**يقول " باترسون سميث " في كتابه " حياة المسيح الشعبية " ( باءت الحروب الصليبية بالفشل، لكن حادثاَ خطيراَ وقع بعد ذلك، حينما بعثت إنكلترا بحملتها الصليبية الثامنة، ففازت هذه المرة. إن حملة أللنبي على القدس أثناء الحرب العالمية ألأولى هي الحملة الصليبية الثامنة والأخيرة.) (1) لذلك فإن هذا القائد الصليبي الحاقد يتبجح عند دخوله القدس الشريف يرفع صوته قائلاَ: اليوم انتهت الحروب الصليبية. وينتهزها " لويد جورج " وزير خارجية بريطانيا فرصة سانحة حين هنأ الجنرال أللنبي بانتصاره على المسلمين، ليصف تلك الحرب::الحرب الصليبية الثامنة. لذا فلم يكن غريباَ ولا مُستهجناَ على الجنرال الفرنسي " غورو " حين تغلب على جيش ميسلون خارج دمشق، التوجه فوراَ إلى قبر قاهر الصليبيين " صلاح الدين الأيوبي" ويركله بقدمه قائلاَ: ها قد عُدنا يا صلاح الدين.
وقد تحقق لهم النصر الكامل على المسلمين بعد زوال دولة الخلافة الإســـلامية ( العثمانية ) في اســطنبول (القسطنطينية / الآستانة ) بمساعدة ودسائس ومؤامرات عملائهم المجرمين من العرب والأتراك دعاة القوميتين العربية والطورانية ويهود الدونمة وعملاء الفكر الغربي والمضبوعين بحضارته وتقدم علومه، سنة 1343 هـ / 1924 م.، فتم لهم السيطرة التامة على بلاد المسلمين واستعمارها. فقاموا بتقطيع أوصال الدولة الواحدة إلى دويلات هزيلة أقاموا عليها عملاء ونواطير لهم من أبناء المسلمين، أعطوهم ما يسمى بالاستقلال وألقاب الملوك والرؤساء والأمراء والمشايخ وغيرها… التي وصفها شوقي بقصيدة “نكبة دمشق”
بَني ســوريَةَ اطرحوا الأماني وألقوا عنكمُ الأحلامَ ألقوا
فمن خِدَعِ السياسة أن تغروا بألقابِ الإمــــارة وهي رقُ
ويستمر الدكتور أحمد عبد الرحمن قائلا: ( بعد الحرب العالمية ألأولى سقطت دولة الخلافة (العثمانية) على يد القوى الصليبية العظمى ( بريطانيا وفرنسا ) ? ذلك السقوط الذي قاد إلى نتائج مدمرة في قلب العالم الإسلامي ? وأهم النتائج : تجزئة المنطقة العربية إلى دويلات مصطنعة تحكمها أنظمة حكم من اختيار وإعداد وتربية إمبراطورية الصليب الدولية. تلك الأنظمة قامت بتهيئة الأجواء العربية لتقبل الضربة الصليبية النهائية ضد القلب الإسلامية " مكة والمدينة". وضربة القلب سبقتها ضربة قوية جدا من منطقة القلب فلسطين ? حيث سيطر اليهود على أرض فلسطين ? في خطوتهم قبل النهائية للسيطرة على المقدسات الإسلامية جميعا. وفي حديثه عن الحشود لغزو العراق 1991م.: ( بلغت القوات الأميركية في السعودية والخليج حوالي نصف مليون جندي، أكثر من ثلاثين ألف منهم نساء مقاتلات وعدد كبير لم يُعلن عنه من اليهود الذين أدوا احتفالاتهم الدينية بإشراف حاخامات من إسرائيل في مدينة خيبر وفي كل المدن السعودية والخليجية التي تواجدوا بها. بل يتحدث الآن مفكرون صليبيون في أمريكا وغيرها في إجلاء المسلمين من مناطق النفط في الجزيرة والخليج. ) (2)
وجعلوا من خريطة " سايكس بيكو " ( 16.05.1916 م. ) التي رسمها لهم الفرنسيين والإنجليز أعتا وألد أعدائنا، جعلوا من تلك الخريطة دستورا ومرجعا يرجعون إليه ويحافظون عليه ويتحاكمون إليه في محاكم الكفار، لحل خلافاتهم و لفض نزاعاتهم حول حدود حاراتهم ومشيخاتهم وإماراتهم، ولسد الثغرات المقصودة به والتي قصد منها راسمها إبقاء الشقاق والنزاع والخلاف بينهم، بهدف الإبقاء عليهم كنواطير لمصالح المستعمرين، وللحيلولة دون عودة دولة الخلافة وتوحد المسلمين كافة في كنفها. وكمثال على ذلك تحاكُم دولة الإمارات وقطر حول الحدود أمام محاكم الكفار بموجب قانون خارطة سيكس بيكو، وتحاكم دولة الإمارات ودولة السعوديين حول الحدود بينهم إلى خريطة سايكس بيكو، والمنطقة المحايدة المتنازع عليها بين السعوديين والكويت والعراق، والحارة المتنازع عليها بين أمارتي الشارقة وعجمان العضوين في دولة الإمارات الخليجية، وتحاكم دولة مصر ودولة يهود بصفتهم جيرانه أصحاب فلسطين، حول منطقة طابا المتنازع عليها بينهم، هل هي من حدود مصر أم من حدود فلسطين التي ورثها اليهود، وذلك أمام محاكم الكفار بقانون سايكس بيكو.كما جعلوا من ميثاق الأمم المتحدة قانوناَ ملزماَ لكل الدول في العالم، تلك القوانين التي وصفوها بالشرعة الدولية والقانون الدولي، وجعلوا من " مجلس الأمن " شرطيا يتدخل في سيادة الدول وفي شؤونها الداخلية، ومن المفروغ منه أن جميع قرارات الأمم المتحدة " ألأسرة الدولية " يتم فرضها والتحكم بها من قبل الدول الخمسة أصحاب النفوذ جميعهم أو بعضهم لتأمين مصالحهم على حساب مصالح باقي الدول.
وباختصار شديد وبهدف فهم واقع " منظمة الأمم المتحدة " ومنظماتها وهيئاتها ومجالسها المتفرعة، وقوانينها وقراراتها التي أخذت أسماء “القانون الدولي” و " الشرعية الدولية"، التي يتحاكم إليها حكامنا وتتحكم في رقابهم ومصائرهم وفي رقاب ومصائر شعوبهم قراراتها، والتي تأسست عام 1945م.، على أنقاض سابقتها " عصبة ألأمم المتحدة ". أنها استمرار لما يسمى " الأسرة الدولية النصرانية " و " القانون الدولي " التي انبثقت عن " مؤتمر وست باليا " الذي عقدته بعض الدول النصرانية في غرب أوروبا عام 1648. ( فأساس نشأة القانون الدولي أن الدول الأوروبية النصرانية في أوروبا تجمعت على أساس الرابطة النصرانية من أجل الوقوف في وجه الدولة الإسلامية، فأدى ذلك لما يسمى بالأسرة الدولية النصرانية، واتفقت على قواعد فيما بينها، منها التساوي بين أفراد هذه الدول بالحقوق، ومنها أن لهذه الدول نفس المباديء والمثل المشتركة، ومنها أن جميع هذه الدول تسلم للبابا الكاثوليكي بالسلطة الروحية العليا على اختلاف مذاهبها، فكانت هذه القواعد نواة القانون الدولي.)
إلا أن اجتماع الدول النصرانية بقي بلا تأثير لطغيان نظام الإقطاع وتسلط الكنيسة على الدول، وفي صراع تلك الدول مع تلك المعوقات نتج عنه زوال نظام الاقطاع وازالة سلطة الكنيسة عن الشؤون الداخلية والخارجية للدولة مع بقائها نصرانية، ( وقد أدى هذا إلى وجود دول قوية في أوروبا، ولكنها لم تستطيع مع ذلك الوقوف في وجه الدولة الإسلامية، وظل الحال كذلك حتى منتصف القرن السابع عشر أي حتى سنة 1648م.، وفي هذه السنة عقدت الدول الأوروبية النصرانية مؤتمرا هو مؤتمر وستفاليا. وفي هذا المؤتمر وضعت القواعد الثابتة لتنظيم العلاقات بين الدول الأوروبية النصرانية، ونظمت أسرة الدول النصرانية في مقابل الدولة الإسلامية، فقد وضع المؤتمر القواعد التقليدية لما يسمى بالقانون الدولي، ولكنه لم يكن قانونا دوليا عاما وإنما كان قانونا دوليا للدول الأوروبية النصرانية ليس غير، ويحظر على الدولة الإسلامية الدخول في الأسرة الدولية، أو انطباق القانون الدولي عليها، ومن ذلك التاريخ وُجد ما يسمى بالجماعة الدولية، وكانت تتكون من الدول ألأوروبية النصرانية جميعا بلا تمييز بين الدول الملكية والدول الجمهورية أو بين الدول الكاثوليكية والدول البروتوستانية. )
الا أنها كانت أول الأمر قاصرة على دول غرب أوروبا فقط وهي الدول المجتمعة في المؤتمر، وفيما بعد انضمت إليها سائر الدول ألأوروبية النصرانية، ثم شملت الدول النصرانية غير الأوروبية، ولكنها ظلت محرمة على الدولة الإسلامية إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر حيث أًصبحت الدولة الإسلامية في حالة هزال وضعف حيث سميت بالرجل المريض. ( وحينئذ طلبت الدولة العثمانية الدخول في الأسرة الدولية فرفض طلبها، ثم ألحت بذلك إلحاحا شديداً فاشترط عليها شوطا قاسية، منها عدم تحكيم الإسلام في علاقاتها الدولية، ومنها إدخال بعض القوانين الأوروبية، فقبلت الدولة العثمانية هذه الشروط، وخضعت لها، وبعد قبولها أن تتخلى عن كونها دولة إسلامية في العلاقات الدولية قبل طلبها، وأدخلت الأسرة الدولية 1856 ميلادية، ثم بعد ذلك أدخلت دول أخرى غير نصرانية كاليابان.)
ولذلك يعتبر مؤتمر وستفاليا هو الذي نظم القواعد التقليدية للقانون الدولي. وبناء على قواعده هذه وجدت الأعمال السياسية بشكل متميز ووجدت الأعمال الدولية الجماعية. ووضعت قوانين وتشريعات لهم تناسب الغاية والهدف. وان وُسِعَت بعد ذلك" الأسرة الدولية النصرانية " لتصبح “ألأسرة الدولية “، لكي تتحكم النصرانية بمصائر جميع الدول غير النصرانية، فضمت دول العالم الأخرى تحت لوائها بعد هدم دولة الخلافة، إلا أنها لم تسمح بأن يخرج " القانون الدولي " وقرارات المنظمة ومجلس ألأمن عن قانون " الأسرة الدولية النصرانية " لذا فقد كرست الصلاحية في القول الفصل في القرارات للدول العظمى " أصحاب حق النقض الخمسة Veto " داخل " مجلس الأمن ألدولي”، أما الأعضاء العشرة الآخرين، فلإعطاء وَهْم الدولية على هذا المجلس، علما أن لا سلطان لهم على إصدار القرارات حتى لو أجمع مجموعهم، حيث يحق لعضو واحد من الأعضاء الخمسة نقض هذا الإجماع باستعماله حقه المشروع وهو " الفيتو Veto " أي أن واقع بقية ألأعضاء أنهم " شهود زور”.
البحث منقول عن : الإرهاصات والبشائر والمعوقات / حاتم ناصر الشرباتي
(1) باترسون سميث ? حياة المسيح الشعبية.
(2) المصدر السابق.**





**
**













**

**




