**المحكم والمتشابه في القرآن
الشيخ العلامة محمد الخضر حسين
لكل من المحكم والمتشابه معنى في أصل اللغة، ومعنى في عرف الشرع؛ أما المحكم لغة، فإن مادة “حكم” تدور على معنى الصرف والمنع، ومنه (حكمة اللجام) للحديدة التي تمنع الفرس من الاضطراب والجموح، ومنه حكم الحاكم؛ لأنه منع للظالم من وضع يده على حق غيره، ومنه الحكيم؛ لأنه يمنع نفسه من إتباع هواها وارتكاب ما لا يليق.
ويرجع إلى هذا المعنى قولهم: أحكمته إحكامًا إذا أخذت على يده، قال جرير:
أَبَنِي حَنِيفَةَ أحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ أَنْ أَغْضَبَا
ومنه الإحكام بمعنى الإتقان؛ لأنه منع للشيء من الخلل والخطأ، يقال: بناء محكم؛ أي متين، لا وهن فيه ولا خلل.
وأما المتشابه، فمعناه في أصل اللغة أن يكون أحد الشيئين مشابهًا للآخر، ولما كان من شأن المتشابهين تعذر التمييز بينهما، أطلق هذا الاسم على كل ما لا يهتدي الإنسان إلى حقيقة المراد منه، من باب إطلاق اسم السبب على المسبب، ومما جاء فيه التشابه بمعنى تعذر التمييز قوله تعالى: {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا}، ومما جرى على هذا الوجه قولهم: اشتبه عليه الأمر.
وأما معنى المحكم والمتشابه في عرف الشريعة، فقد اختلفت فيه آراء أهل العلم مذاهب، ولا نطيل البحث بإيراد الأقوال الضعيفة ومناقشتها، وإنما نعمد إلى قولين مشهورين بين أهل العلم، وننظر في أدلتهما، فنعلم أيهما أوفق لحكمة الشريعة، وأقرب إلى فهم قوله تعالى: {مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}.
وأول القولين أن المحكم: ما اتضحت دلالته، والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه، وهذا مذهب من يؤمنون بالمتشابه، ويفوضون العلم به إلى الله تعالى، وبهذا سموا “مفوضة”، وينسب هذا المذهب إلى جمهور السلف، والمفوِّضة يتفقون على صرف الألفاظ في المتشابه عن معانيها المعروفة عند العرب، وهم بعد هذا فريقان: فريق لا يتعرضون إلى المعنى المراد ولو بوجه مجمل، وفريق قد يعينون نوع المجاز؛ كأن يحملوا الاستواء في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، والوجه في قوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 27] على أنه صفة من صفات الله؛ ولكنهم يفوِّضون معنى هذه الصفة إلى الله تعالى، وهذا ما ينسب إلى الأشعري وأكثر السلف.
وثاني القولين المشهورين أن المحكم ما اتضحت دلالته، والمتشابه ما كان خفي الدلالة، وهؤلاء يؤولون المتشابه على ما ترتضيه أفهامهم من المعاني، فيخرج من الخفاء إلى وضوح، ولهذا سموا “مؤولة”، والتأويل إما بحمل الألفاظ على الحذف أو المجاز المفرد، وإما بحملها على طريقة التمثيل.
واختلاف الجمهور في معنى المتشابه بهذين القولين، اقتضاه اختلافهم في معنى قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}.
فالمفوضة يقولون: إن قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} مبتدأ، وجملة {يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ} خبر عنه، ومفاد هذا الوجه من الإعراب أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه من الآيات؛ والمؤولة يقولون: إن قوله {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} معطوف على اسم الجلالة عطف المفرد على المفرد، وقوله {يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ} استئناف مبين لحال الراسخين في العلم، ومقتضى هذا الوجه من الإعراب أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه، ويقولون مع التأويل له: آمنا به، كل من المحكم والمتشابه من عند ربنا.
ولننظُرْ في هذين المذهبين من جهة الآية أولاً، ثم من جهة الأدلة الخارجة عن الآية ثانيًا.
أما من جهة ما تدل عليه الآية، فقد قال أصحاب مذهب التفويض: الظاهر أن قوله تعالى {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} وقع معادلاً لحال الزائغين المشار إليه بقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ}، ويكون معنى الآية: وأما الراسخون في العلم، فيقولون آمنا به، ولم يأتِ في الآية على هذا الوجه الظاهر في المعادلة، مبالغة في رفع شأن الراسخين في العلم، حيث لم يسلك بهم مسلك المعادلة اللفظية لأولئك الزائغين.
وأجاب المؤولة بأن المعادل لا يلزم أن يكون مذكورًا في النظم؛ بل قد يكون محذوفًا اكتفاء بما يدل عليه من القرائن اللفظية أو الحالية، فيصح أن يقال: إن المعادل لقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} محذوف، وتقديره: وأما الذين في قلوبهم هدى وطمأنينة، فلا يتبعون ما تشابه منه ليفتنوا به الناس، ويؤولوه على حسب أهوائهم.**