المسلم ومحاسبة النفس

محاسبة النفس ضرورة ملحه (3)

وحكى صاحب للأحنف بن قيس قال: كنتُ أصحبُه فكان عامةُ صلاته بالليل، وكان يجيء إلى المصباح فيضع إصبعه فيه حتى يحسّ بالنّار ثم يقول لنفسه: يا حنيف! ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعتَ يومَ كذا؟)(29).

ونُقِل عن توبة بن الصّمة: (أنه جلس يوماً ليحاسب نفسَه فعدّ عمره فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيّامها فإذا هي واحدٌ وعشرون ألفاً وخمسمائة يوم؛ فصرخ وقال: يا ويلتى! ألقى الملك بواحدٍ وعشرين ألف ذنب! فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب؟ ثم خرّ فإذا هو ميّت!! فسمعوا قائلاً يقول: يا لكِ ركضةٌ إلى الفردوس الأعلى)(30). يقول الغزالي معلّقاً على هذه القصّة: (فهكذا ينبغي أن يحاسب (العبد) نفسه على الأنفاس، وعلى معصيته بالقلب والجوارح في كلّ ساعة. ولو رمى العبد بكلّ معصية حجراً في داره لامتلأت دارُه في مدة يسيرة قريبة من عمره، ولكنه يتساهل في حفظ المعاصي؛ والملكان يحفظان عليه ذلك ((أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ…)) المجادلة: 6.

ويُحكى أن حسان بن أبي سنان مرّ بغرفة فقال: متى بنيت هذه؟ ثم أقبل على نفسه، فقال: تسألين عمّا لا يَعْنيكِ؟! لأعاقبنّك بصيام سنة، فصامها)(32)(33).

وقال عبد الله بن قيس: كنّا في غزاةٍ لنا فحضر العدو، فَصِيحَ في الناس فقاموا إلى المصافّ في يومٍ شديد الريح، وإذا رجلٌ أمامي وهو يخاطب نفسَه ويقول: أيْ نفسي! ألم أشهد مشهد كذا فقلتِ لي: أهلَكَ وعيالك؟!! فأطعتُك ورجعت! ألم أشهد مشهد كذا فقلتِ لي: أهلَكَ وعيالك؟!! فأطعتُكِ ورجعت! واللهِ لأعرضنّكِ اليوم على الله أخَذَكِ أو تَركَكِ. فقلت: لأرمقنّكَ اليوم، فرمقته فحمل الناسُ على عدوّهم فكان في أوائلهم، ثم إنّ العدو حمل على الناس فانكشفوا (أي هربوا) فكان في موضعه، حتى انكشفوا مرات وهو ثابت يقاتِل؛ فواللهِ ما زال ذلك به حتى رأيتُه صريعاً، فعددتُ به وبدابته ستين أو أكثر من ستين طعنة)(34).

وأخيراً:

نختم بفائدة مهمّة فيما يعين على المحاسبة ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله في (مدارج السالكين)؛ فقد ذكر أن ممّا يعين على المحاسبة: أن يكون المرء صادقاً في محاسبته لنفسه. وتعتمد المحاسبة الصادقة على ثلاثة أسس: الاستنارة بنور الحكمة؛ وسوء الظنّ بالنفس، وتمييز النعمة من الفتنة.

فأمّا نور الحكمة؛ فهو العلم الذي يميّز به العبد بين الحقّ والباطل، وكلّما كان حظّه من هذا النور أقوى كان حظّه من المحاسبة أكمل وأتمّ.

وأما سوء الظن بالنفس؛ فحتّى لا يمنع ذلك من البحث والتنقيب عن المساوئ والعيوب.

وأما تمييز النّعمة من الفتنة؛ فلأنه كم مُسْتَدْرَج بالنّعم وهو لا يشعر، مفتونٍ بثناء الجهّال عليه، مغرورٍ بقضاء الله حوائجه وستره عليه!(35).

حكى الذهبي عن المرّوذي قال: قلت لأبي عبد الله (يعني الإمام أحمد): قدم رجلٌ من طرسوس فقال: كنّا في بلاد الروم في الغزو إذا هدأ الليل رفعوا أصواتهم بالدعاء لأبي عبد الله، وكنّا نمدّ المنجنيق ونرمي عن أبي عبد الله. وقد رُمي عنه بحجرٍ والعلج على الحصن مُتَتَرّسٌ بدَرَقَته(36) فذهب برأسه والدّرقة! قال: فتغيّر وجه أبي عبد الله وقال: ليته لا يكون استدراجاً)(37).

وصلى الله وسلّم على محمدٍ وآله وصحبه وسلّم.

ــــــــــــ

الهوامش:

(1) ذم الهوى لابن الجوزي (40).

(2) أدب الدنيا والدين (342) [نقلاً عن موسوعة نضرة النعيم، 8/ 3317].

(3) مدارج السالكين، 1/187.

(4) التربية الذاتية من الكتاب والسنة لهاشم علي أحمد (97).

(5) الزهد للإمام أحمد (196).

(6) إغاثة اللهفان لابن القيم (79).

(7) التربية الذاتية (98).

(8) إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، 4/587.

(9) في ظلال القرآن، لسيد قطب، 6/3531.

(10، 11) تفسير البغوي، 4/421، والزهد للإمام أحمد (396).

(12) الزهد للإمام أحمد (177)، ومدارج السالكين 1/187.

(12) حلية الأولياء لأبي نعيم، 2/157.

(14) الزهد لوكيع بن الجرّاح تحقيق الفريوائي (501).

(15) إغاثة اللهفان، (82).

(16) الإحياء، 4/118.

(17) قال في القاموس في مادة (طلع): نفس طُلَعة: تكثر التطلّع إلى الشيء.

(18) حلية الأولياء 2/144، ذم الهوى لابن الجوزي (41).

(19) الإحياء، 4/588.

(20) مقاصد المكلفين فيما يتعبّد به لربّ العالمين، للدكتور عمر الأشقر (429) (بتصرّف).

(21) إغاثة اللهفان (81).

(22) مدارج السالكين 1/188.

(23) الزهد للإمام أحمد (179).

(24) حلية الأولياء 2/157، وذم الهوى (40).

(25) الإحياء، 4/605.

(26) الزهد للإمام أحمد (171).

(27) مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لابن الجوزي، 171.

(28) الزهد للإمام أحمد، 501.

(29) الزهد للإمام أحمد، 336، وذم الهوى، 41.

(30، 31) الإحياء، 4/589.

(32) حلية الأولياء، 3/115، وذم الهوى، 42.

(33) والأوْلى في هذا المقام اتباع هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي دلّنا على أن أفضل الصيام صيام داود -عليه الصلاة والسلام -، وهو صيام يوم وإفطار يوم.

(34) الإحياء، 4/591.

(35) مدارج السالكين، 1/188 (بتصرّف).

(36) الدّرَقَة: التّرس من جلدٍ ليس فيه خشب (المعجم الوسيط، 1/281).

(37) سير أعلام النبلاء للذهبي (11/210).

منقول : المختار الإسلامي

المصدر : www.maghress.com

محاسبة النفس ضرورة ملحه (2)

ثم بيّن رحمه الله أن المحاسبة تكون على نوعين:

النوع الأول: محاسبة قبل العمل، وهي: أن يقف عند أوّل همّه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبيّن له رجحانه على تركه. قال الدكتور عمر الأشقر: (ينظر في همّه وقصده؛ فالمرء إذا نفى الخطرات قبل أن تتمكّن من القلب سهل عليه دفعُها… فالخطرة النفسيّة والهمّ القلبي قد يقويان حتى يصبحا وساوس، والوسوسة تصير إرادة، والإرادة الجازمة لا بد أن تكون فعلاً. قال الحسن: كان أحدهم إذا أراد أن يتصدّق بصدقة تثبّت؛ فإن كانت لله أمضاها، وإن كانت لغيره توقّف)(20). وشرح بعضهم قول الحسن فقال: (إذا تحرّكت النفس لعملٍ من الأعمال وهمّ به العبد وقف أولاً ونظر: هل ذلك العمل مقدور عليه أو غير مقدور عليه؟ فإن لم يكن مقدوراً عليه لم يقدم عليه، وإن كان مقدوراً عليه وقف وقفة أخرى ونظر: هل فِعلُه خير له من تركه، أم تركُه خير له من فعلِه؟ فإن كان الخير في تَرْكه تَرَكَه، وإن كان الأوّل وقف وقفة ثالثة ونظر: هل الباعث عليه إرادة وجه الله عز وجل وثوابُه أو إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق؟ فإن كان الثاني لم يقدم عليه وإن أفضى به إلى مطلوبه؛ لئلا تعتاد النفسُ الشركَ ويخفّ عليها العمل لغير الله؛ فبقدر ما يخفّ عليها ذلك يثقل عليها العمل لله تعالى حتى يصير أثقل شيء عليها، وإن كان الأوّل وقف وقفة أخرى ونظر: هل هو مُعَانٌ عليه وله أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجاً إلى ذلك أم لا؟ فإن لم يكن له أعوان أمسك عنه، كما أمسك النبيّ -صلى الله عليه وسلم- عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار، وإن وجده معاناً عليه فليُقدم عليه فإنه منصورٌ بإذن الله )(21).

النوع الثاني: المحاسبة بعد العمل وهي على أقسام ثلاثة:

أ - محاسبتُها على التقصير في الطاعات : في حق الله تعالى وذلك يكون بأن يديم سؤاله نفسه: هل أديتُ هذه الفريضة على الوجه الأكمل مخلصاً فيها لله ووفق ما جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فإن كان مقصّراً وأيّنا يسلم من ذلك؟ فليسدّ الخلل بالنوافل فإنها تُرقّع النقص في الفريضة وتربي لدى العبد جانب العبادة، وبالمجاهدة وكثرة اللّوم يخفّ التقصير في الطاعات إلى درجة كبيرة.

ب - محاسبتها على معصية ارتكبتها: قال ابن القيم في ذلك: (وبداية المحاسبة أن تقايس بين نعمته - عز وجل - وجنايتك؛ فحينئذٍ يظهر لك التفاوت، وتعلم أنه ليس إلا عفوه ورحمتُه أو الهلاكُ والعطب. وبهذه المقايسة تعلم أنّ الرّب ربّ والعبدَ عبد، ويتبيّن لك حقيقةُ النفس وصفاتُها وعظمةُ جلال الربوبّية وتفرّدُ الربّ بالكمال والإفضال، وأنّ كل نعمة منه فضل وكلّ نقمة منه عدل… فإذا قايست ظهر لك أنها منبع كلّ شرّ وأساس كلّ نقص وأنّ حدّها: الجاهلةُ الظالمةُ، وأنّه لولا فضل الله ورحمتُه بتزكيته لها ما زكت أبداً. ولولا إرشاده وتوفيقه لما كان لها وصولٌ إلى خير البتة؛ فهناك تقول حقاً: أبوء بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي)(22).

وبعد أن يحاسب نفسه هذه المحاسبة ويجلس معها هذه الجلسة المطوّلة فإنه ينتقل إلى الثمرة والنتيجة ألا وهي العمل على تكفير تلك المعصية، فيتدارك نفسه بالتوبة النصوح وبالاستغفار والحسنات الماحيةِ والمذهبة للسيئات. قال سبحانه : (إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) [هود: 114]. فالبدارَ البدارَ قبل أن يُختم لك بخاتمة سوء وأنت مُصِرّ على تلك المعصية ولم تتبْ منها. وتذكّر الحشرَ والنّشر وهوْلَ جهنّم وما أعدّه الله للعصاة والفسقة من الأغلال والحديد والزقوم والصديد في نارٍ قال كعبُ الأحبار عنها -رضي الله عنه-: (لو أنّه فُتح من جهنّم قدرُ منخرِ ثور بالمشرق ورجلٌ بالمغرب لغلى دماغُه حتى يسيل من حرّها)(23) أجارنا الله والمسلمين منها.

فبذلك السبيل وأشباهه من المحاسبة يكون المرء صادقاً في محاسبته نفسه على ارتكاب المعصية والذنب ومن منّا يسلم من معاقرة الذنوب والخطايا؟! نسأل الله اللطف والتخفيف.

ج - محاسبتها على أمرٍ كان تركه خيراً من فعله، أو على أمرٍ مباح، ما سبب فعلِه له؟ فيُوجّه لنفسه أسئلة متكرّرة: لِمَ فعلتُ هذا الأمر؟ أليس الخير في تركه؟ وما الفائدة التي جنيتها منه؟ هل هذا العمل يزيد من حسناتي؟ ونحو ذلك من الأسئلة التي على هذه الشاكلة.

وأمّا المباح فينظر: هل أردت به وجه الله والدار الآخرة فيكون ذلك ربحاً لي؟ أو فعلتُه عادةً وتقليداً بلا نيّةٍ صالحة ولا قصدٍ في المثوبة؛ فيكون فعلي له مضيعة للوقت على حساب ما هو أنفع وأنجح؟ ثم ينظر لنفسه بعد عمله لذلك المباح، فيلاحظ أثره على الطاعات الأخرى من تقليلها أو إضعاف روحها، أو كان له أثرٌ في قسوة القلب وزيادة الغفلة؛ فكلّ هذه الأسئلة غايةٌ في الأهمية حتى يسير العبد في طريقه إلى الله على بصيرة ونور.

أورد أبو نعيم بسنده عن الحسن قوله: (إنّ المؤمن يفجؤه الشيء ويعجبُه فيقول: واللهِ إنّي لأشتهيك، وإنّك لمن حاجتي؛ ولكن واللهِ ما من صلةٍ إليك، هيهات!! حيل بيني وبينك. ويفرط منه الشيء (يقع في الخطأ) فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردتُ إلى هذا، وما لي ولهذا؟ ما أردتُ إلى هذا، وما لي ولهذا؟ واللهِ ما لي عذرٌ بها، وواللهِ لا أعود لهذا أبداً إن شاء الله .

إن المؤمنين قومٌ أوثقهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئاً حتى يلقى الله عز وجل يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وفي بصره وفي لسانه وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كلّه)(24).

وبالجملة؛ فلا بُدّ للمسلم من دوام محاسبة النفس، ومعاتبتها وتذكيرها كلّما وقعت منها زلّة أو جنحت إلى حطام الدنيا الفاني.

ولننظر إلى أنموذج آخر في كيفية معاتبة النفس أورده أبو حامد الغزالي رحمه الله حيث يقول: (وسبيلك أن تقبل عليها فتقول لها: يا نفس ما أعظم جهلك، تدّعين الحكمة والذكاء والفطنة وأنت أشدّ الناس غباوة وحمقاً! أما تتدبرين قوله تعالى : (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ*مَا يَاًتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ *لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) [الأنبياء: 1 3] ويحك يا نفس! إن كانت جرأتك على معصية الله لاعتقادك أن الله لا يراكِ فما أعظم كفرك! وإن كان مع علم باطلاعه عليكِ فما أشدّ وقاحتك وأقلّ حياءك! ويحك يا نفس! لو كان الإيمان باللسان فلِمَ كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار؟ ويحك يا نفس! لا ينبغي أن تغرّكِ الحياة الدنيا، ولا يغرّكِ بالله الغرور… فما أمرك بمهمّ لغيرك، ولا تضيّعي أوقاتك؛ فالأنفاس معدودة، فإذا مضى عنكِ نَفَسٌ فقد مضى بعضُك. ويحك يا نفس! أوَ ما تنظرين إلى الذين مضوا كيف بنوا وعلوا، ثم ذهبوا وخلوا؟ اعملي يا نفس بقيّة عمرك في أيام قصار لأيّام طوال، وفي دار حزن ونصب لدار نعيم وخلود)(25).

خامساً: نماذج من محاسبة السلف لأنفسهم:

إنّ البحث والاستقصاء عن كلّ ما ورد من نماذج رائعة وصور مشرقة لمحاسبة السلف الصالح لأنفسهم يتطلّب مجهوداً جبّاراً ووقتاً طويلاً؛ لأن أولئك القوم ارتبطت قلوبهم بالله؛ فكانوا أجساداً في الأرض وقلوباً في السماء، وما إن يحصل من أحدهم تقصير أو زلّة إلا ويسارع في معالجة خطئه، ومعاقبة نفسه على ذلك؛ حتى لا تكاد تأمره إلا بخير. ولعلّنا نقتصر هنا على بعض النقولات العجْلى عن أولئك النفر الكرام لعلّها تحرّك القلوب، وتشحذ النفوس وتربّي المسلم تربية جادة قويّة.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعتُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوماً وخرجت معه حتى دخل حائطاً فسمعتُه يقول وبيني وبينه جدار: عمر! أمير المؤمنين!! بخٍ بخٍ، واللهِ بُنَيّ الخطاب لتتقينّ الله أو ليعذبنّك)(26).

وجاء رجل يشكو إلى عمر وهو مشغول فقال له: أَتَتْركون الخليفة حين يكون فارغاً حتى إذا شُغِل بأمر المسلمين أتيتموه؟ وضربه بالدرّة، فانصرف الرجل حزيناً، فتذكّر عمر أنه ظلمه، فدعا به وأعطاه الدرّة، وقال له: (اضربني كما ضربتُك) فأبى الرجل وقال: تركت حقي لله ولك. فقال عمر: إما أن تتركه لله فقط، وإما أن تأخذ حقّك) فقال الرجل: تركته لله. فانصرف عمر إلى منزله فصلّى ركعتين ثم جلس يقول لنفسه: (يا بن الخطاب: كنتَ وضيعاً فرفعك الله، وضالاً فهداك الله، وضعيفاً فأعزّك الله، وجعلك خليفةً فأتى رجلٌ يستعين بك على دفع الظلم فظلمتَه؟ ما تقول لربّك غداً إذا أتيتَه؟ وظلّ يحاسب نفسَه حتى أشفق الناس عليه)(27).

وقال إبراهيم التيمي: (مثّلتُ نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها، ثم مثّلتُ نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس أيّ شيء تريدين؟ فقالت: أريد أن أُردّ إلى الدنيا فأعمل صالحاً! قلتُ: فأنتِ في الأمنية فاعملي)(28).

يتبع …/3

محاسبة النفس ضرورة ملحه

الكاتب : عبد الله محمد العسكر

النفس بطبيعتها كثيرة التقلّب والتلوّن، تؤثر فيها المؤثّرات، وتعصف بها الأهواء والأدواء، فتجنح لها وتنقاد إليها، وهي في الأصل تسير بالعبد إلى الشرّ كما قال تعالى : (إنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي) [يوسف: 53]، ولذا؛ فإن لها خطراً عظيماً على المرء إذا لم يستوقفها عند حدّها ويلجمها بلجام التقوى والخوف من الله، ويأطرها على الحق أطراً. قال لقمان الحكيم لابنه: (يا بنيّ: إن الإيمان قائد، والعمل سائق، والنفسَ حرون؛ فإن فتر سائقها ضلّت عن الطريق، وإن فتر قائدها حرنت، فإذا اجتمعا استقامت. إنّ النفس إذا أُطمعت طمعت، وإذا فوّضْت إليها أساءت، وإذا حملتها على أمر الله صلحت، وإذا تركت الأمر إليها فسدت؛ فاحذر نفسك، واتهمها على دينك، وأنزلها منزلة من لا حاجة له فيها، ولا بُدّ له منها. وإنّ الحكيم يذلّ نفسه بالمكاره حتى تعترف بالحق، وإنّ الأحمق يخيّر نفسه في الأخلاق: فما أحبّت منها أحبّ وما كرهت منها كره)(1).

ومن هنا كان لزاماً على كل عبدٍ يرجو لقاء ربّه أن يطيل محاسبته لنفسه، وأن يجلس معها جلسات طوالاً؛ فينظر في كل صفحة من عمره مضت: ماذا أودع فيها، ويعزم على استدراك ما فات ويشحذ همّته لسفره الطويل إلى الله تبارك وتعالى .

أولاً: معنى المحاسبة:

قال الماوردي في معنى المحاسبة: (أن يتصفّح الإنسان في ليله ما صدر من أفعال نهاره، فإن كان محموداً أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذموماً استدركه إن أمكن وانتهى عن مثله في المستقبل)(2). وقال ابن القيم رحمه الله : (هي التمييز بين ما له وما عليه (يقصد العبد) فيستصحب ما له ويؤدي ما عليه؛ لأنه مسافرٌ سَفَرَ من لا يعود)(3).

وأما الحارث المحاسبي فقد عرّفها بقوله: (هي التثبّت في جميع الأحوال قبل الفعل والترك من العقد بالضمير، أو الفعل بالجارحة؛ حتى يتبيّن له ما يفعل وما يترك، فإن تبيّن له ما كره الله عز وجل جانبه بعقد ضمير قلبه، وكفّ جوارحه عمّا كرهه الله عز وجل ومَنَع نفسه من الإمساك عن ترك الفرض، وسارع إلى أدائه)(4).

ثانياً: أهمية محاسبة النفس:

لمحاسبة النفس فوائد متعدّدة نذكر منها ما يلي:

1 - الاطلاع على عيوب النفس ونقائصها ومثالبها، ومن ثمّ؛ إعطاؤها مكانتها الحقيقية إن جنحت إلى الكبر والتغطرس. ولا شك أن معرفة العبد لقدر نفسه يورثه تذلّلاً لله فلا يُدِلّ بعمله مهما عظم، ولا يحتقر ذنبه مهما صغر. قال أبو الدرداء: (لا يفقه الرجل كلّ الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون أشدّ لها مقتاً)(5).

2 - أن يتعرّف على حق الله تعالى عليه وعظيم فضله ومنّه؛ وذلك عندما يقارن نعمة الله عليه وتفريطه في جنب الله، فيكون ذلك رادعاً له عن فعل كل مشين وقبيح؛ وعند ذلك يعلم أن النجاة لا تحصل إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته، ويتيقّن أنه من حقّه سبحانه أن يطاع فلا يعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر.

3 - تزكية النفس وتطهيرها وإصلاحها وإلزامها أمْر الله تعالى . قال تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) [الشمس: 9، 10]، وقال مالك بن دينار: (رحم الله عبداً قال لنفسه: ألستِ صاحبة كذا؟ ألستِ صاحبة كذا؟ ثم ذمّها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل فكان لها قائداً)(6).

4 - (أنها تربّي عند الإنسان الضمير داخل النفس، وتنمّي في الذات الشعور بالمسؤولية ووزن الأعمال والتصرّفات بميزان دقيق هو ميزان الشرع)(7). حكى الغزالي في (الإحياء) أنّ أبا بكر رضي الله عنه قال لعائشة رضي الله عنها عند الموت: (ما أحدٌ من الناس أحبّ إليّ من عمر) ثم قال لها: (كيف قلتُ؟) فأعادت عليه ما قال، فقال: (ما أحدٌ أعزّ عليّ من عمر)!! يقول الغزالي: (فانظر كيف نظر بعد الفراغ من الكلمة فتدبّرها وأبدلها بكلمة غيرها)(8).

ثالثاً: فضل المحاسبة والآثار الواردة في ذلك:

قال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ))[الحشر: 18]، قال صاحب الظّلال: (وهو تعبير كذلك ذو ظلال وإيحاءات أوسع من ألفاظه، ومجرّد خطوره على القلب يفتح أمامه صفحة أعماله بل صفحة حياته، ويمدّ ببصره في سطورها كلّها يتأمّلها، وينظر رصيد حسابه بمفرداته وتفصيلاته لينظر ماذا قدّم لغده في هذه الصفحة. وهذا التأمّل كفيل بأن يوقظه إلى مواضع ضعف ومواضع نقص ومواضع تقصير مهما يكنْ قد أسلف من خير وبذل من جهد؛ فكيف إذا كان رصيده من الخير قليلاً ورصيده من البرّ ضئيلاً؟! إنها لمسةٌ لا ينام بعدها القلب أبداً، ولا يكفّ عن النظر والتقليب)(9).

وقال تعالى : (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) [القيامة: 2] يقول الفرّاء: (ليس من نفسٍ برّةٍ ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيراً قالت: هلاّ ازددتِ، وإن عملت شرّاً قالت: (ليتني لم أفعل)(10)، وقال الحسن في تفسير هذه الآية: (لا يُلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه: ماذا أردتُ بكلمتي؟ ماذا أردتُ بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والفاجر يمضي قُدُماً لا يعاتب نفسه)(11).

ويقول الله عزّ وجلّ في وصف المؤمنين الذين يحاسبون أنفسهم عند الزلّة والتقصير ويرجعون عمّا كانوا عليه: (إنَّ الَذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإذَا هُم مُّبْصِرُونَ) [الأعراف: 201].

قال الفاروق عمر رضي الله عنه : (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتزيّنوا للعرض الأكبر (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيةٌ) [ الحاقة: 18])(12).

ويصف الحسن البصري المؤمن بقوله: (المؤمن قوّام على نفسه يحاسبها لله، وإنّما خفّ الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنّما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة)(13). ويقول ميمون بن مهران: (إنه لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشدّ من محاسبة شريكه)(14).

ويحذّر ابن القيم رحمه الله من إهمال محاسبة النفس فيقول: (أضرّ ما على المكلّف الإهمال وترك المحاسبة، والاسترسال، وتسهيل الأمور وتمشيتُها؛ فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذا حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب، ويمشّي الحال، ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب وأنسَ بها وعسر عليه فطامها)(15).

ولنستمع إلى هذه الكلمات الجميلة لأبي حامد الغزالي في (الإحياء) وهو يصف أرباب القلوب المنيبة وذوي البصائر الحيّة فيقول: (فَعَرف أربابُ البصائر من جملة العباد أنّ الله تعالى لهم بالمرصاد، وأنهم سيناقشون في الحساب ويُطالبون بمثاقيل الذرّ من الخطرات واللحظات، وتحقّقوا أنه لا ينجيهم من هذه الأخطاء إلا لزوم المحاسبة وصدقُ المراقبة ومطالبةُ النّفْس في الأنفاس والحركات، ومحاسبتُها في الخطرات واللحظات. فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خفّ في القيامة حسابُه، وحَضَرَ عند السؤال جوابُه، وحسُن منقلبُه ومآبُه. ومن لم يحاسب نفسَه دامت حسراتُه، وطالت في عرصات القيامة وقفاتُه، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاتُه)(16).

وقال الحسن رحمه الله : (اقرعوا هذه الأنفس؛ فإنها طُلَعَة(17)، وإنها تنازع إلى شرّ غاية، وإنكم إن تقاربوها لم تبقِ لكم من أعمالكم شيئاً، فتصبّروا وتشدّدوا؛ فإنّما هي أيّام تُعدّ، وإنما أنتم ركبٌ وقوف يوشك أن يُدعى أحدكم فلا يجيب ولا يلتفت فانقلبوا بصالح ما بحضرتكم)(18).

رابعاً: كيفية المحاسبة:

في الحقيقة ليس هناك وسيلة محدّدة ذات خطوات وأساليب منضبطة في كيفية محاسبة النفس؛ وذلك لأن النفوس البشرية متباينة الطبائع والسجايا؛ لكنّ هناك أُطُراً عامة وخطوطاً عريضة يمكن الإشارة إليها والاستفادة منها في هذا الموضوع. والأمر الذي يجب أن يفقهه كل مسلم ومسلمة أنه لا بد من الجدّية في المحاسبة والحرص الشديد على أخذ النتائج والقرارات التي يُتوصّل إليها بعد ذلك بمأخذ العزيمة والجدّ. قال الغزالي: (اعلم أن العبد كما (ينبغي أن) يكون له وقت في أوّل النهار يشارط فيه نفسه على سبيل التوصية بالحق، فينبغي أن يكون له في آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها، كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء في آخر كلّ سنة أو شهر أو يوم حرصاً منهم على الدنيا، وخوفاً من أن يفوتهم منها ما لو فاتهم لكانت الخيرة لهم في فواته… فكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلق به خطر الشقاوة والسعادة أبد الآباد؟! ما هذه المساهلة إلا عن الغفلة والخذلان وقلة التوفيق نعوذ بالله من ذلك)(19)،

يتبع …/2

الفرع الثاني: وسائل مجاهدة الشيطان

الوسيلة الأولى:

العلم بخطره ومكره وكونه لا يدعو حزبه إلا لما فيه هلاكهم وخسارتهم، وفيما مضى في هذا البحث تنبيه على ذلك، وعلى المسلم أن يكثر من قراءة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويعلم أن كل خير دعا الله إليه ورسوله صلى الله عليه وسلم مما فيه سعادة المسلم في الدنيا والآخرة، فإن الشيطان يدعو إلى ضده، وسيجد كثيراً من مكر الشيطان وكيده للإنسان.

كذلك على المسلم أن يكثر من قراءة كتب علماء المسلمين، لا سيما الذين عنوا بطب القلوب وعلاجها وبيان أسباب موتها ومرضها، وغير ذلك مما يطول ذكره ويصعب استيعابه.

الوسيلة الثانية:

أن يجاهد المسلم نفسه على أن يسير على صراط الله المستقيم ويكون على حذر من أن يزيغ عنه، لأن الشيطان قد أقسم أنه لا يغادر هذا الصراط، لا ليسلكه ولكن ليضل سالكيه. كما مضى وانظر إلى رحمة الله تعالى بالمسلم، حيث بين له هذا الصراط بياناً شافياً وبين السبل المضلة كذلك، ثم شرع له قراءة سورة الفاتحة في كل ركعة سواء كانت فرضاً أو نفلاً وفيها هذا الدعاء: (( اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين )) [الفاتحة: 6].

الوسيلة الثالثة:

أن يحقق عبوديته لربه سبحانه، فإنه إذا حقق هذه العبودية نجا من عدوه وحال الله بينه وبين الشيطان، لأنه ولي الله والله تعالى لا يجعل لأعدائه إلى أوليائه سبيلاً، قال تعالى: (( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا. قال: أرأيتك هذا الذي كرمت عليّ لئن أخرتنِ إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلاً . قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاءاً موفوراً، واستفزز من استطعت منهم بصوتك، واجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد، وعدهم، وما يعدهم الشيطان إلا غروراً، إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلاً )) [الإسراء: 61ـ65].

الوسيلة الرابعة:

الاستعانة بالله سبحانه على أداء هذه العبادة، وتحقيق العبودية الكاملة له، فإنه لولا فضله سبحانه ما قدر المسلم على ذلك لكثرة مغريات الشيطان وتهديده وتخويفه، ولذلك جمع الله سبحانه بين إخبار المسلم بأنه يعبده وحده ويستعين به فقال: (( إياك نعبد وإياك نستعين )) وقال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر، ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً، ولكن الله يزكي من يشاء، والله سميع عليم )) [النور: 21].

الوسيلة الخامسة:

الاستعاذة به سبحانه والتوكل عليه وقوة الصلة به لتقوية الإيمان به، لأن قوة الإيمان به تصد عدو الله عن الطمع في إضلال المؤمن المستعيذ المتوكل على ربه، قال تعالى: (( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون )) [النحل: 98ـ100].

وقال تعالى: (( وإما ينـزغنك من الشيطان نزغٌ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم )) [فصلت: 36].

وقال تعالى: (( قل أعوذ برب الناس.. )) [الناس: السورة].

وقال عن أم مريم: (( وإني سميتها مريم، وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم )) [آل عمران: 36].

الوسيلة السادسة:

أن يتذكر حق ربه عليه، ورحمته به وقدرته عليه، وعذابه الأليم، فإنه من أعظم الأسباب الداعية إلى طرد الشيطان ووساوسه وإضلاله، قال تعالى: (( وإما ينـزغنك من الشيطان نـزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم، إن الذي اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون )) [الأعراف: 200،201].

تأمل قوله تعالى: (( تذكروا فإذا هم مبصرون )) تجد الآية تصور من وسوس لهم الشيطان ودعاهم إلى الضلال كأنهم عمي، ولكنهم إذا تذكروا ذهب العمى عقب التذكرة مباشرة، وانفتح بصرهم، قارن هذا بقوله تعالى: (( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات )) [البقرة: 257].

نعم هذه الآية في الكافرين، وتلك في المؤمنين المتقين، ولكن المعاصي من شعب الكفر، كما أن الطاعات من شعب الإيمان، فالكفر ظلمات كاملة، والكافر أعمى عمىً مطبق، والمعاصي ظلمات، والعاصي يكون في ظلمة بقدر معصيته، فإذا لجأ إلى مولاه، وذكره واستعاذ به انقشعت عنه تلك الظلمة وزال عنه ذلك العمى.

الوسيلة السابعة:

أن يذكر المسلم مواقف الشيطان، بمن يضلهم في الدنيا والآخرة، فإنه قبل استجابة الإنسان لدعوته الضالة، يظهرله النصح والعون والوقوف بجانبه، فإذا استجاب له ضحك عليه وتبرأ منه، كما فعل مع المشركين يوم بدر، قال تعالى عنه: (( وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم، وقال لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جارٌ لكم، فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال: إني برئ منكم، إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله والله شديد العقاب )) [الأنفال: 48].

وقال تعالى: (( كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر، فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين، فكان عقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين )) [الحشر: 16ـ17].

ولقد سجل الله لنا في كتابه موقف إبليس من أوليائه يوم القيامة في الوقت الذي يكونون أمام ربهم، قد حاسبهم على أعمالهم وقضى عليهم سبحانه قضاءه العدل، فيندمون على ما فرطوا فيأتي أستاذهم اللعين ليزيدهم ندماً، فيقف بينهم خطيباً مذكراً لهم بأن طاعة الله كانت أولى من طاعته، وأن وعد الله حق ووعده باطل، وأنه لم يكرههم على اتباعه، وإنما دعاهم فاستجابوا له، وأنه في هذا اليوم لا أحد يقدر على نصر أحد، وأن عبادتهم إياه ما كانت إلا باطلاً، ولذلك فهو يكفر بها، قال تعالى: (( وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم، وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي، إني كفرت بما أشركتمونِ من قبل، إن الظالمين لهم عذاب أليم )) [إبراهيم: 22].

الوسيلة الثامنة من وسائل مجاهدة الشيطان:

أن يقارن الإنسان بين ما يعد الله به ويأمر به، وما يعد به الشيطان ويأمر به، قال تعالى: (( الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم )) [البقرة: 268].

فالشيطان يعد الفقر ويأمر بالفحشاء، والذي يخاف الفقر يكون بخيلاً شحيحاً لا ينفق من ماله ما يجب أن ينفقه، والذي يفعل الفحشاء يكون بذلك بعيداً عن طاعة الله ورضاه، أما الله سبحانه وتعالى فإنه يأمر بالطاعة والابتعاد عن المعصية، ويعد على ذلك المغفرة، ويأمر سبحانه بالإنفاق، في سبيله ويعد المنفق المزيد من الرزق، فأين هذا من ذاك؟ [انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/321].

الوسيلة التاسعة: أن يملأ المسلم قلبه بخوف الله تعالى.

فإنه إذا امتلأ قلبه بخوف الله، لم يجد الشيطان وأولياؤه إلى قلبه سبيلا،ً لا بخوف منه ولا برغبة فيما عندهم، قال تعالى: (( إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه، فلا تخافوهم وخافونِ إن كنتم مؤمنين )) [آل عمران: 175].

الوسيلة العاشرة:

أن يوطن نفسه دائماً على مخالفة الشيطان، في كل ما يدعو إليه أو يوسوس به، بل ويفكر في كل عمل يقدم على فعله، أو يعزم على تركه، ويعرض ذلك على شرع الله ليعلم أهو مما يرضي الله أم مما يرضي الشيطان، فإن كان مما يرضي الله فِعلُه أقدم على فعله وإن كان مما يرضي الله ترْكُه تَرَكه، وإن كان الفعل أو الترك مما يرضي الشيطان، خالف ما يرضي الشيطان وأقدم على ما يرضي الله تعالى، فإن المعركة مع الشيطان تقتضي منه ذلك، حتى يكون ولياً لله لا للشيطان.

قال سيد قطب رحمه الله:

"وشعور الإنسان بأن الشيطان عدوه القديم هو الذي يأمر بهذا الشرك وتوابعه من الشعائر الوثنية، يثير في نفسه ـ على الأقل ـ الحذر من الفخ الذي ينصبه العدو، وقد جعل الإسلام المعركة الرئيسية بين الإنسان والشيطان، ووجه قوى المؤمن كلها لكفاح الشيطان والشر الذي ينشئه في الأرض، والوقوف تحت راية الله وحزبه في مواجهة الشيطان وحزبه، وهي معركة دائمة لا تضع أوزارها، لأن الشيطان لا يمل هذه الحرب التي أعلنها منذ لعنه وطرده، والمؤمن لا يغفل عنها ولا ينسحب منها، وهو يعلم أنه إما أن يكون ولياً لله وإما أن يكون ولياً للشيطان وليس هنالك وسط، والشيطان يتمثل في نفسه وما يبثه في النفس من شهوات ونزوات، ويتمثل في أتباعه من المشركين وأهل الشر عامة والمسلم يكافحه في ذات نفسه، كما يكافحه في أتباعه.

معركة واحدة متصلة طوال الحياة، ومن يجعل الله مولاه فهو ناجٍ غانم، ومن يجعل الشيطان مولاه فهو خاسر هالك (( ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً )) [في ظلال القرآن: 5/211].

وكما حذر القرآن من الشيطان ودعا إلى جهاده ومخالفته، وبين الأدوية النافعة لطرده فإن السنة كذلك مملوءة بالتحذير منه وبجهاده ومخالفته وبيان ما يصده عن إضلال المؤمن، وقد أورد الإمام البخاري كثيرة تحت عنوان: باب صفة إبليس وجنوده. [الفتح: 6/334]. هذه بعضها:

عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على عقدة مكانها: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان ) [البخاري رقم 3269].

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم رجل نام ليلته حتى أصبح، قال: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه ) [البخاري رقم 3270].

عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي  قال: (أما إن أحدكم إذا أتى أهله وقال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فرزقا ولداً لم يضره الشيطان ) [البخاري 3271].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين ) [البخاري 3277].

وعن سليمان بن صردَ قال: كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم، ورجلان يستبان، فأحدهما احمر وجهه وانتفخت أوداجه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد ) فقالوا له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تعوذ بالله من الشيطان )، فقال: (وهل بي جنون؟ ) [البخاري رقم 3282].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة فقال: ( إن الشيطان عرض لي فشد عليّ بقطع الصلاة عليّ فأمكنني الله منه ) [البخاري رقم 3284].

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط، فإذا قضي أقبل، فإذا ثوب بها أدبر، فإذا قضي أقبل، حتى يخطر بين الإنسان وقلبه) فيقول: ( اذكر كذا وكذا، حتى لا يدري أثلاثاً صلى أم أربعاً، فإذا لم يدر ثلاثاً صلى أو أربعاً سجد سجدتي السهو ) [البخاري رقم 3285].

وهذه الأحاديث كلها في فتح الباري (6/334)، وما بعدها..

والأحاديث المذكورة واضحة في بيان خطر الشيطان ومكره، وما يجاهد به من الطاعة لله وذكره تعالى والمخالفة لعدوه.

محاسبة النفس ومخالفتها

جهاد الشيطان

إعداد: د . عبد الله قادري الأهدل

جهاد الشيطان

وفيه فرعان:

الفرع الأول: بيان خطره على النفس.

الفرع الثاني: وسائل مجاهدته.

الفرع الأول: بيان خطر الشيطان على النفس:

خطر الشيطان له جوانب كثيرة عني بها القرآن الكريم عناية فائقة، وكذلك السنة النبوية، وعلماء المسلمين والفقهاء في دين الله من الكتاب والسنة، وعداؤه للإنسان قديم، إذ لم يوجد الإنسان إلا كان الشيطان بجانبه، يحسده على الخير الذي آتاه الله، ويدبر له المؤامرات ويكيد له المكائد ويغريه بالمعاصي، ويزين له الابتعاد عن طاعة الله ورضاه.

والشيطان يزهو بعنصره الذي خلقه الله منه على عنصر الإنسان، وهو مصر على مواصلة العداء والإضلال، وهو ملازم للإنسان ملازمة مستمرة، في كل مكان وزمان، وله أساليب متنوعة في الإضلال، الإغراء وقلب الحقائق حتى يُرى الإنسانَ الحق باطلا والباطلَ حقاً، ويتخذ أنواعا من التهديد والتخويف االتي يرعب بها الإنسان، ليثنيه عن طاعة الله، ويوقعه في معصيته. إنه الشيطان!

وهذه أمثلة من النصوص التي توضح خطر الشيطان على الإنسان:

قال تعالى: ((وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى(118) وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى (119) فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى (120) فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى ءادم ربه فغوى (121) ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (122) قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123) ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124)قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) قال كذلك أتتك ءاياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى)) (126)

فأنت ترى إبليس عصى أمر ربه، وأن الله حذر آدم زوجه منه لأنه عدوٌ لهما، ولا يريد لهما البقاء في رحاب الله ولزوم طاعته والنعيم الذي منحهما الله إياه، ويصعب عليه أن يبقى مطروداً من رحمة الله، وآدم وزوجه في رضوان الله ونعيمه، وأن الشيطان على الرغم من ذلك التحذير الذي حصل لآدم وزوجه استطاع أن يغويهما ويوقعهما في معصية الله، ولولا رحمة الله بهما، وتوبته عليهما لكانا ـ وكذلك ذريتهما ـ مطرودين مثله من رحمة الله..

وقال تعالى: ((ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين(11)قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (12) قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين (13) قال أنظرني إلى يوم يبعثون (14) قال إنك من المنظرين(15) قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16) ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين(17)قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين (18) ويا ءادم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (19) فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين (20) وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين (21) فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين (22) قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)) (23) [الأعراف:]

فانظر كيف يطلب أن يطيل الله عمره إلى أن يموت الناس كلهم ويبعثوا، ليضمن ملازمته لهم وإضلالهم حتى لا يفلت منه أحد إذا مات قبل ذلك!. ثم تأمّل كيف يقسم على أن لا يدع أحداً يستقيم على أمر الله تعالى، لأنه سيبقى على صراط الله صاداً عنه، وأنهم أينما ذهبوا سيجدونه أمامهم وخلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ليحول بينهم وبين شكر الله مولاهم.

ثم انظر كيف يحذر الله تعالى آدم وحواء منه، وكيف يتسلل إليهما بوسوسته وتزيين طاعته، ومعصية الله تعالى، ويقلب لهما الحقائق بأن الله لا يريد لهما الملك والخلود ويقسم لهما الأيمان على نصحه لهما! حتى يقعا فيما دعاهما إليه، فإذا هما نادمان على ما حصل، ولولا رحمة الله لكانا مطرودين مثله.

وقال تعالى: (( يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، إنه لكم عدوٌ مبين، إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون )) [البقرة: 169].

فالله عز وجل يأمر عباده بأن يختاروا الحلال الطيب، ويفهم منه أنهم لا يجوز لهم أن يختاروا الحرام الخبيث لأكلهم، لأن ذلك مما يدعو له العدو لعنه الله، ولذلك حذر الله تعالى منه ومن اتباعه وطرقه، وأساليبه، وذكر تعالى أنه لا يأمرهم إلا بما يسخط الله من الإثم والفواحش والقول على الله بلا علم، ففي الآية تحذير من الوقوع في الشهوات التي حرمها الله، ومن التشريع الذي لم يأذن به سبحانه، والشيطان يدعو لكل ذلك ويزينه.

وقال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة، ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدوٌ مبين )) [البقرة: 208].

وقال تعالى: (( وكذلك جعلنا لكل نبيٍ عدواً شياطين الإنس والجن، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون )) [الأنعام: 112].

وإذا كان الشياطين ـ شياطين الإنس والجن ـ يتعاونون على الأنبياء بتزيين الباطل والاغترار به، فما بالك بغير الإنبياء؟! إن ما يشاهد الآن من تزيين الباطل والاغترار بشتى الوسائل وفي كل المجالات، وما نتج عنه من آثار سيئة، في العالم كله، ولا سيما العالم الإسلامي، ليعتبر نذيراً من الواقع الذي تعيشه البشرية، ومن الانصياع للشياطين وزخرفهم وغرورهم.

قال الأستاذ سعيد حوا:

“إن كل دعوة تعارض دعوة الأنبياء بردها أو بنقضها أو برفضها، عندما تحقق في مجموع أقوالها تجدها تتصف بهاتين الصفتين الرئيستين: الزخرفة والغرور، فهي تنميق من القول لا طائل تحته، وإن كل دعوة تقطع الطريق على دعوة الأنبياء بتبنيها لبعض مضمونات دعوة الأنبياء ورفضها للبعض الآخر، أو بخلط الحق والباطل، لا تخرج كذلك عن هاتين الصفتين”. [من أجل خطوة إلى الأمام على طريق الجهاد المبارك ص 84].

وقال تعالى: (( ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم، فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم )) [النحل: 63].

فوقوف الأمم الطاغية ضد دعوة الأنبياء من أعظم أسبابها تزيين الشيطان لتلك الأمم، مواقفهم من الأنبياء ودعوتهم.

وقال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان، ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر )) [النور: 31].

وقال تعالى: (( يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور، إن الشيطان لكم عدوٌ فاتخذوه عدوا، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير )) [فاطر: 5ـ6].

وقال تعالى: (( ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدوٌ مبين، وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم، ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً أفلم تكونوا تعقلون )) [يس: 60 ? 62].

وهل بعد هذا الخطر من خطر على النفس البشرية من الشيطان، هذه النفس التي لم يخلقها الله في هذه الحياة الدنيا إلا لعبادته، فيأتي الشيطان العدو المبين، فيحرفها عن الهدف الذي خلقت لتحقيقه، وهو عبادة الله إلى ما يضاد ذلك الهدف، ويباينه، وهو عبادة الشيطان نفسه، ومع ذلك فإن أكثر الناس يطيعونه فينحرفون من عبادة الله إلى عبادته هو، كأنهم لا عقول لهم.

وقال تعالى: (( ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدوٌ مبين )) [الزخرف: 62].

وقال تعالى: (( وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينـزغ بينهم، إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً )) [الإسراء: 53].

فالشيطان هو الذي يسعى بشتى الوسائل والأساليب للإفساد بين الناس، وإحداث الخلاف والفرقة بينهم، وجعل المبطل يقف من المحق موقف المعاند المكابر، وبذلك يصبح الناس في خلاف دائم وشقاق مستمر.

قال ابن جرير رحمه الله:

“(( ينـزغ بينهم )) يقول: يفسد بينهم ويهيج بينهم الشر”. [جامع البيان: (15/102)].

وهاهو الشيطان يفرق بين صفوة المجتمع ويفرق كلمتهم، ويحدث الشقاق بينهم، قال تعالى: (( إذ قال يوسف لأبيه يا أبتِ إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين، قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكدوا لك كيداً، إن الشيطان للإنسان عدوٌ مبين )) [يوسف: 4ـ5].

فالشيطان حريص على اتصاف بني آدم بصفاته، وكل صفاته ذميمة، ومنها الحسد الذي يحب أن يتصف به كل إنسان لما فيه من إرواء غليله، وهاهو قد تحقق ما خافه يعقوب من الشيطان من النـزغ بين أولاده.

قال تعالى: (( ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً وقال: يا أبتِ هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً، وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نـزغ الشيطان بيني وبين إخوتي، إن ربي لطيف لما يشاء، إنه هو العليم الحكيم )) [يوسف: 100].

وقال تعالى: (( إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا )) [آل عمران: 155].

فأنت ترى أن الشيطان يغري بالانهزام في معركة النفس البشرية مع معصية الله في حالة السلم، وكذلك يغريها بالانهزام في المعركة الحربية ضد العدو الواضح في حالة الحرب.

والشيطان لا يقنع بما دون التفريق بين أقرب المقربين، كما في حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منـزلةً أعظمهم فتنة، يجئ أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئاً، ثم يجئ أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت ـ قال الأعمش: فليتزمه ) [مسلم (4/2167)].

فهو كما ترى في حرب دائمة مع بني آدم، ولذلك لا يفتأ ببعث جيوشه المخربة في تلك الحرب الدائمة المفتنة، ولا يحظى بالقرب منه ورضاه إلا من حقق أقصى مبتغاه، وغايته.

وفي حديث عائشة رضي الله عنها ما يدل على أنه لا يخلو أحد من قرين يحاول إضلاله، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي أعانه الله على شيطانه فأسلم، وهذا نص الحديث قالت: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من عندها ليلاً، قالت: فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع، فقال: مالك يا عائشة أغرت؟ فقلت: ومالي لا يغار مثلي على مثلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقد جاءك شيطانك؟ قالت: يا رسول الله أو معي شيطان؟ قال: نعم، قلت: ومع كل إنسان؟ قال: نعم، قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: نعم، ولكن ربي أعانني عليه فأسلم ) [مسلم (4/2168)].

قال النووي رحمه الله:

“وفي هذا الحديث إشارة إلى التحذير من فتنة القرين، وسوسته، وإغوائه فأعلمنا بأنه معنا لنحترز منه بحسب الإمكان” [شرح النووي على مسلم (17/158)].

(140)

الجهاد في سبيل الله المطلب الثاني: محاسبة النفس ومخالفتها

العلماء يبينون خطر الشيطان على النفس

قال ابن القيم رحمه الله:

"قال الله تعالى إخباراً عن عدوه إبليس لما سأله عن امتناعه عن السجود لآدم واحتجاجه بأنه خير منه وإخراجه من الجنة أنه سأله أن ينظره فأنظره، ثم قال عدو الله (( فبما أغويتني لأقعدن لكم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين إيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ))

قلت: السبل التي يسلكها الإنسان أربعة لا غير، فإنه تارة يأخذ على جهة يمينه، وتارة على شماله، وتارة أمامه، وتارة يرجع خلفه، فأي سبيل سلكها من هذه وجد الشيطان عليها رصداً له، فإن سلكها في طاعة، وجده عليها يثبطه، ويقطعه أو يعوقه، ويبطئه، وإن سلكها لمعصية، وجده عليها حاملاً له وخادماً ومعيناً، ولو اتفق له الهبوط إلى أسفل لأتاه من هناك" [إغاثة اللهفان (1/121 ـ 124) وانظر الآيات من سورة الأعراف: 16ـ17].

وما كان ابن القيم رحمه الله يعلم أن الإنسان سيصعد إلى السماء ويهبط على بعض الكواكب، ويهبط من الجو بالمظلات، ويغوص في أعماق ظلمات المحيطات، والشيطان معه أيضاً في تينك الجهتين، العلو والسفل كما كان معه من الجهات الأربع التي ذكرها الله على سبيل الشمول والاستغراق.

وبين ابن القيم رحمه الله، أن خطر الشيطان أعظم من خطر النفس فقال:

"هذا الباب وهو (الباب الثاني عشر في علاج مرضى القلب بالشيطان) من أهم أبواب الكتاب وأعظمها نفعاً، والمتأخرون من أرباب السلوك لم يعتنوا به، اعتناءهم بذكر النفس وعيوبها، وآفاتها فإنهم توسعوا في ذلك وقصروا في هذا الباب.

ومن تأمل القرآن والسنة وجد اعتناءهما بذكر الشيطان وكيده ومحاربته أكثر من ذكر النفس: فإن النفس المذمومة ذكرت في قوله: (( إن النفس لأمارة بالسوء )) [يوسف: 53]. واللوامة في قوله: (( ولا أقسم بالنفس اللوامة )). وذكرت النفس المذمومة في قوله: (( ونهى النفس عن الهوى )) [تعليق: ما ذكره ابن القيم رحمه الله مسلَّم في ذكر النفس بلفظ النفس صراحة، أما إذا نظر إلى معنى النفس كذكر الإنسان أو الناس، أو ذكر أي صفة مذمومة في الإنسان، فإن ذلك لا يحصى كثرةً].

وأما الشيطان فذكر في عدة مواضع، وأفردت له سورة تامة، فتحذير الرب تعالى لعباده منه جاء أكثر من تحذيره من النفس، وهذا هو الذي لا ينبغي غيره، فإن شر النفس وفسادها ينشأ من وسوسته، فهي مَركَبُه وموضع شره، ومحل طاعته.

وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالاستعاذة منه عند قراءة القرآن وغير ذلك، وهذا لشدة الحاجة إلى التعوذ منه ولم يأمر بالاستعاذة من النفس في موضع واحد، وإنما جاءت الاستعاذة من شرها في خطبة الحاجة، في قوله صلى الله عليه وسلم: ( ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا .. ) كما تقدم ذلك في الباب الذي قبله.

وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الاستعاذة من الأمرين في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: يا رسول الله علمني شيئاً أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت. قال: ( قل: اللهم عالم الغيب والشهادة ) إلى أن قال: ( أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه ). [إغاثة اللهفان (1/107ـ108)].

وقال سيد قطب رحمه الله:

“وفي أحاديث المعركة التي تصورها القصة بين الإنسان والشيطان، مذكر دائم بطبيعة المعركة، إنها بين عهد الله وغواية الشيطان، بين الإيمان والكفر، بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، والإنسان هو نفسه ميدان المعركة، وهو نفسه الكاسب أو الخاسر فيها، وفي هذا الباب إيحاء دائمٌ له باليقظة وتوجيه دائم له بأنه جندي في ميدان، وأنه هو صاحب الغنيمة أو السلب في هذا الميدان”. [في ظلال القرآن: (1/72)].

ومن خبث الشيطان أنه يدرس الإنسان الذي يريد إغواءه دراسة نفسية عميقة حتى يعرف اتجاهاته، فإن رآه مثلاً يميل إلى اللين والرحمة والرأفة، وهي صفات حميدة إذا استعملت في مكانها، حسن له هذا الجانب وتابعه فيه، وبالغ في تعميقه في نفسه، حتى يصل إلى حد الإفراط فيه، فيستعمل هذه الصفات في غير مكانها، إذ قد يكون من الحكمة الشدة في بعض المواضع ولكن الشيطان ينفره من استعمال الشدة ويزين له ما يميل إليه طبعه، فيكون بذلك كأنه غير متصف بتلك الصفات لأنه وضعها في غير موضعها، ووضع في الشئ في غير موضعه جهل وخرق.

وقد يكون عكس ذلك، يميل إلى الشدة، فيحسن له الشدة في كل شئ، فيستعملها في موضع تكون الرحمة هي الجديرة بالاستعمال، فيكون الإنسان في كلتا الحالتين عاصياً وهو يظن أنه مصيب، بسبب تزيين الشيطان له ذلك.

قال ابن تيمية رحمه الله:

“والشيطان يريد من الإنسان الإسراف في أموره كلها، فإن رآه مائلاً إلى الرحمة زيّن له الرحمة، حتى لا يبغض ما أبغضه الله، ولا يغار لما يغار الله منه، وإن رآه مائلاً إلى الشدة، زيّن له الشدة في غير ذات الله، حتى يترك من الإحسان والبر واللين والصلة والرحمة ما يأمر به الله ورسوله ويتعدى في الشدة، فيزيد في الذم والبغض والعقاب، على ما يحبه الله ورسوله، فهذا يترك ما أمر الله به من الرحمة والإحسان وهو مذموم مذنب في ذلك، ويسرف في ما أمر الله به ورسوله من الشدة، حتى يتعدى الحدود، وهو من إسرافه في أمره، فالأول مذنب والثاني مسرف (( والله لا يحب المسرفين )) فليقولا جميعاً: (( ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ))” [مجموع الفتاوى (15/292)].

محاسبة النفس

إعداد القسم العلمي بدار الوطن

أخي المسلم الحبيب:

هل خلوت بنفسك يوماً فحاسبتها عما بدر منها من الأقوال والأفعال؟

وهل حاولت يوماً أن تعد سيئاتك كما تعد حسناتك؟ بل هل تأملت يوماً طاعاتك التي تفتخر بذكرها؟! فإن وجدت أن كثيراً منها مشوباً بالرياء والسمعة وحظوظ النفس فكيف تصبر على هذه الحال، وطريقك محفوف بالمكارة والأخطار؟! وكيف القدوم على الله وأنت محمل بالأثقال والأوزار؟ قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أتقو الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون، ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) [الحشر:18،19]. وقال تعالى: (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون) [الزمر:54].

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، فإن أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية).

عبادة وخشية

وقد مدح الله تعالى أهل طاعته بقوله: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون، والذين هم بآيات ربهم يؤمنون، والذين هم بربهم لا يشركون، والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون، أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون) [المؤمنون:57-61).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقلت: أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟ فقال: (لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون، ويتصدقون، ويخافون ألا يتقبل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات) [الترمذي وابن ماجه واحمد].

أخي المسلم : هكذا كان سلقنا الكرام، يتقربون إلى الله بالطاعات، ويسارعون غليه بأنواع القربات، ويحاسبون أنفسهم على الزلات، ثم يخافون ألا يتقبل الله أعمالهم.

فهذا الصديق رضي الله عنه: كان يبكي كثيراً، ويقول: ابكوا، فإن لم تبكروا فتباكوا، وقال: والله لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد.

وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قرأ سورة الطور حتى بلغ قوله تعالى: (إن عذاب ربك لواقع) [الطور:7]. فبكى واشتد في بكاؤه حتى مرض وعادوه. وكان يمر بالآية في ورده بالليل فتخيفه، فيبقى في البيت أياماً يعاد، يحسبونه مريضاً، وكان في وجهه خطأن أسودان من البكاء!!.

وقال له ابن عباس رضي الله عنهما: مصر الله بك الأمصار، وفتح بك الفتوح وفعل، فقال عمر: وددت أني أنجو لا أجر ولا وزر!!.

وهذا عثمان بن عفان ـ ذو النورين ـ رضي الله عنه: كان إذا وقف على القبر بكى حتى تبلل لحيته، وقال: لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي، لاخترت أن أكون رماداً قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير!!.

وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنها: كان كثير البكاء والخوف، والمحاسبة لنفسه. وكان يشتد خوفه من اثنتين: طول الأمل واتباع الهوى. قال: فأما طول الأمل فينسى الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق.

واعظ الله في القلب

عن النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران، فيها أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى الصراط داع يدعو يقول: يا أيها الناس!! اسلكوا الصراط جميعا ولا تعوجوا، وداع يدعو على الصراط، فإذا أراد أحكم فتح شيء من تلك الأبواب قال: ويلك! لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه. فالصراط: الإسلام. والستور: حدود الله. والأبواب المفتحة: محارم الله. والداعي من فوق: واعظ الله يذكر في قلب كل مسلم) [أحمد والحاكم وصححه الألباني].

فهلا استجبت ـ أخي المسلم ـ لواعظ الله في قلبك؟ وهلا حفظت حدود الله ومحارمه؟ وهلا انتصرت على عدو الله وعدوك، قال تعالى: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونا من أصحاب السعير) [فاطر:6]].

عن خالد بن معدان رضي الله عنه قال: ما من عبد إلا وله عينان في وجهه يبصر بهما أمر الدنيا، وعينان في قلبه يبصر بهما أمر الآخرة، فإذا أراد الله بعبد خيراً، فتح عينيه اللتين في قلبه، فأبصر بهما ما وعد الله بالغيب، وإذا أراد به غير ذلك، تركه على ما فيه ثم قرأ: (أم على قلوب أقفالها) [محمد:24].

أقوال في محاسبة النفس

1- كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى بعض عماله: (حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة، فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة، عاد أمره إلى الرضا والغبطة، ومن ألهته حياته، وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارة.

2- وقال الحسن: لا تلقي المؤمن إلا بحساب نفسه: ماذا أردت تعملين؟ وماذا أردت تأكلين؟ وماذا أردت تشربين؟ والفاجر يمضي قدماً لا يحاسب نفسه.

3- وقال قتادة في قوله تعالى: (وكان أمره فرطاً) [الكهف:28] أضاع نفسه وغبن، مع ذلك تراه حافظاً لماله، مضيعاً لدينه.

4- وقال الحسن: إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة همته.

5- وقال ميمون بن مهران: لا يكون العبد تقياً حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك.

6- وذكر الإمام أحمد عن وهب قال: مكتوب في حكمة ىل داود: حق على العاقل أل يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلوا فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجعل، فإن في هذه الساعة عوناً على تلك الساعات وإجماماً للقلوب.

7- وكان الأحنف بن قيس يجئ إلى المصباح، فيضع إصبعه فيه ثم يقول: حس يا حنيف، ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟

8- وقال الحسن: المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة.

إن المؤمن يفجأه الشيء ويعجبه فيقول: والله إني لأشتهيك، وإنك لمن حاجتي، ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات هيهات، حيل بيني وبينك. ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردت إلى هذا؟ مالي ولهذا؟ والله لا أعود إلى هذا أبداً.

إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن، وحال بينهم وبين هلكتهم.

إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئاً حتى يلقى الله، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وفي بصره، وفي لسانه وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله.

9- وقال مالك بن دينار: رحمه الله عبداً قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ألزمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل، فكان لها قائداً.

10- وقال ابن أبي ملكية: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل!!

أخي المسلم الموفق :

قال الإمام ابن الجوزي: أعجب العجاب أن النقاد يخافون دخول البهرج في أموالهم، والمبهرج آمن!! هذا الصديق يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد، وهذا عمر يقول: يا حذيفة هل أنا منهم ـ يعني من المنافقين ـ والمخلط على بساط الأمن!!

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: (ومن تأمل أحوال الصحابة رضي الله عنهم وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، ونحن جمعنا بين التقصير، بل التفريط والأمن).

هكذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله عن نفسه وعصره، فماذا نقول نحن عن أنفسنا وعصرنا؟!

فيا أخي الحبيب:

لا تضيع أيامك، فإنها رأي مالك، فإنك ما دمت قادراً على رأس مالك قدرت على الريح، وإن بضاعة الآخرة كاسدة في يومك هذا، فاجتهد حتى تجمع بضاعة الآخرة في وقت الكساد، فإنه يجئ يوم تصير هذه البضاعة فيه عزيزة، فاستكثر منها في يوم الكساد ليوم العز، فإنك لا تقدر على طلبها في ذلك اليوم.

أقسام محاسبة النفس

محاسبة النفس نوعان: نوع قبل العمل ونوع بعده.

النوع الأول: محاسبة النفس قبل العمل فهو أن يقف العبد عند أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه. قال الحسن رحمه الله: رحم الله عبداً وقف عند همه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر.

النوع الثاني : محاسبة النفس بعد العمل.

وهو ثلاثة أنواع:

أحدها : محاسبة النفس على طاعة قصرت فيها في حق الله تعالى، قلم توقعها على الوجه الذي ينبغي.

وحق الله تعالى في الطاعة ستة أمور وهي:

1- الإخلاص في العمل.

2- النصيحة لله فيه.

3- متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيه.

4- شهود مشهد الإحسان فيه.

5- شهود منة الله عليه فيه.

6- شهود تقصيره فيه.

فيحاسب العبد نفسه هل وفى هذه المقامات حقها؟

وهل أتى بها جميعاً في هذه الطاعة؟

الثاني : أن يحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خيراً من فعله.

الثالث : أن يحاسب نفسه على أمر مباح أو معتاد لم فعله؟ وهل أراد به الله والدار الآخرة؟ فيكون رابحاً، أو أراد به الدنيا وعاجلها؟ فيخسر ذلك الربح ويفوته الظفر به.

الأسباب المعينة على محاسبة النفس

هناك أساب تعين الإنسان على محاسبة نفسه وتسهل عليه ذلك منها:

1- معرفته أنه كلما اجتهد في محاسبة نفسه اليوم استرح من ذلك غداً، وكلما أهملها اليوم اشتد عليه الحساب غداً.

2- معرفته أن ربح محاسبة النفس ومراقبتها هو سكنى الفردوس، والنظر إلى وجه الرب سبحانه، ومجاورة الأنبياء والصالحين وأهل الفضل.

3- النظر فيما يؤول إليه ترك محاسبة النفس من الهلاك والدمار، ودخول النار والحجاب عن الرب تعالى ومجاورة أهل الكفر والضلال والخبث.

4- صحبة الأخيار الذين يحاسبون أنفسهم ويطلعونه على عيوب نفسه، وترك صحبة من عداهم.

5النظر في أخبار أهل المحاسبة والمراقبة من سلفنا الصالح.

6- زيارة القبور والتأمل في أحوال الموتى الذين لا يستطيعون محاسبة أنفسهم أو تدرك ما فاتهم.

7- حضور مجالس العلم والوعظ والتذكير فإنها تدعو إلى محاسبة النفس.

8- قيام الليل وقراءة القرآن والتقرب إلى الله تعالى بأنواع الطاعات.

9- البعد عن أماكن اللهو والغفلة فإنها تنسي الإنسان محاسبة نفسه.

10- ذكر الله تعالى ودعاؤه بأن يجعله من أهل المحاسبة والمراقبة، وأن يوفقه لكل خير.

11- سوء الظن بالنفس،فإن حسن الظن بالنفس ينسي محاسبة النفس، وربما رأى الإنسان ـ بسب حسن ظنه بنفسه ـ عيوبه ومساوئه كمالاً.

أخي الحبيب :

حق على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر ألا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييف عليها في حركاتها وسكناتها وخطواتها وخطواتها، فكل نفس من أنفسا العمر جوهرة نفيسة يمكن أن يشتري بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد. فإضاعة هذه الأنفاس، أو اشتراء صاحبها ما يجلب هلاكه خسران عظيم، لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس وأحمقهم وأقلهم عقلاً، وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمد بعيداً) [أل عمران:30].

أخي الكريم :

كان توبة بن الصمة من المحاسبين لأنفسهم فحسب يوماً، فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها، فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم، فصرخ وقال: يا ويلتي! ألقى ربي بأحد وعشرين ألف ذنب؟ كيف وفي كل يوم آلاف من الذنوب؟ ثم خر مغشياً عليهن فإذا هو ميت، فسمعوا قائلاً يقول: (يا لك ركضة إلى الفردوس الأعلى).

كيفية محاسبة النفس

ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن محاسبة النفس تكون كالتالي:

أولاً: البدء بالفرائض، فإذا رأى فيها نقصاً تداركه.

ثانياً : ثم المناهي، فإذا عرف أنه ارتكب منها شيئاً تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية.

ثالثاً : محاسبة النفس على الغفلة ويتدارك ذلك بالذكر والإقبال على الله.

رابعاً: محاسبة النفس على حركات الجوارح، كلام اللسان، ومشي الرجلين، وبطش اليدين، ونظر العينين، وسماع الأذنين، ماذا أردت بهذا؟ ولمن فعلته؟ وعلى أي وجه فعلته.

فوائد محاسبة النفس

ولمحاسبة النفس فوائد جمة منها:

1- الإطلاع على عيوب النفس، ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته.

2- التوبة والندم وتدارك ما فات في زمن الإمكان.

3- معرفة حق الله تعالى فإن أصل محاسبة النفس هو محاسبتها على تفريطها في حق الله تعالى.

4- انكسار العبد وزلته بين يدي ربه تبارك وتعالى.

5- معرفة كرم الله سبحانه وتعالى وعفوه ورحمته بعباده في أنه لم يعجل عقوبتهم مع ما هم عليه من المعاصي والمخالفات.

6- مقت النفس والإزراء عليها، والتخلص من العجب ورؤية العمل.

7- الاجتهاد في الطاعة وترك العصيان لتسهل عليه المحاسبة فيما بعد.

8- رد الحقوق إلى أهلها، وسل السخائم، وحسن الخلق، وهذه من أعظم ثمرات محاسبة النفس.

قطار العمر

أخي المسلم:

قال الفضيل لرجل: كم أتى عليك؟ قال: ستون سنة. قال له: أنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تصل!!

وقال أبو الدرداء : إنما أنت أيام، كلما مضى منك يوم مضى بعضك.

فيا أبناء العشرين ! كم مات من أقرانكم وتخلفتم؟!

ويا أبناء الثلاثين! أصبتم بالشباب على قرب من العهد فما تأسفتم؟

ويا أبناء الأربعين! ذهب الصبا وأنتم على اللهو قد عكفتم!!

ويا أبناء الخمسين ! تنصفتم المائة وما أنصفتم!!

ويا أبناء الستين ! أنتم على معترك المنايا قد أشرفتم، أتلهون وتلعبون ؟ لقد أسرفنهم!!

وفي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعذر الله إلى من بلغه ستين سنة).

أخي الحبيب :

كم صلاة أضعتها؟ .. كم جمعة تهاونت بها؟ .. كم صيام تركته؟ ? كم زكاة بخلت بها؟ ? كم حج قوته؟ ? كم معروف تكاسلت عنه؟ ? كم منكر سكت عليه؟ ? كم نظرة محرمة أصبتها؟ ? كم كلمة فاحشة تكلمت بها؟ ? كم أغضبت والديك ولم ترضهما؟ ? كم قسوت على ضعيف ولم ترحمه؟ .. كم من الناس ظلمته؟ ? كم من الناس أخذت ماله؟ ..

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع؟ فقال: (إن المفلس من آمتي يأتي يوم القيامة بصرة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار) .

    إنا لنفرح بالأيام نقطــــــــــــــــعها    =   وكل يوم مضى يدني من الأجـــــل

    فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً     =  فإنما الربح والخسران في العمل

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

إعداد القسم العلمي بدار الوطن للنشر والتوزيع

مراجعة الشيخ

الشيخ فهد بن سليمان القاضي

محاسبة النفس

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري *

الخطبة الأولى

أما بعد: عباد الله محاسبة النفس أمر مطلوب من كل مسلم.

محاسبة النفس أمر عظيم ينبغي أن يسعى إليه كل مسلم وكل مؤمن ليملك قياد نفسه وزمامها ليضبط سيرها وليكبح جماحها يدفعها إلى الطاعة ويردعها عن المعصية فيعرف ربحه من خسارته ولا يستطيع ذلك إلا إذا كان محاسبًا لنفسه.

ومحاسبة النفس يا عباد الله أمر عظيم يسهل الكلام عنه بالألسنة ولكن القيام به من أعظم الأمور.

فإذا قام الإنسان على محاسبة نفسه استطاع أن يعرف مقدارها.

ومن أجل ذلك يا عباد الله يكون المؤمن في جهاد مع نفسه لا ينقطع وفي صراع دائم لا ينتهي حتى تألف النفس طاعة ربها وتعتاد السير في سبيل الله المستقيم والانتهاء عن سبل الشياطين.

عند ذلك يسهل ضبطها ومحاسبتها وإن لم يكن ذلك وأطلق لها العنان فسوف تستعذب الباطل وتحب المعاصي والمنكرات حتى تصل إلى غضب ربها سبحانه وتعالى.

وكلما قام الإنسان على محاسبة نفسه أحبت الطاعة وأقبلت عليها واستأنست بها وبأهلها وكلما أهمل الإنسان محاسبة نفسه كلما كرهت الطاعة وأنست بالمعصية وأحبت أهلها.

يقول الله تعالى: فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى [النازعات:37-41].

والله تعالى يقسم بالنفس اللوامة وهي التي تلوم صاحبها إن قصّر في خير أو اقترف شر: لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة [القيامة:1-2].

يقول الحسن رحمه الله تعالى عند هذه الآية: (إن المؤمن والله لا نراه إلا وهو يلوم نفسه ما أردتُ بكلمتي ما أردتُ بأكلتي ما أردتُ بحديث نفسي أما الفاجر فيمضي قُدُمًا قُدُمًا لا يعاتب نفسه).

ومن فوائد محاسبة النفس يا عباد الله أنها تذكر الإنسان وتبعث فيه الاستعداد للقاء الله عز وجل الذي سوف يكون بين يديه الحساب ولا حول ولا قوة إلا بالله ولهذا يقول عمر رضي الله عنه: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا فإنه أهون عليكم غدًا في الحساب أن تحاسبوها وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية).

ومن فوائد محاسبة النفس يا عباد الله إنها تعرِّف الإنسان بنعمة الله عليه فيشكرها ويستخدمها في طاعة الله ويحذر من التعرض لأسباب زوالها: وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد [إبراهيم:7].

والله تعالى يقص علينا قصة صاحب الجنة حينما افتخر على صاحبه بالمال والولد وما ذكرّه به صاحبه مما قصه الله تعالى في كتابه فقال: ولولا إذا دخلت جنتك قُلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترني أنا أقل منك ولدًا فعسى ربي أن يؤتيني خيرًا من جنتك ويرسل عليها حسبانًا من السماء فتصبح صعيدًا زلقًا أو يصبح ماؤها غورًا فلن تستطيع له طلبًا [الكهف:40-41].

وتُعرِّف المؤمن بنعمة الله عليه في الابتلاء فيصبر لذلك ويحتسبه عند الله تبارك وتعالى كما روي عن عمر رضي الله عنه وأرضاه فقال : (ما أصابتني مصيبة إلا وعلمتُ أن لله علىّ فيها ثلاث نعم:

الأولــى: أن الله تعالى خففها وهو قادر على أن يصيبني بأعظم منها.

والثانية: أن الله تعالى جعلها في دنياي ولم يجعلها في ديني.

والثالثة: أن الله تعالى يدخر لي الأجر عليها يوم القيامة).

ومن فوائد محاسبة النفس يا عباد الله أن هذا يساعد على ترويضها والسلوك بها في السبيل المستقيم والحد من نزواتها وشهواتها ومن تعصبها وإعجابها فما ترى إنسانًا يحاسب نفسه ويراقبها إلا وهو سريع الاستجابة لأمر إلهه وكثير الحذر مما يغضب الله وسريع الرجوع إلى الحق إذا علمه وتبين له وكلما أطلق الإنسان لنفسه زمامها ولم يقم على محاسبتها كلما تغلبت عليه الأهواء والشهوات والمعاصي والمنكرات حتى تتغير موازينه ومقاييسه ويقع فيما حذر منه رسول الله : ((حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا وهوى متبعًا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع عنك العامة)).

ومن فوائد محاسبة النفس يا عباد الله أن الإنسان يعرف بذلك مقدار نفسه فيتخذ الشيء الذي يراه مناسبًا لإصلاحها ولا صلاح لها إلا بما جاء في كتاب الله تبارك وتعالى وما جاء في السنة الصحيحة عن رسول الله . وما أُثر عن العلماء الصالحين المخلصين العاملين.

روي أن الشافعي رحمه الله تعالى مرض مرضًا شديدًا فقال: اللهم إن كان هذا لك رضًا فزده فبلغ ذلك إدريس الخولاني رحمه الله تعالى فبعث إليه فقال: يا عبد الله لستُ أنا وأنت من أهل البلاء.

فأرسل إليه الشافعي رحمه الله تعالى: يا أبا عمر ادع الله لي بالعافية.

وإذا أراد الإنسان أن يقيم في نفسه هذا الأمر. وإذا أراد أن تقوم لديه المحاسبة للنفس لتنبعث في نفسه خشية الله عز وجل والخوف من عذابه والرجاء فيما عنده فليكثر من قراءة سيرة رسول الله وسيرة أصحابه رضي الله تعالى عنهم والتابعين لهم بإحسان في كل زمان ومكان ليعرف كيف كانوا مع أنفسهم وكيف كانت محاسبتهم لها لعل ذلك يساعده على محاسبة نفسه ومراقبتها.

الرسول يقول لابن مسعود رضي الله عنه: اقرأ علىّ القرآن فيقول بن مسعود: اقرأ عليك وعليك أُنزل؟ قال: ((إني أحب أن أسمعه من غيري)) فقرأ عليه سورة النساء حتى إذا بلغ قوله تعالى: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا [النساء:41].

قال حسبك قال بن مسعود رضي الله عنه: فنظرتُ فإذا عينا رسول الله تذرفان.

فلو كانت محاسبة النفس قائمة في قلوبنا اليوم لذرفت أعيننا من خشية الله تبارك وتعالى ومن الخوف منه وطمعًا في الرجاء لما عنده.

وخليفته الصديق رضي الله عنه يقول وقد دخل عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يزجر لسانه فقال له عمر: (مه ما هذا الذي تفعله يا أبا بكر؟). قال أبو بكر رضي الله عنه: (إن هذا أوردني المهالك).

ولما قدم قوم من اليمن في زمانه كانوا إذا سمعوا القرآن يبكون فقال: (كنا هكذا ولكن قست القلوب).

وعمر رضي الله عنه يقول: (لولا ثلاث لوددتُ أني قد لقيتُ الله لولا أن أضع جبهتي لله ولولا أن أجلس مجالس يُنتقى فيها طيب الكلام كما ينتقى طيب التمر، ولولا أن أسير في سبيل الله عز وجل).

وهو الذي قال رضي الله عنه: (وددتُ أني كبش لأهلي يسمنونني حتى أكون أسمن ما أكون يقدم عليهم قوم يحبونهم فيذبحوني ويقدموني فيجعلوا بعضي شواء وبعضي قديدًا ثم يأكلونني ولم أكن بشرًا). وهو الفاروق رضي الله عنه.

وهو الذي يقول يوم دخل عليه ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين بعدما طُعن رضي الله عنه قال له: (أبشر يا أمير المؤمنين فإن الله قد مصّر بك الأمصار وقضي بك على النفاق وأفشى بك الرزق) قال له: (أفي الإمارة تثنى علىّ يا بن العباس؟) قال: (إي والله في غيرها). قال: (والله لوددتُ أني خرجتُ منها كما دخلتُ فيها لا أجر ولا وزر) ويقول رضي الله عنه: (والذي نفسي بيده لو قام في الناس منادي: يا أيها الناس إنكم من أهل الجنة أجمعون إلا رجلاً واحدًا لخفتُ أن أكون أنا هو، ولو قام منادي وقال: يا أيها الناس ادخلوا أجمعين إلى النار إلا رجلاً واحدًا لرجوتُ أن أكون أنا هو) رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

ونسأل الله أن يتبعنا آثارهم وأن يحشرنا في زمرتهم.

وعثمان رضي الله عنه يقول: (لو كنتُ بين الجنة والنار ولا أعلم إلى أيهما يُؤمر بي لوددتُ أن أكون رمادًا ولا أعلم إلى أيهما أصير).

وهو الذي يقول: (وأيم الله ما زنيت في جاهلية ولا في إسلام وما ازددت بالإسلام إلا حياءً).

وعليّ رضي الله عنه الذي سبق أن ذكرنا قوله وهو يخاطب الدنيا: (إلىّ تغرغرت إلىّ تشوفت هيهات هيهات غُري غيري قد بتتك ثلاثًا فعمرك قصير ومجلسك حقير وخطرك يسير آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق).

وغيرهم من الصحابة ومن التابعين ومن الذين تبعوهم بإحسان في كل زمان ومكان يحاسبون أنفسهم قبل أن يردوا إلى يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.

نشكو إلى الله ضعفنا ونسأله أن يرحم ضعفنا ويغفر خطايانا أقول هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين نحمده تعالى ونشكره ونثني عليه الخير كله وأصلي وأسلم على عبده ورسوله وخيرته من خلقه صلوات الله عليه وسلامه وعلى آله وأصحابه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: عباد الله لو كانت المحاسبة للنفوس قائمة لكان الحال غير الحال ولرأيت الصلاح في البشر ورأيت الصلاح في العباد وفي البلاد ولكن كثيرًا من الناس غافلون عن محاسبة أنفسهم.

لو كانت المحاسبة للنفوس قائمة لما رأيت معصية لما رأيت شركًا ولا نفاقًا ولا رأيت غيبة ولا نميمة ولا رأيت ربًا وزنًا ولا خمرًا ولا رأيت صغيرة ولا كبيرة، ما رأيت إيمانًا كاذبًا ولا غشًا ولا خداعًا ولا ظلمًا ولا جورًا ولا عدوانًا، لو كانت المحاسبة في النفوس قائمة ما حصلت مشاكل في مال وما قامت منكرات لم تسبق فيمن سبق من العالمين كان نتيجتها على التفرق والتمزق الذي يعيشه المسلمون اليوم.

لو حاسب الناس أنفسهم وأقاموها على أمر الله تبارك وتعالى لرأيت الحال غير الحال إن كثيرًا من الناس لا يرتاح في نوم حتى يعرف حساب تجارته هل آلت به إلى الربح أم إلى الخسران، بل قد ينهض من فراشه مرات كلما تذكر أمرًا من الأمور وقد تمر عليه الليلة كاملة ولا يستحل بنوم أبدًا.

وإن بعضًا من الناس يمر عليه الليل وهو يتلوى من الحسرة والندامة على صفقة خسرها أو فاتته مشاركة فيها.

بل إن بعضًا من الناس يمسي يعض أصابع الندم حينما يرى نعمة أنعم الله بها على أحد من إخوانه وقد تكون ابتلاءً واختبارًا من الله تعالى.

بل إن بعض الناس أيضًا قد يتجاوز الحق إلى الباطل استبدادًا لرأيه وتعصبًا لهواه وميلاً مع شهوته.

فلو كانت المحاسبة في النفوس قائمة ما رأيت هذه الأمور ولا غيرها مما يغضب الله تبارك وتعالى ولصلحت أحوال المسلمين ولن تصلح إلا إذا حاسبوا أنفسهم واستعدوا إلى لقاء الله تعالى الذي سيحاسبهم وهو يعلم السر وأخفى لا تخفى عليه خافية فهو علام الغيوب سبحانه وتعالى.

فاتقوا الله يا عباد الله وحاسبوا أنفسكم وراقبوها وقوموها على أمر الله تعالى وحاسبوا أنفسكم في أسبوع مضى من حاسب نفسه على طاعة فازداد منها أو على معصية وقع فيها فتاب منها من الذي فعل ذلك.

من حاسب نفسه فتذكر نعمة الله عليه فازداد شكرًا لها.

من حاسب نفسه فانبعثت في قلبه خشية الله فذرفت عينه حتى تطفئ النار يوم القيامة فعينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله.

وصلوا وسلموا على عبد الله ورسوله فقد أمركم الله بذلك فقال تعالى: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا .

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

وارض اللهم عن أصحابه أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بفضلك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

  • عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري - مسجد قباء - المدينة المنورة

سنن أبي داود (4341) سنن الترمذي (3058) سنن ابن ماجة (4014).

أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التفسير باب (4/1673).

أبو نعيم في الحلية (1/60) وفي سنده انقطاع.

الأحزاب:56

محاسبة النفس

أبو عمار

الحمد لله الذي أمرَ بمحاسبةِ النفوس ، وجعلَ عملها للصالحاتِ خيراً من الجلوس ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له ، الذي رفعَ بالمحاسبةِ الرؤوس ، وأعلى بها النفوس ، وأشهدُ أنّ سيدنا محمداً عبده ورسولُـه ، طبيبُ النفوس ، أمر بمحاسبةِ النفس ، قبلَ اليومِ العَبوس ، صلى الله عليه وسلمَ كلما حوسبت نفسٌ وأُزيلَ رجس ، وعلى آله وصحبه ومن سارَ على نهجهِ إلى يوم الدين ، أما بعد : إن من أعظمِ الأمانات أمانةُ النفس ، فهي أعظمُ من أمانةِ الأموالِ والأولاد ، أقسمَ الله بها في كتابه ، ولا يقسمُ الله إلا بعظيم ، قال تعالى : ) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ( وقد جعلَ الله لهذهِ النفس طريقين : طريقُ تقوىً وبه تفوزُ وتُفلح ، وطريقُ فجورٍ وبه تَخسر وتَخيب .

والناظرُ في حالِ الناسِ اليوم ، يرى رُخص النفوسِ عند أهلِـها ، ويرى الخسارةَ في حياتِـها لعدمِ مُحاسبتِها ، والذين فقدوا أو تركوا محاسبةَ نفوسِهم سيتحسرون في وقتٍ لا ينفعُ فيه التحسر ، يقول جل شأنه : } أنْ تَقولَ نَفسٌ يا حَسْرتى عَلى ما ! فَرطتُ في جَنْبِ اللهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ الساخِرين { .

وبتركِ محاسبة النفس تسلط الشيطانُ الذي دعا إلى المعصية ، وحذّر من الطاعة ، وزينَ الباطل ، وثبطّ عن العَملِ الصالح وصدّ عنه . وبتركِ محاسبة النفس تمكنت الغفلةُ من الناسِ ، فأصبحَ لهم قلوبٌ لا يفقهونَ بها ولهم أعينٌ لا يبصرونَ بها ، ولهم آذانٌ لا يسمعونَ بها ، أولئكَ كالأنعامِ بل هم أضل ، أولئكَ هم الغافلون .

يقول جل وعلا : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }.

يقولُ ابنُ كثيرٍ ? رحمه الله ? في تفسيرِ قولِه تعالى : { وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ } : (( أي حاسبوا أنفسَكم قبل أن تحاسبوا وانظروا ماذا ادخرتُم لأنفسِـكم من الأعمالِ الصالحةِ ليومِ معادِكم وعرضِـكم على ربِكم ، واعلموا أنه عالمٌ بجميعِ أعمالِكم وأحوالِكم ، لا تخفى عليهِ منكم خافيه )) انتهى كلامه رحمه الله .

  • ويترتبُ ? كذلكَ ? على ترك محاسبة النفس أمرٌ هامٌ جداً ، ألا وهو هلاكُ القلب ، هـلاكُ القلب ! يقولُ ابنُ القيّم ? رحمه الله - : " وهلاكُ القلب من إهمالِ النفسِ ومن موافقتها وإتباع هواها " .

وقالَ رحمه الله في إغاثةِ اللهفان : " وتركُ المحاسبة والاسترسالُ وتسهيلُ الأمورِ وتمشيتُـها ، فإنَّ هذا يقولُ بهِ إلى الهلاكِ ، وهذه حالُ أهلِ الغرور ، يُغْمضُ عينيهِ عن العواقبِ ويُمَشّي الحال ، ويتكلُ على العفو ، فيهملُ محاسبة نفسهِ والنظرُ في العاقبة ، وإذا فعلَ ذلكَ سَهُلَ عليه مواقعةُ الذنوبِ وأنِسَ بها وعَسُرَ عليه فِطامُها ولو حَضَرَه رُشْدَه لعلِم أنّ الحميةَ أسهلُ من الفِطام وتركُ المألوف والمعتاد " انتهى كلامه رحمه الله . وكتبَ عمرُ بن الخطابِ t إلى بعضِ عمُّالِهِ :

(( حاسب نفسكَ في الرخاء قبلَ حسابِ الشدة ، فإن من حاسبَ نفسهُ في الرخاءِ قبلَ حساب الشدة ، عادَ أمرُه إلى الرضا والغبطة ، ومن ألهته حياته وشغلتْـهُ أهواؤه عادَ أمرُه إلى الندامةٍ والخسارة )) .

وكان الأحنفُ بن قيسٍ يجيءُ إلى المصباحِ فيضعُ إصبَعهُ فيه ثم

يقول : يا حُنيف ، ما حمَلَكَ على ما صنعتَ يومَ كذا ؟ ما حمَلَكَ على ما صنعتَ يومَ كذا ؟

وقال الحسن ? رحمه الله - : " إن المؤمنَ واللهِ ما تراهُ إلا يلومُ نفسهُ على كلِّ حالاته ، يستقصرها في كل ما يفعل ، فيندمُ ويلومُ نفسَهُ ، وإنّ الفاجرَ ليمضي قُدُمـاً لا يعاتبُ نفسَه " .

فيجبُ أن يكونَ المؤمنُ محاسباً لنفسهِ مهتماً بها ، لائماً على تقصيرِها قال الإمامُ ابنُ القيمِ رحمه الله تعالى : (( ومن تأملَ أحوالَ الصحابةِ رضي الله عنهُم وجدَهم في غايةِ العملِ معَ غايةِ الخوف ، ونحن جمعنا بين التقصير ، بل بين التفريطِ والأمن )) .

هكذا يقولُ الإمامُ ابن القيمِ عن نفسه وعصره !

فماذا نقولُ نحنُ عن أنفسِـنا وعصرِنا ؟!


· ولمحاسبةِ النفس نوعـان : نوعٌ قَبلَ العمل ، ونوعٌ بعدَه .

§ النوعُ الأول : محاسبة النفس قبل العمل :

وهو أن ينظرَ العبدُ في هذا العمل ، هل هوَ مقدورٌ عليهِ فيعملَه ، مثل الصيام والقيام . أو غيرَ مقدورٍ عليهِ فيتركَه . ثم ينظر هل في فعله خيرٌ في الدنيا والآخرة فيعملَه ، أو في عملِه شرٌ في الدنيا والآخرة فيتركَه . ثم ينظر هل هذا العمل للهِ تعالى أم هو للبشر ، فإن كان سيعملُه لله فعلَه ، وإن كانت نيتَهُ لغيرهِ ترَكه .

§ النوع الثاني : محاسبة النفس بعد العمل : وهو ثلاثة أنواع :

  • النوعُ الأول : محاسبة النفس على طاعاتٍ قصَّرتْ فيها .

كتركها للإخلاصِ أو للمتابعة ، أو تركِ العمل المطلوب كترك الذكر اليومي ، أو تركِ قراءةِ القرآن ، أو تركِ الدعوة أو ترك صلاةِ الجماعة أو ترك السننِ الرواتب . ومحاسبة النفس في هذا النوعِ يكون بإكمالِ النقص وإصلاح الخطأ ، والمسارعةِ في الخيرات وترك النواهي والمنكرات ، والتوبةِ منها ، والإكثارُ من الاستغفار ، ومراقبةُ اللهِ عز وجل ومحاسبة القلب والعمل على سلامتِه ومحاسبةُ اللسان فيمـا قالَه ، وإشغالِه إما بالخيرِ أو بالصمت ، وكذلك يكونُ بمحاسبة العين فيما نظرت ، فيطلقها في الحلالِ ويَغُضُّها عن الحرام ، وبمحاسبة الأُذن ما الذي سَمِعته ، وهكذا جميعِ الجوارح .

  • النوعُ الثاني من أنواع محاسبة النفس بعد العمل :

أن يحاسبَ نفسَهُ على كلِّ عملٍ كانَ تركُهُ خيراً من فعله ؛ لأنهُ أطاعَ فيه الهوى والنفس ، وهو نافذةٌ على المعاصي ، ولأنهُ من المتشابه ،

يقولُ صلى الله عليه وسلم : (( إن الحلال بَيِّن ! وإن الحرام بَيِّن، وبينهما أمور مشتبهات ، لا يعلمهن كثيرٌ من الناس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقعَ في الشبهات وقع في الحرام )) . ويقولُ عليه الصلاة والسلام : (( دع ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك )) .

  • والنوع الثالث :

أن يُحاسبَ الإنسانُ نفسَه على أمرٍ مباح أو معتاد : لـمَ فعله ؟ وهل أرادَ به الله والدارَ الآخرة فيربح ، أم أرادَ به الناسَ والدنيا فيخسر ذلك الربح ويفوتَهُ الظَفَرُ به .


· ولمحاسبة النفس فوائدٌ جمّةٌ ، منها :

أولاً : الإطلاعُ على عيوبِ النفس ، ومن لم يطلع على عيبِ نفسِه لم يمكنهُ معالجتُه وإزالته .

ثانيـاً : التوبةُ والندمُ وتدارك ما فات في زمنِ الإمكان .

ثالثـاً : معرفةُ حقُ اللهِ تعالى ، فإن أصلَ محاسبةُ النفس هو محاسبتُـها على تفريطها في حقِ الله تعالى .

رابعـاً : انكسارُ العبد وتذلُلَه بين يدي ربه تبارك وتعالى .

خامساً : معرفةُ كرَمِ الله سبحانه ومدى عفوهِ ورحمتهِ بعبادهِ في أنه لم يعجل لهم عقوبتَهم معَ ما هم عليه من المعاصي والمخالفات .

سادسـاً : الزهد ، ومقتُ النفس ، والتخلصُ من التكبرِ والعُجْب .

سابعـاً : تجد أنَّ من يحاسبُ نفسَهُ يجتهدُ في الطاعةِ ويترُكُ المعصية حتى تَسهُلَ عليهِ المحاسبةُ فيما بعد .

ثامنـاً : ردُ الحقوقِ إلى أهلِـها ، ومحاولةُ تصحيحِ ما فات .

وغيرها من الفوائد العظيمة الجليلة .

· وهناكَ أسبابٌ تعينُ المسلمَ على محاسبةِ نفسهِ وتُسهِّلُ عليهِ ذلك ، منها ما يلي :

  1. معرفةُ أنك كلما اجتهدت في محاسبةِ نفسكَ اليوم ، استراحتَ من ذلك غداً ، وكلما أهملتها اليوم اشتدَّ عليكَ الحسابُ غداً .

  2. معرفةُ أنَّ ربحَ محاسبة النفس هو سُكْنى الفردوس ، والنظرُ إلى وجهِ الربِ سبحانه ، وأنَّ تركها يؤدي بك إلى الهلاكِ ودخولِ

النار والحجابِ عن الرب تبارك وتعالى .

  1. صحبةُ الأخيار الذينَ يُحاسبونَ أنفسَهُم ، ويُطلِعونَك على عيوبِ نفسِكَ ، وتركُ صحبة من عداهم .

  2. النظرُ في أخبارِ أهل المحاسبةِ والمراقبة ، من سلفِنا الصالح .

  3. زيارةُ القبورِ والنظرُ في أحوالِ الموتى الذين لا يستطيعونَ محاسبةَ أنفسِهم أو تدارُكِ ما فاتَـهم .

  4. حضورُ مجالس العلمِ والذكر فإنها تدعو لمحاسبة النفس .

  5. البعدُ عن أماكن اللهوِ والغفلة فإنها تُنسيكَ محاسبةَ نفسك .

  6. دعاءُ اللهِ بأن يجعلك من أهلِ المحاسبة وأن يوفقك لذلك .

· كيفَ أحاسبُ نفسي ؟

سؤالٌ يترددُ في ذِهن كل واحدٍ بعدَ قراءةِ ما مضى .

وللإجابة على هذا التساؤل :

ذكرَ ابنُ القيم أن محاسبةَ النفس تكون كالتالي :

أولاً : البدءُ بالفرائض ، فإذا رأى فيها نقصٌ تداركهُ .

ثانياً : النظرُ في المناهي ، فإذا عرَف أنه ارتكب منها شيئاً تداركه بالتوبةِ والاستغفارِ والحسناتِ الماحية .

ثالثاً : محاسبةُ النفس على الغفلةِ ، ويَتَدَاركُ ذلِك بالذكرِ والإقبالِ على ربِ السماوات ورب الأرض رب العرش العظيم .

رابعاً : محاسبةُ النفس على حركاتِ الجوارح ، وكلامِ اللسان ، ومشيِ الرجلين ، وبطشِ اليدين ، ونظرِ العينين ، وسماعِ الأذنين ، ماذا أردتُ بهذا ؟ ولمن فعلته ؟ وعلى أي وجه فعلته ؟


قال ابن قدامة في كتابه : مختصر منهاج القاصدين :

وتحققَ أربابُ البصائر أنه لا ينجيهم من هذه الأخطار - الناتجة عن عدمِ محاسبة النفس - إلا لزومُ المحاسبةِ لأنفسِهم وصِدْقُ المراقبة ، فمن حاسبَ نفسهُ في الدنيا خفَّ حسابه في الآخرة ، ومَن أهملَ المحاسبة دامتْ حسراته ، فلما علموا أنهم لا يُنجيهم إلا الطاعة ، وقد أمرَهم بالصبرِ والمرابطةِ فقالَ سبحانه : }يا أيُّها الَذينَ آمَُنواْ اصبِروا وَصابِرواْ ورابِطوا{ فرابطوا أنفسَهم أولاً بالمشارطةِ ثمّ بالمراقبة ، ثم بالمحاسبةِ ثم بالمعاقبة ، ثم بالمجاهدةِ ثم بالمعاتبة ، فكانتْ لهم في المرابطةِ سِتُّ مقاماتٍ أصلُها المحاسبة ، ولكنْ كلّ حسابٍ يكونُ بعدَ مشارطةٍ ومراقبة ، ويتبعهُ عندَ الخُسران المعاتبةُ والمعاقبة . نأخذها الآنَ بشيءٍ منَ التفصيل :

المقامُ الأول : المشــارطة :

اعلم أنّ التاجرَ كما يستعينُ بشريكهِ في التجارةِ طلباً للربح ، ويشارطهُ ويحاسبه ، كذلك العقلُ يحتاجُ إلى مشاركةِ النفس وشرطِ الشروطِ عليها وإرشادِها إلى طريقِ الفلاح ، والتضييقِ عليها في حركاتها وسكناتها . فمثلاً : إذا فَرِغَ العبدُ من صلاةِ الصُبْح ، ينبغي أن يُفرغَ قلبَه ساعةً لمشارطةِ نفسهِ

فيقولُ للنفس : ماليَ بضاعة إلا العُمُر ، فإذا فَنِيَ مني رأس المال وقعَ اليأسُ من التجارةِ وطلبِ الربح . فليقُل أحدُنا الآنَ قبلَ الموت : يا نفس ، اجتهدي اليومَ في أن تعـمُري خِزانتكِ ولا تدعيها فارغة ، ولا تَميلي إلى اليأسِ والدَعَةِ والاستراحة فيفوتكِ من درجاتِ عليينَ ما يُدْرِكه غيرَكِ المقامُ الثاني : المراقبــة :

إذا أوصى الإنسانُ نفسَهُ وشَرَطَ عليها ، لم يبقَ إلا المراقبة لها وملاحظتها وفي الحديثِ الصحيح في تفسيرِ الإحسان ، لما سُئِلَ عنهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال : (( أنْ تعبدَ الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراهُ فإنه يراك )) . فمراقبة العبد نفسَه في الطاعة هو أن يكونُ مخلصاً فيه! ا ، ومراقبته في المعصيةِ تكونُ بالتوبةِ والندمِ والإقلاع ، ومراقبته في المباح تكونُ بمراعاةِ الأدب والشكرِ على النعيم ، وكلُّ ذلك لا يخلو من المراقبة .

المقام الثالث : المحاسبةُ بعدَ العمل :

اعلم أن العبدَ كما ينبغي أن يكونَ له وقتٌ في أولِ النهار يشارطُ فيهِ نفسه ، كذلك ينبغي أن يكونَ له ساعةٌ يطالبُ فيهِ نفسه في آخرِ النهار ويحاسبُها على جميعِ ما كانَ منها ، كما يفعلُ التُجّار في الدنيا معَ الشُركاءِ في آخرِ كل سنةٍ أو شهرٍ أو يوم .

المقام الرابع : معاقبةُ النفسِ على تقصيرِها :

اعلم أن العبدَ إذا حاسبَ نفسهُ فرأى منها تقصيراً ، أو فعلَتْ شيئاً من المعاصي ، فلا ينبغي أن يهملَها ، فإنه يَسْهُلُ عليهِ حينئذٍ مقارفةُ الذنوب ويعسرُ عليه فِطامُها ، بل ينبغي أن يعاقبها عقوبةً مباحة ، كما يعاقبُ أهلَهُ وأولادَه . وكما رويَ عن عمر رضي الله عنه : أنه خَرجَ إلى حائطٍ له ثم رَجعَ وقد صلى الناسُ العصرَ ، فقال : إنما خرجتُ إلى حائطي ورَجعتُ وقد صلى الناسُ العصرَ ، حائطي صدقةٌ على المساكين .

المقام الخامس : المجــاهدة :

إذا حاسبَ الإنسانُ نفسَه ، فينبغي إذا رآها قد قارفت معصيةً أن يُعاقبـَها كما سبق ، فإن رآها تتوانى للكسلِ في شيءٍ من الفضائلِ أو وِرد من الأوراد ، فينبغي أن يؤدبـَها بتثقيلِ الأورادِ عليها ، كما وردَ عن ابنِ عمرَ رضي الله عنه ، أنه إذا فاتته صلاةٌ في جماعةٍ فأحيا الليلَ كلَّه! ُ تِلكَ الليلة ، فهوَ هُنا يجاهدُها ويُكرِهُهَا ما استطاع .

المقام السادس والأخير : معاتبةُ النفسِ وتوبيخُـها :

قال أنس رضي الله عنه : سمعتُ عمرَ بن الخطابِ رضي الله عنه ، وقد دخلَ حائطاً ، وبيني وبينه جدار ، يقول : عمرُ بن الخطاب أميرُ المؤمنين !! بخٍ بخ ، واللهِ لتتقينَ الله يا ابن الخطاب أو ليُعذبنَّك ! .

أخي الحبيب : اعلم أن أعدى عدوٍ لكَ نفسُكَ التي بين جنبيك ، وقد خُلِقتْ أمارةً بالسوءِ ميالةً إلى الشرورِ ، وقد أُمرتَ بتقويمها وتزيكتها وفطامها عن موارِدِها ، وأن تقودَها بسلاسلِ القهْرِ إلى عبادةِ ربِها ، فإن أنتَ أهملتها ضلّتْ وشَرِدتْ ، وإن لزمتَها بالتوبيخِ رَجونا أن تصيرَ مُطمئنة ، فلا تغفلنّ عن تذكيرِها .

أخي الحبيب : كم صلاةٍ أضعتَها ؟ كم جُمُعَةٍ تهاونتَ بها ؟ كم صدقةٍ بَخِلتَ بها ؟ كم معروفٍ تكاسلتَ عنه ؟ كم منكرٍ سكتَّ عليه ؟ كم نظرةٍ محرمةٍ أصبتَها ؟ كم كلمةٍ فاحشةٍ أطلقتها ؟ كم أغضبتَ والديك ولم ترضِهِما ؟ كم قسوتَ على ضعيفٍ ولم ترحمه ؟ كم من الناسِ ظلمتَه ؟ كم وكم …؟

إنا لنفـرحُ بالأيـامِ نقطعُـها *** وكـلَّ يومٍ يُدني من الأجـلِ

فاعمل لنفسِكَ قبلَ الموتِ مجتهداً *** فإنما الربحُ والخسرانُ في العملِ

هذا والله تعالى أعلى وأعلم وأحكم ، وصلى الله وسلمَ وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آلهِ وصحبه أجمعين .


المراجع:

  1. كيـف تحاسب نفسـك ؟

لفضيلة الشيخ : سعد بن سعيد الحجري .

  1. مختصر منهاج القاصدين .

للإمـــام : ابن قدامة المقدسي .

  1. مطوية " محاسبة النفس "

إعداد القسم العلمي بدار الوطن .

إعداد أخوكم / أبو عمار

لا تبخلوا بملاحظاتكم وتوجيهاتكم

opo_950@hotmail.com

المسلم ومحاسبة النفس

عبد الرحمن المقدسي (تراب)

الحمد لله الذي أمرَ بمحاسبةِ النفوس، وجعلَ عملها للصالحاتِ خيراً من الجلوس، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، الذي رفعَ بالمحاسبةِ الرؤوس، وأشهدُ أنّ سيدنا محمداً عبده ورسولُه، صلى الله عليه وسلمَ وعلى آله وصحبه ومن سارَ على نهجهِ إلى يوم الدين، ثم أما بعد:

أخي المسلم: هل خلوت بنفسك يوماً فحاسبتها عما بدر منها من الأقوال والأفعال؟

وهل حاولت يوماً أن تعد سيئاتك كما تعد حسناتك؟ بل هل تأملت يوماً طاعاتك وحملك لدعوة الله؟! فإن وجدت أن كثيراً منها مشوباً بالرياء والسمعة وحظوظ النفس او التقصير فكيف تصبر على هذه الحال، وطريقك محفوف بالمكاره والأخطار؟! وكيف القدوم على الله وأنت محمل بالأثقال والأوزار, وقد أخذت على عاتقك أن تنهض بأمتك لترتقي بها عنان السماء فتسود بحكم القرآن العالم أجمع.

والله سبحانه وتعالى بيّن لنا كيف يكون أتباع الأنبياء، يكونون ربّانيّين علماء حملة دعوة، أي عالمين بالحلال والحرام، آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، يعلمون ما يجري حولهم ويُحذّرون أمتهم من أي خطر يُحدِقُ بهم، " وسيرة نبيّنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيّنت كيف كان الصحابة الكرام كذلك، وعلى أكتافهم قامت الدولة الإسلامية الأولى، وكي نكون أهلاًً لتنزّل النصر وأهلا ً لإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية، علينا إعداد أنفسنا كما تمّ إعداد الصحابة رضوان الله عليهم، الذين كانوا أهلا ً لإقامة الدولة الإسلامية الأولى، فكان لزاماً علينا أن نحاسب أنفسنا حسابا في كل صغيرة وكبيرة, وكيف لا؟! فنفسية الانسان ان لم يضبطها الانسان بالقاعدة الفكرية ألا وهي العقيدة وأدركت هذه النفسية صلتها بالله أنها مخلوقة لخالق وتركت لشهواتها ونزواتها تمرددت ودب فيها العصيان وحب الدنيا فهلكت وأهلكت, ولذلك كان لابد من تذكير ومحاسبة ومراجعة للنفس بين الحين والأخر ليعيد الداعية حساباته في علاقاته الثلاث, مع ربه أولا ونفسه والأخرين.

قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أتقو الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون، ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) [الحشر:18،19].

هذه الآية العظيمة تعدُّ أصلاً في باب محاسبة النفس ومعاتبتها كما جاء في كتب التفاسير، بل تدل هذه الآية على وجوب محاسبة النفس ولومها على تقصيرها وتفريطها في جنب الله، وتذكيرها بيوم لقاء الله والوقوف بين يديه سبحانه, فيوم غد قريب، ويوم القيامة آت لا محالة، والعبد واقف بين يدي الله ولا بد، والله جل وعلا محاسبه وسائله عما قدم في هذه الحياة، فكان من الخير للإنسان أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب، وأن يزنها قبل أن يوزن, وأن يهيئها للعرض على الله جل وعلا.

فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم يحث على محاسبة النفس فيقول: (الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أَتبع نفسه هواها، وتمنى على الله ) رواه البيهقي والترمذي وابن ماجه.

وكذا السلف الصالح رضوان الله عليهم أسهبوا في هذا الموضوع وأثرَوه:

حيث قال ميمون بن مهران رضي الله عنه: “لا يكون العبد تقياً حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه”، ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوّان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك. اغاثة اللهفان لابن القيم

وروي عَنِ الْحَسَنِ رضي الله عنه أنه قَالَ: " إِنَّ الْمُؤْمِنَ قَوَّامٌ عَلَى نَفْسِهِ، يُحَاسِبُ نَفْسَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّمَا خَفَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ حَاسَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا شَقَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ أَخَذُوا هَذَا الأمْرَ مِنْ غَيْرِ مُحَاسَبَةٍ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَفْجَأُ الشَّيْءَ يُعْجِبُهُ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَشْتَهِيكَ، وَإِنَّكَ لَمِنْ حَاجَتِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا مِنْ صِلَةٍ إِلَيْكَ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَيَفْرُطُ مِنْهُ الشَّيْءُ فَيَرْجِعُ إِلَى نَفْسِهِ، فَيَقُولُ: مَا أَرَدْتُ إِلَى هَذَا، مَا لِي وَلِهَذَا، وَاللَّهِ لا أَعُودُ إِلَى هَذَا أَبَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ". الزهد والرقائق لابن المبارك

عَنْ أَبِي الأَغَرِّ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: "مَكْتُوبٌ فِي حِكْمَةِ آلِ دَاوُدَ: حَقٌّ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لا يَغْفَلَ عَنْ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ: سَاعَةٍ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهِ، وَسَاعَةٍ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٍ يَخْلُو فِيهَا مَعَ إِخْوَانِهِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَهُ بِعُيُوبِهِ وَيَصْدُقُونَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَسَاعَةٍ يَخْلُو فِيهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّاتِهَا، فِيمَا يَحِلُّ وَيُحْمَدُ، فَإِنَّ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ عَوْنًا عَلَى تِلْكَ السَّاعَاتِ. ابن ابي الدنيا

وذكر أيضا عن الحسن قال: “لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه: ماذا أردت تعملين؟ وماذا أردت تأكلين؟ وماذا أردت تشربين؟ والفاجر يمضي قدما قدما لا يحاسب نفسه”. وقال: “إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته”. اغاثة اللهفان لابن القيم

ومن مواقف السلف الصالح في محاسبة النفس: ما روي عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، ذُكِرَ أَنَّهُ مِنْ وَلَدِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، قَالَ : " كَانَ تَوْبَةُ بْنُ الصِّمَّةِ بِالرَّقَةِ ، وَكَانَ مُحَاسِبًا لِنَفْسِهِ ، فَحَسَبَ ، فَإِذَا هُوَ ابْنُ سِتِّينَ سَنَةً ، فَحَسَبَ أَيَّامَهَا ، فَإِذَا هِيَ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ أَلفَ يَوْمٍ وَخَمْسُ مِائَةِ يَوْمٍ ، فَصَرَخَ وَقَالَ : يَا وَيْلَتِي ! أَلْقَى الْمَلِيكَ بِأَحَدٍ وَعَشْرِينَ أَلْفَ ذَنْبٍ ، كَيْفَ وَفِي كُلِّ يَوْمٍ عَشْرَةُ آلَافِ ذَنْبٍ " ، ثُمَّ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ، فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ. مختصر منهاج القاصدين- الزهد والرقائق للبغدادي

وعن عَبْد الجبار بْن النضر السلميً ، قال : مر حسان بْن أبي سنان بغرفة (بيت) فقال : مذ كم بُنِيَت هذه؟ قال: ثم رجع إلى نفسه فقال: وما عليك مذ كم بنيت ، تسألين عما لا يعنيك ، فعاقبها بصوم سنة. تهذيب الكمال

وعَنْ نُسَيْرِ بْنِ ذُعْلُوقٍ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ أَبُو أُمَيَّةَ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: " كُنَّا فِي غَزَاةٍ لَنَا، فَحَضَرَ عَدُوُّهُمْ، فَصِيحَ فِي النَّاسِ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الرِّيحِ، إِذَا رَجُلٌ أَمَامِي وَهُوَ يُخَاطِبُ نَفْسَهُ، فَيَقُولُ: أَيْ نَفْسِي ، أَلَمْ أَشْهَدْ مَشْهَدَ كَذَا وَكَذَا ؟ فَقُلْتِ لِي: أَهْلُكَ وَعِيَالُكَ، وَأَطَعْتُكِ فَرَجَعْتُ. أَلَمْ أَشْهَدْ مَشْهَدَ كَذَا وَكَذَا؟ فَقُلْتِ لِي: أَهْلُكَ وَعِيَالُكَ، فَأَطَعْتُكِ فَرَجَعْتُ. وَاللَّهِ، لأَعْرِضَنَّكِ الْيَوْمَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَخَذَكِ أَوْ تَرَكَكِ، فَقُلْتُ: لأَرْمُقَنَّهُ الْيَوْمَ، فَرَمَقْتُهُ، فَحَمَلَ النَّاسُ عَلَى عَدُوِّهِمْ، فَكَانَ فِي أَوَائِلِهِمْ ، ثُمَّ إِنَّ الْعَدُوَّ حَمَلَ عَلَى النَّاسِ، فَانْكَشَفُوا (انسحبوا)، وَكَانِ فِي حُمَاتِهِمْ، ثُمَّ حَمَلُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ، فَكَانَ فِي أَوَائِلِهِمْ، ثُمَّ حَمَلَ الْعَدُوُّ، وَانْكَشَفَ النَّاسُ، فَكَانَ فِي حُمَاتِهِمْ، قَالَ: فَوَاللَّهِ، مَا زَالَ ذَلِكَ دَأْبَهُ حَتَّى رَأَيْتُهُ صَرِيعًا، فَعَدَدْتُ بِهِ وِبَدَابَّتِهِ سِتِّينَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ طَعْنَةً". ابن ابي الدنيا

ولَرُب سائل يسأل: كيفَ يحاسب المسلم نفسه؟ وما هي الخطوات العملية في ذلك؟

ذكرَ ابنُ القيم رحمه الله أن محاسبةَ النفس تكون كالتالي :

  1. البدءُ بالفرائض ، فإذا رأى فيها نقصٌ تداركهُ: وهذا أمر بديهي للمسلم حامل الدعوة الفطن الذي يقتدي بالرسل وأتباعهم في حمل دعوته, فتراه على فروضه قائما, كالصلاة في وقتها, ونفقة عياله وتعليمهم, وحثه لأهل بيته وزوجته على حمل الدعوة جنبا الى جنب معه, بل يحاسب نفسه اشد الحساب ان تراخت تلك النفس الأمارة بالسوء عن حمل الدعوة, وطلبت الدعة والراحة, فتراه يتصل بالناس يفقههم ويعلمهم, ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم فهو جزء من الأمة, مدركاً أنه يجب عليه محاسبة نفسه قبل وأثناء وبعد العمل, فقبل الاقدام على العمل يسأل عن الحكم الشرعي في ذلك, فالأصل في الأفعال التقييد بالحكم الشرعي, وأثناء العمل يخلص نيته لله دون مراء ولا رياء, مقتدي بالعمل وفق طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وبعد انتهاء او القيام بالعمل يراجع نفسه ويحاسبها على تقصيرها من هذا العمل.

فلا راحة بعد اليوم أيها المسلم, فان كنا ننام ونلتقي بالأهل والإخوان, فعدونا لا ينام ولا يغفل عن الكيد بنا وبالإسلام, وأي مسلم حامل للدعوة هذا من كان اسمه في الحصاد ومنجله مكسور!! بل لعمري من هانت عليه دعوته التي هي تاج فروضه وعماد دينه هان عليه سائر الدين والعياذ بالله!!

روي عن ابي بكر الصديق رضي الله عنه انه قال: إن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة .فتاوى ابن تيمية

  1. النظرُ في المناهي (أي المحرمات): فإذا عرَف أنه ارتكب منها شيئاً تداركه بالتوبةِ والاستغفارِ والحسناتِ الماحية. عَنْ أَبِيْ عَبْدِ اللهِ النُّعْمَانِ بْنِ بِشِيْر رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُوْلُ: (إِنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُوْرٌ مُشْتَبِهَات لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاس،ِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرأَ لِدِيْنِهِ وعِرْضِه، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيْهِ. أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَىً . أَلا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلا وإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وإذَا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهيَ القَلْبُ) رواه البخاري ومسلم

وكوننا مسلمين حملة دعوة فنحن أبعد الناس عن الحرام وكيف لا؟! فهل يليق بأتباع الرسل الوقوع في الحرام أو حتى مشتبهات الأمور ونحن القدوة والأسوة للناس, فما بال بعض الشباب ليسوا من أهل المساجد ولا من أهل القرآن أو دروس التجويد والتلاوة, وما بال بعضهم لوالديهم عاقين, وما بالهم قد اعتراهم بعض اليأس والقنوط من نصر الله لعباده وخاصة محنة اخوانهم في الشام, فلهم في احتلال التتار لبغداد وسرعة عافية الأمة ودحر الكفار في وقت قياسي عبرة وعظة, قال تعالى: (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء)آل عمران140. فعيون أمتنا ترنو إلينا صباح مساء, تراقبنا وتقتدي بنا فنحن رجال دولتهم القادمة قريبا إن شاء الله, فما ظنكم برب العالمين, الذي لا تنام عينه؟!

  1. محاسبةُ النفس على الغفلةِ: وإن من أعظم أسباب الغفلة الجهل بالله عز وجل وأسمائه وصفاته. والحق أن كثيرًا من الناس لم يعرفوا ربهم حق المعرفة، ولو عرفوه حق المعرفة ما غفلوا عن ذكره، وما غفلوا عن أوامره ونواهيه؛ لأن المعرفة الحقيقية تورث القلب تعظيم الرب ومحبته وخوفه ورجاءه، فيستحي المسلم العارف بربه أن يراه خالقه على معصية، أو أن يراه غافلاً. فأُنس الجاهلين بالمعاصي والشهوات، وأُنس المسلمين بالذكر والطاعات. وإن من أعظم أسباب الغفلة حب الدنيا والانغماس في شهواتها. فحين ذُمت الدنيا في الأحاديث لم يكن يعني السلف الصالح حال الدنيا التي نحن عليها اليوم, بل تلك الدنيا التي يُطبق حكم الله فيها, فيؤمر بالمعروف وينهي عن المنكر, تلك الدنيا التي عاشوها بالفتوحات والانتصارات بحلو أيامها وعزها, ومع ذاك ذموها ومقتوها. فماذا عسانا نقول عن حالنا اليوم؟!!! فمَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ, قلب متعلق بالدنيا وأخر بالآخرة!! فاللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا.

  2. محاسبةُ النفس على حركاتِ الجوارح: ككلامِ اللسان ، ومشيِ الرجلين ، وبطشِ اليدين ، ونظرِ العينين: ماذا أردتُ بهذا؟ ولمن فعلته؟ وعلى أي وجه فعلته؟ عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:« إستحيوا من الله حق الحياء قال قلنا يا رسول الله إنا نستحيي والحمد لله, قال ليس ذاك, ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى ولتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء» رواه الترمذي

وحفظُ الرأس وما وعى يكون بحفظ ما فيه من الحواس من سمع وبصر ولسان، فلا تتحرك إلا فيما يُرضي ربَنا عز وجل، ويكون كذلك بحفظ العقل مما قد يفسده ماديا من خمر أو مخدرات أو حتى فكريا من مفاهيم كفريه أو مفاهيم مضللة أو ذهنيا من الانشغال باللغو من القول والأغاني وتوافه الأمور. وحفظ البطن وما حوى يكون بأن لا نأكل ولا نشرب إلا حلالا طيبا ونتجنب الحرام ويكون بحفظ الفروج عن الحرام كي لا يقر في الأرحام إلا حلالاً، قال صلى الله عليه وآله وسلم: « مَنْ يَضْمَنْ لي ما بيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بيْنَ رِجْلَيْهِ أضْمنْ لهُ الجَنَّة ». متفقٌ عليهِ

أخواني الكرام: هذه دعوة للجميع, في محاسبة النفس والوقوف عليها طويلاً, وأَطرها على الحق أطراً, وسوقها إلى الجنة مرغمة, فالنفس كالبعير الهائج الثائر, ان لم تروّضها أوردتك

أخي الحبيب: كم صلاةٍ أضعتَها؟ كم جُمُعَةٍ تهاونتَ بها؟ كم صدقةٍ بَخِلتَ بها؟ كم معروفٍ تكاسلتَ عنه؟ كم منكرٍ سكتَّ عليه؟ كم نظرةٍ محرمةٍ أصبتَها؟ كم كلمةٍ فاحشةٍ أطلقتها؟ كم مرة من المرات لم تحضر درس علم واثاقلت الى الدنيا؟ وكم من مسلم تقاعستَ عن حمل الدعوة إليه؟ إن كان المرء سيُسأل عن كل صغيرة وكبيرة فعلها في دنياه أو حتى سكت عنها، فأي أرض ستقله، وأي سماء ستظله؟؟

رباااه… الغوث الغوث رباااه

عباد الله: إننا موعودون بخلافة على منهاج نبوة محمد صلى الله عليه وسلم, وهذه الخلافة تحتاج لرجال من مستوى الخلافة الراشدة أي مستوى الصحابة الكرام, فهل نحن كذلك؟!!

أخي الحبيب: اعلم أن أعدى عدوٍ لكَ نفسُكَ التي بين جنبيك، وقد خُلِقتْ أمارةً بالسوءِ ميالةً إلى الدعة والراحة، وقد أُمرتَ بتقويمها وتزيكتها وفطامها عن موارِدِها، وأن تقودَها بسلاسلِ القهْرِ إلى عبادةِ ربِها، فإن أنتَ أهملتها ضلّتْ وشَرِدتْ، وإن لزمتَها بالتوبيخِ رَجونا أن تصيرَ مُطمئنة، فلا تغفلنّ عن تذكيرِها .

فإياك إياك أن تغتر بطاعة، إياك إياك أن تغتر بعلم ومكانة وجاهة، كن دائماً على وَجَلٍ ومحاسبة للنفس, فإن العبرة بالخواتيم، أسأل الله أن يحسن لنا خواتيمنا ويبارك لنا في أعمارنا وأن يقينا شر أنفسنا ويعيننا عليها… إنه ولي ذلك والقادر عليه

وآخِرُ دعوانا أنْ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

3 من ذي الحجة 1433

الموافق 19.10.2012