الفقر بين الإسلام والرأسمالية (مفهوماً ومعالجة)

**خامساً: منع الحمى في المنافع العامة

والحمى هو المكان المحمي الذيلا يجوز أن يرعى فيه غيرُ مَن حماه، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا حمى إلا لله ولرسوله»، والحمى المنهي عنه يشمل أمرين: الأول: الأرض الميتة التي لكلواحد من الناس أن يحيِيَها ويأخذَ منها، والثاني: ما هو من الملكية العامة من مثلالماء والكلأ والنار، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من منع فضل الماءليمنعَ به فضل الكلأ منعه الله فضلَه يوم القيامة». أما الدولة فلها أن تحميَ منالأرض الموات وما هو داخل في الملكية العامة لأي مصلحة تراها من مصالح المسلمين،على شرط أن يكون ذلك على وجه لا يُلحق الضرر بأحد. أما الأفراد فلا يجوز لهمذلك.

سادساً: منع كنـز الذهب والفضة

ولعله من أبرز الأحكام التي جاءتلمعالجة سوء التوزيع بصورة غير مباشرة. والكنـز يعني جمع المال أي النقد بعضه إلىبعض لغير حاجة، وهذا يؤدي إلى تقليص المشاريع الاقتصادية مما يؤدي إلى البطالةوالتي بدورها تؤدي إلى الفقر. قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِـزُونَ الذَّهَبَوَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍأَلِيمٍ} [التوبة 34].

سابعاً: منع الإسلام الربا

وواقع الربا أن هذهالفائدة التي يأخذها المرابي هي استغلال لجهد الناس، وهي جزاء من غير بذل جهد، ولأنالمالَ الذي يؤخَذ عليه ربا مضمونٌ غير معرض للخسارة، وهو غير استغلال المالبالشـراكة والمضـاربة وغيرها، قال تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَالرِّبَا} [البقرة 275]. وفي الوقت الذي منع فيه الربا، حث الإسلام على الإقراض والاستقراض؛ لأن المحتاج للمال إما أن يحتاجه لأجل العيش وقد سدها الإسلام بضمانالعيش لكل فرد من أفراد الرعية، وإما أن يحتاجه لأجل مشروع إنتاجي وقد سدها الإسلامبإقراض المحتاج دون ربا، روى ابن حبّان عن ابن مسعود أن الرسول (صلى الله عليه وآلهوسلم) قال: «ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقة مرة»، فإقراضالمحتاج مندوب، والاستقراض مندوب أيضاً؛ لأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كانيستقرض.

وإذا ما قُضِيَ على البنوك الربوية يبقى بيت المال وحده الذي يقوم بإقراضالمال لأصحاب المشاريع بلا فائدة، بعد التحقق من إمكانية الانتفاع بالمال، وهذا مافعله عمر مع فلاحي العراق.

ثامناً: منع الاحتكار

والاحتكار هو جمع السلعانتظاراً لبيعها بأسعار غالية بحيث يضيق على أهل البلاد شراؤها، وهو حرام في جميع الأشياء سواء أكانت طعاماً أم غيره. روي عن أبي أمامة قال: «نهى رسول الله أن يحتكرالطعام»، وفي صحيح مسلم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا يحتكر إلاخاطئ»، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليهعليهم كان على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة». والاحتكار يشكل أخطاراًكبيرة على المجتمع، منها عدم تمكين ضعيفي الحال من تحصيل حاجاتهم بسبب الغلاء، ممايوجد تفاوتاً بين الناس، ويشهد لذلك واقع الأمة بل واقع العالم أجمع اليوم، الذيتحتكر خيراته بضع شركات.

تاسعاً: منع الدولة من التسعير

والتسعير هو أن يأمرالسلطانُ أو نوابُه أو كلُّ مَنْ ولي أمراً من أمور المسلمين أهلَ السوق أن لايبيعوا السلع إلا بسعر كذا، فيُمنعون من الزيادة حتى لا يغلوا الأسعار، أو النقصانعنه حتى لا يضاربوا غيرهم، وهذا كله حرام لما روى أحمد عن أنس قال: «غلا السعر علىعهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا رسول الله، لو سعرت، فقال: إنالله هو الخالق، القابض، الباسط، الرازق، المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولايطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال»، فالتسعير مظلمة فهو حرام. وأبرزآثار التسعير أنه يفتح سوقاً خفية يبيع فيها الناس بيعاً مستوراً عن الدولة بعيداًعن مراقبتها، وهي ما يسمونها بالسوق السوداء، فترتفع الأسعار ويحوز السلعة الأغنياءدون الفقراء.

وغلاء الأسعار إما أن يكون بسبب احتكارها وهذا قد حرمه الإسلام،وإما أن يكون ناتجاً عن ندرتها، والخليفة في هذه الحال مأمور برعاية مصالح الناسفعليه أن يسعى لتوفيرها، وبهذا يكون قد منع الإسلامُ الغلاءَ دون الحاجة إلى التسعير.

عاشراً: منع الإسلام الفرد من أن يهب أو يهدي أو يتصدق إلا فيما يبقىله ولعياله غنى

روى الدارمي عن جابر بن عبد الله قال: “بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب أصابها في بعض المغازي (قال أحمد: في بعض المعادن، وهو الصواب)، فقال: يا رسول الله، خذها مني صدقة،فَوَاللهِ مالي مالٌ غيرها. فأعرضَ عنه، ثم جاء من ركنه الأيسر فقال مثل ذلك، ثمجاءه من بين يديه فقال مثل ذلك، ثم قال هاتها مغضباً، فحذفه بها حذفة لو أصابتهلأوجعه أو عقره، ثم قال: يعمد أحدكم إلى ماله لا يملك غيره فيتصدق به ثم يقعد يتكففالناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى، خذ الذي لك، لا حاجة لنا به، فأخذ الرجل ماله”.

هذه هي بعض الخطوط العريضة من السياسة الاقتصادية في الإسلام، والتي بهاننقذ الأمة بل العالم من براثن الفقر والعوز والحاجة، ولا يمكن أن تطبق هذه السياسةإلا في ظل دولة الخلافة الراشدة القادمة بإذن الله، فالأمة في أمَسِّ الحاجة لها،بل العالم أجمع؛ يقول تقرير للأمم المتحدة إن مليار شخص في العالم محرومون منالأساسيات، أي الحاجات الأساسية، ومنها الماء، وإن 20% من سكان العالم يستهلكون 86%من ثرواته.

عن مجلة الزيتونة**

**السياسة الاقتصادية أو ما نسميه المعالجة غير المباشرة للفقر:

أولاً: الملكيات

وإذ قسّم الإسلام الثروات في هذه الدنيا على ثلاثفئات: الفرد والجماعة والدولة، وكان الاعتبار الأول في هذا التقسيم هو توزيع الثروةبين الناس؛ فقد أقر الإسلام بحاجة الإنسان الفطرية لحيازة الثروة، فلم يمنعه منحيازتها، ولم يمنعه من السعي لها وتنميتها والتصرف بها، ولكن ضمن أسباب مشروعة تمنعالاضطراب والفساد الذي يسود علاقات الناس بسبب تفاوتهم في القوى الجسمية والعقليةوفي الحاجة إلى الإشباع. فكما أن الإسلام منع إلغاء الملكية أو تحديدها بِالكمّفإنه أيضاً حارب حرية التملك، وجاء بتشريعات وتوجيهات تصون مالَ الفرد وتحفطه من اعتداءات الآخرين. وجعل الإسلام أموالاً أو أعياناً معينة مشتركة بين الناس ومنعالفرد من حيازتها، فجعلهم ينتفعون بها بشكل جماعي، وجعل للدولة ملكية تخضع لتدبيرالخليفة يخص بعض الأفراد بشيء منها حسب ما يرى، وذلك كالجزية والفيء والخراجوغيرها، وتمكنها من رعاية شؤون الناس التي على رأسها توفير الحاجات الأساسيةللفرد.

ثانياً: أحكام الأراضي

وأبرزها إحياء الـمَوَات، فكل فرد من أفرادالرعية إذا أحيا أرضاً لم يظهر عليها أنه جرى عليها ملك أحد من إحاطة أو زرع أوعمارة أو نحو ذلك تملَّـكها، لما روي عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: “مَن أحيا أرضاً ليست لأحد فهو أحق”، ولم يكتفِ الإسلام بذلك بل نص على جواز إقطاعالأفراد والأرض العامرة الصالحة للزراعة التي تعود ملكيتها للدولة، وهذا ما فعلهالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأجمع عليه الصحابة بعده.

وإمعاناً في الحرصعلى استغلال الأرض، أجبرَ الإسلامُ مالكَها على استغلالها، بأن نصّ على أخذها منهوإعطائها لغيره إذا ما أهملها ثلاثَ سنين، قال عمر بن الخطاب: «ليس لمحتجر حق بعدثلاث سنين»؛ لأن الشرع جعل لملكية الأرض معنىً غيرَ ملكية الأموال الأخرى المنقولةوغير المنقولة، إذ جعل ملكيتها للزراعة، فإذا عُطِّلتْ المدةَ التي نص الشرعُ عليهاذهب معنى ملكيتها عن مالكها. ولا يخفى على أحد ما في هذه الأحكام من محاربة للفقربتمليك الأفراد عنصراً هاماً من عناصر الثروة وهي الأرض دون مقابل، وإجبارهم علىاستغلالها.

ثالثاً: أحكام الشركات

فقد أجاز الإسلام الشركة، واشترط في صحتهاوجود البدن، ولم يشترط على شريك البدن امتلاك المال، وجعل الخسارة على المال لا علىالبدن. فأوجد فرصة عظيمة لمن لا يملك إلا جهده أن يوفر لنفسه مصدر رزق يسد منهحاجاته. فالعقد في الشركة منصبّ على القيام بعمل ماليّ بقصد الربح. فلا بد منالقيام بعمل، أي لا بد من شريك بدن ولا بد من قصد الربح.

رابعاً: إعطاء الفقراءمن أملاك الدولة كالغنائم والأملاك العامة

وهي أن يُعطى الفقراء مالاً منقولاًو غير منقول، لا ليقضيَ الأفرادُ حاجاتهم بشكل مؤقت، بل من أجل تمليكهم الثروة التيتضمن سداد حاجاتهم بشكل مستمر، أي تمليكهم وسائل قضاء حاجاتهم. ويكون هذا أكثر مايكون عندما يُرى تفاوتٌ بين الناس في الملكية، أي عندما ينحصرُ المال في أيدي فئةٍمن الناس، قال تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ} [الحشر 7]، وهذا ما فعله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بفيء بنيالنضير.

… يتبع**

**المعالجة المباشرة:

وتكون من جانبين، الجانب الأول: فيما يتعلقبالفرد نفسه، حيث حثَّ الإسلامُ الفردَ على الكسب وعلى طلب الرزق، بل جعل السعيلكسب الرزق فرضاً على القادر المحتاج، روي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صافح سعد بن معاذ، رضي الله عنه، فإذا يداه قد اكتبتا، فسأله النبي (صلى الله عليهوآله وسلم) عن ذلك فقال: أضربُ بالمر (الحبل) والمسحاةِ لأنفقَ على عيالي، فقبَّلَ(صلى الله عليه وآله وسلم) يدَه، وقال: كفان يحبهما الله تعالى.

أما الجانبالثاني: فقد جعل الشرع إعانةَ الفقير على غيره، حتى يتوفرَ له ما يشبع هذه الحاجاتالأساسية، وقد فصلها على النحو التالي:

أ - أوجبها على الأقارب الذين يكونونرَحِماً محرّماً له، قال تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّوَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَاتُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَىالْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة 233]، أي على الوارث مثل المولود له من حيثالرزق والكسوة.

ب - إن لم يكنْ له أقارب ممن أوجب الله عليهم نفقة قريبهم انتقلتإلى بيت المال في باب الزكاة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآلهوسلم): «من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك كلاًّ فإلينا» والكـــلّ الضـــعيف الذي لاولدَ له ولا والد، وقال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِوَالْمَسَاكِينِ} [التوبة 60].

ج - إنْ لم يَفِ قسمُ الزكاة من بيت المال فيحاجات الفقراء والمساكين كان واجباً على الدولة أن تنفق عليهم من أبواب أخرى من بيتالمال.

د - إن لم يوجد في بيت المال مالٌ يجب على الدولة أن تفرضَ ضريبة علىأموال الأغنياء وتحصلها لتنفقَ على الفقراء والمساكين منها، فسدُّ حاجات الفقراءفرض على جميع المسلمين، قال عليه الصلاة والسلام: «أيُّما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤٌجائع فقد برئتْ منهم ذمةُ الله تبارك وتعالى» رواه أحمد. وقد ألزم الرسولُ (صلىالله عليه وآله وسلم) الأنصـارَ بإعالة المهـاجرين الفقـراء، وقال تعـالى: {وَفِيأَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} ، فكل ذلك يدل على أنهفرض على جميع المسلمين، وما كان فرضاً على جميع المسلمين كان على الخليفة بما عليهمن واجب رعاية شؤونهم أن يحصل المال منهم؛ ليقوم بما هو فرض عليهم. والذين تجبعليهم النفقة من أقارب الفقير ويدفعون الضريبة من المسلمين هم من كانوا في حالةغناء، أي من استغنوا عن غيرهم، ويعتبر الشخص في غَناء إذا كان ممن تُطلَب منهالصدقة، أما من نهي عن الصدقة فلا؛ لقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «خيرالصدقة ما كان عن ظهر غنى»، والغنى كما حدده الفقهاء هو ما يقوم بقوت المرء من قوتمثله، وبكسوتهم كذلك وسكناهم وبمثل حاله من مركب وزي، روى مسلم عن جابر أن رسولالله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك،فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا يقول فبينيديك وعن يمينك وعن شمالك» ونفقة الإنسان عن نفسه هي سده لكفاية حاجاته التي تتطلبإشباعاً، وليست كفاية حاجاته الأساسية فحسب؛ وذلك لأن الشرع أوجب عليه نفقة زوجتهبالمعروف، وقد فسر بأنه حسب حالها وأمثالها، قال تعالى: {رِزْقُهُنَّوَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة 233] فتكون نفقته على نفسه أيضاًبالمعروف.

… يتبع**

**أما نظرة الإسلام إلى الفقر فقد انطلقت من الاعتبارات التالية:

  1. المشكلةالاقتصادية التي تواجه المجتمع هي توزيع ثروة البلاد الداخلية والخارجية على جيمعأفراد الأمة فرداً فرداً، بحيث يضمن إشباع جميع الحاجات الأساسية لجميع الأفرادإشباعاً كلياً، وتمكين كل فرد منهم من إشباع حاجاته الكمالية.

  2. حاجات الإنسانالأساسية من حيث هو إنسان هي: المأكل، والملبس، والمسكن، وهي لا تزيد، وإنما الذييزيد ويتجدد هو حاجاته الكمالية، فالزيادة في الحاجات التي تحصل مع تقدم الإنسان فيحياته المدنية إنما تتعلق بالحاجات الكمالية لا الحاجات الأساسية، وهذه يعمللإشباعها ولكن عدم إشباعها لا يسبب مشكلة، بل الذي يسبب المشكلة هو عدم إشباعالحاجات الأساسية. هذا من جهة الحاجات، أما من جهة الموارد أي الأموال والجهود التييسمونها السلع والخدمات الموجودة في العالم، فإنها كافية لإشباع الحاجات الأساسيةوالكمالية أيضاً.

  3. زيادة الدخل الأهلي برفع مستوى الإنتاج هو أمر متعلق بواقعالبلاد من حيث الموارد والثروات، ويبحث فيه علم الاقتصاد، ولا علاقة له بتوزيعالثروة الذي يبحث فيه نظام الاقتصاد. فهناك فرق بين علم الاقتصاد ونظامالاقتصاد.

وانطلاقاً من هذه الاعتبارات، نظر الإسلام إلى الفقر نظرة واحدة لاتختلف باختلاف زمان أو مكان، أو بانحطاط مدني أو تقدم، فاعتبره عدمَ إشباع الحاجاتالأساسية إشباعاً كاملاً، وقد حدد الشرع هذه الحاجات الأساسية بثلاث هي: المأكل،والملبس، والمسكن، قال تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّوَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة 233]، وقال عز وجل: {أَسْكِنُوهُنَّمِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} [الطلاق 6]، وروى ابن ماجه عن أبي الأحوصقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهنّكسوتهنّ وطعامهنّ»؛ وعليه فالحاجات التي يعتبر عدم إشباعها فقراً هي الطعام والكسوةوالمسكن، أما ما عداها فيصنف ضمن الحاجات الكمالية التي لا يشكل عدم إشباعها مشكلة. وبناءً على هذه النظرة لمشكلة الفقر وضع الإسلام معالجات مباشرة وفورية للقضاءعليه، وحماية الأمة من مخاطره، تتمثل في توفير ما يسد حاجات الفقير مباشرة، وتحديد الجهات التي تتحمل مسؤولية ذلك، ووضع الإسلام أيضاً سياسة اقتصادية مثلى، يجنّبتطبيقُها والالتزامُ بها الأمةَ الفقرَ ويحميها منه، حيث تتساوق هذه السياسة ونظرتهللمشكلة الاقتصادية، وتجعل من الفرد محوراً تدور حوله جميع أحكامها، حيث راعت فيهثلاثة جوانب: الأول كونه إنساناً له حاجات أساسية يجب إشباعها جميعها إشباعاًكاملاً.

أما الجانب الثاني فباعتبار فرديته، وذلك أن الحاجات الأساسية هي حاجاتأفراد معينين وليست حاجات جماعة. وأما الجانب الثالث فباعتباره مرتبطاً مع غيرهبعلاقات معينة تسير تسييراً معيناً، أي باعتباره يعيش في مجتمع معين له طراز خاص منالعيش.

وهكذا يرى الإسلام أن الفقر ليس مشكلة أفراد عجزوا عن إشباع حاجاتهمالأساسية فحسب، بل يراه أيضاً مشكلةً تتعلق بالمجتمع من حيث الأثار التي يتركها، منمثل التفاوت الفاحش بين الأفراد في حيازة الثروة وإشباع الحاجات ما يُشعِرُ بوجودالطبقات، ومن حيث الآثار الاقتصادية الخطيرة التي يخلفها، وأهمها تلك التي تتعلقباستغلال ثروات البلاد وحرمان الجماعة من طاقات الأفراد، ومن حيث الفساد الذي يطرأعلى علاقات الناس بعضهم ببعض من سرقة ونهب وحسد وتباغض مما يترك آثاراً سلبية علىالأمن والاستقرار، وهكذا نرى أن الفقر هو مشكلة أفراد يعيشون في مجتمع معين له طرازخاص من العيش، فكان علاجه يتراوح بين العلاج المباشر وبين السياسة الاقتصادية التيهي أحكام شرعية تضمن الوقاية من الفقر والعلاج غير المباشر له. فهَاكُمُوهامختصرة:

ا… يتبع**

**النظرة الرأسمالية للفقر

ينطلق الرأسماليون في نظرتهم للفقر مننظرتهم للمشكلة الاقتصادية التي يسعون لحلها ويسمونها نظرية الندرة النسبية للسلعوالخدمات، والتي تنص على كثرة الحاجات وقلة وسائل إشباعها، أي عدم كفاية السلعوالخدمات الموجودة في هذا الكون لإشباع حاجات الإنسان المتجددة والمتزايدة إشباعاًكلياً. فالمشكلة عندهم إذن هي الحاجات والموارد وليس الإنسان، أي هي توفير المواردلإشباع الحاجات، وليس إشباع حاجات كل فرد من الأفراد، فخلطوا بذلك بين علم الاقتصادوالنظام الاقتصادي، فكانت الدراسات الاقتصادية تدور حول العمل على زيادة ما يستهلكه مجموع الناس من السلع والخدمات. أضف إلى ذلك أنهم عرّفوا الحاجة بأنها الرغبة، فكلما ترغب فيه فأنت تحتاجه، ولم يميزوا بين حاجات أساسية فطرية في الإنسان وهي المأكلوالملبس والمسكن، وبين حاجات كمالية تتغير وتتطور كلما تقدمت المدنية، وهذا هو السرفي ادعائهم ازدياد الحاجات. وذهبوا إلى ما هو أخطر عندما اعتبروا هذه الرغبة هي مقياس المنفعة في الشيء، فالرغبة في الشيء هي التي تجعله نافعاً اقتصادياً أو غيرنافع.

ومن هذه النظرة التي تقوم على أساس الندرة النسبية للسلع والخدمات، وأنالحاجة هي الرغبة، وأن هذه الخدمات تتغير تبعاً للتطور المادي والمدني، عرفوا الفقربأنه عدم القدرة على إشباع الحاجات من سلع وخدمات، وأنه يختلف باختلاف الأمموالأشخاص، فهو شيء نسبي اعتباري، فالأمم المنحطة تكون حاجات أفرادها محدودة فيالسلع والخدمات الضرورية، فيكون الفقر فيها عدم القدرة على الحصول على هذه السلعوالخدمات. في حين أن الأمم المتمدنة المتقدمة مادياً تكون حاجات أفرادها كثيرةيحتاج إشباعها إلى سلع وخدمات أكثر، فيعتبر الفقر فيها غير الفقر في البلدانالمتأخرة، فمثلاً يعتبر عدم إشباع الحاجات الكمالية في أوروبا وأميركا فقراً، فيحين لا يعتبر عدم إشباع الحاجات الكمالية مع إشباع الحاجات الأساسية في مصر والعراقمثلاً فقراً، وهذا خطأ محض لأنهم جعلوا الفقر شيئاً اعتبارياً وليس حقيقياً، وهذامخالف لواقع الفقر الذي لا يختلف باختلاف زمان أو مكان، أو بتقدم مدني أو انحطاط،ولأن التشريع أي تشريع موضوع للإنسان لا بد أن ينظر للإنسان عند وضع المعالجاتللمشاكل بوصفه إنساناً يتكون من حاجات عضوية وغرائز لا بوصفه فرداً.

ولم تقفالرأسمالية عند الخطأ في تعريف الفقر، بل أنها أوجدته وساعدت في تكريسه عند نظرتهاإلى توزيع الثروة، إذ يرون إنها تتم ضمن طريقتين: الأولى حرية التملك، فبعد توفيرالموارد والثروات لمجموع الناس، يترك لهم حرية التملك، دونما تحديد لأسباب معينةله، أو إشارة إلى طرق تنمية معينة له، وهذا حتماً يؤدي إلى تركيز الثروة وحصرها فيأيدي فئة قليلة، وحرمان فئات أخرى منها، أي يؤدي إلى سوء توزيع الثروة، فشاعتالاحتكارات الرأسمالية التي تعدت سيطرتها حدود المجتمعات الرأسمالية إلى باقي أنحاءالعالم، فاستبد المنتجون بالمستهلكين وشاع الفقر والحرمان.

أما الطريقة الثانيةعندهم لتوزيع الثروة فهي الثمن، فالثمن عندهم هو المنظم لتوزيع الثروة على أفرادالمجتمع، فيقولون إنه القيد الذي يجعل الإنسان يتوقف عن الحيازة والاستهلاك عندالحد الذي يتناسب مع موارده. وبذلك يكون الثمن بارتفاعه لبعض السلع وانخفاضهلبعضها، وتوفر النقد عند البعض وعدم توفره عند الآخرين، يكون منظماً لتوزيع الثروةعلى المستهلكين، ويكون نصيب كل فرد من ثروة البلاد ليس بمقدار حاجاته الأساسية،وإنما هو معادل لقيمة الأعمال التي ساهم بها في إنتاج السلع والخدمات، أي بمقدار مايحوز من مال.

وبهاتين القاعدتين حرية التملك والثمن يكون النظام الاقتصاديالرأسمالي قد قرر أنه لا يستحق الحياة إلا من كان قادراً على المساهمة في إنتاجالسلع والخدمات أو امتلاكها بأي سبب يناسبه، أما من كان عاجزاً لأنه خُلِقَ ضعيفاً،أو لضعف طرأ عليه، فلا يستحق أن ينال من ثروة البلاد ما يسد حاجاته، وكذلك يستحقالتخمة والسيادة والسيطرة على الغير بماله كل من كان قادراً على ذلك لأنه خُلِقَقوياً في جسمه أو عقله، أو كان أقدر من غيره على الحيازة بأي طريق من الطرق.

أماتصورهم لحل مشكلة الفقر والقضاء عليه فهو على النحو التالي:

ما دامت المشكلةالاقتصادية هي محدودية الموارد، وتناقصها بالنسبة للحاجات المتزايدة غير المحدودة؛كان تصورهم للحل هو توفير هذه الموارد، أي السلع والخدمات، بمعنى آخر هو رفع مستوىالإنتاج، أي زيادة ما يستهلكه الناس، مجموع الناس، لا الأفراد، فبرز عندهم ما يسمىبحجم الإنتاج الأهلي، وينظم هذا التوزيع بجهاز الثمن، فيترك للأفراد نوال مايستطيعون من هذه الثروة كل بحسب ما يملك من عوامل إنتاجها، سواء حصل الإشباع لجميعالأفراد أو حصل لبعضهم دون البعض الآخر. وهذه معالجة خاطئة لا تؤدي إلى القضاء علىفقر الأفراد ولا إلى رفع مستوى معيشتهم جميعاً؛ لأن الحاجات التي تتطلب الإشباع هيحاجات فردية مع كونها حاجات إنسان، ولأن معالجة فقر البلاد لا يعالج مشاكل فقرالأفراد فرداً فرداً، ولكن معالجة فقر الأفراد وتوزيع ثروة البلاد عليهم يؤدي حتماًإلى زيادة الدخل الأهلي، ولأن العوامل التي تؤثر في حجم الإنتاج وزيادة الدخلالأهلي يكون بحثها في علم الاقتصاد، أي في بحث المادة الاقتصادية وزيادتها، أماالفقر فبحثه متعلق بتوزيع الثروة بين الناس وهو ما يسمى بالنظام الاقتصادي.

… يتبع**

**الفقر بين الإسلام والرأسمالية **
(مفهوماً ومعالجة)
إن من أعظم المصائب التي لحقت بأمة الإسلام في هذا العصر عقب غيابالحكم بما أنزل الله وبعد وقوعها فريسة للكافر المستعمر، ما حل بأبنائها من فقرواحتياج وعوز لم تشهد مثله من قبل رغم ما تعجّ به بلادها من ثروات وخيرات هائلة،منها الزراعية، ومنها المائية، ومنها الظاهر، ومنها الدفين كالطاقة التي هي عصبالحياة الصناعية وروحها، ومنها ما يتعلق بعمقها الجغرافي، ومنها ما يتعلق بعمقهاالبشري. أضف إلى ذلك أنها تحيا في عصر التقنية والتطور المادي وسرعة الاتصال ويسرالمواصلات. رغم كل هذا تجدها -أي الأمة الإسلامية- تصنف في عداد الأمم الفقيرة، بلالمنحطة التي تعتاش على فتات الأمم الكافرة والدول المستعمرة.

أسباب وجودالفقر:**
إذا ما تجاوزنا وصف واقع الفقر الذي كثر واصفوه، وأخطأ مشخصوه، وقلمعالجوه العلاج الصحيح الشافي، وأردنا أن نلقي نظرة نجمل فيها أسبابه نجدها في أمورأهمها:
1. غياب الحكم بما أنزل الله في شؤون الأمة عامة، وفي الحياة الاقتصاديةخاصة، إذ استبدل الكفر جميعاً بأحكام الإسلام كافة، فغدت الأمة في مشارق الأرضومغاربها تخضع لأحكام الكفر التي جرّت عليها ويلات تتلوها ويلات، ومصائب تعقبهامصائب، وكانت مصيبة الفقر أبرزها.
2. تجزئة الأمة الواحدة ذات الكيان الواحد والحاكم الواحد إلى كيانات متعددة مختلفة منتافرة، مما فرق شمل خيراتها ومواردهاوجعلها نهباً لفئات متسلطة، يَـدَّعون أنهم حكام وما هم بحكام، وحرمها من تكاملاقتصادي يغنيها عن العالم أجمع، بل يؤهلها لتسنم مجدٍ لا يُشق له غبار.
3. الاستعمار الذي ما زال يجثو على صدرها، ويلقي بظلاله على جميع جوانب حياتها، ولاسيما الجانب الاقتصادي، حيث أصبحت بلاد المسلمين إحدى مصالحه الحيوية التي يستعدللدفاع عنها والتشبث بها ولو كلفه ذلك الغالي والنفيس، فكانت -وكما تقول أميركا- جزءاً من أمنها القومي، وأبرز معالم هذا الاستعمار:
أ- نهب المواد الخام ومواردالطاقة.
ب- استخدامها أسواقاً لسلعهِ ومنتوجاتهِ، والتفنن في ذلك حتى أدخل معظمالدول القائمة في العالم الإسلامي في ما يسمى بمنظمة التجارة الدولية، حيث رفعالجمارك وتقليص دور الدولة في التجارة الخارجية.
ج- وضعها في قفص المديونية، فلاتوجد دولة من هذه الدول إلا وقد وقعت في المديونية للمؤسسات الاستعمارية.
د- تطبيق أحكام النظام الاقتصادي الرأسمالي عليها، فاستباحت الربا، والاحتكار،والتسعير والشركات المساهمة، والتأمين، وتغير مفهوم الملكية لديها واختلفت أسبابهاوطرق تنميتها، ومفهوم التجارة الخارجية.
هـ - اشتغالها بالأزمات التي تستدعيتمويلاً يستنـزف خيرات البلاد دون أن تحقق نتيجة ترجى.
و- جعل وجهة نظر المستعمرفي الحياة وفي الاقتصاد قِـبْـلةَ المسلمين في حل مشاكلهم الاقتصادية، والتي تتلخص في القروض والضرائب وتقليص دور الدولة في رعاية شؤون الناس، والذي يعرف بالخصخصةوفتح البلاد أمام الاستغلال أو الاستثمار الأجنبي وتأجير البلاد كقواعد عسكرية… إلخ.
4. غياب مفهوم رعاية الشؤون عن الدولة وعن الأمة، إذ إن الدولة في الإسلامتعني رعاية شؤون الناس داخلياً وخارجياً أفراداً وجماعةً، وهذا أمر كان مفهوماً عندالحكام ومن ناب عنهم، فاستقاموا وجهدوا في تحقيقه على أحسن وجه. وكان أيضاً مفهوماًعند الأمة التي ما توانت في محاسبتهم كلما رأت منهم تقصيراً أو تجاهلاً لشأن من شؤونها، إلا أن الأمر قد انقلب رأساً على عقب، فجاءنا حكام لا يعرفون إلا رعايةشؤون أنفسهم، والمحافظة على مصالح ساداتهم الكفار المستعمرين، والتسلط على الناسوإذلالهم وأكل حقوقهم، فأوجدوا جواً مفعماً بالظلم والجهل والفقر، فغاب عن الناسمفهوم الرعوية، فغدوا يرون البلاد والعباد ملكاً لهؤلاء الحكام يتصرفون فيه تصرفالمالك بملكه، ولا يرون لأنفسهم حقاً عليهم، بل رأوا أنفسهم مسؤولين عن شؤونهمالخاصة والعامة، ولا أدل على ذلك من ترنحهم في الفقر والهوان دون أن يلتفتوا إلىحكامهم لمطالبتهم بما يصلح حالهم. والأدهى من ذلك أن ترى وجوههم تعلوها البهجةوالسرور والعرفان بالجميل، إذا ما فطن الحاكم لبعض مآسيهم، وتصدق عليهم بفتات مانهب منهم.

**يتبع