القومية والوطنية

(هـ) العلمانية والعلمانيون

العلمانية كما هو معروف مذهب هدام والعلمانيون كما عرفنا سابقا هم من أعداء الدين الإسلامي وممن تفانوا في تضليل المسلمين بكل ما أمكنهم من الوسائل عن طريق المنصرين وعن طريق نشر الكتب وعن طريق نشر الإعلام المرئي والمسموع وعن طريق عملاء لهم من عرب النصارى ومن غيرهم ممن تأثر بأفكارهم وارتوى من سمومهم وقد جعلوا المجلات التي يصدرونها من لبنان ومصر وغيرها سلما إلى قلوب الناس وتهيئتهم للانتقال من التعصب للدين إلى التعصب للقومية العربية وأمجادها.
ولقد كان للعلمانيين وما يزال تأثير قوي بين كثير من طبقات الناس على اختلاف مستوياتهم الثقافية والاقتصادية وما من نعرة جاهلية تقوم إلا وللعلمانيين فيها يد طولى وقد ذكرناها لما لها من الأهمية والتأثير المتزايد خصوصا في هذه الأوقات التي انتشرت الفتن الهوجاء فيها سواء في حرب أمريكا وبريطانيا للعراق أو أفغانستان أو غيرهما من البلدان الإسلامية والتي إلى الآن نسمع التهديدات تلو التهديدات للدول التي لا تنصاع إلى السلوك الأمريكي وخصوصا فيما يتعلق بالمناهج الدراسية بعد أن جرت هذه الأمور فتنا مختلفة على أيدي أحزاب وحركات ثم اصطلى بنارها من لا ناقة له فيها ولا جمل فكانوا على حد قول الشاعر:

وذنب جره سفهاء قوم = وحل بغير جارمه العذاب

(و) الاشتراكية والشيوعية
الاشتراكية أحد المعاول الهدامة لحرب الأديان وقيام الأحزاب المتصارعة على كل شيء. وهدم كل ما يقف في طريق الاشتراكية من الأديان والأخلاق وسائر السلوك الذي لا ينسجم مع هذه الاشتراكية من الأديان والأخلاق وسائر السلوك الذي لا ينسجم مع هذه الاشتراكية وما من شخص ينادي بالاشتراكية إلا ويقرنها بالقومية وأن لا انفكاك لبعضهما عن البعض الآخر غير أن القومية تعتبر بمثابة التهيئة الأولى للاشتراكية والخادمة لها.
والاشتراكية هي الغذاء لقيام القوميات وانتشار الشيوعية بعد ذلك وكل فتنة ترقق التي قبلها مما يوحي بوقوع أخطار جسيمة ستحل بالمسلمين إن لم يتداركهم الله برحمته.
وقد ورد في الحديث أن كل فتنة ترقق التي قبلها ويقصد صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان وما هو عنا ببعيد نسأل الله العلي العظيم اللطف والتوفيق.
(ز) قيام حزب البعث

كان وراء قيام حزب البعث الاشتراكي النصارى العرب و على رأسهم النصراني ميشيل عفلق الذي جعل حب القومية العربية عقيدة راسخة تجمع بين مختلف الناس ومختلف عقائدهم وكانت الاشتراكية أيضا من ضمن منابع القومية التي امتزج بها حزب البعث وأخذ زعماء حزب البعث على عواتقهم المناداة بأنه يجب أن تبقى الآراء الفكرية هي القاسم المشترك بين العرب تحت لواء الوحدة الثقافية للأمة العربية ذات التاريخ المشترك واللغة الواحدة تحت بعث جديد يقوده القوميون الاشتراكيون دعاة الاشتراكية التي تبعث على التطور والازدهار وصد كل الحركات التي تعطل الأمة وتؤخر مسيرتها وحينما تمكن هؤلاء البعثيون النصارى من الحكم في لبنان وسوريا كشفوا عن حقيقتهم فإذا هم ينادون بعبادة البعث والعروبة والكفر بما عداهما و في هذا قال أحد شعرائهم:

آمنت بالبعث ربا لا شريك له = وبالعروبة دينا ماله ثان

وقال آخر:

بلادك قدسها على كل ملة = ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم

هبوني عيدا يجعل العرب أمة = وسيروا بجثماني على دين برهم

سلام على كفر يوحد بيننا = وأهلا وسهلا بعده بجهنم

17

**مصادر دعم القومية

? (أ) اليهود.

? (ب) النصارى.

? (ج) الحرب على الدين .

? (د) الحركات والمذاهب الهدامة الأوربية .

? (هـ) العلمانية والعلمانيون.

? (و) الاشتراكية والشيوعية .

? (ز) قيام حزب البعث .

(أ) اليهود

واليهود كما وصفهم وراء كل جريمة ومؤامرة فقلما تنشأ فكرة ضد البشرية إلا ووقفوا لتقويتها ولا طائفة تتربص بالدين إلا ووقفوا إلى جانبهم وهذا الإجراء منهم هو ما أوصتهم به كتبهم التي يقدسونها وحاخامتهم الذين اتخذوهم أربابا من دون الله تعالى.

ولقد حافظ اليهود على تماسكهم وتضامنهم طوال تاريخهم في اعتزاز بجنسهم وقوميتهم وعقائدهم التي ورثها لهم أكابرهم قديما، فلم يذوبوا في أي مجتمع مهما امتدت بهم السنوات ومهما كانت أعدادهم ومهما كان تفرقهم وبالإضافة إلى تعصبهم لقوميتهم فهم يتعصبون أيضا للغتهم العبرية وكان من مكاسب اليهود في انتشار القومية اليهودية والتدين بها هو الحفاظ على أفرادهم من الذوبان في أي مجتمع يكونون فيه وبالتالي فإن في انتشار القومية بين مخالفيهم أيضا مكسب لهم من حيث تمزق هؤلاء وتشرذمهم وانطواء كل جماعة على قوميتهم وما يتبع ذلك من التنافس بينهم واستعلاء بعضهم على بعض بحكم شريعة القومية وحينئذ يكونون لقمة سائغة لليهود لينفردوا بمن يشاءون منهم حتى يكتمل الدور عليهم جميعا وقد ظهر هذا واضحا في مكائدهم الكثيرة بالشعوب حكاما ومحكومين وما فعلوه تجاه الدولة العثمانية بالخصوص حين عملوا على تشجيع قيام القوميات والنعرات الجاهلية أقوى مثال ووصل الأمر حتى إلى قصور الخلفاء أنفسهم في آخر دولتهم فنسي الكثير منهم أن عزتهم إنما هي بالإسلام والتعصب له فاستخذوا أمام الضغوط اليهودية والنصرانية في كثير من المواقف بسبب تأثرهم بمختلف التيارات من ناحية ومن ناحية أخرى لخذلان المسلمين لهم.

وقد أقامت اليهودية العالمية روافد عدة لإحياء القوميات في النفوس من ماسونية وعلمانية وجمعيات أخرى وثورات عارمة للشعوب ضد حكامها ودعاوى الحرية والإخاء والمساواة وغيرها من الشعارات فكانت أكبر كارثة حلت بالمسلمين هي سقوط الدولة العثمانية بمؤامرات اليهود حينما ركن إليهم سلاطين هذه الدولة فكانوا كالذي يفقأ عينه بيده في سماحتهم وتساهلهم ضد أهداف اليهود ومطالبهم المتتابعة وما يتبع ذلك من استفحال العلمانية جنبا إلى جنب مع نعرات القومية التركية التي كان يذكي نارها جمعية الاتحاد والترقي التركية اليهودية الماسونية المعتقد أو كما يسمونها “تركيا الفتاة”.

وكل هؤلاء أخذوا يرجعون إلى الوراء بصورة حثيثة لجعل القومية الطورانية هي كل الأمجاد والمعتقدات عليها يلتقون وعليها يفتقرون مدعين أن الإسلام هو الذي أخفت صوتها وحضارتها.

ومن الجدير بالذكر أن جمعية الاتحاد والترقي ? أو تركيا الفتاة ? ليسوا أتراكا حقيقيين ولا هم مسلمين أيضا وإنما وفدوا من عدة أقطار متظاهرين بالإسلام ? وهم يهود في جملتهم ? كما يذكر الباحثيون تظاهروا بالتباكي والحنين إلى القومية الطورانية لجمع الأتراك كلهم عليها. وقد علمت مما سبق أن اليهود قد عملوا على إثارة كل القوميات وضرب بعضها بالبعض الآخر فإنهم حينما أنشأوا حركة الطورانيين كان عليهم أن يثيروا الحركة العربية والاعتزاز بها في مقابل اعتزاز الأتراك بقومياتهم القديمة وأخذت تلك الحركات تشتعل لا تلوي على شيء في الوقت الذي نسي فيه الجميع الرجوع إلى الحق والدين واشتط الأتراك وبدؤوا في التعسف وإجبار الناس على اعتناق اللغة التركية وإحلالها محل كل لغة وهم يعرفون أن النتيجة ستكون فوضى وحمية جاهلية وهو ما حصل بالفعل حيث استطاع اليهود أن يثيروا حمية العرب لعربيتهم لجعلها مصدر إلهامهم بدلا عن الإسلام والاعتزاز به ليبقى الكاسب الوحيد لهذا التمزق والتفاخر الأجوف هم اليهود ولا شك أن النصارى سينالهم نصيبهم من هذه المكاسب أيضا فالكل عدو للمسلمين وللإسلام وتعاليمه وهو ما حصل بالفعل ولقد عرف العالم ويلات الحروب التي وقعت بين العرب والأتراك وتدخلات الدول الاستعمارية و على رأسها بريطانيا العدو اللدود للمسلمين قديما وحديثا.

15**

**الإسلام والقومية العربية

ذكرنا في البداية أن الإسلام لا يقف في طريق الشخص إذا انتسب لقومه أو لوطنه أو أهله بل إنه يشجع هذا المسلك ويحبذه إذا كان على أساس التواصل وصلة الرحم بل أخبر الله تعالى أن انقسام الناس إلى شعوب وقبائل هو أمر منه عز وجل أن الحكمة من وراء هذا بينها عز وجل بقوله: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [الحجرات:13].وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينتسب الشخص إلى غير أبيه أو ينتمي إلى غير مواليه ولا يمنع كذلك أن ينتسب الإنسان إلى الوطن الذي يعيش فيه ولا لوم عليه إذا أحبه لا على أساس الفخر الجاهلي وإنما لأنه وطنه أواه فإن تلك الأمور كلها لا حرج فيها وواقع تعيشه البشرية كلها ولا يمنعها الإسلام إلا في حالة واحدة وهي الحالة التي يصبح ولاء الناس ومعاداتهم ومحبتهم واجتماعهم وافتراقهم كله قائم على دعوى القومية والتعصب لها وتقديمها على الأخوة الإسلامية لأن هذا الوضع منحرف لأنه يصبح تشريعا جديدا لا تستند فيه مشروعية إلا على الحكم الوضعي البشري لا إلى حكم الله تعالى وما أجمل أن يترك الإنسان كل علاقة خارجة عن الإسلام محاكيا في ذلك قول سلمان رضي الله عنه حينما سمع بعض الناس يفتخر بنسبه وبقومه فقال عن نفسه:

أبي الإسلام لا أب لي سواه = إذا افتخروا بقيس أو تميم

وأما حينما يصل التعصب للقومية إلى أن يقدم الشخص ولاءه ومحبته للآخر لأنه من قومه بينما يبتعد عن الآخر من غير قومه حتى وإن كان صالحا تقيا فهذا لا يعترف به الإسلام بل تعترف به القومية الجاهلية وما أكثر ما ورد عن سير السلف الصالح رضوان الله عليهم من الصحابة ومن بينهم إحسان ما أكثر ما ورد عنهم تقديم أخوة الإيمان على أخوة النسب أو الدم ولنا في مؤاخاة الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في أول الإسلام خير شاهد على ذلك فإن قصصهم العطرة وسيرتهم المرضية لا تزال تضيء نورا وهاجا وعبيرا فواحا إلى يومنا هذا تخليدا من الله تعالى لهم وإكراما لأوليائه.

وأما القومية العربية التي دعى إليها ساطع الحصري فهي قومية جاهلية مغرضة لها نفس الأهداف التي كانت نصب أعين المتربصين بالإسلام كما أنه هو نفسه أحد أولئك وإن ظهر بمظهر الغيور على مجد العرب كما يزعم فإن العرب لا مجد لهم بغير الإسلام بل هم أمة كانوا في حمئة الجاهلية كسائر الأمم حتى أنقذهم الله بالإسلام ورفع شأنهم به ومن زعم غير هذا فقد جانب الحقيقة وكذب على التاريخ وتشبع بما ليس فيه ولا قيمة لأمجاده التي يزعمها قبل الإسلام فإن زعمه هذا هو من جنس مزاعم هذا العصر المعكوسة التي تسمي الأشياء بغير اسمها فتستحل الحرام وتحرم الحلال بذلك حيث أضحت الخمر مشروبات روحية والربا فائدة والزنا حرية شخصية وعداوة الآخرين من غير وطنه وطنية والآراء الفاجرة حرية الكلمة واحترام الماديات والعلامات وبعض الأماكن واجب وطني لا يجوز الخروج عليه والمساس به وكأنه جزء من الدين فما الذي يبقى لله تعالى في قلب اقتنع بترهات القوميين ونسي أن المجد الحقيقي إنما هو في اتباع النور الذي أنزله الله.أما الخدع التي يرددها القوميون بتوافق الإسلام و القومية على أساس التسامح في الإسلام فإنه كذب محض وكذا دعوى أن القومية تتسع لكل الخلافات الدينية واستمع لما يقوله مصطفى الشهابي من أن المسلم والنصراني كل واحد يؤدي عبادته في المسجد أو في الكنيسة مادام يجمعها حب القومية العربية لأن الإسلام سمح يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر والنصرانية كذلك تأمر بالمحبة وكذلك سائر الملل والفرق لا لوم على أي واحد منهم مادام يتوجه إلى القومية ويتخذها رباطا جامعا لأن القومية قابلة لكل اختلافات الأديان وتذوب في القومية كل الاختلافات الدينية وهؤلاء الدعاة الذين لا يفرقون بين الإسلام وبين غيره من الملل والنحل هم أعداء الدين الإسلامي حقيقة وهم طلائع الاستعمار الشرقي والغربي وهم المفرقون بين الناس والمثيرون للعداوة والبغضاء بين الشعوب المتجاورة والمتعايشة على حسن المعاملة فيما بينهم مع اختلافهم أحيانا في المعتقدات.واستمع كذلك إلى مزيد من أكاذيب القوميين فيما يزعمه د. علي حسن الخربوطلي من أن النبي حاول أن يتحرر عن القومية العربية ويعلن نفسه لجميع البشر ولكنه لم يستطع إذ غلبت عليه القومية العربية وصار يتعصب لها ويدافع عنها. وهذا من أشد الكذب والبهتان فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان من أشد أعداء الدعوات الجاهلية ومنها القومية والنصوص في هذا أشهر من أن تذكر.

ومن الأمور البديهة أن الإسلام ودعوى القومية لا يتفقان لأن مصدر الإسلام هو الله جل وعلا ومصدر القوميات هي الجاهليات وعقول البشر القاصرة وكذلك فإن إعراض القومية عن الدين وعدم تحكيمه والرجوع إليه والاستغناء عنه بشعار تلك الجاهليات أمر لا يقره الإسلام ولا يسايره بحال.

13**

** (أ) أما اللغة

فالقول بأنها رباط قومي كذب ينقضه واقع حياة الناس فقد وقع أن أمما كثيرة تتكلم لغة واحدة ولكن بينهم من التفاوت بل والعداوة ما لا يخفى وأقرب مثال على ذلك العرب أنفسهم فهم يتكلمون لغة واحدة ولكن كم الفرق بين العربي اليهودي والعربي النصراني والعربي المسلم والعربي المشرك؟ بل وأين المسلم من غير العرب من غيره أيضا ممن يتكلم بلغته؟ ولماذا لم تتحد أمريكا وبريطانيا في قومية واحدة ما دامت اللغة الإنجليزية تجمعهم؟وبالتالي يقال لهم كيف تجمع أهل سويسرا واتحدوا مع أنهم يتكلمون ثلاث لغات دون تمييز بينها وكثير من الأمم على هذا النحو لم يكن للغة أي تأثير في سير حياتهم وانتماءاتهم وإنما هي لإتمام مصالحهم الدنيوية.

(ب) وأما التاريخ

فإن التاريخ مراحل تمر بها البشرية تشتمل على صعود وانحدار على خير وشر وتقدم وتأخر في جميع نواحي الحياة ويحوي كذلك اختلافات كثيرة أما بالنسبة للمسلمين فإن تاريخهم الحقيقي المشرق إنما يبدأ بظهور الإسلام يحنون إليه خلفا عن سلف إلا من أفسدت الحضارة الأوروبية فطرته منهم حين يحن إلى الحضارات الجاهلية السابقة ويتباكى عليها ويفتخر بها ويود بجدع الأنف لو عاد عهدها وهي حضارات قديمة عاشها أهلها بخيرها وشرها ولم يعد لها في حياتنا الإسلامية أي أثر وبالتالي تكون المناداة بإقامة القومية على تلك الحضارات إما بسبب الجهل المطبق وإما لأغراض أخرى و في أولها الانفلات من الشريعة الإسلامية وربط المسلمين بالغرب أو بالشرق بعيدا عن كتاب ربهم وسنة نبيهم.

لأن هؤلاء الدعاة قد تشبعوا بثقافات وتاريخ تلك الأمم المعادية للإسلام فلا يعرفون بعد ذلك مسلكا إلا الانضواء تحت الرايات الجاهلية وكل إناء بما فيه ينضح.

وأنى للتاريخ المشترك أن يوجد الألفة الحقيقية بين المختلفين فكريا وعقديا فليس وراءه لا ثواب ولا عقاب يرجى بعد الموت فأي مبرر يجعل الإنسان يؤثر غيره على نفسه ولو أدى إلى موته هو؟

(ج) أما الأرض

فقد صادف دعاة القومية في بناء قومياتهم على الأرض المشتركة متاعب وتناقضات جمة وذلك أن الذين يتكلمون لغة واحدة وفوق أرض واحدة ليس بالضرورة أن يكونوا كلهم من جنس واحد و على لغة واحدة من البداية إلى النهاية في أي أرض فقد تنشأ لغة جديدة في بلد وتنتهي عن بلد لأمور كثيرة اعتقادية أو سياسية إذ لا يمكن لأي أمة أن تدعي أنه لا يوجد لأي شخص بينهم انتماء إلى غيرهم ومن الأمثلة القريبة على ذلك الأمة العربية قبل الإسلام وبعده إذ أنه قبل الإسلام كانت الأرض العربية هي شبه الجزيرة ولكن بعد مجيء الإسلام دخلت أمم أخرى في الإسلام وحين أن الإسلام لا يشعر أحد بأنه غريب عنه وأن الأرض كلها مخلوقة لأجله فقد دخلت تلك الأمم في الإسلام وأحبوه وأحبوا لغته وصارت هي اللغة الأساسية بينهم كمصر والمغرب وغيرهما من البلدان التي أصبحت عربية تعتز بدينها ولغتها فهل يقال أن الأرض هي التي وحدت بينهم وبين سائر إخوانهم العرب المسلمين إن قالوا هذا فقد ظهر كذبهم وإن قالوا إنه الإسلام فقد قالوا بالحقيقة التي تناقض دعواهم صلاحية التجمع القومي على الأرض بدلا عن الإسلام.

بل كان الجاهليون العرب أفقر منهم لأن هؤلاء ما كانوا ينادون لا بالقومية العربية ولا بالتحزب والتعصب لها وحينما جاء الإسلام لم يذمهم على عدم شعورهم بأنهم على أرض العروبة وإنما أخذ بأيديهم إلى ما فيه صلاحهم وعزهم وهو الشعور بالفخر بالإسلام وتعاليمه وأن العرب قد جاءهم ما يحفظ وحدتهم في اللغة والأرض والتاريخ وسائر الاتجاهات فكانوا في جهادهم يدعون الناس إلى الدخول في الإسلام لا إلى الإنضمام إلى العربية أو إلى شبه الجزيرة العربية.

ولو أن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت موجهة من أول يوم إلى التعصب للعروبة والقومية وما إلى ذلك لسارع كل العرب إلى الالتزام بذلك والترحيب بها بسبب ما كانوا يحسون به من ضعف عام وتشتت وتمزق في الآراء والأفكار والأنظمة.

فكانوا في حاجة إلى أي شخص يتزعمهم على أي نعرة جاهلية ليحققوا به مبادئهم انصر أخاك ظالما أو مظلوما. وليحققوا به شيم النفوس حينما توغل في الظلم كما قال شاعرهم:

والظلم من شيم النفوس فإن تجد = ذا عفة فلعله لا يظلم

فكانوا لا ينقصهم إلا الشخصية المؤهلة لتتزعمهم، لأن الشجاعة موجودة والإحساس بالفوضى في حياتهم موجود وكذا الإحساس بالظلم الفادح بل إن الإحساس ببعدهم عن ربهم كان موجودا وما عبادتهم للأصنام إلا لتقربهم إلى الله زلفى بشفاعتها لهم لشعورهم بالذنوب والتقصير في جنب الله تعالى وكثير منهم كان يعلم أن شريعة “من عز بز ومن غلب استلب” ليست هي الطريق الصحيح وأن ما هم فيه من الذل لغيرهم والفقر الشديد والحروب المستعرة.

وأحيانا على بكر أخينا إذ ما لم نجد إلا أخانا

كانوا يشعرون بأنها أوضاع فاسدة لا يمكن أن تصلحها لا القومية ولا الوطنية ولا سائر النعرات الجاهلية. وإنما يصلحها أمر لا يمكن أن يأتي من قبل الإنسان الظلوم الجهول وحينما عرفوا الإسلام وجدوا الحقيقة التي كانت تنقصهم ولا يعرفون الطريق إليها.

12**

**إبطال فكرة القومية

إن أول ما يدل على بطلان فكرة القومية وأنها شر لا خير فيها أن وراء قيامها اليهود والنصارى وسائر الملاحدة فماذا ننتظر أن تأت به من الخير للبشرية أو للمسلمين بخصوصهم بعد هذه التيارات المنشئة لها.

ألم يكن غرض القوميون هو تفتيت أي مجتمع متماسك والانفراد بكل تجمع لا يتفق وأهدافهم؟

ألم يتفرق المسلمون بعد دخول القوميات بينهم اعتزاز كل قطر بقوميته ومآثره الجاهلية؟ وأصبح المسلمون بصفة عامة لا يلوي بعضهم على بعض بعد أن تقطعت الدولة الإسلامية إلى أوصال ممزقة يقاتل بعضهم بعضا في حروب أهلية تأخذ الأخضر واليابس والقومية تمدهم بكل المبررات لهذا السلوك الذي حذر منه الإسلام؟

وبالرغم من تلك المناداة الجوفاء التي أطلقها دعاة الفكرة القومية من أن الناس سيعيشون في منتهى السعادة حينما يطبقون تعاليم القومية بحذافيرها وأن كل قطر يلتزم بها سيصبح محترما فكانت النتيجة أن حل بهم الشقاء والذل سواء أكانوا من العرب أو من غيرهم بل لقد شقى بها من كان مهد نشأتها من الدول الأوروبية ونداءات من ينتسبون إلى العرب بخصوصهم إنما هي دلالات على حمقهم ورعونتهم وإلا فأي مستند لهم أفي القرآن الكريم ؟ أم في السنة النبوية؟ هل وجدوا نصا فيهما يمجد العروبة أو يدعو إليها؟ كلا.

نعم ورد في القرآن الكريم ما يفيد نسبة الشخص إلى قومه وهذا معروف فإن لكل شخص قوما وفيه نسبه بحسب الواقع وهي أمر معروف وبدهي وليس في القرآن الكريم الافتخار بالقومية أو الدعوة إلى التجمع حولها أو جعلها بديلا عن الدين بل ما ورد في السنة يدل على عكس ذلك حيث وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها دعوى جاهلية وأنها خبيثة يجب الانتهاء منها.

ودعاة القومية تجدهم في تلمسهم لأي أمر يمدحون به القوميات الجاهلية يذكرون بعض الصفات الحميدة من الصدق والكرم والشجاعة والإيثار ونحو ذلك ويجعلونها حضارة عريقة لهم ويهولون من أمرها ليحببوا الناس إلى الرجوع إليها. ويكرون كذلك بعض الآثار من العمران أو التحف ثم يقفون أمامها خاشعين ذليلين زاعمين أن أهل العصور المتأخرة لا يمكنهم بحال عمل ذلك أو ما يقاربه وذلك ليملأوا فراغ قلوب من يصغون لكلامهم ممن قصر فهمهم للإسلام.

ومن غرائب الأمور أن ينادي القوميون سواء أكانوا من العرب أو من غيرهم بأن في التمسك بالقومية تحقيق للوحدة والتآلف فهل تمت الوحدة الشاملة التي ينادي بها زعماء القومية العربية أو غيرهم أم أن القومية كانت هي المعول الهدام للوحدة في كل بلد حلت به من بلدان العرب أو من غير العرب {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور} [الحج:466].

لقد ظن دعاة القومية ? إن أحسنا بهم الظن ? أنها رابطة حقيقية لتوحيد من يتعصبون لهم أيا كانت تلك القومية إما وطنية أو اللغة بعينها أو تاريخا مشتركا ولكنها في الحقيقة سراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.

فقد ثبت بتجارب الأمم على مر التاريخ أن الذي يوحد الناس حقيقة ويؤلف بين قلوبهم ويجعلهم كالجسد الواحد أو كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا إنما هو الالتزام بمنهج الله تعالى ودينه القويم وما عدا ذلك فإنه خدع وتضليلات يراد من ورائها مصالح بشرية تزول بزوال تلك المصالح شأن التشريعات والاجتماعات الجاهلية التي أبت شرع الله تعالى ورضوا بالتحاكم إلى الطاغوت والاجتماع على ما يمليه عليهم.

و على القوميين أن يتفهموا مقالة الناس"الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل"، أو قولهم “الاعتراف بالحق فضيلة”.

نقض الأسس التي قامت عليها القومية

أخبرنا عن خطأ

لم يكن لدعاة القومية أسس خاصة في الدعوة إليها وأنى يجدون ذلك وهم مختلفون فيما بينهم اختلافا كثيرا فلم يجدوا غير آراء تصوروها لبناء القومية ثم اختلفوا أيضا فيها ? شأن الباطل دائما ? وقد عرفت فيما سبق أن من القوميين من ذهب إلى أن أساس القومية هو الاتحاد في اللغة ومنهم من قال الاتفاق في التاريخ ومنهم من جعلها الأرض ومنهم من قال هي المصلحة المشتركة بين أفراد الأمة، ولعل سبب اختلافهم يعود إلى هذه الآراء التي لا تركن إليها النفس تماما ولا تصل إلى حد القناعة التامة فلهذا كل أدلى بدلوه أو رمى بحجره عله يصيب.

11**

**ولقد نجوا من الهلاك الذي كان ينتظرهم باستمرارهم على الشرك حيث امتن الله عليهم بذلك فقال تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران:103].

وصاروا ينظرون إلى الشرك وأهله بعين الاحتقار والازدراء والرحمة لحال المشركين أن يموتوا على شركهم فكانوا يذهبون إلى القباب وإلى الأصنام فيهدمونها ويكسرونها دون خوف أو وجل يا عزى لا عزى لك إني رأيت الله قد هانك، واتجهوا إلى عبادة خالقهم وحده فارتاحت نفوسهم من تشتت الفكر وعبادة الأرباب المتشاكسين والخوف من أصحاب القبور والجن والسحرة والمشعوذين وحققوا التوكل على الله فكفاهم الله كل ما يخيفهم أو يحزنهم لا تزيدهم الشدائد إلا صلابة:{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران:174].

وصار فخرهم بالإسلام وحده بعد أن كان فخرهم بأمجادهم الجاهلية وبآبائهم وقبائلهم وغير ذلك من المفاخر الجاهلية وصار شعارهم:

أبي الإسلام لا أب لي سواه = إذا افتخروا بقيس أو تميم

وصارت مراقبة الله تعالى نصب أعينهم في بيعهم وشرائهم وجميع معاملاتهم لا ربا ولا غش ولا فجور ولا ظلم ولا سوء خلق.

فهل توجد هذه الأخلاق في القوميات؟ هيهات هيهات وهل يتصور القوميون أن العودة إلى تلك الحال المظلمة للجاهلية هو الذي سيجمع شمل المسلمين ? والعرب خصوصا ? وأنه سيكون منهم أمة ذات حضارة وسيادة تحت مظلة القومية البالية؟ !

وأما غير العرب فإن الأتراك أقرب مثال لنكسة القومية لهم حينما فشت فيهم نخوة القومية الجاهلية ماذا كانت النتيجة لقد تفرقوا وفتر نشاطهم في حرب أعداء الإسلام بل وضعفوا واستكانوا وهانوا على الدول الغربية إلى يومنا الحاضر حيث يطلب حكامها الدخول في المنظمة الأوروبية ومع ذلك يتجاهل الغرب مطالبهم في احتقار لا يحتمله الأحرار دون أن يتذكروا ماضيهم في ظل الإسلام وكيف كانوا سادة كثير من بلدان العالم وقادتهم يحسب لهم أعداؤهم ألف حساب قبل التفكير في التنغيص عليهم ولو بأدنى اعتداء.

ذهب بعض دعاة القومية إلى ابتكار حيل وتلفيق شبهات كاذبة مفادها أنه لا فرق بين الالتزام بالقومية والالتزام بالدين وأنه لا تعارض بينهما مادام الشخص متمسكا بدينه وبعروبته أيا كان دينه مسلم أو نصراني إذ اسم العروبة يجمعهم.

ثم زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم وحد العرب تحت راية العروبة وأوجب على كل مسلم أن يستشعر القومية العربية قبل كل شيء وأن جهاده في نشر الإسلام هو نشر كذلك لسيادة القومية العربية.

ومن أدلتهم الباطلة على هذا الزعم قول الله تعالى: { مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ } [التوبة:120]، لأن واجب العروبة يحتم عليهم الوفاء لهذا النبي العربي ومثلها الآيات الأخرى التي فيها التشهير بالمتخلفين من الأعراب عن الجهاد في سبيل الله الذي هو جهاد في سبيل رفع راية العروبة أيضا؟!

ومما استدلوا به كذلك من القرآن الكريم قوله تعالى:{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف:2]، وقوله تعالى:{ وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا } [الرعد:37]، وقوله تعالى: { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا } [الزخرف:3].

وكل هذه الآيات في خيالهم السقيم دعوة إلى تمجيد العربية والعروبة ويجعلون جهاد أولئك الميامين إنما كان لنصرة العروبة لإيمانهم بها ومعنى كلامهم أن انتصار الإسلام هو انتصار للعروبة بل هي هدف من الأهداف المهمة التي كانت في ذهن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه حسب زعم دعاة القومية العربية المفترين.

واستدلالهم بما تقدم إنما هو من باب أن الغريق بكل حبل يمسك فالنصوص في واد وفهمهم لها في واد آخر وهل يليق وصفهم للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام بأنهم كانوا يهدفون إلى تقوية العرب؟ فلماذا حاربوهم إذا كان كلام دعاة القومية صحيحاً.

10**

**وقد شرف الله اللغة العربية وكرمها بنزول القرآن بها وهو معجزة المسلمين الخالدة كما لا ننس ما امتاز به العرب من صفات حميدة سجلها لهم التاريخ من الوفاء والكرم وحفظ حقوق الجار والشجاعة والفصاحة وغير ذلك من الصفات ولكن يجب أن نتفطن لأمر مهم جدا وهو أن العربية والعرب ما كانوا شيئا يذكر لولا الإسلام فالعربية هي إحدى اللغات في هذه الأرض والعرب هم أحد الأجناس من هذه الأمم فلا مزية لهم إلا بالدين الإسلامي ولنا أن نسأل الذين يتشدقون بأمجاد العرب قبل الإسلام ما هي ألم يعترف فضلاء الصحابة بأنهم كانوا جهالا وفقراء وقاتلين قبل الإسلام وأن الله رفعهم بالإسلام وأعزهم به.

والآن تريد القومية العربية إرجاع العرب إلى حالتهم تلك السابقة وإبعادهم عن دينهم ومصدر مجدهم الحقيقي فأي جريمة سيرتكبونها بحق العرب وسائر المسلمين لو تم لدعاة القومية ما يهدفون إليه وليت تلك الدعوات إلى القومية الجوفاء كانت دعوة موجهة إلى لم شمل المسلمين عموما والعرب خصوصا في ظل ما يحدق بهم من أخطار تتهددهم على طول تاريخهم وإلى أن يتكاملوا فيما بينهم في جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية وإلى أن يكونوا منهم عالما قويا ثابت الأقدام كما كان أسلافهم ثم لتكن تسمية هذا المسلك أياً ما تكون ما دام الهدف واضح المعالم لأنه إذا كانت كلمة الإسلام تجمعهم سيصبحون قلبا واحدا وهدفا واحدا ويصبح العربي وغير العربي المسلم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى وكم ضحى العربي بنفسه في سبيل نجاة أخيه المسلم غير العربي وكم ضحى غير العربي عن أخيه العربي المسلم بنفسه في ميادين القتال وكم سجلوا جميعا أروع الانتصارات وأروع الإيثار.

وليتذكر العرب والمسلمون جميعا تلك المواقف التي سجلها المماليك في رد الصليبيين عن بلاد العرب والمسلمين وليتذكروا صلاح الدين الأيوبي وهو من الأكراد ماذا سجل للمسلمين في إرجاع القدس وبلاد الشام ودحره النصارى وكم كانت من المواقف العظيمة التي خاضها المسلمون من أجناس شتى في آسيا وفي إفريقيا و في أوروبا دفاعا عن الإسلام والمسلمين فكم كان المسلمون سيخسرون لو كانت الدعوة قومية من أول يوم؟

هل تحققت السعادة المزعومة في ظل القومية ؟

لقد نادى القوميون وملئوا الدنيا صياحا بأن الدعوة القومية ستحقق لمعتنقيها كل السعادة وأنهم سيعيشون في جنة عالية وعز لا يرام إذا طبقت الشعوب القومية سواء أكانت تلك الشعوب عربية أم غير عربية فالسعادة تنتظر الجميع وأنها تجمع ولا تفرق وتؤلف القلوب وتوحد الأحوال الاقتصادية وتحقق القوة على الأعداء أيا كانوا إلى غير ذلك من أنواع المديح والتزكية للقومية والقوميين.

ولكن هل تحققت تلك المزاعم لأي قومية من القوميات عربا أو عجما؟ لقد قال بعضهم إن الناس بطبيعتهم فيهم غرائب لؤم فإن الشخص يبغض الآخرين لأنهم لا يتكلمون بلغته فإذا تكلموا بلغته فإنه يبغضهم لأنهم ليسوا من وطنه فإذا كانوا من وطنه بغضهم لأنهم ليسوا من قبيلته فإذا كانوا من قبيلته بغضهم حسدا على ما عندهم.

والعرب بحد ذاتهم حينما مالوا إلى القومية ووالوا وعادوا من أجل العروبة ماذا كانت نتيجتهم لقد ازدادوا فرقة وفقرا وعداوة فيما بينهم وكاد بعضهم للبعض الآخر بل ودارت بينهم حروب شرسة حين بغى بعضهم على بعض ببركات حب القومية وافتخار كل بقومه فقامت الأحزاب والتكتلات الصغيرة والكبيرة على حمية القومية الجاهلية فازدادت المسافة بينهم وبين الوصول إلى السعادة المنشودة في ظل القومية وليت هؤلاء الهاربون عن طريق السعادة الحقيقية يرجعون بذاكرتهم إلى تاريخهم المشرق ويتذكرون حين قال رسول سعد بن أبي وقاص لرستم حينما سأله ما الذي أخرجكم علينا فقال له: أمرنا أن نخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. و في نهاية اجتماعهم قال له " واعلم أن لكم عندنا ثلاث خصال. إما الإسلام أو الجزية عن يد وأنتم صاغرون أو القتال". وهو كلام ما كان يحلم به العرب في يوم من الأيام أن يواجهوا به سادة الفرس الذين كانوا يعتبرون العرب أذل البشر قبل أن يعزهم الله بالإسلام وقبل أن يصبحوا خير أمة أخرجت للناس حينما نبذوا جميع الخرافات الجاهلية وافتخروا بدينهم فوجدوا السعادة الحقيقية فيه، تراحموا بعد أن كانوا أشد الناس عداء فيما بينهم يقهر القوي الضعيف ويستعبد الأغنياء الفقراء تراحموا حتى أصبحوا كالجسد الواحد يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة يقول الشخص منهم للآخر تعال أقاسمك مالي وأهلي فيقول له صاحبه بارك الله في مالك وأهلك دلني على السوق، تراحموا حتى مدحهم رب العالمين بقوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} [الفتح:29].

9**

**إن الدعوة إلى القومية دعوى إلى الفرقة والفخر والتعالي حيث يدخل التعصب بجميع أشكاله من جميع الأبواب فما الذي يمنع في شرع القومية أن يفتخر العربي بأنه عربي ومن بلد كذا وكذا والعجمي بأنه عجمي ومن بلد كذا وكذا سيفتخر حتما في شرع القومية العربي بعربيته والفارسي بفارسيته والهندي بهنديته والصيني بصينيته.

وهكذا كل قوم أو بلد سيجدون ما يفتخرون به بالحق وبالباطل فالقومية ستلهمهم جميعا صواب ما يريدون وستعطي كل حزب أدلته على أنه أفضل عناصر البشر وأن وطنه أفضل الأراضي وأن كل ذرة منه مقدسة ومعلوم أنه لم يحتج المسلمون في تاريخهم الطويل ? قبل انحرافهم عن الجادة ? إلى قومية تجمعهم ولا أي رابط يربطهم غير كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ومعلوم أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

يقول د. جمعة الخولي بعد أن ذكر أن دول أوربا تحولت إلى شتات من البشر لا رابطة بينهم بعد أن أبعدوا عنهم النصرانية ورجال دينها وأنهم لجؤوا إلى القوميات كوسيلة لربط الشعوب كالقومية الألمانية والقومية الفرنسية والنمساوية.. إلخ وأنهم لم ينتفعوا بها بل كانت فتنة لهم وسببا من أسباب الحروب بينهم.

ثم جاء يوم تحاربت فيه على أساس هذه القوميات في الحربين العالميتين الأولى والثانية فلما أحست بلعنة القومية أخذت تتخلى عنها وعد كثير من مفكريها العودة للدعوة لها دليلا على الرجعية والتخلف وعنصرا هداما للإنسانية واعتبروها نوعا من التجارب التي لجأت إليها أوروبا في ظروف خاصة و في وقت محدود، ثم نقل عن المؤرخ الشهير " أرنولد توينبي " قوله: " القومية لا تستطيع أبدا أن توحد الإنسانية بل إنها توزعها وتشتت شملها ومن أجل ذلك ليس لها مستقبل وأنها لا تستطيع إلا أن تدفن الإنسانية في ركامها وأننا إذا أردنا أن ننقذ أنفسنا من الهلاك والدمار فينبغي أن تحتضن الإنسانية كلها من غير استثناء ونتعلم كيف نعيش كأسرة واحدة ".

ثم ألا يعلم القوميون العرب بخصوصهم أن العرب قبل الإسلام كانوا في غاية الأنفة والحمية والفصاحة العجيبة فما الذي أغنت عنهم وهل جنبتهم غضب الله أو جنبتهم الذل لغيرهم من سائر الأجناس أليس كان الفرس ينظرون إلى العرب كما ينظرون إلى الحشرات لا يقيمون لهم وزنا ولا قيمة فلماذا لم تدافع عنهم القومية وهل ستدافع عن المسلمين والعرب اليوم لولا ذوابها؟ ! وكم دعوا لها وكم لاذوا بها فكانت النتيجة ما نشاهده اليوم من تفرقهم وتشتتهم وذلهم الذي بلغ ذروته مع وصول القومية إلى ذروتها على أيدي ملاحدة البعث ونصارى العرب وغيرهم من مغفلي المسلمين وأصحاب المصالح الذين أذلتهم بطونهم ومطامعهم الذين هم أشبه ما يكونون بالقطط الذين يشبعون والنمور جياع، ثم أليست شريعة القوميين هي نفسها الشريعة التي كانت في الجاهلية من التعصب القبلي ? انصر أخاك ظالما أو مظلوما ? ومن الدعوة إلى الفجور والفواحش ومن التعالي والبغي على الناس بغير الحق ومن تقديس رؤوس الكفر واحترامهم وعدم وجود العزة والأنفة التي يتميز بها المسلم أمام أعداء الإسلام من اليهود والنصارى حتى أصبح راضيا مطمئنا بأن يتولى عليه من لا يساوي شراك نعله من ضلال اليهود والنصارى وغيرهم من كبار الفساق لأن شريعة القومية توجب ذلك لأن العروبة حين تجمع بين هؤلاء جميعا لا يبقى أي مزية للمسلم على الآخرين وهذا المفهوم منطقي مع استبدال الدين بالقومية.

ألم يعلم الأشرار دعاة القومية أن المسلمين كانت لهم بالإسلام عزة طأطأ الجبابرة لها جباههم ذلا وانكسارا وملكوا بها الشرق والغرب ودخل الناس في الإسلام أفواجا راهبين وراغبين فاغتبطوا به وفازوا في الدنيا والآخرة وأصبح المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى وكانوا قلبا واحدا هدفهم واحد وتفكيرهم واحد وعبادتهم واحدة نشروا الإسلام رغبة في الأجر العظيم من الله لا حبا في التملك ولا رغبة في السيطرة حتى أدوا ما أوجبه الله عليهم من نشر دينه وقمع الفساد والمفسدين.

وإذا كنا ننكر الدعوة إلى القوميات عموما والقومية العربية بخصوصها فما ذاك إلا من شدة الحرص على أن لا تفوت البقية الباقية من عز العرب المسلمين وليس تجاهلا لفضل العرب والعربية وليس ما نذكره هنا في فضل العرب بمبرر للافتخار به على طريقة القومية الجاهلية وإنما هو تبيان للحقيقة.

فالعرب هم أول من أبلوا في سبيل الله وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأسدوا إلى البشرية عامة ما صلح به أمر دينهم ودنياهم ولا ننس كذلك أفذاذا من غير العرب كانوا إلى جانب الرعيل الأول من المهاجرين والأنصار وقد اختار الله عز وجل نبيه من العرب وأرسله رحمة للعالمين وفضله على جميع البشر كما أن الأماكن التي كان ينزل وحي الله فيها لا شك أنها محط الأنظار ومهوى الأفئدة.

8**

**ماذا يراد من وراء دعوى القومية ؟

من البديهي أنه لا يراد من وراء هذه الدعوى وجه الله عز وجل ولا إقامة شرعه ليكون للناس نورا يعيشون به. ولا يراد بها كذلك إعلاء شأن المسلمين وإقامة مجدهم وعزهم لأن مسلك القومية ونهايتها لا تؤدي إلى هذه النتيجة و على الافتراض البعيد نقول لو كان الهدف من وراء نشر القومية هي تلك الأهداف النبيلة بزعمكم لكان في تعاليم الإسلام والتمسك بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما يغني ويكفي عن تعاليم القومية المخالفة لهما بل المضادة لهما ولو كان الهدف من ورائها إعلاء شأن المسلمين لكان في السير على نهج سلفنا الصالح ما لا يحتاج معه الشخص إلى أي شعار جديد يدعو الناس إلى الالتفاف حوله والنضال في سبيله.

وما زعمه القوميون ? كذبا وزورا ? من أن القومية العربية ستكون فجرا جديدا على العرب كافة إن هي إلا منكر من القول وزور بل كانت ظلمة وجهالة وتفريقا وتمزيقا لا يزال المسلمون يتجرعون غصصها إلى اليوم وكانت على ? الحقيقة ? فجرا جديدا وعهدا زاهرا فقط على اليهود والنصارى الذين برزت قرونهم عالية تحت مظلة القومية الجاهلية بحجة أن القومية العربية لا تفرق بين مسلم ويهودي ونصراني أو غيرهم وأن الجميع يشتركون في القومية والوطنية وكلهم من حقهم أن يصلوا إلى الحكم على حد سواء.

وإذا كان الأوروبيون قد نادوا بفصل الدين عن الدولة. للأسباب التي اضطرتهم إلى ذلك فإن الإسلام ليس فيه أي نزاع أو صراع بين الحكام والمحكومين لأنه ليس فيه طبقات كل طبقة تمثل جانبا في الحياة العامة بل إنه يعتبر المسلمين كلهم على درجة متساوية في المعاملات والقيام بالتكاليف الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكلهم يجب عليهم الخضوع لشرع الله تعالى دون أن تستبد فئة بأخرى والحكام في الإسلام ليسوا في طبقة خاصة بل هم مثل سائر أفراد المسلمين لم تكن له مزية إلا تحمل الأمانة وتنفيذ شرع الله تعالى وأوجب لهم الإسلام السمع والطاعة في مقابل هذا العمل فأين هذا السلوك الذي تتحقق به سعادة الناس من سلوك الجاهليات الأوروبية وشرائعها القومية وإذا كان بعض المسلمين حكاما ومحكومين قد خالفوا هذا النهج الواضح فإن تبعة هذا الخلاف عليهم لا على الإسلام إذ الإسلام قد تبرأ من كل الجاهليات الوضعية وأبان حكمه في كل أمر فلا يجوز أن يحمل تبعة أي أمر لم يكن من تعاليمه.

هل المسلمون في حاجة إلى التجمع حول القومية ؟

من البديهي أن يأتي الجواب بالنفي مطلقا والأمر واضح تمام الوضوح فقد أغنى الله المسلمين عن التجمع حول أي فكر جديد أو شعار أو حزب بل إنه حارب كل تجمع يقوم على غير هديه القويم معتبرا المسلمين كلهم {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [ الحجرات: 10] " ((المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا)) ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)) .ونصوص أخرى كثيرة في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه كلها تحث المسلمين على أن يكون تجمعهم وتفرقهم وحربهم وسلمهم ومعاداتهم وموالاتهم كلها قائمة على هدى الله عز وجل لا إلى العرب أو العروبة أو القومية أو الوطنية فهي وغيرها شعارات جاهلية يبغضها الإسلام ويحاربها وكل دعوى لا تلتزم هدى الله فهي دعوى جاهلية يجب الحذر منها ولقد أعلنها المصطفى صلى الله عليه وسلم صريحة حيث قال للأنصاري الذي قال يا للأنصار وللمهاجرين حين قال يا للمهاجرين قال صلى الله عليه وسلم : ((ما بال دعوى أهل الجاهلية)) وفي رواية ((أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم)) .وفي بعض الروايات قال لمن افتخر بعروبته ((دعوها فإنها خبيثة)) وفي رواية ((فإنها منتنة)) و في بعضها ((دعوها فإنها ليست لكم بأب ولا أم)) . لأن الإسلام أراد أن تجتث شجرة التعصب الخبيثة من أساسها لأن ثمارها لا خير فيها لأحد بل فيها العداوة والبغضاء والكبرياء والأحقاد وكل المساوئ والرذائل وأنها لا تؤلف القلوب بل تنفرها وتثير فيها كوامن حب التعالي والبغي بغير الحق فلا تفيدهم لا في دينهم ولا في دنياهم.ولقد جربت هذه الفكرة قديما وحديثا فكانت فاشلة تافهة ما إن يحصل خلاف وخصام بين أصحابها إلا ورموا بها عرض الحائط وصار بعضهم لا يخاف في الآخر إلاً ولا ذمة فهو لا يخاف من اختراقها نارا حامية ولا يرجو من تطبيقها جنة عالية فتكون النتيجة كما قال أبو فراس " إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر " .

وقد وضح لكل عاقل أن القومية لم تقدم أي نفع للناعقين بها بل إنها كانت معول هدم وتخريب وبغي فأي حاجة للمسلمين إلى النعرات الجاهلية بعد أن أعزهم الله بالإسلام الذي أكمله الله لهم ورضيه لهم إلى يوم القيامة. وجعل أحكامه شاملة كاملة وافية بجميع ما يحتاج إليه البشر لسعادتهم في الدارين {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50].

7**

**سابعا: نتائج تقديس الوطنية

أثمرت الدعوة إلى الوطنية ثمارا خبيثة وبرزت العصبية البغيضة وانتزعت الرحمة بين الناس وحل محلها الفخر والخيلاء والكبرياء حيث تعصب كل شعب لوطنه واحتقر ما عداه في صور مخزية مفرقة ومن أقوى الأمثلة على ذلك ما حصل عند الأتراك ? بفعل دسائس اليهود ضد الدولة الإسلامية العثمانية ? حيث نفخوا في أذهان الوطنيين الأتراك وجوب العودة إلى الافتخار بوطنيتهم الطورانية التي كانت موجودة قبل الإسلام والعودة إلى تقديس شعار الذئب الأغبر معبودهم قبل الإسلام ونفخوا في الوقت نفسه في أذهان العرب الوطنيين الحنين إلى الاعتزاز بالوطنية العربية وتقديمها على كل شيء بل جعلها إلها كما قال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الفرقان:43] وقد عبر شاعرهم عن ذلك بقوله:

هبوني عيدا يجعل العرب أمة = وسيروا بجثماني على دين برهم

فماذا ينتظر من الوطنيين حينما تكون الكلمة لهم؟ غير جعل الوطنية هي الدين، وهل حقق هؤلاء السفهاء الأشرار كلامهم في حب الوطنية العربية؟ !، وماذا فعلوا ضد اليهود في فلسطين و في غير فلسطين؟، ماذا قدموا غير الصراخ والعويل والنباح والتهديدات الجوفاء لتحرير القدس والأمة العربية؟ يرددون كلاما ممجوجا مكررا وشعارات أصبحت مهازل يستحي منها العقلاء على أنه لم يقتصر الضرر فقط على ما تقدم وإنما كانت وراء خدعة الوطنية أغراضا سياسية وثقافية واجتماعية حيث بدأت الدعوة للوطن تفرق بين الولاء لله تعالى وبين الولاء لغيره تحت شعار " الدين لله والوطن للجميع "، وبالغوا في وجوب حب الوطن وأنه مشاع بين جميع المواطنين حتى السياسية منها ومن هنا تمت اللعبة على كثير من بلدان المسلمين حيث أصبح المواطن النصراني أو اليهودي أو العلماني أو الشيوعي حتى وإن لم يكن من أهل ذلك البلد في الأساس فإن من حقه كمواطن أن يصل إلى أعلى الرتب التي يتمكن من خلالها من التحكم في مصائر أهل تلك الشعوب الإسلامية وهو ما هدف إليه أعداء الإسلام من دعمهم السخي لأولئك الأقليات في تلك البلدان الذين هم في الأساس عملاء لتلك القوى الكفرية العالمية ونجحوا في ذلك و في نهاية الأمر وهو نتيجة لتمكن أولئك من السلطة أصبح هؤلاء ينادون بأن الوطن والعيش فيه هو في الدرجة الأولى لهم وصاروا ينظرون إلى أهل تلك الأوطان الإسلامية بأنهم غرباء وأحيانا يسمونهم عملاء وبالتالي فمن حقهم أن يضطهدوهم وهو ما تم في بعض ديار المسلمين التي أصبح الحكم فيها لغير المسلمين بل وطرد المسلمين وحوربوا ونفذ المخطط المعادي للإسلام بكل دقة وكأن الشاعر يندب حظهم حينما قال مفتخرا:

يا ضيفنا لو جئتنا لوجدتنا = نحن الضيوف وأنت رب المنزل

وبهذا يتضح أن دعوى الوطنية وكذلك القومية وكذا الإنسانية والأخوة والمساواة وحرية الكلمة وتقبل الرأي والرأي الآخر ما هي إلا لعب سياسية ماكرة ودعوات يراد من ورائها مكاسب سياسية وعقدية. و في لبنان وفلسطين أقوى الشواهد واتضح أن الدعوة إلى كل النعرات الجاهلية لم ينتفع بها إلا أعداء الإسلام من اليهود والنصارى ليندمجوا مع المسلمين تحت هذا الاسم. لأن الغرض من قيامها في الأساس هو لتحقيق هذا الهدف. فلا يبتلى بها مجتمع إلا وأصيب بهذا الداء العضال من تراخي القبضة على الدين ومن تمجيد تراب الوطن وكل ذرة رمل فيه وأنه وطن مقدس دون غيره من بلاد الآخرين فاخترعت له طقوس وشعارات واخترعت له أعياد ? هي غير الأعياد الإسلامية ? ويتبادل الناس فيها التهاني والتبريكات وتتعطل كثير من المصالح لانشغال الناس بتلك الأعياد بينما الإسلام ليس فيه إلا عيدين عيد الفطر وعيد الأضحى وعيد صغير هو يوم الجمعة وطلب أقطابها من الناس أن يقدموا دماءهم رخيصة من أجل تراب الوطن بدلا عن الجهاد في سبيل الله تعالى.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل جاءت ثالثة الأثافي وهي كثرة الأماكن المقدسة فمرة يدعون إلى تقديس تراب الوطن كله ومرة يدعون إلى تقديس بعض المدن أو الأماكن التي قد لا يعرف لها ذكر ولا سابقة خير بل أحيانا يدعون إلى تقديس أماكن عرف عنها الشر وربما وصل الحال إلى أن يختلط الأمر على من لا معرفة له بالأماكن المحترمة من غير الأماكن المحترمة والمسلمون يعلمون أن الإسلام لا يدعوا أحدا إلى تقديس أي مكان في هذه الدنيا ولا يجد المسلمون بلدا تحن إليها النفوس وتترقرق عنده الدموع إلا مكة المكرمة والمدينة النبوية وليس ذلك لذات المكان أو لترابه وإنما هو لما شرفهما الله به من جعلهما أماكن عبادة فاضلة ومن بعثة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم

8

منقول عن :

موسوعة المذاهب الفكرية المعاصرة

www.dorar.net

وكان العراقي - مثلاً - وإن كان يدَّعي القومية العربية إلا أنه يفتخر بالآشورية والبابلية والكلدانية، وأهل الشام وإن كانوا - أيضاً - يدعون القومية العربية والبعثية إلا أنهم يفتخرون بآثار السومريين والفينيقيين، وفي مصر يفتخرون بالآثار الفرعونية وغيرها…,
وقد بقيت النزعة التي تظهر هذه الأيام مثل النازية والفاشية، وهذه ظهرت نتيجة التأثر بالفكر التلمودي اليهودي، وكل ما فعله هتلر أنه قرأ ما في التلمود؛ ووجد الفكر اليهودي يجعل اليهود فوق الجميع، فأراد هتلر مضادة اليهود، فقال: الألمان فوق الجميع، وأخذ كل الخصائص التي يدعيها اليهود وجعلها في الألمان، وتعاون معه موسيليني في إيطاليا بالفاشية، وقامت اليابان على هذا المبدأ أيضا؛ ولذلك لما قامت الحرب العالمية الثانية كانت هذه الدول الثلاث تحارب بريطانيا وفرنسا، ثم بعد ذلك تدخلت أمريكا وكانت النهاية المعلومة لدى الجميع.
هذه العنصرية المقيتة البغيضة هي التي يحاربها الإسلام أشد الحرب، والتي كان أول من رفع راية الحرب عليها هو محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عندما أنزل الله تعالى عليه هذا الدين العظيم، وأصبح الناس سواسية، فبلال الحبشي وأبو سفيان وسلمان الفارسي ومن أسلم من اليهود، ومن كان أنصارياً أو مهاجرياً فلا فرق بينهم: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13].

وبهذا التوسيع المقصود الذي يراد به كيد المسلمين مالكي الأوطان الحقيقيين، عدا هؤلاء النزلاء والضيوف المقيمون بعهد أو أمان أو ذمة لهم في الملكية العامة للوطن حقوق متساوية لحقوق مالكيه الأصليين.
وبمكر مدبر انطلقت عبارة : “الدين لله والوطن للجميع”. وأطلق مروجو شعار الوطنية بين المسلمين حديثاً لا أصل له، نسبوه إلى النبي، وهو : “حب الوطن من الإيمان”.
وهذا التوسيع في حق الملكية العامة المشاعة للوطن، جر إلى التسليم بحق الجميع في إدارته السياسية.
ولما كان هؤلاء الجميع مختلفي الأديان والمبادئ والعقائد، وقد صار لهم جميعاً الحق في الإدارة السياسية للوطن الواحد، بمقتضى مكيدة الزحف الانتقالي من فكرة إلى فكرة، كان لا بد من اللجوء إلى مكيدة أخرى، هي المناداة بفصل الدين عن السياسة، والمناداة بعلمانية الدولة.
ثمّ إن الأخذ بعلمانية الدولة التي تتضمن إبعاد الدين عن الإدارة السياسية لبلاد المسلمين وأوطانهم، قد مكّن الطوائف غير المسلمة فيها من الوصول إلى مراكز الإدارة السياسية، والقوة العسكرية، حتى مستوى القمة أو قريباً منها.
وتدخلت ألاعيب كيدية كثيرة خارجية وداخلية معادية للإسلام والمسلمين، في تهيئة الظروف السياسية، وتقبلت جماهير المسلمين ذلك ببراءة وغفلة وحسن نية، وكان بعض قادتهم السياسيين والعسكريين وغيرهم عملاء وأجراء لأعدائهم.
ثمّ لما تمكنت هذه الطوائف غير المسلمة من القوى الفعالة داخل بعض بلاد المسلمين، كشفت الأقنعة عن وجوهها التي كانت تخادع بها، وتدّعي الإخاء الوطني، وصارت تدعي أن الوطن لها، وأخذت تنبش الدفائن لتستخرج مزاعم تاريخية قديمة، سابقة للفتح الإسلامي، وهذه المزاعم لا أساس لها من الصحة.
ثمّ أخذت تفرض سلطانها بالقوة في هذه البلاد، مؤيَّدةً من الدول الكبرى المعادية للإسلام والمسلمين، وحارب الأكثرية المسلمة بضراوة وحق، وأخذت تحرمها من حقوقها في أوطانها، حتى جعلتها بمثابة أقليات مستضعفة.
ونسفت الطوائف غير المسلمة بعد تمكنها أفكار الحق الوطني القائم على العلمانية نسفاً، ونسفت الإخاء الوطني، وأظهرت تعصبها الطائفي المقيت، القائم على الانتماء لأديانها وعقائدها التقليدية الموروثة.
وكانت لعبة شعار الوطنية مكيدة انخدع بها جمع غفير من المسلمين ببراءة وسلامة صدر، حتى استلّ أعداؤهم منهم معظم حقوقهم، ومعظم مقدّراتهم.

7
منقول عن :
موسوعة المذاهب الفكرية المعاصرة
www.dorar.net

**سادسا: نشأة الفكرة الوطنية في البلاد العربية وتحت شعار الحركة القومية والحركة البعثية نشأت في دول أخرى - مثل دول الجزيرة العربية - الفكرة الوطنية التي لم تكن معروفة من قبل، ففي هذه البلاد وعمان واليمن - مثلاً - لم يكن الناس يعرفون على الإطلاق فكرة التفاخر بالحضارات القديمة وبالوطنية، ولا يعلمون عنها أي شيء فضلاً عن القومية، فنجد أن القوميين تبنوا إحياء هذه الحضارات والآثار القديمة؛ بل مع أنهم يَدَّعون القومية العربية؛ ويتعصبون للغة العربية، أحيوا ما يسمونه التراث الشعبي والأشعار النبطية وما أشبه ذلك، وهذه كلها عوامل تفتيت للأمة إلى قوميات، فالقومية تفتت إلى وطنيات، والوطنية تفتت إلى قبليات وحزبيات وحضارات مختلفة، وكل هذا بغرض تفريق وتمزيق الأمة الإسلامية ورابطة الولاء فيما بينهم؛ فأصبح الإنسان لا يوالي ولا يعادي إلا فيما يعتقد من قومية أو وطنية…,

ورسخت فكرة القومية العربية، حتى قال شاعرهم:

سلامٌ على كفرٍ يوحد بيننا =وأهلاً وسهلاً بعده بجهنّمِ

هبوني ديناً يجعل العرب أمةً =وطوفوا بجثماني على دين برهمِ

بلادك قدمها على كل ملةٍ = ومن أجلها أفطر ومن أجلها صُمِ

داع من العهد الجديد دعاكِ = فاستأنفي في الخافقين علاكِ

يا أمة العرب التي هي أمنا =أي افتخارٍ نميته ونماكِ

والثاني يقول:

ولقد كان ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، وإيليا أبو ماضي، وإيليا حاوي، وإلياس أبو شبكة…إلخ، هم الشعراء الذين يتغنى الناس بأفكارهم، بل قال أحمد شوقي:

بلاد العرب أوطاني = من الشام لبغداد

فلا دين يفرقنا = ولا حد يباعدنا

وأصبحت المفاخرة بأن أبناء الوطن جميعاً يعملون ضد الاستعمار وضد القوى الرجعية، والرجعية هي الدين في نظرهم، فكانوا يستغلون فكرة القومية والوطنية لإشعال الحرب الضروس على الدين، وعلى كل من يدعو إلى الانتماء إلى الإسلام أو يوالي أو يعادي في هذا الدين، حتى مسخت الأمة - تقريباً - مسخاً كاملاً أو شبه كامل.

وأصبحت نظرة كل الناس إلى الأمة العربية والوطن العربي؛ فإن درست الجغرافيا فهي جغرافية الوطن العربي، وإن درست الثروة فثروة الوطن العربي، وإن درس السكان فهم سكان الوطن العربي، وإن تحدث أحد عن الأخطار فإنه يتحدث عن الأخطار على الأمة العربية، وفي الحقيقة أنه مجاملةً لهؤلاء الحفنة من النصارى في لبنان ومصر تخلى الباقون عن دينهم، والتعبير الذي كان ولا يزال إلى هذه الأيام هو أن يقال: (الأمتين) الأمة العربية والأمة الإسلامية! ومن أجل هؤلاء تجعل الأمة الواحدة التي قال الله تعالى عنها: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الأنبياء:92] تجعل أمتين!!ونتيجة لهذا الشعور - رسوخ الفكرة القومية عند الناس - أصبح لا يمكن أن تنظر إلى أي إنسان وتقول: هذا مسلم أو نصراني، ولا يمكن أن تسأل عن هذا، ولم يكن أحد يستطيع أن يتحدث بهذا إلا ويُحتقر!! ولا يستطيع أن يكتب في مجلة أو يتكلم في الإذاعة وهو يخالف فكرة القومية العربية، أو الأخوة العربية، أو الرابطة العربية، أو اللغة المشتركة والتاريخ المشترك، وهذا خلاف لما ذكر الله تبارك وتعالى في قوله: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13] ولما قاله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى]]

6

منقول عن :

موسوعة المذاهب الفكرية المعاصرة

www.dorar.net

**خامسا: الإسلام والوطنية

والإسلام وإن كان لا يمنع حب الشخص لوطنه لكنه يوجب ملاحظة أمور لابد أن تكون في حسبان المسلم وأن يلاحظها بدقة فلا يوالي ويعادي من أجل الوطن بل يجعل الولاء أولا لله تعالى عليه يوالي وعليه يعادي فلا يقدم محبة الوطن أو أهل الوطن على محبة الله تعالى ومحبة من يحبه عز وجل كذلك يجب أن لا يكون حب الوطن ينشأ عن عصبية جاهلية أو على طريقة الجاهلين انصر أخاك ظالما أو مظلوما بمعنى الوقوف إلى جانبه سواء كان على حق أو على باطل بحجة أنه أخاه في الوطن بل عليه أن يراعي الأخوة الإسلامية قبل أخوة الوطن فإن أخوة العقيدة أثبت وأنفع من أخوة الوطن على طريقة خاطئة.

وكل محبة في الله تبقى =على الحالين من فرج وضيق

وكل محبة فيما عداه =فكالحلفاء في لهب الحريق

ومما لا مجال للشك فيه أن المسلمين ما ضعفوا وما استكانوا إلا يوم قدموا الوطنية وافتخر كل أهل وطن بوطنهم ولم يهتم بعضهم بالبعض الآخر فكان الجميع لقمة سائغة لأعدائهم فانفردوا بإذلال أهل كل وطن كما هو الوضع الآن وانتشرت مع الأسف دعوات جاهلية صار يرددها الكبير والصغير والمرأة والرجل وهو شعار التضحية في سبيل الوطن أو بذل الدم من أجل تراب الوطن ونحو ذلك من الكلمات التي أثمرت التخاذل حتى عن الدفاع الجاد عن أوطان المسلمين وأعراضهم ونصرة المظلومين وإرجاع الحق لأهله بعد أن ماتت هممهم وغيرتهم وتوزعتهم الأهواء وأثخنت فيهم الدعايات الجاهلية.

إن دعاة الوطنية لم يقفوا بها عند حد فقد قدسوا الوطنية إلى حد العبادة من دون الله تعالى وأحلوها محل الدين وصاروا لا يدعون إلا إلى تقديسها ونسيان كل أهل وطن ممن عداهم من أوطان المسلمين الأخرى ونشأ عن تلك الدعوات الفخر والخيلاء والاستكبار بغير الحق والتعالي والغطرسة الكاذبة بل وركن أهل كل وطن على قومهم في وطنهم في كل شيء حتى في الانتصار على الأعداء فقد نسوا أن النصر من عند الله تعالى فصاروا يمتدحون بأن الوطن سيمنحهم الشجاعة والنصر والعيش الكريم وأن وطن كل طائفة سيصبح مقبرة للغزاة والطامعين ولكنها جعجعة ولا ترى طحنا وعنترة جوفاء فضحتها الوقائع القائمة.

وقد بلغ من تقديس الأوطان عند دعاة الوطنية الجاهلية أن يطلبوا إلى كل شخص أن يقدس وطنه على كل الممل والأديان وأن يضحي بكل ما لديه لوطنه:

بلادك قدسها على كل ملة= ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم

بل وقال:

سلام على كفر يوحد بيننا = وأهلا وسهلا بعده بجهنم

وإذا وصل الإنسان في حب وطنه إلى هذا الحد فماذا سيبقى لحب الله وللمحبة في الله مادام حب الوطن هو كل شيء في حياة الإنسان عليه يحيا وعليه يموت وعليه يوالي وعليه يعادي وبه يفاخر وإياه يقدس إلى حد أن الأوطان أصبحت وكأنها أوثان تعبد من دون الله تعالى وكل صاحب وطن يدعي أن وطنه هو أفضل الأوطان وتربته أفضل تربة وأنه وطن معطاء يكفي من تمسك بحبه كل مكروه ويفتخر برجاله وبعطائهم اللا محدود ? هكذا ? و في المقابل لابد وأن يحتقر البلدان الأخرى وجهود الرجال الآخرين من بلدان المسلمين ورجالاته في رد فعل سواء شعر بذلك أم لم يشعر به.

فلا حرج في دين الوطنية أن يفتخر الشخص برجال وطنه ويقدم حبهم على من سواهم حتى وإن كان أولئك غير مسلمين فالوطنية دين الجميع. ومعلوم أن هذه المبالغة لا يقرها الإسلام الذي يدعو أتباعه إلى أن ينصروا كلهم في بوتقة الإسلام، ويدعو أتباعه لأن يكونوا في هذه الأرض كأنهم جسم واحد و في وطن واحد ويوجب على كل مسلم أن يدافع عن كل شبر من أوطان المسلمين وأن يغار عليها حتى لو أدى ذلك إلى قتله فإنه يكون شهيدا مقاتلا في سبيل الله تعالى فإن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم وقد ذكر بعض العقلاء أنه من ضيق الأفق تقوقع الإنسان في مكان واحد وصبره فيه على كل ما يصيبه من أنواع المكاره حبا لذلك المكان.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيما ينسب إليه:

ׁإني رأيت وقوف الماء يفسده = إن يجر طاب وإن لم يجر لم يطب

ووطن العاقل هو المكان الذي يتهيأ له فيه عبادة الله تعالى ويقوم بدينه ويصون نفسه وعقيدته من الانحراف آمنا مطمئنا على نفسه ودينه وعرضه

5

منقول عن :

موسوعة المذاهب الفكرية المعاصرة

www.dorar.net

**ولهذا فمن الواضح أن دعاة الوطنية وقد أشربوا حبها بدلا عن الدين وتقديسها بدلا عن تعاليم الإسلام من الواضح أن هؤلاء غنيمة أعدائهم حيث يرتمون في أحضانهم للاستعانة بهم والركون إليهم في كل شيء سيواجههم حتى ولو كان ذلك ضد أبناء وطنهم الذين يفطنون لما يبيته لهم الوطنيون عباد الكراسي والشهوات وكانت قيادة دعاة الوطنية لشعوبهم كقيادة فرعون الذي قال لأبناء وطنه " ما أريكم إلا ما أرى " قادوهم إلى جعل الوطن هو المقدس أولا وأخيرا وإلى التعلق بأذيال أهل الشرق الشيوعي أو الغرب النصراني وأماتوا شخصية شعوبهم الإسلامية التي تبعث فيهم النخوة والشهامة والاعتزاز بالإسلام ومعلوم من هذا الكلام أنني لا أقصد به ذم الذين جمعوا بين حب الوطن وحب دينهم وتواضعوا للناس. وإنما أقصد أولئك الذين باعوا أنفسهم وأوطانهم ودينهم بثمن بخس وفضلوا المبادئ والنظريات الكافرة وازدروا الدين الحق وسموه رجعية وتخلفا.

رابعا: هل نجحت الوطنية في تأليف القلوب؟

إن الوطنية من الشعارات الزائفة وهي أقل وأذل من أن تؤلف بين القلوب حينما تبتعد عن هدي خالقها وتعرض عن دينه القويم وما يجري في البلاد الإسلامية وغيرها من بطش أصحاب الوطن الواحد بعضهم ببعض عند قيام الفتن لهو أقوى شاهد على فشل الالتفاف حول الوطنية وأنها دعوى عنصرية لا تلين لها القلوب ولا تدمع لها العيون.

إن جمع الناس على الوطنية ? بعيدا عن الدين الإلهي ? هو ضرب من الخيال الساذج والسراب الكاذب لأن الله عز وجل لا يصلح عمل المفسدين وقد أخبر سبحانه وتعالى أن الألفة بين القلوب أمر بعيد المنال إذا لم يوجد العامل الصحيح في إيجاد ذلك وقد امتن الله عز وجل على عباده باجتماع كلمتهم على الدين فقد قال تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [آل عمران:103].

وقال تعالى ممتنا على نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بما وصل إليه المؤمنون من تآلف قلوبهم: {وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [ الأنفال:62-63].

وأين هذا التآلف العجيب الذي كان أحدهم يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة والذي جعل الشخص المسلم يقدم نفسه دون أخيه في كل شيء والذي جعلهم كالجسد الواحد، وكالبنيان المرصوص أين هذا التآلف من دعوى التآلف على الوطنية القائمة على الجهل والغرور والكبرياء والبغي بغير الحق وتبادل المنافع أليس فاقد الشيء لا يعطيه؟

إن الوطنية لم تقم على تقوى الله تعالى ولا على الخوف منه عز وجل أو الحب فيه وإنما قامت على نزعات الشيطان. والشيطان يهدم ولا يصلح ويفرق القلوب ولا يجمعها فمن أين إذاً يأتي التآلف والمحبة بين أفرادها إنك لا تجني من الشوك العنب.

وإذا كان ما قدمنا دراسته عن القومية يعطي صورة واضحة عن فشلها وبعدها عن أهداف الدين الحنيف الذي يقول للناس: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:92].

إذا كان ما قدمنا يدل على خيبة القومية وهي الأصل فما هو الظن بالوطنية وهي المتفرعة عن القومية لا ريب أنهما نبتتان خبيثتان لا تقدمان إلا خبثا : {وَاللّهُ يَدْعُو إلى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [يونس:25].

أرأيتم لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم ? وحاشاه ? تعصب لقومه ولوطنه مكة من كان سيوصل الإسلام إلى المدينة المنورة ولو أن الصحابة رضي الله عنهم تعصبوا لأوطانهم في الحجاز من كان سيوصل الإسلام من المحيط الهندي إلى المحيط الأطلسي بل لو تعصب المسلمون لقومياتهم وأوطانهم فما الذي سيقدمونه للناس إن قدر لهم أن يفتحوا بلدانهم؟

وانظر في كتاب الله عز وجل هل تجد آية خاطب الله فيها قوما أو وطنا أو جنسا على جنس بطريقة التعصب والقومية أو الوطنية أو الإشادة أو تجد في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم شيئا من ذلك؟ كلا.

بل ستجد قول الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}[آل عمران:102-103].

وستجد:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات:13].

وستجد {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:92].

وستجد آيات كثيرة كلها تنادي البشر بأنهم على حد سواء أمام الله تعالى وأن التفاضل بينهم عند الله لا يكون إلا بالتقوى وأن التفاخر والتعالي إنما هو من طبيعة الشيطان ومن يتبعه كما ستجد في السنة النبوية مثل هذا المفهوم الحق ? وقد مر ذكر أحاديث في ذلك ? والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

4

منقول عن :

موسوعة المذاهب الفكرية المعاصرة

www.dorar.net

**ثانيا: القومية والوطنية

إن الوطنية دعوة جادة إلى تجمع أبناء الوطن الواحد على حب الوطن والتفاني في خدمته والولاء له بغض النظر عن أي اعتبار آخر فلا ينظر الوطنيون إلى اختلاف أبناء الوطن الواحد في الدين أو في اللهجات أو اللغات أو اختلاف الألوان بينهم فإن الوطنية تحتوي كل اختلاف يقع بين أبناء الوطن الواحد أما الدعوة إلى القومية فهي أشمل وأعم من الدعوة إلى الوطنية بقبولها انضمام أكثر من وطن إليها مع التقاء الجميع كما عرفت سابقا وكلتاهما من جملة السهام الموجهة إلى وحدة الأمة الإسلامية إن لم يصب هذا أصاب الآخر.

ثالثا: كيف نشأت دعوى الوطنية

نشأت هذه الفكرة في أوروبا كغيرها من الأفكار الأخرى الكثيرة في رد فعل عارم تجاه أوضاعهم التعيسة التي كانت تقسم الناس إلى فريقين فريق هم السادة والقادة وأصحاب الامتياز وفريق آخر هم العمال العبيد الذين يساقون كما تساق البهائم لا قيمة لهم ولا يجمع بين قلوبهم وقلوب الطبقة الأولى غير الأحقاد والكراهية والرغبة في التمرد بأي ثمن يكون للخلاص من قبضة رجال الدين ورجال الدولة على حد سواء بعد أن التقت مصالح رجال الدين ورجال الحكومة على استعباد الناس وتسخيرهم لخدمتهم وحين وصلت الأمور إلى هذا الحد كان اختراع المبررات للخروج على ذلك الوضع هو التفكير الجاد فاخترعت الدعوة إلى القومية ثم إلى الوطنية ثم إلى الأفكار الأخرى كالحرية والمساواة وحقوق الإنسان.. إلى آخره.

وكان إلى جانب هؤلاء المتربصون بالكنيسة ورجالها وبالحكام الذين يظلمون الناس باسم المسيح كان إلى جانبهم اليهود الذين كانوا محل بغض الاضطهاد الديني النصراني حينما كانت النصرانية قوة متنمرة لكل المخالفين لها.

فكان الأمر يقتضي أن يقف اليهود إلى جانب أولئك بكل ما يستطيعون علها تظهر من وراء تلك الفتن فوائد لليهود وهم يعرفون كيف يستغلون الأوضاع لصالحهم بعد تأجيج الفتن.

ومن الجدير بالذكر أن دعوى الوطنية حين ظهرت في أوروبا ما كان لها وهي دعوى جاهلية أن تؤلف بين قلوب الأوروبيين برغم تلك الأوضاع فقامت الحروب الشرسة بينهم وسفكت دماء لا يعلم عددها إلا الله تعالى وكل تلك الحروب إنما كان يراد من ورائها السيطرة وبسط النفوذ وهي حروب كثيرة وقعت بين فرنسا والإنجليز والإيطاليون وغيرهم في مد وجزر استغرق وقتا طويلا وقفت أمامها القومية والوطنية ذليلتان.

لقد جاءت الوطنية على غرار خبث القومية ولم يكن تصدير أوروبا الفكرة الوطنية إلا وسيلة من وسائلهم الكثيرة لغزو العالم كله وخصوصا العالم الإسلامي وتشتيته وتمزيق وحدته ليسهل عليهم إذلال تلك الشعوب حينما تنقطع فيما بينهم روابط العقيدة وتحل محلها روابط الجاهلية من قومية ووطنية شعوبية ويصبحون فريسة الأفكار الخادعة ويتخلون عن مصدر عزهم وقوتهم في الإسلام وقد عرفوا أن إحلال الوطنية محل الجهاد الإسلامي بخصوصه هو أقرب الطرق إلى تشرذم المسلمين وبالتالي يكون جهاد المسلمين لأعدائهم إنما هو لأجل الوطن لا لشيء آخر. فيتحول الجهاد من كونه لأجل نشر الإسلام إلى حركات وثورات وطنية لا تفرق بين الدين وعدم الدين بل ولا تدعو إلى الدين الإسلامي ولا إلى نشر تعاليمه ولا يقاتلون أعداء الإسلام لأجل الإسلام بل لأجل أن يتركوا لهم بلادهم وأوطانهم لا غير ومن السهل على أعداء الإسلام أن يعدوا المسلمين ويمنوهم بتركهم أوطانهم إذ أن الطلب في هذا أسهل من طلب الإسلام أو الجزية عن يد وهم صاغرون أو القتال كما هو شعار الإسلام فإذا صارت المفاوضات سياسية محضة فالخطب هين والوعود والكذب والاحتيال أمر مشروع عند الكفار ضد الإسلام والمسلمين ولا يصعب عليهم إخلاف الوعود والاعتذارات بحرارة عندما يتلاعبون بالمواعيد وبين تلك المواعيد واللقاءات المتكررة والمجاملات يسري في عروق الوطنيين ما يسري من الغزو المنظم والانبهار بما عند أعداء الإسلام مما مكنهم الله به من العلم بظاهر الحياة الدنيا وزينتها فتقوم صداقات تنمو شيئا فشيئا بين الوطنيين ممن يزعمون الإسلام وبين أعداء الإسلام بعد أن أبعد الدين ومبادئه في الجهاد عن الساحة وحلت محله الشعارات الخادعة من القومية والوطنية والإنسانية والتقدمية و.. إلى آخره ومادام الوطنيون لا يغضبون لله تعالى ولا لدينهم فبإمكان أعداء دينهم أن يقولوا لهم لماذا تغضبون لأجل الاستقلال؟ سنجود به عليكم بل وستكونون أنتم خلفنا على شعوبكم وسيقبل الوطنيون بكل بساطة بخلاف ما لو كان التعصب للدين.

3

منقول عن :

موسوعة المذاهب الفكرية المعاصرة

www.dorar.net

الخاتمة بعد هذا العرض الموجز للقومية يتضح لنا بجلاء أنها أبعد ما تكون عن الحقيقة وأنها لا يمكن أن تتم عليها المودة والرحمة واجتماع الكلمة وأنها جاهلية أوروبية ورثها المتطفلون على الحياة الأوروبية وذهبوا يحاولون تجميل وجهها القبيح ويزخرفون القول فيها لتجتمع عليها الكلمة ولتحل محل الدين وأبلوا في ذلك بلاء لا يحمدون ولا يشكرون عليه وما هي إلا لعبة سياسية ومقصد يراد من ورائه أهدافا ومكاسب وقد جربتها أوروبا وتبين لهم أنها تفسد أكثر مما تصلح فنبذوها وقد تلقفها اليهود والنصارى وقدموها في شعارات براقة للعرب ليكملوا بها تفريق الكلمة والابتعاد عن الدين ? وخصوصا الإسلام ? وبعبارة أخرى نقول لو كانت القومية فيها خير وجمع للكلمة لوحدت ? أقل ما يمكن ? بين قلوب العرب المتنافرة بل ولو كانت كذلك لكان كل عربي يلهج بذكرها وتمجيدها خصوصا في أيامنا هذه وهي أيام نحس وحزن على العرب كلهم وهم يواجهون تهديدات الدول الكبرى في اكتساح العراق وغيره من بلدان العالم بقيادة أمريكا وبريطانيا وإسرائيل ولو كان ساسة العرب النابهين منهم يعلمون أن في الدعوة إلى القومية - العربية - فيه أدنى نفع للعرب فضلا عن غيرهم لملأوا الدنيا صياحا وعويلا على وجوب التزام القومية والعمل تحت لوائها ولكنهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنها بضاعة مزجاة لا تصلح إلا للاستهلاك اليومي.
وكذلك أيضا الدول الكبرى قد اطمأنوا تماما ووثقوا من إحكام الفرقة بين العرب وبين غيرهم فلا يرون ضرورة للمناداة باسم القومية العربية فلهذا لم نعد نسمع التقديس للقومية الذي كان في زمن من قبلنا من دعاة القومية وآخرهم جمال عبد الناصر بل إسرائيل وأمريكا وسائر الكفار لا يريدون أن تطل دعوة القومية العربية برأسها لأن مصلحتهم تقتضي عدم ذلك في الوقت الحاضر ولأنها قد أتت ثمارها سابقا حينما قضوا بها على الخلافة الإسلامية في تركيا ممثلة في الحكم العثماني وبذلك يتبين أن كثيرا من دعاة القومية من العرب ومن غيرهم إنما هم ببغاوات يرددون ما يسمعونه حرفيا من مدربيهم رؤساء الكفر والضلال إذ لا يغيرون حتى كلمات العبارات.

مراجع للتوسع
ـ القومية العربية تاريخها وقوامها، مصطفى الشهابي.
ـ اللغة والأدب وعلاقتهما بالقومية، ساطع الحصري.
ـ العروبة أولاً، ساطع الحصري.
ـ الإقليمية جذورها وبذورها، ساطع الحصري.
ـ قضية العرب، علي ناصر.
ـ القومية العربية، د. أبو الفتوح رضوان.
ـ أرض العروبة، عبد الحي حسن العمراني.
ـ بين الدعوة القومية والرابطة الإسلامية، أبو الأعلى المودودي.
ـ تطور المفهوم القومي عند العرب، أنيس صائغ.
ـ حقيقة القومية العربية، محمد الغزالي.
ـ دراسات تاريخية عن أصل العرب وحضارتهم الإنسانية، د. محمد معروف الدواليبي.
ـ الشعوبية الجديدة، محمد مصطفى رمضان.
ـ محنة القومية العربية، أركان عبادي.
ـ معنى القومية العربية، جورج حنا.
ـ نشوء القومية العربية، زين نور الدين زين.
ـ نقد القومية العربية، الشيخ عبد العزيز بن باز.
ـ يقظة العرب، ترجمة د. ناصر الدين الأسد، د. إحسان عباس.
ـ فكرة القومية العربية على ضوء الإسلام، صالح بن عبد الله العبود.
ـ نشأة الحركة العربية الحديثة، محمد عزة دروزة.
ـ حول القومية العربية، عبد المجيد عبد الرحيم.
@@@
1- " فكرة القومية العربية في ضوء الإسلام " الشيخ صالح بن عبد الله العبود.
2- " حركات ومذاهب في ميزان الإسلام " الطبعة العاشرة سنة 1403هـ فتحي يكن.
3- “الاتجاهات الفكرية المعاصرة وموقف الإسلام منها " جمعة الخولي.
4 ? “محمد و القومية العربية” ? علي حسني خربوطلي.
5 - “مذاهب فكرية معاصرة” ? محمد قطب.
6 ? " نقد القومية العربية” ? الشيخ عبد العزيز بن باز.
7- " القومية في نظر الإسلام " ? محمد أحمد باشميل.
8- “الحركات القومية الحديثة في ميزان الإسلام” ? منير محمد نجيب.
9 ? " في الشعوبية " ? إسماعيل العرفي.
10- " الشعوبية الجديدة " ? محمد مصطفى رمضان.

منقول عن :
موسوعة المذاهب الفكرية المعاصرة
www.dorar.net

**وقال تعالى: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }[ البقرة:217 ] وقال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} [الجاثية :18 ]

فأبان الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات البينات: أن الكفار لن يرضوا عنا حتى نتبع ملتهم، وندع شريعتنا، وإنهم لا يزالون يقاتلونا حتى يردونا عن ديننا إن استطاعوا.

وأخبر أنه متى أطعناهم واتبعنا أهواءهم، كنا من المخلدين في النار، إذا متنا على ذلك، نسأل الله العافية من ذلك، ونعوذ بالله من موجبات غضبه وأسباب انتقامه.

الوجه الرابع: من الوجوه الدالة على بطلان الدعوة إلى القومية العربية أن يقال: إن الدعوة إليها والتكتل حول رايتها يفضي بالمجتمع ولا بد إلى رفض حكم القرآن؛ لأن القوميين غير المسلمين لن يرضوا تحكيم القرآن، فيوجب ذلك لزعماء القومية أن يتخذوا أحكاما وضعية تخالف حكم القرآن، حتى يستوي مجتمع القومية في تلك الأحكام، وقد صرح الكثير منهم بذلك كما سلف، وهذا هو الفساد العظيم، والكفر المستبين والردة السافرة، كما قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[ : ]

وقال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } [المائدة : 50] وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة :44 ] وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة :45] وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة :47 ] وكل دولة لا تحكم بشرع الله، ولا تنصاع لحكم الله، ولا ترضاه فهي دولة جاهلية كافرة، ظالمة فاسقة بنص هذه الآيات المحكمات، يجب على أهل الإسلام بغضها ومعاداتها في الله، وتحرم عليهم مودتها وموالاتها حتى تؤمن بالله وحده، وتحكم شريعته، وترضى بذلك لها وعليها، كما قال عز وجل: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة :4 ]فالواجب على زعماء القومية ودعاتها، أن يحاسبوا أنفسهم ويتهموا رأيهم، وأن يفكروا في نتائج دعوتهم المشئومة، وغاياتها الوخيمة، وأن يكرسوا جهودهم للدعوة إلى الإسلام ونشر محاسنه والتمسك بتعاليمه والدعوة إلى تحكيمه بدلا من الدعوة إلى قومية أو وطنية، وليعلموا يقينا أنهم إن لم يرجعوا إلى دينهم ويستقيموا عليه ويحكموه فيما شجر بينهم، فسوف ينتقم الله منهم، ويفرق جمعهم، ويسلبهم نعمته، ويستبدل قوما غيرهم، يتمسكون بدينه ويحاربون ما خالفه كما قال تعالى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } [محمد :38 ] وقال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام : 44] صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ قوله تعالى {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [ هود: 102] )) فيا معشر القوميين: راقبوا الله سبحانه، وتوبوا إليه، وخافوا عذابه واشكروه على إنعامه، وذلك بتعظيم كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والعمل بهما ودعوة الناس إلى ذلك، وتحذيرهم مما يخالفه، ففي ذلك عز الدنيا والآخرة، وصلاح أمر المجتمع، وراحة الضمير وطمأنينة القلب، والسعادة العاجلة والآجلة، والأمن من عذاب الله في الدنيا والآخرة. وكل ما خالف ذلك من الدعوات، فهو دعوة إلى جهنم، وسبيل إلى قلق الضمائر، واضطراب المجتمع، وتسليط الأعداء، وحرمان السعادة والأمن في الدنيا والآخرة، كما قال ذو العزة والجلال في كتابه المبين: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى}[ طه:133 ] فأبان سبحانه في هذه الآيات أن من اتبع هداه لم يضل ولم يشق، بل له الهدى والسعادة في الدنيا والآخرة ومن أعرض عن ذكره فله المعيشة الضنك في الدنيا، والعمى والعذاب في الآخرة، ومن ضنك المعيشة في الدنيا ما يبتلى به أعداء الإسلام من ظلمة القلوب وحيرتها، وما ينزل بها من الغموم والهموم والشكوك والقلق، وأنواع المشاق في طلب الدنيا وجمعها والخوف من نقصها وسلبها، وغير ذلك من أنواع العقوبات المعجلة في الدنيا، كما قال الله سبحانه: {فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [ التوبة: 55] وقال تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة : 21] والآيات في هذا المعنى كثيرة، نسأل الله أن يصلح قلوبنا، وأن يعرفنا بذنوبنا، ويمن علينا بالتوبة منها، وأن يهدينا وسائر إخواننا سواء السبيل، إنه على كل شيء قدير.

23**

**ويدل على تلك أيضا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ} [ آل عمران: 118] فانظر أيها المؤمن إلى كتاب ربك وسنة نبيك عليه الصلاة والسلام كيف يحاربان موالاة الكفار، والاستعانة بهم واتخاذهم بطانة، والله سبحانه أعلم بمصالح عباده، وأرحم بهم من أنفسهم، فلو كان في اتخاذهم الكفار أولياء من العرب أو غيرهم والاستعانة بهم مصلحة راجحة، لأذن الله فيه وأباحه لعباده، ولكن لما علم الله ما في ذلك من المفسدة الكبرى، والعواقب الوخيمة، نهى عنه وذم من يفعله، وأخبر في آيات أخرى أن طاعة الكفار، وخروجهم في جيش المسلمين يضرهم، ولا يزيدهم ذلك إلا خبالا، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} [ آل عمران: 149: ] وقال تعالى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالًا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [التوبة :47 ]

فكفى بهذه الآيات تحذيرا من طاعة الكفار، والاستعانة بهم، وتنفيرا منهم، وإيضاحا لما يترتب على ذلك من العواقب الوخيمة، عافى الله المسلمين من ذلك، وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } [ التوبة:71 ] وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال:73 ] أوضح سبحانه أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، والكفار بعضهم أولياء بعض، فإذا لم يفعل المسلمون ذلك، واختلط الكفار بالمسلمين، وصار بعضهم أولياء بعض، حصلت الفتنة والفساد الكبير، وذلك بما يحصل في القلوب من الشكوك، والركون إلى أهل الباطل والميل إليهم، واشتباه الحق على المسلمين نتيجة امتزاجهم بأعدائهم وموالاة بعضهم لبعض، كما هو الواقع اليوم من أكثر المدعين للإسلام حيث والوا الكافرين، واتخذوهم بطانة، فالتبست عليهم الأمور بسبب ذلك، حتى صاروا لا يميزون بين الحق والباطل ولا بين الهدى والضلال، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فحصل بذلك من الفساد والأضرار ما لا يحصيه إلا الله سبحانه…,

وللقوميين هنا شبهة، وهي أنهم يقولون: إن التكتل حول القومية العربية بدون تفرقة بين المسلم والكافر يجعل العرب وحدة قوية، وبناء شامخا، يهابهم عدوهم ويحترم حقوقهم، وإذا انفصل المسلمون عن غيرهم من العرب، ضعفوا وطمع فيهم العدو، وشبهة أخرى وهي أنهم يقولون: إن العرب إذا اعتصموا بالإسلام، وتجمعوا حول رايته، حقد عليهم أعداء الإسلام، ولم يعطوهم حقوقهم، وتربصوا بهم الدوائر، خوفا من أن يثيروها حروبا إسلامية، ليستعيدوا بها مجدهم السالف، وهذا يضرنا ويؤخر حقوقنا ومصالحنا المتعلقة بأعدائنا، ويثير غضبهم علينا.

والجواب: أن يقال: إن اجتماع المسلمين حول الإسلام، واعتصامهم بحبل الله، وتحكيمهم لشريعته، وانفصالهم من أعدائهم والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء، هو سبب نصر الله لهم وحمايتهم من كيد أعدائهم، وهو وسيلة إنزال الله الرعب في قلوب الأعداء من الكافرين، حتى يهابوهم ويعطوهم حقوقهم كاملة غير منقوصة، كما حصل لأسلافهم المؤمنين. فقد كان بين أظهرهم من اليهود والنصارى الجمع الغفير، فلم يوالوهم ولم يستعينوا بهم، بل والوا الله وحده، واستعانوا به وحده، فحماهم وأيدهم ونصرهم على عدوهم والقرآن والسنة شاهدان بذلك، والتاريخ الإسلامي ناطق بذلك، قد علمه المسلم والكافر. وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر إلى المشركين، وفي المدينة اليهود، فلم يستعن بهم، والمسلمون في ذلك الوقت ليسوا بالكثرة، وحاجتهم إلى الأنصار والأعوان شديدة، ومع ذلك فلم يستعن نبي الله والمسلمون باليهود، لا يوم بدر ولا يوم أحد، مع شدة الحاجة إلى المعين في ذلك الوقت، ولا سيما يوم أحد، وفي ذلك أوضح دلالة على أنه لا ينبغي للمسلمين أن يستعينوا بأعدائهم، ولا يجوز أن يوالوهم أو يدخلوهم في جيشهم، لكونهم لا تؤمن غائلتهم، ولما في مخالطتهم من الفساد الكبير، وتغيير أخلاق المسلمين، وإلقاء الشبهة، وأسباب الشحناء والعداوة بينهم، ومن لم تسعه طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم وطريقة المؤمنين السابقين فلا وسع الله عليه.

وأما حقد غير المسلمين على المسلمين إذا تجمعوا حول الإسلام، فذلك مما يرضي الله عن المؤمنين ويوجب لهم نصره، حيث أغضبوا أعداءه من أجل رضاه، ونصر دينه والحماية لشرعه. ولن يزول حقد الكفار على المسلمين، إلا إذا تركوا دينهم واتبعوا ملة أعدائهم، وصاروا في حزبهم، وذلك هو الضلال البعيد والكفر الصريح، وسبب العذاب والشقاء في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} [ البقرة:120 ]

22**

**ونظام القومية يقول: كلهم أولياء مسلمهم وكافرهم والله يقول: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [ الشورى : 13] ويقول سبحانه {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [ الممتحنة : 4] وقال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [ المجادلة : 22 ] وشرع القومية أو بعبارة أخرى شرع دعاتها يقول: أقصوا الدين عن القومية، وافصلوا الدين عن الدولة، وتكتلوا حول أنفسكم وقوميتكم، حتى تدركوا مصالحكم وتستردوا أمجادكم، وكأن الإسلام وقف في طريقهم، وحال بينهم وبين أمجادهم، هذا والله هو الجهل والتلبيس وعكس القضية، سبحانك هذا بهتان عظيم

والآيات الدالة على وجوب موالاة المؤمنين، ومعاداة الكافرين، والتحذير من توليهم كثيرة لا تخفى على أهل القرآن، فلا ينبغي أن نطيل بذكرها وكيف يجوز في عقل عاقل أن يكون أبو جهل، وأبو لهب، وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث وأضرابهم من صناديد الكفار في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده إلي يومنا هذا، إخوانا وأولياء لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة، ومن سلك سبيله من العرب إلى يومنا هذا. هذا والله من أبطل الباطل وأعظم الجهل وشرع القومية ونظامها يوجب هذا ويقتضيه، وإن أنكره بعض دعاتها جهلا أو تجاهلا وتلبيسا، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وقد أوجب الله على المسلمين: أن يتكاتفوا ويتكتلوا تحت راية الإسلام، وأن يكونوا جسدا واحدا، وبناء متماسكا ضد عدوهم، ووعدهم على ذلك النصر والعز والعاقبة الحميدة، كما تقدم ذلك في كثير من الآيات، وكما في قوله تعالي: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا } [ النور: 55] الآية وقال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ }[الصافات : 171] فوعد الله سبحانه عباده المرسلين، وجنده المؤمنين بالنصر والغلبة، واستخلافهم في الأرض والتمكين لدينهم، وهو الصادق في وعده، {وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ}[الزمر :20 ] وإنما يتخلف هذا الوعد في بعض الأحيان بسبب تقصير المسلمين، وعدم قيامهم بما أوجب الله عليهم من الإيمان بالله، والنصر لدينه، كما هو الواقع، فالذنب ذنبنا لا ذنب الإسلام، والمصيبة حصلت بما كسبت أيدينا من الخطايا، كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى :30 ]

فالواجب على العرب وغيره: التوبة إلى الله سبحانه، والتمسك بدينه، والتواصي بحقه، وتحكيم شريعته، والجهاد في سبيله، والاستقامة على ذلك من الرؤساء وغيرهم، فبذلك يحصل لهم النصر ويهزم العدو، ويحصل التمكين في الأرض، وإن قل عددنا وعدتنا، ولا ريب أن من أهم الواجبات الإيمانية: أخذ الحذر من عدونا، وأن نعد له ما نستطيع من القوة، وذلك من تمام الإيمان، ومن الأخذ بالأسباب التي يتعين الأخذ بها، ولا يجوز إهمالها، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ } وقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } [ النساء: 71]وليس للمسلمين أن يوالوا الكافرين أو يستعينوا بهم على أعدائهم، فإنهم من الأعداء ولا تؤمن غائلتهم وقد حرم الله موالاتهم، ونهى عن اتخاذهم بطانة، وحكم على من تولاهم بأنه منهم، وأخبر أن الجميع من الظالمين، كما سبق ذلك في الآيات المحكمات، وثبت في: (صحيح مسلم)، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة ففرح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه فلما أدركه قال لرسول الله جئت لأتبعك وأصيب معك وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أتؤمن بالله ورسوله؟ قال لا قال "فارجع فلن استعين بمشرك قالت ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل فقال له كما قال أول مرة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كما قال أول مرة فقال لا قال “فارجع فلن استعين بمشرك” قالت ثم رجع فأدركه في البيراء فقال له كما قال أول مرة “تؤمن بالله ورسوله؟” قال نعم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم “فانطلق”)) فهذا الحديث الجليل، يرشدك إلى ترك الاستعانة بالمشركين، ويدل على أنه لا ينبغي للمسلمين أن يدخلوا في جيشهم غيرهم، لا من العرب ولا من غير العرب؛ لأن الكافر عدو لا يؤمن. وليعلم أعداء الله أن المسلمين ليسوا في حاجة إليهم، إذا اعتصموا بالله، وصدقوا في معاملته. لأن النصر بيده لا بيد غيره، وقد وعد به المؤمنين، وإن قل عددهم وعدتهم كما سبق في الآيات وكما جرى لأهل الإسلام في صدر الإسلام،

21**

**كلام الشيخ ابن باز في نقد القومية

ومن المعلوم من دين الإسلام بالضرورة أن الدعوة إلى القومية العربية أو غيرها من القوميات، دعوة باطلة وخطأ عظيم، ومنكر ظاهر، وجاهلية وكيد سافر للإسلام وأهله، وذلك لوجوه :

الأول: أن الدعوة إلى القومية العربية تفرق بين المسلمين، وتفصل المسلم العجمي عن أخيه العربي، وتفرق بين العرب أنفسهم ؛ لأنهم كلهم ليسوا يرتضونها، وإنما يرضاها منهم قوم دون قوم، وكل فكرة تقسم المسلمين وتجعلهم أحزابا فكرة باطلة، تخالف مقاصد الإسلام وما يرمي إليه؛ وذلك لأنه يدعو إلى الاجتماع والوئام، والتواصي بالحق والتعاون على البر والتقوى، كما يدل على ذلك قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [آل عمران :103 ] وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [الأنفال :63 ] وقال تعالى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } [الروم :32]

فانظر أيها المؤمن الراغب في الحق كيف يحارب الإسلام التفرق والاختلاف، ويدعو إلى الاجتماع والوئام، والتمسك بحبل الحق والوفاة عليه، تعلم بذلك أن هدف القومية غير هدف الإسلام، وأن مقاصدها تخالف مقاصد الإسلام، ويدل على ذلك أيضا أن هذه الفكرة، أعني الدعوة إلى القومية العربية وردت إلينا من أعدائنا الغربيين، وكادوا بها المسلمين، ويقصدون من ورائها فصل بعضهم عن بعض، وتحطيم كيانهم، وتفريق شملهم، على قاعدتهم المشئومة (فرق تسد) وكم نالوا من الإسلام وأهله بهذه القاعدة النحيسة، مما يحزن القلوب ويدمي العيون

وذكر كثير من مؤرخي الدعوة إلى القومية العربية، ومنهم مؤلف الموسوعة العربية: أن أول من دعا إلى القومية العربية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، هم الغربيون على أيدي بعثات التبشير في سوريا، ليفصلوا الترك عن العرب، ويفرقوا بين المسلمين…,

الوجه الثاني: أن الإسلام نهى عن دعوى الجاهلية وحذر منها، وأبدى في ذلك وأعاد في نصوص كثيرة بل قد جاءت النصوص تنهى عن جميع أخلاق الجاهلية، وأعمالهم إلا ما أقره الإسلام من ذلك، ولا ريب أن الدعوة إلى القومية العربية من أمر الجاهلية، لأنها دعوة إلى غير الإسلام، ومناصرة لغير الحق، وكم جرت الجاهلية على أهلها من ويلات وحروب طاحنة، وقودها النفوس والأموال والأعراض، وعاقبتها تمزيق الشمل وغرس العداوة والشحناء في القلوب، والتفريق بين القبائل والشعوب…,

ولا ريب أيضا أن الدعوة إلى القومية تدعو إلى البغي والفخر؛ لأن القومية ليست دينا سماويا يمنع أهله من البغي والفخر، وإنما هي فكرة جاهلية تحمل أهلها على الفخر بها والتعصب لها على من نالها بشيء، وإن كانت هي الظالمة وغيرها المظلوم، فتأمل أيها القارئ ذلك يظهر لك وجه الحق.

الوجه الثالث من الوجوه الدالة على بطلان الدعوة إلى القومية العربية

هو أنها سلم إلى موالاة كفار العرب وملاحدتهم من غير المسلمين، واتخاذهم بطانة، والاستنصار بهم على أعداء القوميين من المسلمين وغيرهم ومعلوم ما في هذا من الفساد الكبير، والمخالفة لنصوص القرآن والسنة، الدالة على وجوب بغض الكافرين من العرب وغيرهم، ومعاداتهم وتحريم موالاتهم واتخاذهم بطانة والنصوص في هذا المعنى كثيرة منها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} [المائدة :52 ] الآية سبحان الله ما أصدق قوله وأوضح بيانه،

هؤلاء القوميون يدعون إلى التكتل حول القومية العربية مسلمها وكافرها، يقولون: نخشى أن تصيبنا دائرة، نخشى أن يعود الاستعمار إلى بلادنا، نخشى أن تسلب ثرواتنا بأيدي أعدائنا، فيوالون لأجل ذلك كل عربي من يهود ونصارى، ومجوس ووثنيين وملاحدة وغيرهم، تحت لواء القومية العربية، ويقولون: إن نظامها لا يفرق بين عربي وعربي، وإن تفرقت أديانهم، فهل هذا إلا مصادمة لكتاب الله، ومخالفة لشرع الله، وتعد لحدود الله، وموالاة ومعاداة، وحب وبغض على غير دين الله؟ فما أعظم ذلك من باطل، وما أسوأه من منهج والقرآن يدعو إلى موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين أينما كانوا وكيفما كانوا، وشرع القومية العربية يأبى ذلك ويخالفه: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} ويقول الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ } [الممتحنة : 1] إلى قوله تعالى {وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} .

20**