغه أن مواطأة كانت بين أهل خيبر ومكة على غزو المسلمين، فوادع قريشا ثم ذهب لمحاربة خيبر.

?وفي الموادعات الجائزة كلها يترك أمر عقدها وعدم عقدها إلى رأي الخليفة واجتهاده، لأن الخليفة نصب ناظرا، ومن النظر حفظ قوة المسلمين أولا. فربما يكون من ذلك في الموادعة إذا كانت للكفار شوكة، أو احتاج إلى أن يمعن في دار الحرب ليتوصل إلى قوم لهم بأس شديد فلا يجد بدا من أن يوادع من على طريقه. فالمسألة موكولة لرأي الخليفة يقدرها بحسب ما يرى خيرا للمسلمين. وإن لم تكن الموادعة خيرا للمسلمين فلا ينبغي أن يوادعهم لقوله تعالى: (ولا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون)، ولأن قتال الكفار فرض وترك ما هو فرض من غير عذر لا يجوز. وإذا طلب ملك أو أمير أو دولة من أهل الحرب الذمة على أن يترك يحكم في أهل مملكته بما شاء من قتل أو صلب أو غيره مما لا يصلح في دار الإسلام لم يجب إلى ذلك، لأن التقرير على الظلم مع إمكان المنع حرام، ولأن الذمي من يلتزم أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات. فهذا الشرط الذي يطلبه الملك أو الأمير أو الدولة هو بخلاف موجب العقد، فهو شرط باطل، فإن أعطي الصلح والذمة على هذا بطل من شروطه ما لا يصلح في الإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)، وإن طلب الصلح والذمة ورضي بحكم الإسلام صار ذمة للمسلمين وحكم بالإسلام ودخلت البلاد التي كان يحكمها في البلاد الإسلامية وصار الدفاع عنها دفاعا عن البلاد الإسلامية وصارت نصرتهم واجبة كنصرة المسلمين.**

الهدنة
?عقد الهدنة بين المسلمين والكفار جائز لمهادنته صلى الله عليه وسلم قريشا عام الحديبية. ولكن جواز الهدنة مقيد بوجود مصلحة يقتضيها الجهاد أو نشر الدعوة. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه قبل مسيره إلى الحديبية أن مواطأة كانت بين أهل خيبر ومكة على غزو المسلمين، وأنه بادر بعد رجوعه من الحديبية مباشرة إلى غزو خيبر، وبادر كذلك إلى إرسال الرسل إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الإسلام، مما يدل على أن هدنة الحديبية كانت لمصلحة تتعلق بالجهاد ونشر الدعوة، إذ استطاع بموادعة قريش أن يتفرغ لحرب خيبر ولدعوة الملوك والأمراء. ولا تجوز الهدنة عند عدم وجود هذه المصلحة. إذ الهدنة ترك القتال المفروض، وهو لا يجوز إلا في حال يقع وسيلة إلى القتال لأنها حينئذ تكون قتالا معنى، قال تعالى: (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم).
?وإذا تحققت المصلحة لعقد الهدنة يجب تقدير مدة معينة معلومة لها. ولا تجوز المهادنة دون تقدير مدة، لأنها عقد مؤقت، وإطلاقه عن ذكر المدة يفسده لاقتضائه التأبيد الممتنع في عقد الهدنة حتى يبقى الجهاد قائما لأن تأبيدها يمنع الجهاد، وهو فرض. وتقدير مدة معينة في الهدنة شرط من شروط صحتها، فإذا لم تقدر مدة معينة فيها فسد عقد الهدنة، لأن هدنة الحديبية كانت قد قدرت فيها مدة معينة.

?وإذا عقدت الهدنة وصحت وجب علينا الكف عنهم، ومراعاة عقد الهدنة حتى تنقضي مدتها أو ينقضوها هم، ويكون نقضها بتصريح منهم أو بقتالنا، أو قتل مسلم أو ذمي بدارنا، أو فعل شيء مخالف لشروط الهدنة ولم ينكر الباقون عليه بقول ولا فعل. فإذا حصل ذلك تنقض الهدنة فيهم جميعا. وكذلك إذا خافت الدولة خيانتهم بشيء مما ينقض إظهاره الهدنة بأن ظهرت أمارة بذلك، كان هذا نقضا للهدنة. وإذا حصل شيء من ذلك جازت الإغارة عليهم في كل وقت ليلا أو نهارا، لأن نقضهم للهدنة يبيح للمسلمين أن يقاتلوهم، وأن ينقضوا الهدنة معهم، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما هادن قريشا فنقضت عهده حل له منهم ما كان محرما عليه منهم، فقاتلهم وفتح مكة، لأن الهدنة عقد مؤقت ينتهي بانقضاء مدته أو بنقضه، قال تعالى: (فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم)، وقال: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء)، وقال: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون). وإذا أخل الأعداء بشروط الهدنة ولم يراعوا اتفاقيتها في تصرفاتهم معنا فقد أحلونا من عهدنا، وبذلك حلت لنا دماؤهم وأموالهم ووجب علينا حربهم، فيجب علينا أن نقاتلهم مذ قاتلونا وأن ننقض الهدنة معهم مذ نقضوها.