المدينة المنورة والمسجد ألنبوي

**الهجرة النبوية وقيام الدولة الإسلامية

في القرن السابع الميلادي ظهر الإسلام في مكة على يد النبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، الذي بدأ في دعوة الناس إلى الدين الجديد، وكانت تلك الدعوة سبباً في إغضاب سادة قريش الذين كانوا يسكنون مكة، فأعد المشركون كافة الأساليب لإحباط هذه الدعوة، فلم يجد النبي صلى الله عليه وسلم وسيلة إلا بالهجرة إلى يثرب، وذلك بعدما اتفق مع وفد قبيلتي الأوس والخزرج على نصرته وحمايته ودعوته ، وبالفعل هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى يثرب ومعه صاحبه أبو بكر الصديق، وقبل دخوله ليثرب عرج على قباء لأداء الصلاة وبنى هناك مسجداً كان أول مسجد في الإسلام. دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يثرب يوم الجمعة 12 ربيع الأول،سنة 1 هـ الموافق 27 سبتمبر سنة 622م، ثم قام بعد ذلك ببناء المسجد النبوي نواة الدولة الإسلامية الجديدة،وآخى بين المهاجرين والأنصار بعد قدومه بخمسة أشهر، في دار أنس بن مالك، وكانوا 90 رجلًا، نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، حتى لم يبقَ من المهاجرين أحد إلا آخي بينه وبين أنصاري. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم «تآخوا في الله أخوين أخوين»، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب وقال «هذا أخي»، فكان الأنصار يقتسمون أموالهم وبيوتهم مع المهاجرين، وكانوا يتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى حين غزوة بدر، فرد التوارث إلى ذوي الرحم وبقيت الأخوّة.

منظر عام للمدينة المنورة قديمًا.

حال وصول الرسول صلى الله عليه وسلم بنى مسجده وأقام دولته ،ثم نظّم العلاقات بين سكان المدينة، وكتب في ذلك كتابًا اصطلح عليه باسم دستور المدينة أو الصحيفة ، واستهدف هذا الكتاب توضيح التزامات جميع الأطراف داخل المدينة من مهاجرين وأنصار ويهود، وتحديد الحقوق والواجبات، كما نص على تحالف القبائل المختلفة في حال حدوث هجوم على المدينة.وعاهد فيها اليهود ووادعهم وأقرّهم على دينهم وأموالهم، وقام بتغيير اسمها من يثرب إلى المدينة، ونهى الناس عن استخدام اسمها القديم. . احتوت الوثيقة 52 بندًا، 25 منها خاصة بأمور المسلمين و27 مرتبطة بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى، وهذا الدستور هو دستور سياسي يتناول العلاقات تنظيم وبيان كافة العلاقات في المجتمع فيحوى أنظمة الدولة من اقتصادية وحكم واجتماعية وعقوبات … ألخ وعلاقات الدولة مع أهل الذمة ولا سيما اليهود وعبدة الأوثان والعلاقات مع الأمم الأخرى، لذلك رجح بعض المؤرخين أن تكون في الأصل وثيقتان وليست وثيقة واحدة، كُتبت الأولى (معاهدة اليهود) في سنة 1 هـ قبل غزوة بدر، والثانية (بين المهاجرين والأنصار خاصة) بعد بدر سنة 2 هـ.

لقد كانت هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة حدثا مفصليا في تاريخ الأمة الإسلامية، فقد كانت إيذانا بتأسيس دولة الإسلام الأولى، وبها أصبح الإسلام ممثلا في دولة تطبقه في الداخل وتحمله للخارج رسالة رحمة وهدى للعالمين. بالهجرة أصبح الإسلام دينًا منه الدولة وليس مجرد دين ينظم علاقة الإنسان بنفسه وبربه، وبها أصبح للإسلام دولة تسوس الناس وفق أحكام الله التي بدأت تتنزل لتنظم العلاقات بين المؤمنين بعضهم ببعض، وبينهم وبين غيرهم، كما تنظم العلاقات بين الدولة الإسلامية الناشئة وبين غيرها من الدول والشعوب والأمم.

لقد كان أول شيء فعله الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وصوله إلى المدينة أن أسس المسجد، ليكون المكان الذي تدار منه الدولة الناشئة، فضلا عن كونه مكان صلاة المؤمنين. ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة وثيقة المدينة التي تشكل بحق أول دستور مكتوب للدولة، فالهجرة كانت بحق حدثًا مفصليا في تاريخ الأمة أسس لها دولة كانت النواة لأعظم دولة في التاريخ.

ولعل النص الأول في وثيقة المدينة يوضح بما لا يدع مجالا للشك بأنها تؤسس لدولة قوامها المهاجرون والأنصار ومن تبعهم فلحق بهم، إذ هم وحدهم أمة واحدة من دون الناس، فالبند الأول يقول: (هذا كتاب من محمد النبي (رسول الله) بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم. أنهم أمة واحدة من دون الناس). ثم يبين أحد أهم نصوص الوثيقة أن المرجع الوحيد بل والسيادة المطلقة في هذه الدولة هي لشرع الله سبحانه وتعالى، إذ تنص على: (وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله، وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره). لقد شكلت هذه الوثيقة الأساس المتين الذي تقوم عليه الدولة الناشئة، فكانت بحق أعظم دستور لأعظم دولة.

لقد كانت الهجرة إيذانا ببدء مرحلة جديدة، الإسلام فيها ممكّن له في دولة قوية ذات شوكة، دولة تطبق الإسلام في الداخل وتحمله إلى الخارج بالدعوة والجهاد، وبها انتهت مرحلة كان المسلمون فيها مستضعفين، يستخفون بدينهم، يقهرون ويعذبون ويفتنون عن دينهم، ويحاصرون في شعب أبي طالب، وتروج ضدهم وضد دينهم الجديد الدعايات المضللة والأخبار الكاذبة. وبرغم كل ذلك كانت مرحلة مكة بكل صعابها ومعاناتها هي التي بُنيت فيها شخصيات الصحابة رضوان الله عليهم، فكانت عقلياتهم عقليات إسلامية ونفسياتهم نفسيات إسلامية، وكانوا بحق أفضل الخلق بعد الأنبياء والرسل، وكان الصراع الفكري والكفاح السياسي الذي خاضه الرسول الكريم وصحابته في مكة هو الذي صقل شخصياتهم وجعل منهم رجال دولة بحق قامت على أكتافهم دولة الإسلام الأولى، ولأهمية ذلك لم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بإيمان ذلك النفر الذين بايعوه بيعة العقبة الأولى، بل أرسل لهم مصعب بن عمير مقرئًا يقرئهم القرآن، ويعلمهم أحكام دينهم الجديد، ويصقلهم بها، وكان يدعو كذلك غير المسلمين للإسلام، ومن ثم يعمل على بناء شخصية من يؤمن بالإسلام بناءً قويا متينا ليجعل منهم شخصيات إسلامية فريدة في التاريخ، ومن هنا ساهم الأنصار مع المهاجرين في بناء الدولة الإسلامية الأولى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشكلوا الأرضية الصالحة الخصبة لقيام دولة ما عرف العرب حينها نظيرا لها، ثم ما لبثت أن فاجأت العالم بقطبيه الفرس والروم، فهزت عروشهما هزا عنيفا، وما هي إلا سنوات قليلة وأصبحت تلك الدولة هي الدولة الأولى في العالم.

لم تكن الهجرة بهذا المعنى فعلا عاديا ولا حدثا عابرا، بل كانت حدثا جديرا بأن يؤرخ المسلمون به، وكم كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثاقب النظر بوضع التقويم الهجري، فقد كتب إليه أبو موسى الأشعري «أنه يأتينا منك كتب (رسائل) ليس لها تاريخ». فجمع عمر الناس، فقال بعضهم: أرخ بالمبعث، وبعضهم قال أرخ بالهجرة، فقال عمر: الهجرة فرقت بين الحق والباطل فأرخوا بها، وذلك سنة سبع عشرة. فلما اتفقوا قال بعضهم ابدأوا برمضان فقال عمر: بل بالمحرم فإنه منصرف الناس من حجهم فاتفقوا عليه.

لقد فهم كفار قريش دلالة هجرة أتباع الدين الجديد إلى يثرب، فقد كانوا يتابعون كل يوم هجرة رجل أو رجلين أو عائلة بكاملها أو عائلتين، وكانوا يعرفون أن دار هجرتهم هي المدينة فقد ذهب إليها أبو جهل لإرجاع أخيه عياش بن أبي ربيعة من هناك. نعم كان المشركون يدركون أن المسلمين يهاجرون إلى المدينة في انتظار رسول الله ليؤسسوا معه أمة ودولة الإسلام، ومن هنا كان مكرهم بالرسول صلى الله عليه وسلم ليقتلوه أو يثبتوه أو يخرجوه ليمنعوه من الوصول إلى المدينة، قال تعالى ((وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)) [الأنفال:30]. والغريب أن كثيرا من الخطباء وأئمة المساجد في عصرنا هذا يتناولون الهجرة وكأنها قصة مُسَلِّية تخلو من أية عبرة أو دلالة، فلا يدركون ما أدركه المشركون من كونها هجرة من دار الكفر لدار الإسلام لتأسيس دولة عظيمة، فتراهم يسردونها سردا قصصيا خاليًا من أي مضمون أو دلالة.

لولا الهجرة ما كان يمكن أن يكون للمسلمين دولة ولا دستور، فهلا أدرك المسلمون ذلك وشمروا عن ساعد الجد ليؤسسوا للمسلمين دولة حقيقية تطبق شرع الله عليهم وتحمله للعالم، ويجعلوا من المرحلة المكية التي سبقت قيام الدولة نبراسا في سعيهم هذا. ولتكن ذكرى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم باعثا للأمل في نفوسنا من جديد نحو خلافة ثانية على منهاج النبوة؛ فكما سار النبي نسير دون أن نحيد قيد شعرة، وكما صبر هو وصحابته نصبر، وكما ضحى هو وصحابته الكرام نضحي، ونبذل الغالي والنفيس في سبيل قضية أدركنا كونها مصيرية وهي قضية تحكيم شرع الله في دولة الخلافة الإسلامية.

((وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) [الأنعام:153]**

**المدينة المنورة

المدينة المنورة يلقبها المسلمون “طيبة الطيبة” أول عاصمة في تاريخ الإسلام، وثاني أقدس الأماكن لدى المسلمين بعد مكة. هي عاصمة منطقة المدينة المنورة الواقعة على أرض الحجاز التاريخية غرب المملكة العربية السعودية ، تبعد المدينة المنورة حوالي 400 كم عن مكة المكرمة في الاتجاه الشمالي الشرقي. وعلى بعد حوالي 150 كم شرق البحر الأحمر، وأقرب الموانئ لها هو ميناء ينبع والذي يقع في الجهة الغربية الجنوبية منها ويبعد عنها 220 كم، تبلغ مساحة المدينة المنورة حوالي 589 كم² منها 99 كم² تشغلها المنطقة العمرانية، أما باقي المساحة فهي خارج المنطقة العمرانية، وتتكون من جبال ووديان ومنحدرات سيول وأراض صحراوية وأخرى زراعية ومقابر وأجزاء من شبكة الطرق السريعة.

تأسست المدينة المنورة قبل الهجرة النبوية بأكثر من 1500 عام، وعُرفت قبل ظهور الإسلام باسم “يثرب”، وقد ورد هذا الاسم في القرآن: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا)(1) وورد في الحديث الصحيح أن النبي محمد بن عبد الله غيّر اسمها من يثرب إلى المدينة، ونهى عن استخدام اسمها القديم فقال: «من قال للمدينة “يثرب” فليستغفر الله…»، والمدينة المنورة محرم دخولها على غير المسلمين، فقد قال النبي محمد: «اللهم إني أحرم ما بين لابتيها مثل ما حرم إبراهيم مكة، اللهم بارك في مدهم وصاعهم».(2) (3)

تضم المدينة المنورة أقدم ثلاثة مساجد في العالم، ومن أهمها عند المسلمين، ألا وهي: المسجد النبوي، ومسجد قباء، ومسجد القبلتين. تستمد المدينة المنورة أهميتها عند المسلمين من هجرة النبي محمد إليها وإقامته فيها طيلة حياته الباقية، فالمدينة هي أحد أبرز وأهم الأماكن ويسمي المسلمون السورة القرآنية التي نزلت هناك بالسور المدنية، ومفردها “سورة مدنية”.

يبلغ عدد سكان المدينة حوالي 1,300,000 نسمة، وتضم المدينة بين أحضانها الكثير من المعالم والآثار، ولعل أبرزها المسجد النبوي والذي يُعد ثاني أقدس المساجد بالنسبة للمسلمين بعد المسجد الحرام في مكة المكرمة، بالإضافة إلى مقبرة البقيع والتي تعد المقبرة الرئيسية لأهل المدينة، والتي دُفن فيها الكثير من الصحابة،ومسجد قباء أول مسجد بني في الإسلام، ومسجد القبلتين، وجبل أحد، والكثير من الوديان والآبار والشوارع والحارات والأزقة القديمة.

تأسيس المدينة

نقوش نبونعيد، جاء فيها ذكر يثرب لأول مرة.

يرجع تاريخ تأسيس يثرب إلى حوالي 1600 سنة قبل الهجرة النبوية، اعتماداً على أن قبيلة عربية تسمى “عبيل” قد تكلمت بالعربية، وأن اللغة العربية وُجدت في ذلك التاريخ. أقدم النصوص التاريخية التي أشارت إلى المدينة هي النصوص الآشورية العائدة للقرن السادس قبل الميلاد، وبالتحديد في نقوش نبونعيد، التي أشارت إلى المدينة باسم “لاثريبو”، كذلك فقد وجدت فيه كلمة “يثرب” في الكتابات التاريخية عند الأغريق، فقد أشار كلاوديوس بطليموس إلى واحة تقع في بلاد الحجاز بشبه الجزيرة العربية، تحمل اسم “لاثريبا”. كما ورد هذا الاسم في الكتابات عند مملكة معين وذُكرت بين المدن التي سكنتها جاليات معينية، ومن المعروف أن المملكة المعينية قامت في جزء من اليمن في الفترة ما بين 1300 و600 ق.م، وامتد نفوذها في فترة ازدهارها إلى الحجاز وفلسطين، وعندما ضعف سلطانها كونت مجموعة مستوطنات لحماية طريق التجارة إلى الشمال وكان هذا الطريق يمر بيثرب، ويتفق هذا التاريخ التقريبي أيضًا مع تاريخ وجود العماليق وحروبهم مع بني إسرائيل في شمال الجزيرة العربية وسيناء.

الموجات السكّانية الأولى

تعاقب السكان على يثرب منذ إنشائها، فقد سكنها العماليق، ومن بعدهم قبائل المعينيون من اليمن ومن ثم اليهود. وصل اليهود إلى يثرب لأول مرة خلال القرن الثاني الميلادي خلال الحروب الرومانية اليهودية في فلسطين، التي كان من نتيجتها نزوح عدّة قبائل يهودية إلى الأقاليم المجاورة. أبرز تلك القبائل التي وصلت المدينة وسكنتها كانت قبائل بنو قينقاع، وبنو قريظة، وبنو النضير، وقد استمروا يقطنوها حتى القرن السابع الميلادي، يذكر ابن خرداذبة أن بنو قريظة عملوا في خدمة الفرس كجباة للضرائب خلال عهد السيطرة الفارسية على الحجاز.

رسم قديم للمدينة المنورة.

حسب كتابات التراث العربي، فإنه وعلى إثر انهيار سد مأرب، نزحت عدّة قبائل عربية من مملكة سبأ في اليمن شمالاً، ومن هذه القبائل قبيلتا الأوس والخزرج وعندما وصلت القبيلتان إلى يثرب أعجبتا بما فيها من أرض خصبة وينابيع كثيرة فاستقروا فيها مع وجود قبيلتين من اليهود آنذاك، هما قبيلة بنو قريظة وقبيلة بنو قينقاع، وبعد ذلك عُقد حلف ومعاهدة بين اليهود والقبيلتان تلتزمان فيها بالسلام والتعايش والدفاع عن يثرب ضد الغزاة، فتحالفوا على ذلك والتزموا به مدة من الزمن ازداد خلالها عدد الأوس والخزرج ونمت ثرواتهم. إلا أن هناك شواهد أثرية تعود إلى تاريخ اليمن القديم وعدد من النصوص الآشورية، ترجح أن تواجد قبائل سبئية على حدود فلسطين قديم وجزء من سياسة سبئية للسيطرة على الطريق التجارية ولا علاقة له بتصدعات أصابت سد مأرب عدا أنه لا يوجد دليل أن الأوس كانوا سبئيين فالنصوص السبئية وصفتهم بأنهم من أبناء الإله ود وهو أكبر آلهة مملكة معين وليس سبأ حسب كتابات ابن إسحق، نزاعًا وقع بين آخر ملوك الحميريين وسكنة يثرب، فيقول أنه عندما كان ذاك الملك يعبر المدينة، تعرّض له بعض السكّان وقتلوا ابنه، فهدد الملك بإبادة الناس عن بكرة أبيهم وقطع نخيلهم، وكان أن يفعل ذلك لولا أن تدخل اثنين من رجال الدين اليهود، وأقنعوا الملك بالعدول عن فكرته، لأن هذه المدينة هي مكان “سيهاجر إليه نبي من قريش في الزمن الآتي، وسيقيم فيها، ويُدفن فيها”. بناءً على هذا عكف الملك عن تدمير المدينة، واعتنق اليهودية، وصحب الحاخامان معه إلى اليمن، وفي الطريق مروا بمكة حيث عرفا الكعبة على أنها ذاك البيت الذي شاده إبراهيم، فنصحا الملك أن يفعل ما يفعله أهل مكة: أن يطوف بالبيت، ويبجله ويوقره، وأن يحلق رأسه ويحرم حتى يُتم الحج. يفيد ابن إسحق أنه عند وصول الجمع إلى اليمن، قام الحاخامان بمعجزة اعتنق أهل البلاد اليهودية على أثرها، وذلك بأن سارا في النار دون أن يحترقا،

تحول الأوس والخزرج إلى عدوين لدودين بعد سنوات من وصولهم ليثرب، وتنص المصادر بأن اليهود خافوا من اتساع سلطة ونفوذ القبيلتين، فقاموا بالتفريق والإيقاع بينهم، ونجحوا في خططهم واشتعلت الحروب الطاحنة بين الأوس والخزرج، واستمرت قرابة مائة وعشرين عامًا،ولم تنته هذه الحرب إلا عند هجرة النبي محمد إلى يثرب.

الهجرة النبوية ووصول الإسلام


(1) - سورة الأحزاب - الآية رقم 13

(2) - حرمة أرض المدينة، فضائل المدينة المنورة، تاريخ الوصول 13 يوليو 2009

(3)- صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب بركة صاع النبي ومده، المكتبة الإسلامية.

منقووووووووووول

.**

**أئمة المسجد النبوي

أئمة جمع “إمام”، وهو الذي يُقتدى به في الصلاة، ونظراً لأهمية الصلاة عند المسلمين فقد اعتبرها الفقهاء من الوظائف التي يجب على حاكم الدولة إقامتها، خاصة في المساجد الكبيرة. وأئمة المسجد النبوي والحرم المكي لهم مكانة خاصة تنطلق من مكانة المسجدين عند المسلمين.

في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم

في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان هو الإمام للمسجد، ولم يؤمّ النّاس في المسجد النبوي أحد غيره، إلا ما حدث حين مرضه حيث أمر أن يؤمّ الناس أبو بكر الصديق. أما في حالة غزواته، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستخلف عبد الله بن أم مكتوم (المؤذن في عهد النبي محمد) على المدينة يصلّي بالناس في المسجد، وذلك في عامّة غزواته (13 غزوة).

في عهد الخلفاء الراشدين

في عهد الخلفاء الراشدين، كانت من مهام كل خليفة القيام بدور الإمام في الصلاة، أما في حالة سفره أو مرضه، فكان يوكل من ينيبه. وفي عهد عمر بن الخطاب جمع الناس في صلاة التراويح بالمسجد النبوي على إمام واحد وهو أبي بن كعب، بعد أن كان الصحابة يصلّونها فرادى. وعندما طُعن عمر بن الخطاب جعل على الصلاة صهيباً الرومي، حتى ينتهي مجلس الشورى من اختيار خليفة. وعندما حوصر عثمان بن عفان، أمر سهل بن حنيف بإمامة الناس في الصلاة. وعندما تولي الخلافة علي بن أبي طالب، خرج من المدينة المنورة إلى الكوفة، بعد أن جعل عليها سهل بن حنيف أميراً وإماماً.

في العهد الأموي

وفي العهد الأموي، كانت وظيفة الإمام تُوكل إلى أمراء المدينة المنورة ومكة. وفي عهد يزيد بن معاوية (64 هـ-73 هـ الموافق 683-692)، سيطر عبد الله بن الزبير على مكة، وأمّ الناس بها، ثم سيطر على المدينة المنورة، وجعل واليها من عنده، فكان عامله هو من يؤم الناس في المسجد النبوي. وكان من أشهر الأئمة في العهد الأموي، إمام المسجد النبوي التابعي سعيد بن المسيب المخزومي، الذي كان من أعلم أهل زمانه، وكان يسمى فقيه الفقهاء.

في عهد العباسيين

وفي عهد الدولة العباسية، تأثّر وضع الأئمة بالأدوار التي مرّت بها؛ فخلال عهود الخلفاء الأقوياء لم تشر المصادر لأي تأثيرات سياسية أو مذهبية في أمر الأئمة، لكن هذه الحقبة تخللتها ثورات ضد العباسيين، خاصة من قبل العلويين، مثل ثورة محمد النفس الزكية سنة 145 هـ/ 762 م في عهد الخليفة المنصور، إذ تمكن خلالها النفس الزكية من السيطرة على المدينة المنورة وسجن والي العباسيين عليها، ثم سيطر على منبر المدينة، لكن ثورته انتهت بالقضاء عليه وعودة المدينة إلى العباسيين. ويُمثل الإمام مالك بن أنس (إلى يُنسب المذهب المالكي) أبرز الأئمة الذين ظهروا خلال هذه الحقبة، وكانت له مواقف متشددة من سياسة بعض خلفاء العباسيين، كالمنصور. وعندما خضعت المدينة خلال العهد العباسي لحكم الدويلات المستقلة، كالطولونيين والأخشيديين، كانت سيطرتهم اسمية لا تتعدى ذكر اسمهم على المنابر مع العباسيين، ولم يتدخلوا في أمر الأئمة.

لكن عندما ظهر الفاطميون، تمكنوا من السيطرة على المدينة، حيث قاموا بطرد الوالي العباسي وأنزلت رايات العباسيين السوداء، ورفعوا مكانها الرايات البيضاء على الإمارة ومنائر الحرم، وحُوّلت الخطبة للفاطميين في مكة والمدينة فتأثر وضع الأئمة. وأبرز هذه التأثيرات كان يتمثل في تنامي المذهب الشيعي وازدياد نفوذه. ثمّ تمكن الأيوبيون من السيطرة على الحجاز والقضاء على الدولة الفاطمية سنة 563 هـ الموافق 1167، فعادت المدينة إلى العباسيين وأصبح اسم الأيوبيين يذكر في خطبة الجمعة مع الخليفة العباسي. ومن أبرز الأسر التي ظهر منها أئمة الصلاة بالمدينة في العهد الفاطمي فهي آل سنان، الأشراف الحسينيون.

في عهد المماليك

في بداية عهد المماليك كان أئمة المسجد من آل سنان بن عبد الوهاب بن نميلة من الأشراف الحسينيين، من أتباع المذهب الشيعي، حكّام المدينة، ولم يكن لأهل السنة حينها خطيب ولا إمام. وكان أهل السنة يمتنعون عن الصلاة خلف الإمام الشيعي، حيث إنهم كانوا يصلّون خلف أئمتهم من أهل السنّة، مما جعل الدولة المملوكية تتدخل لأخذ الخطابة من آل سنان سنة 682 هـ الموافق 1283، وإسنادها إلى أهل السنّة، وبقيت الإمام بأيدي الأشراف الحسينيين. وفي عهد السلطان محمد بن قلاوون أضاف للإمام وظيفة القضاء. وكان يغلب على من يتولّى أمر الإمامة والخطابة والقضاء من أهل السنة في ذلك الوقت، أن يكون من أتباع المذهب الشافعي. وفي سنة 775 هـ الموافق 1373 ولي القاضي محب الدين بن أبي الفضل النويري قضاء المدينة والخطابة والإمامة في المسجد النبوي. وقد كانت جميع التعيينات التي تأتي إلى المسجد النبوي والمتعلقة بالإمامة، تأخذ طابع المراسيم التي تقرأ في جميع كبير من الناس خاصة في موسم الحج.

وكان اللباس الرسمي في العهد المملوكي لمن يلي الإمامة والخطابة السّواد، فالثوب أسود، والعمامة سوداء، والطيلسان (وشاح) أسود. كما أضاف المماليك على ما اشترطه الفقهاء في عموم الأئمة، ضمن شروط الإمامة بالمسجد النبوي، أن يكون الإمام على معرفة تامة بعلم القراءات وعلم الفرائض.

في عهد العثمانيين

شعار “الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي”

في العهد العثماني كان أئمة المسجد النبوي مستقلين عن الخطابة، لكن بعض الوجهاء بالمدينة تمكنوا من الجمع بينهما، واستحدث العثمانيون منصب نقيب الأئمة، وهو أقل مكانة من وظيفة شيخ الحرم. أما شيخ الخطباء فقد كان يشرف على الإمامة والخطابة، وكان يشترط لهذا المنصب أن يكون قد مارس العمل بهما وحصل على خبرة كافية. واهتم العثمانيون بالوظائف المتعلقة بالإمامة والخطابة في المسجد النبوي الشريف، كالمجمّر، والمرقى، والمبلغ، وحامل العلم، وفارش سجادة المحراب النبوي. وقدمت الدولة العثمانية رواتب مجزية للأئمة، خاصة في رمضان. ومما يلاحظ في التراتيب الإدارية المتعلقة بالأئمة في العهد العثماني، تميّز الأئمة الأحناف عن بقية المذاهب الأخرى؛ فكانوا الأكثر عدداً. أما أبرز العائلات التي ظهر منها أئمة وخطباء بالمدينة المنورة في العهد العثماني، فهم: أسرة الأركلي، وأسرة الأزهري، وأسرة البرزنجي، وأسرة الجامي، وأسرة الحجار، وأسرة الخياري، وأسرة السمهودي.

في العهد السعودي

في عهد حكم آل سعود، بداية من الملك عبد العزيز آل سعود كان يقوم بالإمامة علماء من أهل البلاد أو من المجاورين بالحرمين من غير أهلها حيث كان اختيار الأئمة يتم بتزكية علماء الدولة للإمام. وقد أسس الملك عبد العزيز إدارة خاصة بالمسجد النبوي عام 1977، تحت اسم “إدارة الحرمين الشريفين”، ثم في عام 1986، عُدّل الاسم إلى “الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي”. ومن أبرز المهام الموكلة لهذه الإدارة تعيين الأئمة ووضع الشروط المناسبة لذلك وتنظيم أمر الصلاة، وعمل جدول خاص لكل إمام، والفريضة التي يصليها، وعمل جدول خاص بالخطابة أيضاً، ويتم هذا الأمر بالتنسيق، على أن يكون لكل إمام بديل احتياط. ومعظم الأئمة في العهد السعودي كانوا يعملون في القضاء، وكان أول من تولى الإمامة في العهد السعودي بالمسجد النبوي هو الشيخ الحميد بردعان. وكان العديد ممن قاموا بإمامة الحرمين في بداية العهد السعودي من خارج البلاد السعودية، فمن مصر كان الشيخ محمد بن عبد الرزاق حمزة وكان إمام وخطيب المسجد النبوي بالمدينة.وفي كل الحالات وبناء على التحالف بين محمد بن سعود والامام محمد بن عبد الوهاب على الشراكة في شق عصى الطاعة في وجه دولة الخلافة العثمانية والإنقلاب عليها فيسند تولي الحكم لآل سعود والشؤون الدينية والإفتاء للوهابيين فيحصر تعيين الأئمة من الفرقة الوهابية المسند لهم دعم حكم ال سعود بالفتاوى والولاء والدعاية لآل سعود بحقهم على الناس بالطاعة والولاء بادعاء أنهم أولي الأمر.

مؤذنو المسجد النبوي

ويبلغ عددهم 14 مؤذنا وهم:

كامل بن صالح بن أحمد نجدي.

مصطفى بن عثمان بن حسن النعمان.

عبد المطلب بن صالح بن أحمد نجدي.

عصام بن حسين بن عبد الغني بخاري.

عبد الرحمن بن عبد الإله بن إبراهيم خاشقجي (شيخ المؤذنين).

عمر بن يوسف بن محمد كمال.

سامي بن محمد حسن ديولي.

فيصل بن عبد الملك بن محمد سعيد نعمان.

سعود بن عبد العزيز بن حسين بخاري.

محمد بن ماجد بن حمزة حكيم.

إياد بن أحمد بن عباس شكري.

أشرف بن محمد بن حمزة عفيفي.

عبد المجيد بن سلامة بن عودة السريحي.

عمر بن نبيل بن حمزة سنبل.

.**

**معالم أخرى في المسجد

منبر الرسول صلى الله عليه وسلم

قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي». وكان النبي محمد يخطب أولاً إلى جذع نخلة ثم صُنع له المنبر فصار يخطب عليه، روى البخاري في صحيحه عن جابر: «أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة فقالت امرأة من الأنصار أو رجل: يا رسول الله ألا نجعل لك منبراً؟ قال: إن شئتم. فجعلوا له منبراً، فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلّم فضمَّه إليه يئِنُّ أنين الصبي الذي يُسَكَّن قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها». وأقيم بعد الجذع مكانه أسطوانة تعرف بالإسطوانة المخلّقة أي: المطيبة. ولحرمة هذا المنبر جعل النبي محمد إثم من حلف عنده -كاذباً- عظيماً، حيث قال: «لا يحلف عند هذا المنبر عبد ولا أمة على يمين آثمة ولو على سواك رطب إلا وجب له النار»

الروضة

وهي موضع في المسجد النبوي واقع بين المنبر وحجرة النبي محمد، ومن فضلها عند المسلمين ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي». وطولها من المنبر إلى الحجرة حوالي 26.5 متراً، وهي الآن محددة بسجاد أخضر اللون مختلف عن بقية سجاد المسجد.

الصفة أو دكة الأغوات

بعدما حُوِّلت القبلة إلى الكعبة أمر النبي محمد بعمل سقف على الحائط الشمالي الذي صار مؤخر المسجد، وقد أعد هذا المكان لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له ولا أهل وإليه يُنسب أهل الصفة من الصحابة ومن أشهرهم أبو هريرة. وكان جُل عمل أهل الصفة تعلّم القرآن والأحكام الشرعية من رسول الإسلام أو ممن يأمره رسول الإسلام بذلك، فإذا جاءت غزوة، خرج القادر منهم للجهاد فيها. واتفقت معظم الأقوال على أن ما يقرب من أربعمائة صحابي تواردوا على الصّفة، في قرابة 9 أعوام، يقول أبو هريرة: «لقد رأيت معي في الصفة ما يزيد على ثلاثمائة، ثم رأيت بعد ذلك كل واحد منهم واليًا أو أميرًا، والنبي صلى الله عليه وسلّم قال لهم ذلك حين مر بهم يوماً ورأى ما هم عليه».

بئر حاء

وهو أحد آبار المدينة المنورة، كان يملكها الصحابي أبو طلحة الأنصاري، وعندما نزلت الآية ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾، تصدّق بها أبو طلحة، وكان النبي محمد يستعذب ماءها، وهي تقع الآن داخل المسجد النبوي من الجهة الشمالية بالقرب من باب الملك فهد.

خوخة أبي بكر

والخوخة هي باب صغير، وأصلها الفتحة في الحائط.. وقد كانت خوخة أبي بكر غربي المسجد قرب المنبر. ولما أدخل عمر بن الخطاب دار أبي بكر في المسجد، جعل الخوخة في محاذاة مكانها الأول. وفي العمارة المجيدية، كان هذا الباب (الخوخة) يفتح على مستودع، وقد فُتح مكانه باب الصدّيق أثناء العمارة السعودية الأولى، وهو بثلاث فتحات متلاصقة، والفتحة الجنوبية هي خوخة أبي بكر.

مكتبة المسجد النبوي

أُسست مكتبة المسجد النبوي عام 1352 هـ الموافق 1933 باقتراح من مدير الأوقاف في المدينة المنورة آنذاك السيد عبيد مدني، وكان أول مدير لها هو السيد أحمد ياسين الخياري. وبالمكتبة بعض الكتب التي يعود تاريخ وقفها على المسجد النبوي قبل تاريخ إنشاء المكتبة، مثل مكتبة الشيخ محمد العزيز الوزير التي أوقفت عام 1320 هـ، وهي من الكتب التي أدخلت في المكتبة بعد تأسيسها، وكانت هناك كتب في الروضة الشريفة على بعضها تاريخ متقدم عن تاريخ تأسيس المكتبة. وقد ذكر صاحب كتاب “خزائن الكتب العربية” أن مكتبة المسجد النبوي الشريف تكونت قبل حريق المسجد النبوي في 13 رمضان عام 886 هـ، حيث احترقت خزائن المصاحف والكتب في ذلك الحريق، وكانت تضم الخزائن كتباً نفيسة ومصاحف عظيمة. وموقع المكتبة حالياً داخل المسجد النبوي الشريف حيث يسمح لجميع زوار المسجد النبوي الشريف بالاستفادة من المكتبة والخدمات المقدمة فيها.

دكّة المؤذنين

وتُسمّى بـ “المكبرية” وهي المقصورة التي يقف عليها المؤذن حالياً، وتقع شمالي المنبر، وهي عبارة عن دكة عالية مربعة رخامية قائمة على أعمدة. وكان وجود هذه الدكة منذ عهد السلطان قايتباي، وقد تم توسعتها سنة 1982.

البقيع

وهي المقبرة الرئيسة لأهل المدينة المنورة منذ عهد النبي محمد، وتقع في مواجهة القسم الجنوبي الشرقي من سور المسجد النبوي، وتبلغ مساحته الحالية 180,000 متر مربع. ويضم رفات الآلاف من أهل المدينة ومن توفي فيها من المجاورين والزائرين أو نقل جثمانهم على مدى العصور الماضية، وفي مقدمتهم الصحابة، إذ يُروى أن عشرة آلاف صحابي قد دُفنوا فيه، منهم عثمان بن عفان ثالث الخلفاء الراشدين ومعظم أمهات المؤمنين زوجات النبي محمد، وابنته فاطمة الزهراء، وابنه إبراهيم، وعمه العباس، وعمته صفية، وحفيده الحسن بن علي، وكذلك علي بن الحسين ومحمد الباقر وجعفر الصادق.

.**

**القبة المبنية على الحجرة

القبة الخضراء كما تظهر من داخل المسجد النبوي

مجسم للمقصورة النبوية، ويظهر فيها الجدار المخمّس، والقبة الخضراء، والقبة الداخلية

يُوجد قبتان مبنيّتان على الحجرة النبوية، الأولى قبّة صغيرة بُنيت تحت سقف المسجد، وقد بناها السلكان قايتباي بدلاً من السقف الخشبي الذي كان موجوداً، والثانية قبّة كبيرة خضراء اللون تظهر على سطح المسجد، وقد بناها السلطان قلاوون الصالحي، وأعاد السلطان قايتباي بناءها.

القبة الأولى: القبة الخضراء الخارجية

كان سطح المسجد الذي فوق الحجرة النبوية محاطاً بسور من آجر بارتفاع 0.9 متر تقريباً، تمييزاً لها عن بقية سطح المسجد، وفي سنة 678 هـ أمر السلطان قلاوون الصالحي ببناء قبّة على الحجرة النبوية، فعُملت قبة مربعة من الأسفل مثمّنة من الأعلى بأخشاب أُقيمت على رؤوس السواري المحيطة بالحجرة النبوية، وكان حول هذه القبة بالسّطح الأعلى ألواح رصاص مفروشة فيما قرب منها، ويحيط بها سور من خشب جُعل مكان السور القديم. تم تجديد هذه الألواح الخشبية سنة 765 هـ.

وفي عهد السلطان قايتباي، وعندما احترقت القبة أثناء الحريق الثاني سنة 886 هـ، أمر بتبديل القبة الخشبية بأخرى من آجر، وأن يؤسس لها دعائم عظام بأرض المسجد فأحدث دعامتين عن يمين مثلث الحجرة ويساره. ثم بعد مدة ظهرت شقوق في أعلى القبة، فأمر بهدم أعالي القبة وإعادة بناءها من جديد بدلاً من الترميم، وذلك عام 892 هـ. وفي عهد السلطان محمود بن عبد الحميد خان، حدث تشقق آخر في أعلى القبة، فأمر بتجديدها، فهدم أعلاها وأعاد بناءها، بعد أن جعلوا حاجزاً من خشب بينها وبين القبة السُفلى بحيث لا يسقط شيء من الهدم. وكان ذلك سنة 1233 هـ. ثم في سنة 1253 هـ أمر السلطان محمود بصبغها باللون الأخضر، وكان لونها قبل ذلك أزرقاً، فصارت تُسمّى بـ “القبة الخضراء”، بعد أن كانت تُعرف بـ “القبة البيضاء” و"القبة الزرقاء" و"القبة الفيحاء". وفي نهاية القرن الثالث عشر الهجري، سقط شباك من شبابيك القبة الكبيرة من الجهة الشرقية إلى جوف الحجرة النبوية، بعد أن هبّت ريح شديدة، فتم إعاة تعميرها سنة 1297 هـ.

أما الشباك الذي في القبة فهو موازي للشباك الذي في القبة الداخلية ويقع فوق القبر الشريف. وكان خدم الحرم يفتحونه يوم صلاة الاستسقاء، فقد روى ابن حجر العسقلاني أنه: «قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة، فقالت: انظروا قبر النبي فاجعلوا منه كوّى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف. ففعلوا فمُطروا مطراً حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسُمي “عام الفتق”».

تعرّضت القبة إلى انتقاد بعض أتباع الحركة الوهابية، فدعو إلى هدمها وإخراج قبر النبي من المسجد، قال مقبل بن هادي الوادعي (أحد شيوخ الوهابية): «وبعد هذا لا أخالك تردد في أنه يجب على المسلمين إعادة المسجد النبوي كما كان في عصر النبوة من الجهة الشرقية، حتى لا يكون القبر داخلا في المسجد، وأنه يجب عليهم إزالة تلك القبة التي أصبح كثير من القبوريين يحتجون بها. فجدير بنا معشر المسلمين أن نعمد إلى تلك القباب المشيدة على القبور فنجتثها من على الأرض».

القبة الثانية: قبة الحجرة الداخلية

عندما أنهى السلطان قايتباي ترميماته للمسجد سنة 881 هـ الموافق 1477، قبل الحريق الثاني قام باستبدال السقف الخشبي للحجرة النبوية بقبة صغيرة تحت سقف المسجد، فقام متولي العمارة برفع سقف المسجد، وعقدوا طاقاً على شكل قوس من الجهة الشرقية حتى يتأتى لهم الشكل المربع لتقوم عليها القبة، فعقدوا القبة على جهة الغربية بأحجار منحوتة من الحجر الأسود وكمّلوها من الحجر الأبيض، ونصبوا بأعلاها هلالاً من نحاس، وهو قريب من سقف المسجد الأول فإن القبة المذكورة تحته، وبيّضوا القبة وجميع جدرانها من خارجها بالجص. وكانت ارتفاع القبة من أرض الحجرة إلى بداية الهلال نحو 9 أمتار، وتم الانتهاء منها في شوال 881 هـ. ويوجد في أعلى هذه القبة كوّة (فتحة) صغيرة على مستوى قبر النبي محمد في الجهة الجنوبية، وعليها شبكة من السلك الخفيف تمنع سقوط الطيور فيها، ويوجد على مستواها كوّة أخرى في القبة الخضراء.**

**الحائط المخمّس

قطعة من ستار الحجرة النبوية، محفوظ في متحف المدينة المنورة

ويُسمى بـ “الحائز المخمّس”، أو “الحظير المخمّس”، وهو سور خماسي الشكل بناه عمر بن عبد العزيز حول الحجرة النبوية أثناء عمارته للمسجد سنة 91 هـ، وهو بارتفاع 6.5 متراً، وليس له بابٌ ولا سقفٌ. وقد ذكر السمهودي سبب كونه خماسياً لا رباعيّاً فقال: «خشية أن يشبه الكعبة المشرّفة في بنائها المربّع، وخشية أن يستقبله النّاس كما يستقبلون الكعبة». وقال ابن حجر الهيتمي: «لمّا وُسّع المسجد الشريف جُعلت حجرته صلى الله عليه وسلم مثلث الشكل حتى لا يتأتّى لأحد أن يصلّي إلى جهة القبر الشريف مع استقباله القبلة».

وأما عن أبعاده، فمن الجهة الشمالية، يوجد فراغ بين هذا السور وجدار الحجرة على شكل مثلث بطول 4 أمتار، وفي الجهة الشرقية يوجد فراغ بين السور وجدار الحجرة، فعند ابتدائه من جهة الشمال نحو قدر ذراع اليد، فإذا قرب إلى القبلة يضيق إلى شبر، وهكذا بين السور وجدار الحجرة من الجهة الجنوبية يوجد فراغ أوله من الجهة الشرقية قدر ذراع ثم أقل من ذلك إلى ملتقى الحائطين من الجهة الغربية بحيث يصير قدر شبر، ولا يوجد فراغ بين السور وجدار الحجرة من الجهة الغربية. وأما طول جدران الحائط الظاهر من كل زاوية؛ فطول الجدار القبلي 8.5 متراً، وطول الجدار الغربي من القبلة إلى الزاوية التي ينحرف منها إلى جهة الشمال 8 أمتار، وطول جدار المنعطف من هذه النقطة إلى الزاوية الشمالية 6 أمتار، وطول الجدار الشرقي من القبلة إلى الزاوية التي ينحرف منه إلى جهة الشمال 6 أمتار، وطول الجدار المنعطف من هذه النقطة إلى الزاوية الشمالية 7 أمتار.

ويروي البرزنجي رؤيته للحجرة النبوية عندما رآها من شباك القبة العُليا، فقال: «فرأيت الحجرة الشريفة مربعةً، عليها غطاءٌ ساترٌ مانعٌ عن رؤية داخل الحجرة الشريفة والقبة الصغيرة غير أني رأيت وسط الغطاء محدّباً مرتفعاً قليلاً كهيئة الخيمة، الظاهر أنه ارتفع بسبب ارتفاع القبة الشريفة درابزيناً مسوراً من الجهة الشامية من خشب مصبوغ علّق عليه ستارة الحجرة الشريفة من الجهات إلا ما كان من الجهة الشامية، فإن الستارة قد أديرت من تلك الجهة على خشبتين ممدوتين من منتهى شرقي وغربي الحظار». وقد اعتنى الخلفاء والسلاطين بهذا الحائز على ممر السنين، فكانوا يقومون بترميمات مناسبة له، فبعد الحريق الأول عام 654 هـ جرى الترميم الأول له، ثم في سنة 881 هـ تم الإصلاح الشامل له، وذلك بتجديد بعض الجدران وتجديد الرخام. وما زال الحائز المخمّس على بنائه القديم إلى يومنا هذا.

باب السيدة فاطمة في القسم الشمالي من الحجرة النبوية

المقصورة النبوية

الجهة الغربية للمقصورة، ويظهر فيها “باب عائشة”، وعن يمينه “أسطوانة المحرس”، وعن يساره “أسطوانة الوفود”

وهي عبارة عن السّور الدائر حول الحائط المخمّس، ويُطلق اسم “الحجرة النبوية الشريفة” على هذه المقصورة أيضاً. وهي موجودة في القسم الجنوبي الشرقي للمسجد، مسوّرة بسور من النحاس والحديد، طول ضلعيها الجنوبي والشمالي 16 متراً، وضلعيها الشرقي والغربي 15 متراً، وأول من أحدث هذا السور الظاهر بيبرس سنة 668 هـ وكان من خشب، وكان ارتفاعه نحو القامتين، فزاد عليه الملك زين الدين كتبغا المنصوري سنة 694 هـ شباكاً ووصله بسقف المسجد. وبعد أن احترقت المقصورة الخشبية في الحريق الثاني عام 886 هـ الموافق 1481 أمر السلطان قايتباي بوضع الشبابيك النحاسية والحديدية، فوُضعت في الجهة الجنوبية، ووضعت في الجهة الشرقية والغربية والشمالية شبابيك من الحديد المصبوغ بالأخضر. ووضع أيضاً شبكة من حديد داخل المقصورة يفصل بين بيتي فاطمة الزهراء، وعائشة بنت أبي بكر، فصارت المساحة الموجودة في الجهة الشمالية كأنّها مستقلة، طولها من الجنوب 14 متراً، ومن الشرق والغرب 7 أمتار، ولها بابان على يمين المثلث ويساره.

وللمقصورة 4 أبواب: باب جنوبي، ويُسمى “باب التوبة”، وباب في الغرب، ويُقال له “باب عائشة” أو “باب الوفود”، لأنه يلي أسطوانة الوفود. وباب في الشرق، يُقال له “باب فاطمة”، لأنه قريب من بيتها. وباب في الشمال ويُقال له “باب التهجد”، لأنه قريب من محراب التهجد، وقد أُحدث عام 729 هـ. وهذه الأبواب حالياً مغلقة إلا باب فاطمة فإنه يُفاح للأعيان وبعض الوفود الرسميّة.**

**الحجرات النبوية

رسم يبيّن الحجرة النبوية وما حولها من الجُدُر

نموذج للحجرات النبوية بجانب المسجد النبوي في عهد النبي محمد

وهي البيوت التي سكنها النبي محمد مع أزواجه أمهات المؤمنين، فعندما قدم النبي المدينة المنورة، بنى مسجده وبنى حجرتين لزوجتيه عائشة بنت أبي بكر وسودة بنت زمعة، ولما تزوّج بقية نسائه، بنى لهنّ حجرات، وكانت هذه الحجرات مطلّة على المسجد من جهة القبلة والمشرق والشمال، مبنيّة من اللبن وجريد النخل. ولما قام عمر بن عبد العزيز بتوسعة المسجد، هدم الحجرات النبوية وأدخلَها في المسجد إلا حجرة عائشة، والتي يُعبّر عنها الآن بـ “الحجرة النبوية الشريفة”، وهي البيت الذي كان يسكن فيه النبي محمد مع زوجته عائشة بنت أبي بكر، والذي دُفن فيه بعد وفاته (كما نُقل ذلك بالتواتر)،ودُفن فيه أيضاً أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب، ثم سيُدفن فيه النّبي عيسى بن مريم بعد نزوله إلى الأرض بحسب اعتقاد المسلمين.

في بداية الأمر كانت حجرة عائشة بنت أبي بكر مصنوعة من جريد النخل مستورة بكساء الشعر، وكان بابه مصراعاً من عرعر أو ساج، فلما تولّى عمر بن الخطاب أعاد بناء الحجرة، واستبدل الجريد بجدار من لبن، ثم بنى عبد الله بن الزبير جدار الحجرة، روى ابن سعد عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: «لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم على بيت النبي صلى الله عليه وسلم حائط، وكان أوّل من بنى عليه جداراً عمر بن الخطاب، وكان جداره قصيراً، ثم بناه عبد الله بن الزبير بعد، وزاد فيه».وأثناء عمارة عمر بن عبد العزيز للمسجد، أعاد بناء الحجرة بأحجار سوداء بنفس المساحة. بعد مضي فترة من الزمن ظهر انشقاق في جدار الحجرة، فسُدّ بإفراغ الجص فيه، واستمر هذا الوضع إلى أن تم تجديد جدار الحجرة في عهد السلطان قايتباي سنة 881 هـ.

صفة القبور الثلاثة

واجهة ضريح الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر داخل المسجد النبوي

upload.wikimedia.org

نموذج للحجرة النبوية وتظهر فيها مواضع القبور الثلاثة، والحائط المخمّس المحيط بسور الحجرة

اختلفت الروايات التاريخية في بيان صفة قبر النّبي محمد وأبي بكر وعمر في الحجرة النبوية، ورجّح السمهودي القول بأن قبر النبي محمد موجود في جهة القِبلة مُقدّماً، ويليه قبر أبي بكر من الخلف ورأسه عند كتف النبي محمد، ويليه قبر عمر ورأسه عند كتف أبي بكر، كما رُوى ذلك عن نافع بن أبي نعيم، وقال السمهودي بأن هذه الرواية هي التي عليها الأكثر. وفيما يلي روايات عن صفة القبور:

روى البخاري عن سفيان التمار: «أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنماً».

رُوي عن القاسم بن محمد بن أبي بكر أنه قال: «دخلتُ على عائشةَ رضي اللهُ عنها فقلتُ: يا أمَّاهُ! اكْشِفِي لي عن قبرِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وصاحِبَيه، فكشفتْ لي عن ثلاثةِ قبورٍ لا مُشرفةٍ ولا لاطئةٍ، مبطوحةٍ ببطحاءِ العَرْصةِ الحمراءِ، فرأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مُقدِمًا، وأبا بكرٍ رضي اللهُ عنه رأسُه بينَ كَتِفَيْ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وعمرُ رضي اللهُ عنه رأسُهُ عندَ رِجلَيْ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ».

روى أبو بكر الآجري في صفة قبر النبي محمد عن غنيم بن بسطام المدني قال: «رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم في إمارة عمر بن عبد العزيز، فرأيته مرتفعاً نحواً من أربع أصابع».

روى السمهودي قصة دخوله للحجرة سنة 878 هـ، فقال: «دخلت الحجرة الشريفة من مؤخرها، فشممت رائحة ما شممت في عمري أطيبَ منها، ثم سلّمت على أشرف الأنبياء، ثم على ضجيعيه خلاصة الأصفياء، فلمّا قضيت من ذلك الوطر، متّعت عيني من تلك الساحة بالنظر لأتحف بوصفها للمشتاقين، فتأمّلت الحجرة الشريفة، فإذا هي أرض مستوية، وتناولت من ترابها بيدي فإذا نداوة وحصباء، ولم أجد للقبور الشريفة أثراً، غير أنّ بأوسط الحجرة موضعاً فيه ارتفاع يسير جداً ولعله قبر عمر».

وتفيد الآثار عن وجودة موضع لقبر رابع في الحجرة، حيث عَرضت عائشة بنت أبي بكر على عبد الرحمن بن عوف أن يُدفَن في هذا الموضع بعد وفاته، لكنه رفض وقال: «إِني سمعتك تقولين: ما وَضعتُ خمَاري منذ دُفن عُمَر رضي الله عنه، فأكره أن أضيّق عليك بيتك، ونتخذ بيت رسول الله مقبرة». وقد قالت أيضاً في وصيتها لعبد الله بن الزبير: «لا تدفني معهم، وادفني مع صواحبي بالبقيع، لا أزكى به أبداً». وقد روت كتب الحديث أن عيسى بن مريم عندما ينزل من السماء سيُدفن في هذا الموضع بعد وفاته، حيث رَوى الترمذي عن عبد الله بن سلام قال: «مكتوب في التوراة صفة محمد، وعيسى بن مريم يُدفن معه»

.**

**مآذن المسجد النبوي

صورة تظهر فيها “المئذنة الرئيسية” (في الوسط)، و"مئذنة باب السلام" (على اليسار)، والمئذنة الجديدة التي أنشئت خلال التوسعة السعودية (على اليمين)

لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أي مآذن، ولا في عهد الخلفاء الراشدين. وكان أول من أحدثها في المسجد النبوي عمر بن عبد العزيز أثناء توسعته عام 91 هـ، فقد بنى للمسجد 4 مآذن في كل زاوية من زواياه. وكان طول هذه المآذن حوالي 27.5 متراً، وعرضها 4×4 م. وقد كان في عمارة المسجد النبوي في عمارة السلطان عبد المجيد الأول 5 مآذن هي:

1- المئذنة الشامية الغربية:

وتُسمّى “الشكيلية” و"الخشبية" و"المجيدية"، وموقعها في الركن الشمالي الغربي للمسجد، وقد أزيلت في التوسعة السعودية الأولى، وبُني مكانها مئذنة أخرى.

2- المئذنة الشامية الشرقية:

وتُسمّى “السنجارية” و"العزيزية"، لعمارة السلطان عبد العزيز الأول لها، وموقعها في الركن الشمالي الشرقي، وقد أزيلت في التوسعة السعودية الأولى، وبُني مكانها مئذنة أخرى.

3- المئذنة الجنوبية الشرقية:

وتُسمّى “المئذنة الرئيسية”، وتحمل هذا الاسم إلى الآن، وهي المئذنة المجاورة للقبة الخضراء، وموقعها في الركن الجنوبي الشرقي للمسجد. وقد عمّرها السلطان قايتباي 3 مرات سنة 886 هـ و888 هـ و892 هـ، واتخذ لها أحجاراً سوداء، وزاد في طولها نحو 60 متراً، وهي الآن على عمارة قايتباي لها.

4- المئذنة الجنوبية الغربية:

وتُسمّى “مئذنة باب السلام”، وهي الآن موجودة منذ عمارة السلطان محمد بن قلاوون سنة 706 هـ، وتقع في الركن الجنوبي الغربي من المسجد، وقد كانت مطلة على دار مروان بن الحكم، فأمر بهدمها لكشفها داره، ولم يزل المسجد على 3 مآذن إلى أن أمر السلطان الناصر محمد بن قلاوون بإنشاء الرابعة سنة 706 هـ.

5- المئذنة الغربية:

وتًسمّى “مئذنة باب الرحمة”، عمّرها السلطان قايتباي سنة 888 هـ، وبُنيت خارج جدران المسجد النبوي، ضمن الدار الملاصقة للمسجد قرب باب الرحمة، وهي الدار التي كانت مخصصة لسكنى المدرسة المحمودية. وقد أزيلت هذه المئذنة في التوسعة السعودية الأولى مع الدار والمدسة لتوسعة ما حول المسجد النبوي.

وفي التوسعة السعودية الأولى، هُدمت 3 مآذن هي التي كانت عند باب الرحمة والمئذنة السنجارية والمجيدية في الجهة الشمالية، وبُنيت مئذنتان في الركن الشرقي والغربي من الجهة الشمالية، وارتفاع كل منها 72 متراً، فأصبح للمسجد 4 مآذن في أركانه الأربعة. ثم في التوسعة السعودية الثانية، أُقيمت في مبنى التوسعة 6 مآذن، 4 منها موجودة بالأركان الأربعة للتوسعة، ومئذنتان في منتصف الجانب الشمالي، بارتفاع 103.89 متراً مع الهلال.

أساطين المسجد النبوي

رسم يوضح أماكن أساطين المسجد النبوي التاريخية

أسطوانة عائشة

الجهة الغربية للمقصورة النبوية، تظهر فيها “أسطوانة السرير”

وهي السواري (الأعمدة) التي في المسجد النبوي في القسم القبلي منه أقيمت في عمارة السلطان العثماني عبد المجيد الأول في مكان السواري التي كانت في عهد النبي محمد من جذوع النخل، فقد تحرّوا عند البناء مواقعها. وإذا أطلق اسم على سارية قالمقصود بذلك مكانها. وفي المسجد النبوي 8 سواري أسطوانات دخلت التاريخ، فقد كان لكل واحدة منها قصّة في زمن النبي محمد، وهي:

1- الأسطوانة المخلّقة:

وتُعرف بالأسطوانة “المطيّبة” و"المعطّرة"، و"عَلَم المصلّى" أي أنها عَلَم (إشارة) على مصلّى النبي محمد، لذلك هي موجودة الآن ملاصقة للمحراب النبوي. وقد كان الصحابي سلمة بن الأكوع يتحرّى الصلاة عندها، فلما سُئل عن ذلك قال: «إني رأيت النبي يتحرى الصلاة عندها». ونُقل عن مالك قوله: «أحب مواضع التنفل فيه مصلى النبي حيث العمود المخلّق».

2- أسطوانة السيدة عائشة:

وهي الثالثة من المنبر، والثالثة من القبر، والثالثة من القبلة، وتُعرف بأسطوانة “القُرعة” و"المهاجرين"، وقد سًميت بأسطوانة عائشة، لأن عائشة بنت ابي بكر هي التي أخبرت بها، وحددت مكانها، وقيل: هي التي كانت عائشة تتهجد عندها ليلاً.أما تسميتها بأسطوانة القرعة، فللحديث الذي روته عائشة، عن النبي محمد أنه قال: «إن في مسجدي لبقعة قبل هذه الأسطوانة، لو يعلم الناس، ما صلّوا فيها إلا أن تطير لهم قُرعة»، وأما تسميتها بأسطوانة المهاجرين، فلأن أكابر الصحابة من المهاجرين، كانوا يجتمعون عندها، واعتادوا الجلوس حولها، وتحروا الصلاة إلى جوارها. وهي الأسطوانة التي صلّى عندها النبي محمد بالمسلمين بضعة عشر يوماً بعد تحويل القبلة.

3- أسطوانة التوبة:

وهي الرابعة من المنبر، والثانية من القبر، والثالثة من القبلة، وتٌعرف بأسطوانة “أبي لبابة”، لأنه ربط نفسه بضع عشر ليلة بعد الذي أفضى به لحلفائه بني قريظة، وبعد أن ندم على ما فعل كانت ابنته تحلّ رباطه إذا حضرت الصلاة، وحلف أن لا يحلّ نفسه حتى يحله النبي محمد، فحلّه بعد أن نزلت توبته في القرآن الكريم. وكان النبي محمد يصلي نوافله عند هذه الأسطوانة، وينصرف إليها بعد صلاة الفجر، ويعتكف وراءها.

4- أسطوانة السرير:

وتقع شرقي أسطوانة التوبة وتلتصق بالشباك المطل على الروضة. وهي محلّ اعتكاف النبي محمد، فقد كان له سرير من جريد النخل، وكان يوضع عند هذه السارية، كذلك كانت له وسادة تطرح له، فكان يضطجع على سريره عند هذه الأسطوانة.

5- أسطوانة المحرس:

وتقع خلف أسطوانة السرير من جهة الشمال، وهي مقابل الخوخة التي كان النبي محمد يخرج منها إذا كان في بيت عائشة بنت أبي بكر إلى الروضة للصلاة، كما تسمى بأسطوانة علي بن أبي طالب لأنه كان يجلس عندها يحرس النبي محمد.

6- أسطوانة الوفود:

وتقع خلف أسطوانة المحرس من الشمال، وكان النبي محمد يجلس إليها لوفود العرب إذا جاءته. وكانت تعرف بمجلس القلادة، يجلس إليها سراة الصحابة وأفاضلهم.

7- أسطوانة مربعة القبر:

ويقال لها “مقام جبريل”، وتقع في حائز الحجرة المخمّس عند المنحرف الغربي إلى الشمال بينها وبين أسطوانة الوفود، الأسطوانة اللاصقة بشباك الحجرة.

8- أسطوانة التهجد:

وتقع خلف بيت فاطمة بنت محمد من جهة الشمال، وفيها “محراب التهجد” إذا توجّه المصلي إليه كانت يساره إلى جهة باب عثمان المعروف بباب جبريل. وذكر السمهودي ما يدل على أفضلية الصلاة عند هذه الأسطوانة حيث يقول: «قال عيسى: وحدثني سعيد بن عبد الله بن فضيل قال: “مرَّبي محمد بن الحنفية وأنا أصلي إليها، فقال لي: أراك تلزم هذه الأسطوانة، هل جاءك فيها أثر؟ قلت: لا، قال: فالزمها فإنها كانت مصلى رسول الله من الليل”»

.**

**أبواب المسجد النبوي

باب جبريل حالياً في الجدار الشرقي للمسجد النبوي

باب السلام، وهو مما بقي من توسعة السلطان عبد المجيد الأول

البوابات الحديثة للمسجد، والتي تم إنشائها في التوسعة السعودية الثانية

في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان للمسجد 3 أبواب: باب في المؤخرة، وباب عاتكة (ويُقال له باب الرحمة)، والباب الذي كان يدخل منه (ويُقال له باب جبريل). ثم عندما أُمر المسلمون بتحويل القبلة إلى الكعبة، سُدّ الباب الخلفي، وفُتح باب آخر في الجهة الشمالية. وعند توسعة المسجد في عهد عمر بن الخطاب، زاد على الأبواب الموجودة 3 أبواب: واحد في الجدار الشرقي (باب النساء)، وواحد في الجدار الغربي (باب السلام)، وزاد بابا في الجدار الشمالي، لتكون المحصلة 6 أبواب.وعند توسعة المسجد في عهد عثمان بن عفان، لم يزذ عليها شيئاً. وعند توسعة المسجد في عهد عمر بن عبد العزيز، أصبح للمسجد 20 باباً: 8 في الجهة الشرقية، و8 في الجهة الغربية، و4 في الجهة الشمالية. وبعد زيارة المهدي سنة 165 هـ، زاد 4 أبواب خاصة غير عامة في جهة القبلة. وقد تم إغلاق هذه الأبواب جميعها قديماً عند تجديد حيطان المسجد، وبقيت منها 4 أبواب فقط.

واستقر المسجد على 4 أبواب إلى أن أضيف باب في الجهة الشمالية أثناء العمارة المجيدية سنة 1277 هـ، فصار للمسجد 5 أبواب: بابان في الجهة الشرقية (باب جبريل، وباب النساء)، وبابان في الجهة الغربية (باب السلام، وباب الرحمة)، وباب في الجهة الشمالية (الباب المجيدي). وبعد التوسعة السعودية الأولى سنة 1375 هـ الموافق 1955، أصبح للمسجد 10 أبواب بعد أن زيد باب الصديق، وباب سعود، وباب الملك عبد العزيز، وباب عمر، وباب عثمان. وفي عام 1987، فُتح باب البقيع في الجدار الشرقي، بذلك ارتفع عدد الأبواب إلى 11 باباً. وبعد التوسعة السعودية الثانية أصبح 5 منها داخل مبنى التوسعة الجديدة، وصار عدد المداخل الإجمالي 41 مدخلاً، بعضها يتكون من باب واحد، وبعضها من بابين ملتصقين و3 أبواب و5 أبواب متلاصقة، فيصير العدد الإجمالي 85 باباً. وأمّا أهمّ أبواب المسجد التاريخية، فهي:

1- باب جبريل:

يقع هذا الباب في الجدار الشرقي للمسجد، وكان يسمى بـ "باب النبي صلى الله عليه وسلم " لأن النبيصلى الله عليه وسلم كان يدخل منه للصّلاة. وكان يُسمى بـ “باب عثمان”، لوقوعه مقابل دار عثمان بن عفان، وسًمي بباب جبريل، لما رُوي أن جبريل جاء على فرس في صورة دحية الكلبي، ووقف بباب المسجد وأشار للنبي محمد بالمسير إلى قريظة. ولما وسع عمر بن عبد العزيز المسجد، جعل مكان الباب باباً مقابل الحجرة النبوية، وقد سُدّ الباب مؤخراً عند تجديد الحائط، وفي مكانه اليوم نافذة إلى خارج المسجد، وهو الشباك الثاني على يمين الخارج من باب جبريل، وكتب في أعلى النافذة آية ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾

2- باب النساء:

فَتَح هذا الباب عمر بن الخطاب في الجدار الشرقي في مؤخرة المسجد، حيث رُوي عن النبي محمد أنه قال: «لو تركنا هذا الباب للنساء». وكان كلما زيد في المسجد من جهته، بُني في محاذاة الأول.

3- باب الرحمة:

فَتح هذا الباب النبي محمد في الجدار الغربي للمسجد، وكان كلما زِيد في المسجد من جهته، بُني في محاذاة الأول. وكان يُسمّى “باب عاتكة”، لوقوعه مقابل دار عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية. وسُمي بباب الرحمة لأنه المشار إليه بنحو “دار القضاء” الذي سأل بعض من دخل منه النبي محمد في الاستسقاء، ففعل وأُجيب بالغيث والرحمة.

4- باب السّلام:

ويُقال له أيضاً “باب الخشية” و"باب الخشوع"، وقد فتح هذا الباب عمر بن الخطاب في الجدار الغربي للمسجد، وسُمّي بذلك لأنه في محاذاة المواجهة الشريفة والتي هي موضع الزائر للسّلام على النبي محمد.

5- باب عبد المجيد:

فتح هذا الباب السلطان عبد المجيد الأول في الجهة الشمالية للمسجد سنة 1277 هـ، فعُرف بـ “الباب المجيدي”. ولما زيد في المسجد من الجهة الشمالية أثناء التوسعة السعودية الأولى، نُقل الباب في محاذاة مكانه الأول. وهو حالياً داخل التوسعة السعودية الثانية في محاذاة المدخل الرئيسي للمسجد.

.**

**محاريب المسجد النبوي

المحراب النبوي

المحراب العثماني، والذي يصلّي فيه الإمام حالياً

مكان وجود محراب التهجد مغطى بدولاب خشبي

المحراب السليماني أو الحنفي والموجود على يمين المنبر

وهي مواضع الصلاة التي كان يصلّي عندها النبي محمد والأئمة من بعده، ولم تكن في في عهد النبي محمد ولا الخلفاء الراشدين محراب مجوّف، وكان أول من أحدثه عمر بن عبد العزيز أثناء توسعته عام 91 هـ.

1- المحراب النبوي إلى بيت المقدس:

في بداية إنشاء المسجد النبوي، كان النبي محمد يصلّي بالناس متجهاً إلى بيت المقدس مدة 16 شهراً وعدّة أيام، وكان موضع صلاته في شمال المسجد بحيث تكون “أسطوانة عائشة” في الخلف عند الأسطوانة الخامسة حذاء “باب جبريل”.

2- المحراب النبوي:

بعد نزول الأمر بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، صلّى النبي محمد بضعة عشر يوماً إلى “أسطوانة عائشة”، ثم بعد ذلك تقدّم إلى موضع “الأسطوانة المخلّقة” في الجهة الجنوبية للمسجد، والتي أقيمت في موضع جذع النخلة التي كان يصلّي إليها النبي، حيث روى أبي بن كعب، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جذع نخلة إذ كان المسجد عريشاً، وكان يخطب إلى ذلك الجذع»، وفي عهد عمر بن عبد العزيز، أقام محراباً مجوّفاً عن يسار الأسطوانة المخلّقة، فيما عُرف بـ “المحراب النبوي”، وبسبب وضع المحراب، صار من يسجد فيه يكون قد وضع جبهته في محل قدمي النبي محمد في الصلاة. فمن جعل هذه الأسطوانة عن يمينه، وتجويف المحراب عن يساره، فقد أصاب موضع صلاة النبي محمد.

ويعود بناء المحراب الموجود حالياً إلى عهد السطان المملوكي قايتباي سنة 888 هـ، كما يدل عليها العبارة المنقوشة على ظهر المحراب، ونصّها: “بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد، أمر بعمارة هذا المحراب الشريف النبوي العبد الفقير المعترف بالتقصير مولانا السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباي خلد الله ملكه بتاريخ شهر الحجة الحرام سنة ثمان وثمانين وثمانمائة من الهجرة النبوية”، وتم ترميمه بعد ذلك في عهد الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود.

3- المحراب العثماني:

وهو موضع مصلى عثمان بن عفان بعد التوسعة التي قام بها في عهده، وقد بنى المقصورة على مصلاه وكان يصلي فيها خوفاً من أن يصيبه مثل الذي أصاب عمر بن الخطاب من القتل والطعن، وأحدث عمر بن عبد العزيز المحراب المجوّف في الجدار الجنوبي أثناء عمارته سنة 91 هـ، وسُمي بـ “المحراب العثماني”.

4- محراب التهجد:

وهو مصلّى النبي محمد بالليل، حيث كان يضع حصيراً كل ليلة إذا ذهب الناس عنه، ثم يصلّي صلاة الليل. ويقع في شمال الحجرة النبوية (المقصورة)، وحوله حالياً “دكّة الأغوات”، خلف بيت فاطمة الزهراء، وبجانبه أسطوانة عن يمينه. وقد جُدّد هذا المحراب في عمارة السلطان قايتباي سنة 888 هـ، ثم جدد أثناء العمارة المجيدية وما زال المحراب موجوداً إلا أنه غُطّي بدولابٍ خشبيٍ تُوضع فيه المصاحف.

5- محراب فاطمة:

ويوجد أمام محراب التهجد داخل المقصورة، خلف حجرةألرسول صلى الله عليه وسلم، وهو محراب مجوف مرخم شبيه بمحراب ةألرسول صلى الله عليه وسلم .

6- المحراب السليماني:

ويُسمّى بـ “المحراب الحنفي”، وهو علي يمين الواقف في المحراب النبوي عند الأسطوانة الثالثة غربي المنبر. حيث كانت الإمامة في المسجد للمالكية، وفي القرن السابع الهجري تم تعيين إمام شافعي، وفي النصف الثاني من القرن التاسع الهجري، تم تعيين إمام حنفي وقام طوغان شيخ ببناء هذا المحراب، بعد عام 860 هـ، ولهذا عُرف بـ “المحراب الحنفي”،واستمر هذا المحراب إلى أن جدده السلطان سليمان خان المعروف بسليمان القانوني، وزخرفه بالرّخام الأبيض والأسود، وكتب عليه: “أنشأ هذا المحراب المبارك الملك المظفر السلطان سليمان شاه ابن السلطان سليم خان بن السلطان بايزيد خان أعز الله أنصاره تاريخ شهر جمادى الأولى سنة ثمان وتسعمائة من الهجرة النبوية”، واشتهر هذا المحراب لاحقاً بـ “المحراب السليماني”.

.**

**التوسعة السعودية الثانية

البوابات التي أُنشئت أثناء التوسعة السعودية الثاني، تظهر عبارة “أدخلوها بسلام آمنين” فوقها

المظلات التي تم تركيبها في الصحن الداخلي للمسجد

المآذن الجديدة التي أُنشئت

صورة للمآذن وقت الشروق

سقف المسجد النبوي من الداخل

في شهر محرم من عام 1406 هـ الموافق 1985، بدأ العمل بأكبر توسعة للمسجد النبوي بأمر من الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، وقد تم الانتهاء منها عام 1414 هـ الموافق 1994. وشملت التوسعة الجهات الشرقية والغربية والشمالية للمسجد، وذلك بإضافة مساحة 82,000 متراً مربعاً تستوعب حوالي 150,000 مصلّ، وبذلك أصبح المساحة الكلية للمسجد 98,326 متراً مربعاً تستوعب 178,000 مصلّ، ويُضاف مساحة السّطح 67,000 متراً مربعاً، منها 58,250 متراً مربعاً مهيأة للصلاة فيها وتستوعب 90,000 مصلّ، فأصبح مجموع المساحة لمهيأة للصلاة 156,576 متراُ مربعاً تستوعب 268,000 مصلّ. ويُضاف مساحة الساحات المحيطة بالمسجد بمساحة 135,000 متراً مربعاً، منها 135,000 متراً مربعاً مهيأة للصلاة تستوعب 430,000 مصلّ، هكذا يرتفع مجموع المصلين إلى أكثر من 698,000 مصلّ.

وقد صُممت الأعمدة والأروقة على نسق التوسعة السعودية الأولى، وغُطّيت الجدران الخارجية بالجرانيت. وتمّ إضافة 6 مآذن جديدة تتناسق مع المئذنتين في التوسعة السعودية الأولى. وقد زُوّد مبنى التوسعة بعدة أنظمة متطورة، منها أنظمة كاميرات، وأنظمة طاقة كهربائية دائمة واحتياطية، وأنظمة إطفاء حريق، وأنظمة للصرف الصحي. وما يلي تفصيلٌ لهذه الأنظمة والمرافق الجديدة:

الدور الأرضي: يُعتبر هذا الدّور هو الدور الرئيسي في مبنى التوسعة، وأرضيته مغطاة بالرخام، وارتفاعه 12.55 متراً، وبلغ عدد الأعمدة الكلّي 2104 عموداً بارتفاعٍ حتى بداية القوس 5.6 متراً، وقد كُسيت بالرخام الأبيض المستورد من إيطاليا وإسبانيا.

مصلّى النساء: تم تخصيص أماكن للنساء في الجهة الشرقية الشمالية بمساحة 16,000 متراً مربعاً، وآخر في الجهة الغربية الشمالية بمساحة 8,000 متراً مربعاً.

أبواب المسجد: كان للمسجد قبل هذه التوسعة 11 باباً، أصبح 5 منها داخل مبنى التوسعة الجديدة، وهي باب الملك سعود وباب عمر وباب عثمان وباب عبد المجيد وباب الملك عبد العزيز. وصار عدد المداخل الإجمالي 41 مدخلاً، بعضها يتكون من باب واحد، وبعضها من بابين ملتصقين و3 أبواب و5 أبواب متلاصقة، فيصير العدد الإجمالي 85 باباً. وقد بُنيت هذه المداخل من الخرسانة وكُسيت بالرخام ومن الخارج بالجرانيت، وزُوّدت بأبواب خشبية ضخمة بعرض 3 أمتار وارتفاع 6 أمتار، واستُخدم في تجهيز الأبواب الخشب العزيزي المستورد من السويد والمكسوّ بالبرونز، وكُتب في وسط كل باب “محمد Mohamed peace be upon him.svg”، ويعلو كل باب لوحة من الحجر مكتوبٌ عليها آية ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾.

القِباب المتحركة: تمّ تأمين عدةَ أفنيةٍ مكشوفةٍ للمسجد بهدف التهوية والإنارة الطبيعية، وعددها 27 فناءً بمساحة 324 متراً مربعاً لكل منها. وغُطيت بقباب متحركة بارتفاع 3.55 متراً من منسوب سطح التوسعة، وعلى ارتفاع 16.65 متراً من منسوب الدور الأرضي، وبنصف قطر داخلي بلغ 7.35 متراً. وبلغ وزن الواحدة منها 80 طناً، ويتكون الوجه الداخلي من طبقات الخشب بسمك 20 مم مرصعاً بالأحجار القيّمة داخل إطارات مذهّبة، إذ أنه قد استخدم 67.5 كلغم من الذهب. ويتم التحكم بالقباب بواسطة جهاز كمبيوتر مركزي يعمل بالطاقة الكهربائية، ويستغرق فتح أو إغلاق القبة حوالي دقيقة واحدة.

سطح التوسعة: تبلغ مساحة سطح التوسعة حوالي 67,000 متراً مربعاً، منها 58,250 متراً مربعاً مهيأة للصلاة فيها، وتستوعب 90,000 مصلّ.

المآذن: أُقيمت في مبنى التوسعة 6 مآذن، 4 منها موجودة بالأركان الأربعة للتوسعة، ومئذنتان في منتصف الجانب الشمالي، بارتفاع 103.89 متراً مع الهلال. وتتكون كل مئذنة من 5 أجزاء:

مربعة الشكل، وضلعه 5.5 متراً، بارتفاع 27 متراً، مغطى بحجر الحرانيت.

مثمن الشكل، وقطره 5.5 متراً، وبارتاع 21 متراً، مغطى بالحجر الصّناعي الملوّن.

أسطواني الشكل، وقطره 5 أمتار، وبارتفاع 18 متراً.

أسطواني الشكل، وقطره 4.5 متراً، وبارتفاع 15 متراً.

مخروطي الشكل، تعلوه قبة وينتهي بهلال برونزي طوله 6.7 متراً بوزن 4.5 طن مطلي بالذهب عيار 14 قيراطاً.

الحوائط: وتتكون من حائطين بينهما فراغ مرتبطة بأعمدة مسلّحة، وتبلغ سماكة الحائط الداخلي 30 سم، والخارجي 30 سم. وجميع الحوائط والعقود والأسقف مبنية من الخرسانة المسلحة وقد كُسيت من الداخل ببلاطات من الحجر الصناعي.

الزخارف: تمّ تصميم أعمال الزخرفة بحيث تناسب نظيرتها في التوسعة السعودية الأولى، وتشمل أعمال الزخارف، والكرانيش لتجميل الحوائط، والمآذن وأعمال الحديد المشغول، والأبواب الخشبية المطعمة بالنحاس، وأعمال التكسية بالرخام المزخرف.

ساحات المسجد: تمّ إحاطة المسجد من الناحية الجنوبية والغربية والشمالية بمساحات بلغت 235,000 متراً مربعاً، وقد غُطيت جزء منها بالرخام الأبيض العاكس للحرارة، والباقي غُطي بالجرانيت، والحجر الصناعي، وتم إضاءتها بوحدات إضاءة مثبتة على 151 عموداً مكسواً بالجرانيت، وأحيطت هذه السّاحات بسور طوله 2270 متراً، وبه بوابات. وتستوعب هذه الساحات حوالي 430,000 مصلّ. وتضم هذه الساحات مداخل لدورات المياه، والمواضيء، وأماكن الاستراحة للزوّار، وتتصل بمواقف السيارات التي توجد في طابقين تحت الأرض.

الدور السفلي: تضمنت أعمال التّوسعة إنشاء دور سفلي بمساحة 82,000 متراً مربعاً، وبارتفاع 4.1 متراً، وكُسيت كامل الأرضية بالسيراميك. وصُممت خصيصاً لتستوعب التجهيزات المختلفة من أعمال التكييف، والتهوية، وشبكات المياه والصرف الصحي، وشبكة الإنذار، وإطفاء الحريق، وشبكة مياه الشرب، وأجهزة النحكم بالقباب، وأنظمة الصوت والكاميرات، إلى غير ذلك من الأعمال، ولهذا الدور 8 مداخل.

مواقف السيارات: وتقع تحت الساحات المحيطة بالمسجد من الجهة الجنوبية والشمالية والغربية، وتتكون من طابقين تحت سطح الأرض، وتتصل بالطرق الرئيسية بواسطة 6 مداخل ومخارج للسيارات، وتستوعب حوالي 4,444 سيارة.

مباني الخدمات العامة: تحتوي المواقف على مباني للخدمات وعددها 15 وحدة، كل منها تتكون من 4 أدوار وتربط المواقف بالسّاحات الخارجية بواسطة سلالم كهربائية، وتشمل هذه الوحدات 690 نافورة لشرب المياه، و1890 دورة مياه، و5600 وحدة للوضوء.

متحف نوادر الحجرة الشريفة: كان السّلاطين والأمراء يهدون الحجرة النبوية نوادرَ ثمينةً تُوضع داخلَها، وفي عام 1981 تم حفظها في الغرفة التي بُنيَت خصيصاً فوق مكتبة المسجد النبوي، ولها مدخل تحت المأذنة السعودية القديمة على يمين الداخل من باب عمر.

المظلات في صحن المسجد: يوجد في المسجد صحن مستطيل الشكل شمالي البناء المجيدي، فتم نصب 12 مظلة لتقي الناس حرارة الشمس وشدّة البرد والمطر، وهذه المظلات عبارة عن شمسيات من القماش الأبيض السميك، تحملها أعمدة حديدية مكسوة بالرخام الأبيض، قابلة للفتح والإغلاق بشكل آلي، وتُظهِر بحال فتحها شكل النوافير المائية، وفي حال إغلاقها تظهر كأنها منارات صغيرة ذات رؤوس مخروطية.

المقصورة الجنوبية: لقد بُنيت مقصورة في جهة القبلة، وطولها 87.5 متراً بمساحة 437.5 متراً مربعاً، ولها 4 أبواب.

.**

**في عهد العثمانيين

الجدار الجنوبي للمسجد من أثر العمارة العثمانية

رسم قديم (القرن 17 ميلادي) يُظهر وضعية المسجد النبوي في العهد العثماني

السلطان عبد المجيد الأول، صاحب أكبر وأشمل توسعة للمسجد النبوي في عهد الدولة العثمانية

تولّى الحكّام العثمانيون أمر المسجد النبوي بعد نهاية الدولة المملوكية سنة 923 هـ الموافق 1517، فأولوها عناية فائقة واهتماماً كبيراً، فحافظوا في البداية على العمارة المملوكية للمسجد النبوي وتعهدوها بالإصلاح والترميم كلما دعت الحاجة إلى ذلك. وكان أول من قام بإصلاحات في المسجد النبوي السلطان سليمان القانوني، ففي عام 946 هـ استُبدلت الأهلّة المملوكية التي تعلو القبة الخضراء ومآذن المسجد أهلة من النحاس المطلي بالذهب، فوضع أحدها على القبة وهلال على المنبر وخمسة أهلة لكل منارة هلال. وفي سنة 947 هـ الموافق 1540 قام بالإصلاحات الكبرى في عهده، حيث تناولت هذه العمارة باب الرحمة، وباب النساء، وهدمت المئذنة الشمالية الشرقية (السنجارية) وأقيمت مكانها المئذنة السليمانية وكان عمق أساسها 8.53 متراً، وعرض الأساس 4.59 متراً. وكان السلطان قد أرسل كل ما تحتاجه العمارة من مواد البناء محمولة على الجمال والدواب، وكذلك أرسل الأيدي العاملة من حجارين وبنائين ونحاتين، وزودهم بما يحتاجونه من نفقات مادية وعينية. وفي 17 محرم عام 948 هـ الموافق 13 مايو 1541 أعادوا إعمار “المحراب الحنفي”. وفي عام 974 هـ الموافق 1566 جرت عدة إصلاحات وترميمات في المسجد النبوي كان أهمها إعادة بناء الجدار الغربي من باب الرحمة بأكمله لسقوط معظمه، وترخيم الروضة الشريفة، وعملت وزرة على الحجرة النبوية وأصلح رصاص القبة على القبر النبوي. كما تم استبدال السقوف في الجانب الغربي من المسجد النبوي بعدد من القباب الصغيرة، كما أعيد في سنة 974 هـ تجديد بناء قبة الصحن المبنية سنة 576 هـ.

صورة للمسجد النبوي في أواخر العهد العثماني عام 1908.

وفي عهد السلطان عبد المجيد الأول قام بالبدء بأكبر عمارة وتوسعة للمسجد في العهد العثماني، وذلك في عام 1265 هـ الموافق 1849 وانتهت في سنة 1277 هـ الموافق 1860، واستمرت العمارة نحو 13 سنة. وكانت هذه العمارة من أضخم وأتقن وأجمل العمارات والتوسعات التي تمّت للمسجد النبوي من قبل، وقد بقي منها بعد العمارة السعودية الحديثة الجزء القبلي (الجنوبي)، ويبدو هذا الجزء حتى الآن قوياً متماسكاً، وقد غُطي سقف المسجد كاملاً بالقباب المكسوة بألواح الرصاص، بلغ عددها 170 قبة، أعلاها القبة الخضراء، ثم قبة المحراب العثماني، ثم قبة باب السلام، وباقي القباب على ارتفاع متقارب، ولبعضها نوافذ مغطاة بالزجاج الملون، وزُيّنت بطون القباب بصور طبيعية ونقوش، وكتابات قرآنية وشعرية.كما كُتبت في جدار المسجد القبلي (الجنوبي) سور من القرآن وأسماء النبي محمد، وغير ذلك بخط الثلث العربي، وذُهّبت الحروف بالذهب، وبُنيت أبوابه بشكل فنّي، وأبواب القسم الجنوبي الباقية حتى الآن هي: باب جبريل، وباب الرحمة، وباب السلام، أما الأبواب الشمالية فقد هُدمت. وقد بلغ مقدار تكلفة هذه العمارة 140 كيساً من الذهب، وكل كيس كناية عن 5 ذهبات مجيدية. وقد زاد السلطان عبد المجيد في المسجد الكتاتيب لتعليم القرآن، والمستودعات في الجهة الشمالية، كما زاد في الشرق نحو 2.6 متراً من المأذنة الرئيسية (الجنوبية الشرقية) إلى ما يلي باب جبريل، وبلغت مساحة التوسعة الكلية 1293 متراً مربعاً.

التوسعة السعودية الأولى

في 13 ربيع الأول من عام 1372 هـ الموافق 1952 بدأ العمل بتوسعة المسجد بأمر من الملك عبد العزيز آل سعود، وبعد أن قاموا بشراء الأراضي وهدمها لتهيئتها للبناء الجديد، بلغت مساحة المسجد الكلية 16326 متراً مربعاً تتسع إلى 28,000 مصلّ. وقد أقيم مصتعاً للحجر قرب المدينة لغايات الإعمار، وأما بقية المواد فكانت البواخر تحملها إلى ميناء ينبع ومن ثم إلى المدينة بواسطة سيارات كبيرة. وقد بلغت حمولة المواد المفرغة في الميناء لغايات الإعمار أكثر من 30,000 طن. وقد تم الانتهاء من التوسعة في أوائل سنة 1375 هـ الموافق 1955، وبغلت تكلفة هذا المشروع 50 مليون ريالاً سعودياً، وقام الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود بافتتاحه في 5 ربيع الأول سنة 1375 هـ، الموافق أكتوبر 1955.

وهذه التوسعة عبارة عن مبنى مستطيل طوله 128 متراً بعرض 91 متراً، وقد فُتح في الجهة الشرقية باب الملك عبد العزيز، وفي الجهة الغربية باب الملك سعود، وكل منها يتكون من 3 أبواب متجاورة، أما في الجهة الشمالية، فقد فُتح 3 أبواب، باب عمر، وباب عثمان، وباب عبد المجيد. وبلغ عدد الأعمدة 232 عموداً على رأسها عقودا مدببة. أما السقف فقد قُسّم إلى مربعات بارتفاع 12.55 متراً، ويغلب على هذه العمارة اللون الأبيض المطعم بقليل من الأحمر والأسود. أما المآذن، قد كانت للمسجد 5 مآذن هُدمت منها 3 مآذن هي التي كانت عند باب الرحمة والمئذنة السليمانية والمجيدية في الجهة الشمالية، وبُنيت مئذنتان في الركن الشرقي والغربي من الجهة الشمالية، وارتفاع كل منها 72 متراً، فأصبح للمسجد 4 مآذن في أركانه الأربعة.

وبسبب تكاثر أعداد الحجاج، أصدر الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود بتهيئة أماكن للصلاة غربي المسجد، فهُدمت المباني الموجودة في تلك الجهة وتم إقامة مصلى مظلل، بلغت مساحته حوالي 35,000 متراً مربعاً، بواقع 80 مظلة. وكان العمل به سنة 1873، وبقيت إلى أن أزيلت في التوسعة السعودية الثانية.

.**

**في عهد الأمويين

استمرّ المسجد على ما هو عليه كما بناه الخليفة عثمان بن عفان، ولم يزد فيه علي بن أبي طالب ولا معاوية بن أبي سفيان، ولا ابنه يزيد ولا مروان بن الحكم، ولا ابنه عبد الملك شيئاً، حتى كان الوليد بن عبد الملك، وكان عمر بن عبد العزيز عامله على المدينة ومكة، فبعث الوليد إلى عمر بن عبد العزيز يأمره ببناء المسجد وتوسعته من جهاته الأربع، فاشترى حجرات أمهات المؤمنين وغيرها من الدور المجاورة المحيطة بالمسجد (كبيت حفصة بنت عمر في الجهة الجنوبية، وثلاثة دور كانت لعبد الرحمن بن عوف)، وبدأ بالبناء في شهر ربيع الأول سنة 88 هـ الموافق 707، وانتهى منه سنة 91 هـ الموافق 710. وكان عمر بن عبد العزيز يشرف على جميع مراحل البناء. وقد قام بإدخال حجرات أمهات المؤمنين الموجودة في جهة المشرق والجهة الشمالية في المسجد والتي كان الناس قبل ذلك يدخلون تلك الحجرات يصلّون فيها يوم الجمعة لضيق المسجد، وكان مقدار الزيادة من الجهة الغربية 10 أمتار، وعليه استقر أمر الزيادة في الجهة الغربية، وزاد في الجهة الشرقية 15 متراً، وفي الجهة الشمالية 20 متراً. وكان بناؤه من الحجارة المنقوشة، وسواريه من الحجارة المنقورة، وقد حُشيت بأعمدة الحديد والرصاص. وامتازت هذه التوسعة باستحداث المآذن لأول مرّة، إذ بنى 4 مآذن بارتفاع 30 متراً تقريباً وبعرض 4 × 4 متر على زوايا المسجد الأربعة هُدمت إحداها بعهد سليمان بن عبد الملك (96-99 هـ). وكذلك تم استحداث المحراب المجوّف لأول مرة، وكذلك زخرفة حيطان المسجد من داخله بالرخام والذهب والفسيفساء، وتذهيب السقف ورؤوس الأساطين وأعتاب الأبواب والتوسعة في الجانب الشرقي وبناء السقفين للمسجد، وفتح 20 باباً للمسجد، 8 أبوب في الجهة الشرقية، و8 أخرى في الجهة الغربية، و4 أبواب في الجهة الشمالية.

في عهد العباسيين

لم يزل المسجد على حال ما زاد فيه الوليد بن عبد الملك حتى ولي أبو جعفر المنصور أمر الخلافة في الدولة العباسية، فهمّ أن يزيد بالمسجد، فتُوفي ولم يزد فيه شيئاً. ثم ولي أمر الخلافة أبو عبد الله محمد المهدي، فقام بزيارة المدينة المنورة أثناء الحجّ سنة 160 هـ، وأمر بالزيادة فيه، فزاد فيه 30 متراً من الناحية الشمالية، ولم يزد في القبلة ولا في المشرق والمغرب شيئاً.واستمر العمل في البناء 4 سنوات من عام 161 هـ الموافق 779، وانتهى منه عام 165 هـ الموافق 782. واستمرت عناية الخلفاء العباسيين بالمسجد النبوي، وقاموا بالعناية به وتجديده، ولم تظهر الحاجة لتوسعته أو إعادة بناءه إلى أن احترق المسجد الحريق الأول سنة 654 هـ.

وفي ليلة الجمعة أول شهر رمضان سنة 654 هـ احترق المسجد النبوي الحريق الأول، عندما دخل أحد خدام المسجد في المخزن في الجانب الغربي الشمالي لاستخراج القناديل لمآذن المسجد، فترك الضوء الذي معه ونسيه فاشتعلت النيران وعلا اللهب، واجتمع غالب أهل المدينة المنورة فلم يقدروا على إطفائها، فاستولى الحريق على جميع سقف المسجد، وتلف جميع ما احتوى عليه المسجد من المنبر النبوي والزخارف، والأبواب والخزائن والشبابيك والمقصير والصناديق وما اشتملت عليه من كتب وكسوة الحجرة وكان عليها إحدى عشرة ستارة، ووقع كذلك بعض سقف الحجرة.

بعد ذلك أمر الخليفة العباسي المستعصم بالله بإعادة إعمار المسجد سنة 655 هـ الموافق 1257، ولما شرعوا في العمارة قصدوا إزالة ما وقع من السقوف على القبور في الحجرة، فلم يتجرأوا على ذلك، وانتظروا جواب الخليفة المستعصم، فلم يصل إليهم جواب لاشتغال الخليفة وأهل دولته بسبب غزو التتار لهم، واستيلائهم على بغداد في تلك السنة، فتركوا الردم على ما كان عليه، ولم ينزل أحد هناك، ولم يتعرضوا له ولا حركوه، إلا أنهم بنوا سقفاً فوقه على رؤوس السواري التي حول الحجرة.

في عهد المماليك

عد نهاية الخلافة العباسية بمقتل الخليفة المستعصم بالله على يد التتار سنة 656 هـ، انتقل أمر العناية بالمدينة المنورة إلى الدولة المملوكية في مصر، فتولى ملك مصر المنصور نور الدين علي بن أيبك وبمساعدة ملك اليمن المظفر يوسف بن عمر بن علي بن رسول إكمال عملية الإعمار. ثم في سنة 657 هـ عُزل ملك مصر المنصور نور الدين وتولّى مكانه الملك المظفر سيف الدين قطز فكان العمل بالمسجد تلك السنة من باب السلام إلى باب الرحمة، ومن باب جبريل إلى باب النساء، وما لبث أن قُتل قبل أن تتم عمارته، وتولى حكم مصر بعده الملك الظاهر بيبرس، فقام بتجهيز الأخشاب والحديد والرصاص، وأرسل 53 صانعاً، وأرسل معهم الأمير جمال الدين محمد الصالحي، ثم صار يمدهم بما يحتاجون إليه من الآلات والنفقات، حتى تم إصلاح باقي المسجد.

ثم لم يزل المسجد على ذلك حتى سنة عام 678 هـ في أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي، إذ عُمِلَت فوق الحجرة النبوية قبة خشبية (عُرفت لاحقاً بالقبة الخضراء)، مربّعة من أسفلها، مثمنة في أعلاها بأخشاب أقيمت على رؤوس السواري. ثم في عامي 705 هـ و706 هـ جدّد السلطان محمد بن قلاوون السقف الشرقي والسقف الغربي (أي الذي عن يمين صحن المسجد ويساره). ثم في سنة 729 هـ أمر السلطان محمد بن قلاوون، بزيادة رواقين في المسقف القبلي متصلين بمؤخره. ثم حصل فيهما خلل فجددهما الملك الأشرف سيف الدين برسباي في ذي القعدة سنة 831 هـ. وجدد كذلاك شيئاً من السقف الشمالي. ثم حصل خلل في سقف الروضة وغيرها من سقف المسجد في عهد الظاهر سيف الدين جقمق فجدد ذلك في سنة 853 هـ على يد الأمير بردبك الناصر المعمار وغيره.

الجهة الجنوبية للمسجد، وتظهر القبة الخضراء التي أنشأها أول مرة السلطان محمد بن قلاوون عام 678 هـ، ثم جددها السلطان قايتباي. وتظهر أيضاً على اليسار القبة التي بناها قايتباي على المحراب العثماني

وفي عام 881 هـ، أمر السلطان قايتباي (من أبرز السلاطين المملوكيين الذين اهتموا بعمارة المسجد)، بعمارة شاملة للمسجد على يد الخواجكي الشمسي شمس الدين بن الزمن. وفي ليلة 13 رمضان عام 886 هـ الموافق 1481 احترق المسجد النبوي الحريق الثاني، إذ تراكم الغيم فحصل رعد شديد، وضربت صاعقة المأذنة الرئيسية، فسقط شرقيّ المسجد، وتوفي رئيس المؤذنين يومئذٍ، واندلعت النيران في سقف المسجد عند المأذنة الرئيسية جنوب شرقي المسجد، فاجتمع أهل المدينة لإطفاء الحريق، فعجزوا عن إطفاءها، حتى استولت النيران على جميع سقف المسجد وأبوابه وما فيه من خزائن الكتب والمصاحف. فقام بعدها السلطان قايتباي بعمارة شاملة للمسجد، إذ أرسل المئات من البنّائين والنجّارين والحَجّارين والنحّاتين والحدّادين، وأرسل الأموال الكثيرة والآلات والحمير والجمال، وذلك لتتم عمارة المسجد على أحسن ما يكون، فزادوا في الجانب الشرقي قدر 1.2 متراً، وعملوا سقفاً واحداً للمسجد بارتفاع 11 متراً، وقام ببناء القبة الخضراء وبناها بدلاً من القبة الزرقاء التي الموجودة قبل الحريق فوق الحجرة النبوية، وأعادوا ترخيم الحجرة النبوية وما حولها وترخيم الجدار القبلي، وعملوا المنبر ودكة المؤذنين من رخام، وعملوا قبّة على المحراب العثماني، كما أقاموا قبتين أمام باب السلام من الداخل، وقد كسيت هذه القباب بالرخام الأبيض والأسود. وانتهت هذه العمارة في أواخر رمضان سنة 888 هـ الموافق 1483.

.**

فضائل المسجد النبوي
ورد كثير من الأحاديث النبوية عند المسلمين تبيّن فضل المسجد النبوي، ومكانته عندهم، ومن ذلك:
أنه هو المسجد المذكور في الآية: ï´؟لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَï´¾ وذلك بحسب كثير من المفسرين، ويستدلون بما رواه أبي سعيد الخدري قال: «دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت بعض نسائه فقلت: يا رسول الله أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض، ثم قال : هو مسجدكم هذا (يقصد مسجد المدينة)».
أنه أحد المساجد الثلاثة التي لا يجوز شدّ الرحال إلى مسجد إلا إليها، فعن أبي سعيد الخدري، عن النبي محمد قال: «لا تُشَدُّ الرحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجدَ : مسجدِ الحرامِ، ومسجدِ الأقصَى، ومسجدي هذا».
الصلاة فيه تعدل 1000 صلاة في غيره، فعن أبي هريرة عن النبي محمد قال: «صلاةٌ في مسجدي هذا، خيرٌ من ألفِ صلاةٍ في غيرِه من المساجدِ، إلا المسجدَ الحرامَ».
فيه جزء يُسمى بـ “الروضة المباركة”، يقول فيها النبي محمد: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي».
أنه خير مكان يقصده الناس، قال النبي محمد: «خيرُ ما رُكبَت إليهِ الرَّواحلُ مسجدي هذا والبيت العتيق».
أن من جاءه بهدف التعلم فهو كالمجاهد في سبيل الله، قال النبي محمد: «من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلّمه أو يعلّمه فهو بمنزلة المجاهدين في سبيل الله، ومن جاء بغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره».
أنه من صلّى فيه 40 يوماً كُتبت له النجاة من النار، رُوي عن أنس بن مالك أن النبي محمد قال: «من صلَّى في مسجدي أربعين صلاةً لا تفوته صلاةٌ كُتِبت له براءةٌ من النَّار وبراءةٌ من العذاب وبرِئ من النِّفاق». ولكنه يعتبر من الأحاديث الضعيفة .
المسجد عبر التاريخ
عبر التاريخ، مرّ المسجد النبوي بتسع توسعات، هذا غير الترميمات التي حدثت كثيراً.

في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم

نموذج للمسجد النبوي والحجرات في عهد النبي محمد، والقبلة يومئذٍ إلى بيت المقدس


نموذج للمسجد النبوي والحجرات في عهد النبي محمد، بعدما صارت قبلتهم إلى الكعبة
كان المسلمون الأوائل من الأنصار قبل الهجرة النبوية يجتمعون ويصلّون في موضع في وسط المدينة المنورة (واسمها يومئذٍ “يثرب”)، حيث كان مصعب بن عمير (المبعوث من النبي محمد في مكة) يصلّي بهم ويعلمهم القرآن أيضاً، ومن قبله كان أسعد بن زرارة يصلي بهم، وكانت الأرض التي يصلّون عليها عبارة عن مرباد (موقف الإبل ومحبسها) لغلامين يتيمين هما سهل وسهيل ابنا عمرو وكانا في حِجرِ أسعد بن زرارة.وفي الهجرة النبوية، عندما قدم النبي محمد المدينة المنورة، بركت ناقته في ذلك الموضع الذي كان الأنصار يصلّون فيه، وقال: «هذا المنزل إن شاء الله»، فدعا الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً، فقالا: «بل نهبه لك يا رسول الله»، فأبى أن يقبله هبة حتى ابتاعه منهما، ودفع ثمنها أبو بكر. فأسّس النبي محمد المسجد في شهر ربيع الأول سنة 1 هـ الموافق 622، وكان طوله يومئذٍ ما يقارب 35 متراً، وعرضه 30 متر، فتكون مساحته 1050 متراً مربعاً، وكان سقفه بارتفاع 2.5 متراً تقريباً. وكانت أعمدة المسجد من جذوع النخل وسقفه من الجريد (أغصان النخيل)، وأساسه من الحجارة، وجداره من اللبن (الطوب النيء الذي لم يُحرق بالنار)، وجعل وسطه رحبة (ساحة). وكان النبي محمد يبني معهم بنفسه، ويحمل الحجارة واللبن. وجعل للمسجد 3 أبواب: باب الرحمة ويُقال له باب عاتكة (في جهة الشرق)، وباب عثمان ويُسمى باب جبريل الذي كان يدخل منه النبي محمد (في جهة الغرب)، وباب في المؤخرة (في جهة الجنوب)، وجعل قبلة المسجد لبيت المقدس، ولما تحوّلت القبلة للكعبة في السنة 2 هـ، سُدّ الباب الذي كان في المؤخرة وفُتح باب في مواجهته في الجهة الشمالية. وكذلك بنى بيتين لزوجتيه عائشة بنت أبي بكر وسودة بنت زمعة.
روى البخاري قصّة بنائه في حديث طويل عن أنس بن مالك وفيه: «أن النبي صلى الله عليه وسلّم أمر ببناء المسجد فأرسل إلى ملأ من بني النجار فجاؤوا، فقال: يا بني النجار ثامِنوني بحائطكم هذا، فقالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، قال: فكان فيه ما أقول لكم، كانت فيه قبور المشركين، وكانت فيه خِرَب، وكان فيه نخل، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، قال: فصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه (خشبتان مثبتتان على جانبي الباب) حجارة، قال: جعلوا ينقلون ذاك الصخر وهم يرتجزون، ورسول الله صلى الله عليه وسلّم معهم يقولون: اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة فانصر الأنصار والمهاجرة».
وكان النبي محمد قد رفض أن يبني المسجد ويزيّنه، فقد روى عبادة بن الصامت: أن الأنصار جمعوا مالا ًفأتوا به النبي فقالوا: يا رسول الله: ابن هذا المسجد وزينه، إلى متى نصلي تحت هذا الجريد؟ فقال: «ما بي رغبة عن أخي موسى، عريش كعريش موسى».
وبعد غزوة خيبر في شهر محرم سنة 7 هـ الموافق 628، وبسبب ازدياد أعداد المسلمين في المدينة نتيجة الهجرة إليها حتى ضاق المسجد النبوي بالمصلين، عندها قرر النبي محمد زيادة مساحته، فزاد 20 متراً في العرض و15 متراً في الطول، فصارت مساحته 2500 متراً مربعاً، وكان عثمان بن عفان هو من اشترى هذه الأرض.وبقي المسجد على حدّه من الجهة الجنوبية، ومن الجهة الشمالية كان حده إلى ما ينتهي إليه البناء المجيدي المسقوف اليوم، ومن الجهة الغربية، كان حدّه الأسطوانة الخامسة من المنبر مكتوب عليها “حدّ مسجد النبي صلى الله عليه وسلم”، وكان ارتفاع سقفه تقريباً 3.5 متراً.
في عهد عمر بن الخطاب
في عام 17 هـ وبسبب كثرة عدد المسلمين نتيجة للفتوحات الإسلامية واتساع رقعة الدولة الإسلامية، قام الخليفة عمر بن الخطاب بتوسعة المسجد النبوي، وكانت أول توسعة للمسجد النبوي منذ بنائه وتوسعته في عهد النبي محمد، حيث أن أبا بكر الصديق لم يضف على مساحة المسجد شيئاً، فقد انشغل أبو بكر بالأحداث التي نتجت عن وفاة الرسول، غير أنه جدد الأعمدة النخلية التي نخرت. فلمّا تولّى عمر أمر الخلافة قال: «إني أريد أن أزيد في المسجد، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ينبغي أن يُزاد المسجد” ما زدتُ فيه شيئاً».
بدأ عمر بشراء البيوت حول المسجد لتوسعته، إلا حجرات أمهات المؤمنين، وبيت كان للعباس بن عبد المطلب في جهة القبلة من المسجد، فتبّرع العباس به. وبدأ عمر بتوسعته فبنى أساس المسجد بالحجارة إلى أن بلغ حوالي متران، فزاد من جهة القبلة إلى الرواق المتوسط بين المصلى النبوي والمصلى العثماني، وذلك نحو 5 أمتار، وزاد من جهة الشمال 15 متراً، ومن الجهة الغربية 10 أمتار، ولم يزد من الجهة الشرقية شيئاً. فصار طول المسجد من الشمال إلى الجنوب 70 متراً، وعرضه 60 متراً، وارتفاع سقفه 5.5 متراً تقريباً. وجعل له ستة أبواب: الثلاثة القديمة، وفتح “باب السلام” في أول الحائط الغربي، و"باب النساء" في الحائط الشرقي، وباب في الحائط الشمالي. وأمر بالحصباء (حجارة صغيرة) فجيء به من العقيق وبسطها بالمسجد. واقتضت توسعة عمر إدخال بيت أبي بكر في المسجد والذي كان ملاصقاً للمسجد في الجهة الغربية.
وكان عمر قد بنى رحبة خارج المسجد سُميت بـ “البطيحاء”، وقال: «من أراد أن يغلط أو يرفع صوتاً أو ينشد شعراً فليخرج إليه»، وكان قد بناه في الجهة الشرقية مما يلي المؤخرة، وقد دخلت في المسجد أثناء التوسعة بعد عمر.
في عهد عثمان بن عفان
لم تعد الزيادة التي بناها عمر بن الخطاب تسع المصلين والزوار، فقام الخليفة الراشد عثمان بن عفان بتوسعة المسجد النبوي في شهر ربيع الأول سنة 29 هـ الموافق 649، وانتهى منه في أول شهر محرم سنة 30 هـ، فكان عمله 10 أشهر. وأما مقدار الزيادة، فقد كانت في الجهة الجنوبية 5 أمتار وهو منتهى الزيادات من هذه الجهة حتى الآن، وفي الجهة الغربية زاد 5 أمتار أخرى وهو الأسطوانة الثامنة من المنبر، وزاد من الجهة الشمالية 5 أمتار أيضاً. وبناه من الحجارة المنقوشة والجص، وجعل أعمدته من الحجارة المنقوشة، وغُطّي سقفه بخشب الساج، وبنى مقصورة من لبن يصلي فيها للناس خوفاً من الذي أصاب عمر، وجعل للمسجد 6 أبواب على ما كان على عهد عمر. وكان عثمان يباشر عمل البناء ويشرف عليه بنفسه.

.

**معالم المدينة المنورة

المعالم الدينية والسياحية بالمدينة

المسجد النبوي

هو مسجد النبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ثاني أقدس دور العبادة بالنسبة للمسلمين بعد المسجد الحرام بمكة المكرمة، وهو أحد ثلاث مساجد تشد لها الرحال في الإسلام. يقع المسجد النبوي في قلب المدينة المنورة، وهو المكان الذي بركت فيه ناقة النبي محمد عندما جاء إلى المدينة مهاجراً.الشكل العام للمسجد مستطيل الشكل، ويتكون من عشرة مآذن. يضم المسجد النبوي العديد من المعالم، من أبرزها منبر النبي، الروضة، الحجرة، الحائط المخمس، والقبة الخضراء والتي يوجد تحتها قبر النبي.

مسجد قباء

هو أول مسجد بُني في عهد النبي محمد، يقع جنوب المدينة المنورة، ويبعد عن المسجد النبوي حوالي 5 كيلومترات، فيه بئر تُنسب لأبي أيوب الأنصاري، وكان فيه مبرك الناقة، وقد شارك النبي في بناء المسجد وذلك في طريقه إلى المدينة أثناء هجرته، وقد أكمل المسلمون بناؤه بعد ذلك، وفي العصر السعودي الحديث تم توسعة المسجد حيث بلغت مساحة المصلى وحده حوالي 5035 م² بعد أن كانت 1600 م² فقط، وأصبحت المساحة الكلية للمسجد ومرافقه ما يُقارب 13500 م².

مسجد القبلتين

من أهم معالم المدينة، يقع في الاتجاه الجنوب الغربي من بئر رومة قرب وادي العقيق وفوق هضبة مرتفعة، ويبعد عن المسجد النبوي حوالي خمسة أميال في الاتجاه الشمالي الغربي، وسُمي بمسجد القبلتين لأن الصحابة صلوا فيه صلاة واحدة إلى قبلتين وذلك أن القبلة كانت آنذاك إلى بيت المقدس، وفي العام الثاني للهجرة جاءت آية تحويل القبلة إلى المسجد الحرام، فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة ليبلغ المسلمين في أطراف المدينة، وعندما جاء الصحابي والناس يصلون، أخبرهم الخبر فتحولوا وهم في صلاتهم إلى القبلة الجديدة، وتبلغ المساحة الاجمالية الحالية للمسجد حوالي 3920 م².

البقيع

هي المقبرة الرئيسية لأهل المدينة المنورة منذ عهدالرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أقرب الأماكن التاريخية إلى المسجد النبوي، إذ يقع في مواجهة القسم الجنوبي الشرقي من سور المسجد. تبلغ مساحة البقيع الحالية حوالي 180000 م²، وتضم رفات الآلاف من أهل المدينة ومن توفي فيها من المجاورين والزائرين، وفي مقدمتهم الصحابة، حيث تضم ما يقارب عشرة آلاف صحابي دفنوا فيها، منهم زوجات النبي عدا السيدة خديجة بنت خويلد وميمونة بنت الحارث.

مقبرة شهداء أحد

هي أحد أهم معالم في المدينة المنورة، تقع شمال المسجد النبوي على بعد 5 كيلومترات، عند سفح جبل أحد وبجوار جبل الرماة، سُميت بهذا الاسم لأنها تضم رفات سبعين من الصحابة استشهدوا في غزوة أحد ومنهم عم الرسول صلى الله عليه وسلم “حمزة بن عبد المطلب”، والصحابي “حنظلة بن أبي عامر”، وكان النبي يزورها باستمرار حتى وافته المنية في العام 11 للهجرة.

جبل أحد

من أهم المعالم الطبيعية والدينية في المدينة المنورة، يقع شمال المسجد النبوي على بعد 5 كم. ويمتد جبل أحد كسلسلة جبلية من الشرق إلى الغرب، مع ميل نحو الشمال ومعظم صخوره من الجرانيت الأحمر، وأجزاء منه تميل ألوانها إلى الخضرة الداكنة والسواد، يبلغ طول جبل أحد سبعة أميال، وعرضه ما بين 2 و3 أميال،وتنتشر على مقربة من جبل أحد عدة جبال صغيرة، أهمها: جبل ثور في الاتجاه الشمالي الغربي، وجبل الرماة في جنوبه الغربي، ويمر عند قاعدته وادي قناة ويتجاوزه غرباً ليصب في مجمع الأسيال.

معالم أخرى

بالإضافة للمعالم سالفة الذكر هناك معلمان مهمان أيضًا هما: المساجد السبعة، وهي من أهم المعالم التي يزورها القادمون إلى المدينة المنورة، وهي مجموعة مساجد صغيرة عددها الحقيقي ستة وليس سبعة ولكنها اشتهرت بهذا الاسم، نظراً لإضافة البعض لمسجد القبلتين ضمن هذه المساجد، وذلك لأن من يزورها يزور ذلك المسجد أيضاً في نفس الرحلة فيصبح عددها سبعة. تقع هذه المساجد الصغيرة في الجهة الغربية من جبل سلع عند جزء من الخندق الذي حفره المسلمون في عهد النبي محمد للدفاع عن المدينة المنورة عندما زحفت إليها قريش والقبائل المتحالفة معها في السنة الخامسة للهجرة، ويُروى أنها كانت مواقع مرابطة ومراقبة في تلك الغزوة وقد سُمي كل مسجد باسم من رابط فيه، عدا مسجد الفتح الذي بُني في موقع قبة ضُربت للنبي محمد. كذلك هناك مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، وهو أكبر مطبعة لطباعة المصحف في العالم.وضع الملك فهد بن عبد العزيز حجر الأساس للمجمع في 23 أكتوبر 1982 وافتتحه رسمياً في 30 أكتوبر 1984. ويُنتج المجمع سنوياً ما متوسطه عشرة ملايين نسخة، ويوزع مثلها على المسلمين في جميع القارات، وقد أنتج أكثر من 160 إصدارًا و193 مليون نسخة من المصحف، ويجري المجمع دراسات وأبحاثا مستمرة لخدمة الكتاب والسنّة، كما يضم أحدث ما وصلت إليه تقنيات الطباعة في العالم.

النقل والمواصلات

المطارات

طائرات متوقفة في مطار الأمير محمد بن عبد العزيز.

مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي هو المطار الرئيسي الذي يخدم المدينة المنورة، ويبعد عن وسط المدينة حوالي 15 كيلومترا في الاتجاه الشمالي الشرقي، ويُعد المطار أحد منافذ وصول ومغادرة الحجاج والمعتمرين من الخارج. افتتح عام 1971 وكان مطاراً داخلياً في بداية إنشائه، واقتصرت الرحلات الدولية إليه في موسم الحج فقط، وأدت الزيادة الكبيرة في عدد الرحلات في مواسم الحج والعمرة إلى تحويل المطار إلى مطار دولي عام 2006.

الطرق السريعة

تمتلك المدينة المنورة شبكة من الطريق السريعة التي تربطها بباقي مدن ومناطق المملكة، وهي:

طريق المدينة المنورة - القصيم السريع.

طريق المدينة المنورة - تبوك السريع.

طريق المدينة المنورة - ينبع السريع.

طريق المدينة المنورة - مكة السريع.

طريق المدينة المنورة - حائل السريع.

القطارات

قسم من سكة حديد الحجاز واصلة دمشق بالمدينة.

قديماً تم ربط المدينة المنورة بخطوط سكك حديدية بمنطقة بلاد الشام عن طريق خط سكة حديد الحجاز وهو خط يربط ما بين مدينة دمشق والمدينة، وقد بدأ العمل في هذا الخط عام 1900 وافتتحت محطة المدينة المنورة رسمياً عام 1908، واستمر تشغيله حتى سنة 1916 عندما قامت الحرب العالمية الأولى إذ تعرضت للتخريب بسبب الثورة العربية الكبرى وسقوط الدولة العثمانية بعد الحرب.

حديثاً سيتم ربط المدينة المنورة بمكة المكرمة من خلال مشروع قطار الحرمين السريع وهو مشروع خط سكة حديدية كهربائي يربط بين منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة مروراً بمحافظتي جدة ورابغ بطول 450 كيلومترا، وسيتم في المرحلة الأولى من المشروع بناء خمس محطات ركاب، منها محطتان في مكة المكرمة، ومحطتان في مدينة جدة في كل من مطار الملك عبد العزيز الدولي ووسط المدينة، والمحطة الخامسة ستكون في المدينة المنورة. ومن المنتظر أن تشهد المرحلة الثانية بناء محطة أخرى في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية برابغ. بدأ العمل على المشروع في شهر مارس من سنة 2009، ويتوقع للقطارات أن تنقل حوالي ثلاثة ملايين شخص في السنة، بما فيهم أولئك القادمين لأدادء مناسك الحج والعمرة.

.**

**الحدائق العامة وأماكن الترفيه

جانب من حديقة الشهداء.

تضم المدينة المنورة الكثير من الحدائق العامة، لعل من أبرزها: حديقة الملك فهد المركزية، حديقة الأمير محمد بن عبد العزيز، حديقة الشهداء، حديقة الزهور، حديقة النخيل وغيرهم، كما تضم العديد من الأماكن الترفيهية من ملاهي مثل ملاهي الحكير أو “لونا بارك”، ملاهي البعيجان، ملاهي درة المدينة، ملاهي كوكو ماجد بارك، ملاهي غنومه، وملاهي ألعاب المدينة.. تضم المدينة أيضاً العديد من الأسواق مثل أسواق سلطانه، أسواق قباء، أسواق قربان، سوق المدينة الدولي، أسواق عالية المدينة، أسواق الحرم، بالإضافة إلى بعض المولات حديثة الإنشاء مثل الراشد مول، الحسن مول، ومجمع النور. كما تحتوي المدينة على الكثير من المنتزهات العامة.

المقاهي

تضم المدينة المنورة العديد من المقاهي، ولعل أبرز تلك المقاهي هي “مقاهي المناخة” وهي الأماكن التي يجتمع بها عمال الصناعات الحرفية، وأهل سوق المناخة بعد صلاة المغرب، تبدأ هذه المقاهي من جهة مسجد الغمامة، وتنتهي عند قباء. هي بالترتيب:

مقهى عبد الواحد المغربي.

مقهى المعلم.

مقهى صالح حريقة.

مقهى محمد نقاوي.

مقهى مبارك المولد.

مقهى مناع.

مقهى الحادي.

مقهى الخضر.

مقهى العم أحمد طوال.

مقاهي قباء.

مقهى اسرار كافي

الفنادق

دار التقوى إنتركونتيننتال.

منظر لجانب من المدينة المنورة الحديثة

تضم المدينة المنورة الكثير من الفنادق، وتتركز أغلبها في دائرة مغلقة حول المسجد النبوي داخل الطريق الدائري الأول، ومن أمثلتها: فندق أوبروي المدينة، وفندق المدينة شيراتون، وفندق دار التقوى إنتركونتيننتال، وفندق دار الإيمان إنتركونتيننتال، ودار الهجرة إنتركونتيننتال، وفندق دلة المدينة، وفندق المدينة هيلتون، وفندق المدينة ماريوت، وفندق طيبة، وفندق مودة، وفندق الحارثية، وفندق دانات المدينة، بالإضافة إلى مجموعة الزهدي الفندقية وتضم: فندق أنوار الزهراء، وفندق محمدية الزهراء، وفندق تهاني الزهراء، وفندق روابي الزهراء، وفندق بهاء الزهراء، وفندق رياض الزهراء.

المساجد التاريخية

إحدى بوابات المسجد النبوي.

مسجد العنبرية.

تضم المدينة المنورة الكثير من المساجد المتنوعة، منها ما هو أثري وقديم، ومنها ما هو حديث، وفيما يلي بعض أبرز مساجد المدينة:

المسجد النبوي:

هو المسجد الرئيسي للمدينة، ويقع في مركزها، وهو مسجد النبي محمد، يضم العديد من المعالم من أبرزها القبة الخضراء والروضة.

مسجد قباء:

من أبرز مساجد المدينة، وهو أول مسجد بُني في الإسلام، يقع جنوب غرب المدينة المنورة، ويبعد عن المسجد النبوي حوالي 5 كيلومترات.

مسجد القبلتين:

من أهم معالم المدينة، وسُمي بهذا الاسم لأنه المسجد الوحيد الذي صلى فيه المسلمون صلاة واحدة وإلى قبلتين مختلفتين هما المسجد الأقصى، والكعبة.

مسجد العنبرية:

هو مسجد أنشأه السلطان العثماني عبد الحميد الثاني عام 1908 ليكون جزءاً من مشروع محطة المدينة المنورة التابع لسكة حديد الحجاز.

مسجد الفتح:

هو أكبر المساجد السبعة، مبني فوق رابية في السفح الغربي لجبل سلع، وسُمي بهذا الاسم لأنه كان خلال غزوة الأحزاب مصلى للنبي محمد وللصحابه.

مسجد علي بن أبي طالب:

أحد المساجد السبعة الشهيرة، سُمي بهذا الاسم لأن علي بن أبي طالب قتل في هذا الموقع عمرو بن ود قائد فرسان قريش الذي اجتاز الخندق في غزوة الأحزاب.

مسجد ذو الحليفة: وهو ميقات الإحرام لأهل المدينة المنورة.

.**

**السكان

سكان المدينة المنورة قديمًاً

رسم لامرأة من سكان المدينة المنورة قديمًا.

بلغ عدد سكان المدينة المنورة في آخر فترة قبل الإسلام ما بين 12 و15 ألف نسمة، ولما هاجر المسلمون الأوائل من مكة إلى المدينة تغيرت المعادلة السكانية، ومرت بمراحل مد وجزر، إذ وفدت إليها مجموعات قبلية، وأفراد من مكة والبادية، وكان النبي محمد قد أجلى عنها من بقي من اليهود، وقد بلغ عدد سكانها أيام وفاة النبي حوالي ثلاثين ألف نسمة.

وخلال عهد الخلفاء الراشدين خرجت مجموعات كبيرة إلى حروب الردة والفتوحات الإسلامية، استشهد كثيرون منهم، وأقام آخرون في المجتمعات الإسلامية الجديدة في بلاد الشام والعراق ومصر، مما أنقص عدد السكان عدة آلاف، وفي العهد العباسي بدأ عدد السكان يتناقص تدريجياً، إذ قُدّر عدد السكان وقتها بثلاثة آلاف تقريباً، كما يُستدل من السور الذي بني حول المدينة في منتصف القرن الثالث الهجري، وكان ذلك التناقص نتيجة كثرة الفتن، واضطراب الأحوال الأمنية، وسوء الأحوال الاقتصادية يومها، وفي القرن السادس الهجري ازداد عدد السكان، ولم تعد تتسع لهم المنطقة المحصورة داخل السور، وبنى لهم نور الدين زنكي سوراً ثانياً بلغ طوله أكثر من ضعف السور الأول، مما يدل على أن عدد السكان قد زاد عن ستة آلاف نسمة.

ومع بداية العهد العثماني ازداد عدد سكان المدينة ووصل في القرن الثالث عشر الهجري إلى عشرين ألف نسمة تقريباً، وفي القرن الرابع عشر الهجري ازداد عدد سكان المدينة عند وصلها بسكة حديد الحجاز، ووصل إلى ثمانين ألفاً، لكنه عاد وانخفض انخفاضاً حاداً عندما قامت الحرب العالمية الأولى، وأجبر معظم أهل المدينة على الخروج منها فيما عرف باسم سفر برلك، حتى لم يعد فيها من أهلها إلا العشرات بسبب الصراع بين العثمانيين والهاشميين، ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى وخروج العثمانيين؛ عاد إلى المدينة عدد من أهلها، واستقر الباقون في الأماكن التي هاجروا إليها.

سكان المدينة المنورة حديثًا

شهدت المدينة المنورة في العقود الثلاثة الأخيرة تضاعفا كبيرا في عدد سكانها، فبلغ حسب إحصاءات عام 1999 حوالي 856 ألف نسمة ينتمون إلى قبائل وأعراق مختلفة، بعضهم من أهل المدينة المقيمين فيها منذ قرون طويلة، وبعضهم من الوافدين إليها من أنحاء المملكة العربية السعودية ومن مختلف دول العالم للاستيطان بها، وبعضهم من القادمين من البلاد العربية والإسلامية للعمل، ويتوزع السكان في ثلاث دوائر عمرانية مركزها المسجد النبوي، ومحيطها الأخير خلف جبل أحد شمالاً وذي الحليفة (أبيار علي) غرباً ووادي بطحان جنوباً والعاقول شرقاً.

يُقدر عدد سكان المدينة المنورة حالياً بحوالي 1,300,000 نسمة،وكنتيجة للتطورات العمرانية توزع السكان على أحياء المدينة وتغيرت الكثافة السكانية فيها، فتضاعف عددهم في الأحياء الداخلية حول المسجد النبوي بسبب إعادة عمران المنطقة، والتوجه نحو تأمين مناطـق سكنية وتجارية تخدم الزوار فيها، وازدادت في المناطق التالية: قربان، قباء، الحرة الشرقية، الحرة الغربية، وفي أطراف المدينة مثل أبيار علي، ومنطقة العاقول، ومنطقة سيد الشهداء. وإضافة إلى المقيمين الدائمين في المدينة يفد إليها أعداد كبيرة من الزوار في المواسم الدينية، وخاصة في شهر رمضان وموسم الحج، ويبلغ عددهم قرابة المليون، يمكثون فيها على دفعات متتالية، أياماً وأسابيع قليلة ثم يعودون إلى بلادهم.

التقسيم الإداري

تنقسم المدينة المنورة إلى خمسة وعشرين حيًا إداريًا هي:

حي سيد الشهداء

حي الأغوات

حي باب المجيدي

حي الساحة

حي باب الشامي

حي التاجوري

حي الحرة الشرقية

حي الحرة الشمالية الشرقية

حي الحرة الغربية

حي زقاق الطيار

حي العنبرية

حي العيون

حي الجرف

حي قباء

حي العوالي

حي المناخة

حي المنشية

حي العنابس

حي آبار علي

حي الدويمة

حي الجبور

حي البحر

حي المستراح

حي العزيزية

حي الدعيثة

.**

**تاريخ المدينة الحديث

دخلت المدينة المنورة في ظل الدولة السعودية في يوم 19 جمادى الأولى عام 1344 للهجرة، وذلك عندما سلمها القادة الهاشميون بناء على اتفاق خاص مع الملك عبد العزيز آل سعود، وقد شهدت المدينة المنورة في العصر السعودي الحديث أزهي عصورها من حيث أعمال التوسعة والعمران، وشهدت تقدماً في جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث وفرت الدولة السعودية الأمان لسكان المدينة بعد أن كان مفقوداً بسبب غارات القبائل، ولعل أبرز ما قامت به الحكومة السعودية للمدينة المنورة هي توسعة المسجد النبوي، حيث وضع الملك فهد بن عبد العزيز حجر الأساس للتوسعة الضخمة للمسجد النبوي، وذلك في 2 نوفمبر 1984، حيث تمت إضافة مساحة 82000 م² لحرم المسجد، وتم عمل ساحات واسعة تحيط بجهات المسجد الأربع يبلغ إجمالي مساحتها حوالي 235000 م²، وتم زيادة الطاقة الاستيعابية للمصلين بشكل كبير داخل المسجد، فبعد أن كان المسجد النبوي يستوعب حوالي 58000 مصلٍ (دون مساحة الساحات المحيطة بالمسجد)، فقد أصبح يستوعب حوالي 650000 منهم.

الجغرافيا

المناخ

تتميز المدينة المنورة بمناخ جاف، إذ يسود بها المناخ الصحراوي، والذي يتميز بالجفاف وقلة سقوط الأمطار، ودرجات حرارة عالية تتراوح بين 30° و45° مئوية في فصل الصيف، أما في فصل الشتاء فيكون الجو ممطراً، ويكثر هطول المطر في شهر أبريل مع إمكانية هطوله في شهور ديسمبر، يناير، ومارس، ويتراوح متوسط درجات الحرارة عندئذ بين 10° و25° مئوية. أما الرطوبة فهي منخفضة في معظم أوقات السنة، ومتوسط معدلها يصل إلى 22%، وترتفع في فترات سقوط الأمطار إلى 35%، وتنخفض في فصل الصيف لتصل إلى حوالي 14% فقط، وتهب على المدينة المنورة رياح جنوبية غربية وتكون في الغالب حارة وجافة، ويبلغ متوسط سرعتها ما بين 5 و8 عُقد في الساعة.

الجيولوجيا

البازلت، أحد المكونات الجيولوجية الأساسية في المدينة.

تقع معظم المدينة في تجويف رباعي يمتد نحو الجنوب، وتحده صخور البازلت من الشرق والغرب والجنوب، وتوجد عدة تكوينات جيولوجية أخرى حول التجويف الرباعي تعود إلى عصر ما قبل الكمبري. وأحياناً تختلط هذه الصخور مع صخور بركانية وأحجار مسامية من الرماد البركاني وأحجار الشظايا الأفقية المتلاحمة.

يتألف التكوين الرباعي من الرمل والطمي والغِرْين والصلصال،والذي نشأ أساساً من تفتت الصخور المنقولة إلى الوديان من التكوينات البركانية القديمة وتكوينات ما قبل الكمبري. تُوجد في غرب المدينة المنورة مجموعة من الصدوع على هيئة أنصاف دوائر، ويكون اتجاه وانحدار هذه الصدوع نحو الشرق والجنوب الشرقي، كما يوجد في شمال المدينة عدد من الأراضي ذات ملوحة عالية ليست ملائمة للزراعة مباشرة.

توجد في أقصى جنوب المدينة تكوينات ثلاثية ورباعية من صخور البازلت والأندسايت وتنتشر هذه التكوينات في المنطقة التي يُطلق عليها اسم “حرة رهاط” مع امتدادات نحو الشمال على شكل أذرع تطوق التجويف الرباعي نحو الشرق والغرب، ويمكن ملاحظة أن الذراع الغربي، “الحرة الغربية”، أضيق من الذراع الشرقي، “الحرة الشرقية”، والذي يمتد بشكل أكبر نحو الشرق موازياً للسهل الشمالي. ويُعتقد بأن أحدث المسكوبات البركانية في المدينة المنورة حدثت في القرن السابع الهجري، وتوجد هذه المسكوبات على هيئة طبقات فقاعية من خبث البراكين المختلطة بالصلصال الأصفر والأبيض، وتوجد هناك أيضاً طبقات سميكة من البازلت يصل عمقها إلى 200 متر في بعض المناطق في جنوب المدينة، كما يوجد الغرين شبه البازلتي في مناطق كثيرة ما عدا القمم القاعدية.

التربة

تتشكل تربة المدينة المنورة من الغرين والطمي والرمل الحصوي بالإضافة إلى الصخور الجرداء، وفي جنوب المدينة ينعدم الرمل بسبب تواجد الصخور القديمة والتي تتحول إلى طمي بفعل التعرية العادية، وهذا ما جعل منطقة جنوب المدينة أكثر المناطق فاعلية للزراعة من شمالها. أما معظم المنطقة العمرانية في قلب المدينة فتقع على تربة ثقيلة النسيج. الجدول التالي يوضح أنواع التربة في المدينة المنورة:

الجبال

رسم عثماني للمدينة المنورة يُظهر الجبال المحيطة بها.

تضم المدينة المنورة الكثير من الجبال، وفيما يلي أبرز جبال المدينة:

جبل أحد: من أهم معالم المدينة المنورة، يقع شمال المسجد النبوي على بعد 5 كيلومترات، ويمتد جبل أحد كسلسلة جبلية من الشرق إلى الغرب، وقد نسب إليه اسم لغزوة أحد.

جبل الراية: هو أحد جبال المدينة، سُمي بهذا الاسم لإنه كان يعرض فيه الجيش الإسلامي، ويُعطي النبي قائد الجيش الراية.

جبال الجماوات: من جبال المدينة، وهي ثلاثة جبال غير كبيرة تقع في الجهة الغربية من المدينة المنورة على امتداد قسم من وادي العقيق،

جبل الرماة: هو جبل صغير يقع بجانب جبل أحد، واشتهر بسبب حادثة عصيان بعض الرماة لأوامر النبي محمد في غزوة أحد.

جبل سلع: هو جبل يقع غربي المسجد النبوي على بعد 500 متر، يبلغ طوله حوالي 1000 متر، وارتفاعه 80 متراً وعرضه ما يقارب 500 متر ويمتد من الشمال إلى الجنوب.

جبل عير: هو جبل أسود مستقيم القمة تقريباً، يقع جنوب المدينة وشرق وادي العقيق، ويبعد عن المسجد النبوي 8 كيلومترات تقريباً.

جبل الأغوات: أحد جبال المدينة، سمي بهذا الاسم لأن الأغوات اشتروه ليحتموا من أهل المدينة المنورة أثناء الفتنة التي وقعت بينهم وبين أهل المدينة عام 1117 للهجرة.

الأودية

تضم المدينة المنورة الكثير من الأودية الشهيرة، فيما يلي أبرزها:

وادي العقيق من أشهر أودية المدينة المنورة، تتجمع مياهه من منطقة النقيع التي تبعد عن المدينة أكثر من مائة ميل جنوباً

ويسير إلى مشارف المدينة حتى يصل إلى جبل عير، ويُسمى هذا الجزء منه العقيق الأقصى، ثم يسير غربي جبل عير

ويمر بذي الحليفة، وينعطف بع ذلك في اتجاه الشرق حتى يلتقي بوادي بطحان قرب منطقة القبلتين

ثم يسير باتجاه الشمال الشرقي قليلاً ثم شمالاً فيلتقي بوادي قناة القادم من شرقي المدينة عند منطقة زغابة.

وادي بطحان أحد أبرز أودية المدينة يسير من جنوبها وحتى غربها، وقد ورد اسمه في حديث النبي محمد

فقال: “أن وادي بطحان على ترعة من ترع الجنة”، وقد روي أن النبي توضأ من هذا الوادي يوم غزوة الأحزاب.

وادي الروحاء أحد أودية المدينة، يقع بين مكة والمدينة، فيها بئر معروفة قديماً باسم " بئر الروحاء"

وكانالرسول صلى الله عليه وسلم ينزل بها إذا أراد العمرة أوالحج أو عند رجوعه من بعض الغزوات

.**

**غزوة بدر الكبرى

بعد تشريع القتال انطلقت من المدينة جميع غزوات الرسول ، ولم يتم القتال قبل نزول آية تشريع القتال مطلقا، وكانت غزوة بدر أول الغزوات ومن أهمها. ففي صيف سنة 624 بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم أن قافلة تجارية يقودها أبو سفيان بن حرب يرافقه ما بين ثلاثين وأربعين رجل، تتجه من الشام عائدة إلى مكة. فجمع الرسول صلى الله عليه وسلم جيشًا قوامه حوالي 313 رجلاً ليقطع الطريق عليهم، وتنص الكثير من المصادر الإسلامية الأولى، أن المسلمين لم يكونوا يتوقعون حصول معركة كبيرة.ومع اقتراب القافلة من المدينة، بلغت مسامع أبو سفيان ما يخططه المسلمون، فأرسل رسولاً إلى مكة ليُحذر قريش ويطلب الإمدادات، فأرسل القرشيون جيشَا تراوح عدد جنوده ما بين 900 و1,000 رجل، والتقى الجمعان عند آبار بدر حيث دارت معركة طاحنة انتصر فيها المسلمون على قلة عددهم.

معركة أحد

جبل أحد، حيث وقعت المعركة الكبيرة بين المسلمين والمشركين.

في عام 625، حشد القرشيون جيشًا جديدًا للثأر لهزيمة بدر وساروا لملاقاة المسلمين، فتواجهوا بالقرب من المدينة مقابل جبل أحد، حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم عدد من الرماة بالتمركز لرمي جيش قريش بالسهام. كان النصر في بداية الأمر إلى جانب المسلمين، لكن سرعان ما انقلبت الآية وكرّ جيش قريش عليهم، بعد أن لجأوا إلى الخدعة والتفوا حول جبل الرماة وباغتوا المسلمين. وقد قتل في المعركة خلق كثير من المسلمين منهم عم النبيصلى الله عليه وسلم حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه . ثم في وقت لاحق في شهر ربيع الأول سنة 4 هـ، حدثت غزوة بني النضير بعد أن همّ يهود بنو النضير بالغدر وقتل الرسول صلى الله عليه وسلم ، فنقضوا بذلك الصحيفة، فأمهلهم محمد 10 أيام ليغادروا المدينة، فرفضوا وتحصنوا بحصن لهم، فحاصرهم الرسول صلى الله عليه وسلم 15 يومًا، وقيل 6 ليال، ثم أجلاهم عن المدينة وحملوا النساء والصبيان وتحملوا على 600 بعير، فلحقوا بخيبر، وغنم من أموالهم ما تركوه وراءهم.

غزوة الخندق ونهاية بني قريظة

لما أُجلي بنو النضير، وساروا إلى خيبر، خرج نفر من وجهائهم فحرّضوا قريشًا وكنانة وغطفان ودعوهم إلى حرب المسلمين وعاهدوهم على قتاله، فوافقوهم. وتجهزت قريش وكنانة فجمعوا 4000 شخص، ومعهم 300 فرس. وانضم إليهم أعدادًا من بني سليم وبني أسد، وفزارة، وغطفان، وبني مرة. فكان جميعهم 10,000 سُمّوا بالأحزاب، وكان قائدهم أبو سفيان، فكانت ما عُرف باسم غزوة الخندق أو غزوة الأحزاب،وكانت في شوال سنة 5 هـ وقيل في ذي القعدة. فلما سمع بهمالرسول صلى الله عليه وسلم ، عسكر بثلاثة آلاف من المسلمين إلى سفح جبل سلع، وكان شعارهم «حَم، لَا يُنْصَرُونَ»، وجعل النساء والأطفال في آطام (حصون)، ثم حفر الخندق على المدينة بمشورة سلمان الفارسي، وكان يعمل فيه بيده، فانتهوا منه بعد 6 أيام.

لوحة يظهر فيها المسجد النبوي، تعود للقرن الثامن عشر. عُثر عليها في إزنيق، بتركيا.

ولما انتهوا من الخندق، أقبلت قريش ومن معهم من الأحزاب وحاصروا المدينة حصارًا شديدًا، وفي أثناء ذلك وافق يهود بني قريظة على أن يسمحوا للأحزاب بدخول المدينة من الجزء الخاص بهم بعد أن فاوضهم حيي بن الأخطب القادم مع الأحزاب، لكن ذلك لم يتم بسبب حيلة استخدمها الصحابي “نعيم بن مسعود الغطفاني” للإيقاء من بني قريظة والأحزاب. واشتد الحصار على المسلمين ودبّ فيهم الخوف والرعب، فكانت آيات من سورة الأحزاب تصف ما حدث ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا )جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا )وأقام المسلمون والأحزاب 24 ليلة لم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل والحصار.حتى جاءت ريح شديدة لمعسكر الأحزاب، فارتحلوا على إثراها. كان من نتيجة هذا الحصار أن قُتل 8 من المسلمين، و4 من الأحزاب. ولما انصرف الأحزاب عن المدينة، قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم»، فلم تغزهم قريش بعد ذلك، وكان هو الذي يغزوها، وذلك حتى فتح مكة.

بعد انتهاء المعركة، رجعت بنو قريظة فتحصنوا بحصونهم، ووضع المسلمون السلاح. فجاءه جبريل في صورة دحية الكلبي فقال: «أوقد وضعت السلاح يا رسول الله؟» قال «نعم» فقال جبريل «فما وضعت الملائكة السلاح بعد وما رجعت الآن إلا من طلب القوم. إن الله عز وجل يأمرك بالمسير إلى بني قريظة فإنّي عامد إليهم فمزلزل بهم» فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بالرحيل إليهم 7 ذو القعدة 5 هـ. فكانت غزوة بني قريظة، فحاصرهم المسلمون وهم يومئذ 3000.25 ليلة حتى أتعبهم الحصار. فأعلن بنو قريظة استسلامهم، فقام محمد بتحكيم سعد بن معاذ فيهم فحكم بقتلهم وتفريق نسائهم وأبنائهم عبيدًا بين المسلمين، فقال محمد «لقد حكمتَ فيهم بحكم الله». فأمر محمد بتنفيذ الحكم وتم إعدام ما بين 700 إلى 900 شخص.

عاصمة الدولة الإسلامية

بعد حوالي ثمانية سنوات من الهجرة، استطاع المسلمون العودة إلى مكة فاتحين. لكن على الرغم من الانتصار ودخول مكة في ظل الدولة الإسلامية، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم اتخذ المدينة مقرًا، فأصبحت عاصمة الدولة الإسلامية الفتيّة. وبقي الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة حتى توفي في شهر ربيع الأول سنة 11 هـ‏.

المدينة في عصور الخلافة

جزء من سور المدينة المنورة في أواخر العهد العثماني سنة 1890.

رسم توضيحي يُظهر الشكل العام للمسجد النبوي عام 1857.

بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم عاشت المدينة المنورة أزهى عصورها في عهد الخلفاء الراشدين، منذ تولي أبو بكر الصديق الذي قضى على المرتدين عن الإسلام في حروب الردة، ومروراً بعمر بن الخطاب حيث فُتحت بلاد الشام ومصر وبلاد فارس، وعهد عثمان بن عفان الذي شهد المزيد من الفتوحات ودخول سلاح البحرية إلى الجيش الإسلامي وحدوث الفتنة بين المسلمين، وصولاً إلى عهد علي بن أبي طالب وباستشهاده عام 661 ازدادت الفتنة بين المسلمين وبعضهم، حتى قامت الخلافة الأموية عام 661، بعد أن تنازل الحسن بن علي عن الخلافة، ونُقلت عاصمة المسلمين من المدينة المنورة إلى دمشق. ومنذ نهاية عصر الخلافة الأموية حتى بداية العهد السعودي مرت المدينة المنورة بعصور مختلفة بداية من الخلافة العباسية مروراً بالخلافة الفاطمية ثم الدولة الأيوبية ثم السلطنة المملوكية ثم الدولة العثمانية وصولاً إلى العصر السعودي الحديث.ومن أبرز ما حدث خلال تلك العهود: قيام الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بتوسيع المسجد النبوي خلال عهده، حتى أضحى قبر النبي محمد جزءًا لا يتجزأ منه، كما أصيب مسجد قباء بصاعقة قرابة عام 850 أدّت إلى تدميره، ولم يُعاد بناءه إلا سنة 892، واستمر قائمًا على ما هو عليه حتى سنة 1257 عندما تدمر مجددًا بفعل حريق كبير، فأعيد بناءه على الفور، ثم السلطان قايتباي المملوكي بتجديد بناه سنة 1487.

حصار سنة 1916

عمر فخر الدين “فخري” باشا، آخر الحكّام العثمانيين للمدينة المنورة.

شهدت المدينة المنورة في بداية القرن العشرين، وخلال الحرب العالمية الأولى، أطول حصار في تاريخها، حيث وعدت بريطانيا الشريف حسين تتويجه كملك للعرب، وأوعزت له شق عصا الطاعة، واعلان الحرب على دولة الخلافة العثمانية. وقد كانت المدينة حتى ذلك الحين تتبع دولة الخلافة العثمانية، ويقيم فيها واليا عثمانيًا، كان في تلك الفترة المدعو فخري باشا. وعندما أعلن الشريف حسين بن علي، شريف مكة، الثورة على دولة الخلافة العثمانية باسم العرب، سار بقواته بمعونة واشراف أعداء الله الإنجليز وضرب حصارًا على المدينة المنورة تمهيدًا لطرد العثمانيين منها.تمكن فخري باشا من صد قوات الشريف حسين من سنة 1916 حتى سنة 1919، لكنه اضطر للاستسلام في نهاية المطاف في العاشر من يناير من نفس العام، فدخلت قوات الشريف حسين المدينة المدعومة من الكفرة الانجليز، حيث بويع الأخير ملكًا على الحجاز وبلاد العرب، غير أن القوى العظمى وفي مقدمتها فرنسا وبريطانيا لم تعترف به كملك على كل الدول العربية المستقلة حديثًا، بل كملك على الحجاز فقط، وتقاسمت ما تبقى من تركة الدولة العثمانية فيما بينها.

.**

**تشريع القتال في المدينة

قال تعالى : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ( 39 ) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 40 ) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ( 41 ) .

فقد كان المسلمون في مكة يتعرضون للأذى والعذاب من كفار مكة دون أي ردة فعل قتالية، فقد كانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه - وكانوا أهل بيت إسلام - إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة ، فيمر بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول :frowning: صبرا آل ياسر موعدكم الجنة) حيث لم يكن القتال في العهد المكي مشرعاً

كان المسلمون في أول الإسلام ممنوعين من قتال الكفار، ومأمورين بالصبر عليهم، لحكمة إلهية مفادها منع المسلمين من القتال إن لم يكن لهم كيان سياسي أي دولة، وتشريع القتال حينما يكون للمسلمين دولة، فلما هاجروا إلى المدينة، وأوذوا، وحصل لهم منعة وقوة، أذن لهم بالقتال، قال تعالى: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ ) يفهم منه أنهم كانوا قبل ممنوعين، فأذن الله لهم بقتال الذين يقاتلون، وإنما أذن لهم، لأنهم ظلموا، بمنعهم من دينهم، وأذيتهم عليه، وإخراجهم من ديارهم.

( وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) فليستنصروه، وليستعينوا به، ثم ذكر صفة ظلمهم فقال: ( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ) أي: ألجئوا إلى الخروج بالأذية والفتنة ( بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا ) أن ذنبهم الذي نقم منهم أعداؤهم ( أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ) أي: إلا أنهم وحدوا الله، وعبدوه مخلصين له الدين، فإن كان هذا ذنبا، فهو ذنبهم كقوله تعالى: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ وهذا يدل على حكمة الجهاد، وأن المقصود منه إقامة دين الله، وذب الكفار المؤذين للمؤمنين، البادئين لهم بالاعتداء، عن ظلمهم واعتدائهم، والتمكن من عبادة الله، وإقامة الشرائع الظاهرة، ولهذا قال: ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ) فيدفع الله بالمجاهدين في سبيله ضرر الكافرين، ( لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ ) أي: لهدمت هذه المعابد الكبار، لطوائف أهل الكتاب، معابد اليهود والنصارى، والمساجد للمسلمين، ( يُذْكَرَ فِيهَا ) أي: في هذه المعابد ( اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ) تقام فيها الصلوات، وتتلى فيها كتب الله، ويذكر فيها اسم الله بأنواع الذكر، فلولا دفع الله الناس بعضهم ببعض، لاستولى الكفار على المسلمين، فخربوا معابدهم، وفتنوهم عن دينهم، فدل هذا، أن الجهاد مشروع، لأجل دفع الصائل والمؤذي، ومقصود لغيره، ودل ذلك على أن البلدان التي حصلت فيها الطمأنينة بعبادة الله، وعمرت مساجدها، وأقيمت فيها شعائر الدين كلها، من فضائل المجاهدين وببركتهم، دفع الله عنها الكافرين، قال الله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ.

يقول تعالى: أذن الله للمؤمنين الذين يقاتلون المشركين في سبيله بأن المشركين ظلموهم بقتالهم.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء المدينة: (أُذِنَ) بضم الألف,(يُقاتَلُونَ) بفتح التاء بترك تسمية الفاعل في أُذِنَ ويُقاتَلُون جميعًا. وقرأ ذلك بعض الكوفيين وعامة قرّاء البصرة: (أُذِنَ) بترك تسمية الفاعل, و " يُقاتِلُونَ" بكسر التاء, بمعنى يقاتل المأذون لهم في القتال المشركين. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين وبعض المكيين: " أَذِنَ" بفتح الألف, بمعنى: أذن الله, و " يُقاتِلُونَ" بكسر التاء, بمعنى: إن الذين أذن الله لهم بالقتال يقاتلون المشركين. وهذه القراءات الثلاث متقاربات المعنى; لأن الذين قرءوا أُذِنَ على وجه ما لم يسمّ فاعله يرجع معناه في التأويل إلى معنى قراءة من قرأه على وجه ما سمي فاعله- وإن من قرأ يُقاتِلونَ، ويُقاتَلُون بالكسر أو الفتح, فقريب معنى أحدهما من معنى الآخر- وذلك أن من قاتل إنسانا فالذي قاتله له مقاتل, وكل واحد منهما مقاتل. فإذ كان ذلك كذلك فبأية هذه القراءات قرأ القارئ فمصيب الصواب.

غير أن أحبّ ذلك إليّ أن أقرأ به: أَذِنَ بفتح الألف, بمعنى: أذن الله, لقرب ذلك من قوله: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ) أذن الله في الذين لا يحبهم للذين يقاتلونهم بقتالهم, فيردُ أذنَ على قوله: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ ) وكذلك أحب القراءات إليّ في يُقاتِلُون كسر التاء, بمعنى: الذين يقاتلون من قد أخبر الله عنهم أنه لا يحبهم, فيكون الكلام متصلا معنى بعضه ببعض.

وقد اختُلف في الذين عُنوا بالإذن لهم بهذه الآية في القتال, فقال بعضهم: عني به: نبيّ الله وأصحابه.

*ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) يعني محمدا وأصحابه إذا أخرجوا من مكة إلى المدينة; يقول الله: ( وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) وقد فعل.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو أحمد, قال: ثنا سفيان, عن الأعمش, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جُبير, قال: لما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة, قال رجل: أخرجوا نبيهم، فنـزلت: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) الآية الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

حدثنا يحيى بن داود الواسطي, قال: ثنا إسحاق بن يوسف, عن سفيان, عن الأعمش, عن مسلم, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس, قال: لما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم, إنا لله وإنا إليه راجعون, ليهلكنّ- قال ابن عباس: فأنـزل الله: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) قال أبو بكر: فعرفت أنه سيكون قتال. وهي أوّل آية نـزلت.قال ابن داود: قال ابن إسحاق: كانوا يقرءون: (أُذِنَ) ونحن نقرأ: " أَذِنَ".

حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا إسحاق, عن سفيان, عن الأعمش, عن مسلم, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس, قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم, ثم ذكر نحوه, إلا أنه قال: فقال أبو بكر: قد علمت أنه يكون قتال. وإلى هذا الموضع انتهى حديثه, ولم يزد عليه.

حدثني محمد بن خلف العسقلاني, قال: ثنا محمد بن يوسف, قال: ثنا قيس بن الربيع, عن الأعمش, عن مسلم, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس, قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة, قال أبو بكر: إنا لله وإنا إليه راجعون, أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم, والله ليهلكنّ جميعا! فلما نـزلت: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا )إلى قوله: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ عرف أبو بكر أنه سيكون قتال.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) قال: أذن لهم في قتالهم بعد ما عفا عنهم عشر سنين. وقرأ: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ وقال: هؤلاء المؤمنون.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, في قوله: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ . (1)

وقال آخرون: بل عني بهذه الآية قوم بأعيانهم كانوا خرجوا من دار الحرب يريدون الهجرة, فمنعوا من ذلك.

*ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى- وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) قال: أناس مؤمنون خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة, فكانوا يمنعون, فأذن الله للمؤمنين بقتال الكفار, فقاتلوهم.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, في قوله: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) قال: ناس من المؤمنين خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة, وكانوا يمنعون, فأدركهم الكفار, فأذن للمؤمنين بقتال الكفار فقاتلوهم. قال ابن جُرَيج: يقول: أوّل قتال أذن الله به للمؤمنين.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قَتادة: في حرف ابن مسعود: " أُذِنَ للَّذِينَ يُقاتَلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ" قال قَتادة: وهي أوّل آية نـزلت في القتال, فأذن لهم أن يقاتلوا.

حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, عن معمر, عن قتادة, في قوله: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) قال: هي أوّل آية أنـزلت في القتال, فأذن لهم أن يقاتلوا. وقد كان بعضهم يزعم أن الله إنما قال: أذن للذين يقاتلون بالقتال من أجل أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, كانوا استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل الكفار إذا آذوهم واشتدّوا عليهم بمكة قبل الهجرة غيلة سرّا; فأنـزل الله في ذلك: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ) فَلَمَّا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة, أطلق لهم قتلهم وقتالهم, فقال: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ). وهذا قول ذُكر عن الضحاك بن مزاحم من وجه غير ثبت.

وقوله: ( وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) يقول جل ثناؤه: وإن الله على نصر المؤمنين الذين يقاتلون في سبيل الله لقادر, وقد نصرهم فأعزّهم ورفعهم وأهلك عدوّهم وأذلهم بأيديهم.**