**خامساً: منع الحمى في المنافع العامة
والحمى هو المكان المحمي الذيلا يجوز أن يرعى فيه غيرُ مَن حماه، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا حمى إلا لله ولرسوله»، والحمى المنهي عنه يشمل أمرين: الأول: الأرض الميتة التي لكلواحد من الناس أن يحيِيَها ويأخذَ منها، والثاني: ما هو من الملكية العامة من مثلالماء والكلأ والنار، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من منع فضل الماءليمنعَ به فضل الكلأ منعه الله فضلَه يوم القيامة». أما الدولة فلها أن تحميَ منالأرض الموات وما هو داخل في الملكية العامة لأي مصلحة تراها من مصالح المسلمين،على شرط أن يكون ذلك على وجه لا يُلحق الضرر بأحد. أما الأفراد فلا يجوز لهمذلك.
سادساً: منع كنـز الذهب والفضة
ولعله من أبرز الأحكام التي جاءتلمعالجة سوء التوزيع بصورة غير مباشرة. والكنـز يعني جمع المال أي النقد بعضه إلىبعض لغير حاجة، وهذا يؤدي إلى تقليص المشاريع الاقتصادية مما يؤدي إلى البطالةوالتي بدورها تؤدي إلى الفقر. قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِـزُونَ الذَّهَبَوَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍأَلِيمٍ} [التوبة 34].
سابعاً: منع الإسلام الربا
وواقع الربا أن هذهالفائدة التي يأخذها المرابي هي استغلال لجهد الناس، وهي جزاء من غير بذل جهد، ولأنالمالَ الذي يؤخَذ عليه ربا مضمونٌ غير معرض للخسارة، وهو غير استغلال المالبالشـراكة والمضـاربة وغيرها، قال تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَالرِّبَا} [البقرة 275]. وفي الوقت الذي منع فيه الربا، حث الإسلام على الإقراض والاستقراض؛ لأن المحتاج للمال إما أن يحتاجه لأجل العيش وقد سدها الإسلام بضمانالعيش لكل فرد من أفراد الرعية، وإما أن يحتاجه لأجل مشروع إنتاجي وقد سدها الإسلامبإقراض المحتاج دون ربا، روى ابن حبّان عن ابن مسعود أن الرسول (صلى الله عليه وآلهوسلم) قال: «ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقة مرة»، فإقراضالمحتاج مندوب، والاستقراض مندوب أيضاً؛ لأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كانيستقرض.
وإذا ما قُضِيَ على البنوك الربوية يبقى بيت المال وحده الذي يقوم بإقراضالمال لأصحاب المشاريع بلا فائدة، بعد التحقق من إمكانية الانتفاع بالمال، وهذا مافعله عمر مع فلاحي العراق.
ثامناً: منع الاحتكار
والاحتكار هو جمع السلعانتظاراً لبيعها بأسعار غالية بحيث يضيق على أهل البلاد شراؤها، وهو حرام في جميع الأشياء سواء أكانت طعاماً أم غيره. روي عن أبي أمامة قال: «نهى رسول الله أن يحتكرالطعام»، وفي صحيح مسلم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا يحتكر إلاخاطئ»، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليهعليهم كان على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة». والاحتكار يشكل أخطاراًكبيرة على المجتمع، منها عدم تمكين ضعيفي الحال من تحصيل حاجاتهم بسبب الغلاء، ممايوجد تفاوتاً بين الناس، ويشهد لذلك واقع الأمة بل واقع العالم أجمع اليوم، الذيتحتكر خيراته بضع شركات.
تاسعاً: منع الدولة من التسعير
والتسعير هو أن يأمرالسلطانُ أو نوابُه أو كلُّ مَنْ ولي أمراً من أمور المسلمين أهلَ السوق أن لايبيعوا السلع إلا بسعر كذا، فيُمنعون من الزيادة حتى لا يغلوا الأسعار، أو النقصانعنه حتى لا يضاربوا غيرهم، وهذا كله حرام لما روى أحمد عن أنس قال: «غلا السعر علىعهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا رسول الله، لو سعرت، فقال: إنالله هو الخالق، القابض، الباسط، الرازق، المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولايطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال»، فالتسعير مظلمة فهو حرام. وأبرزآثار التسعير أنه يفتح سوقاً خفية يبيع فيها الناس بيعاً مستوراً عن الدولة بعيداًعن مراقبتها، وهي ما يسمونها بالسوق السوداء، فترتفع الأسعار ويحوز السلعة الأغنياءدون الفقراء.
وغلاء الأسعار إما أن يكون بسبب احتكارها وهذا قد حرمه الإسلام،وإما أن يكون ناتجاً عن ندرتها، والخليفة في هذه الحال مأمور برعاية مصالح الناسفعليه أن يسعى لتوفيرها، وبهذا يكون قد منع الإسلامُ الغلاءَ دون الحاجة إلى التسعير.
عاشراً: منع الإسلام الفرد من أن يهب أو يهدي أو يتصدق إلا فيما يبقىله ولعياله غنى
روى الدارمي عن جابر بن عبد الله قال: “بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب أصابها في بعض المغازي (قال أحمد: في بعض المعادن، وهو الصواب)، فقال: يا رسول الله، خذها مني صدقة،فَوَاللهِ مالي مالٌ غيرها. فأعرضَ عنه، ثم جاء من ركنه الأيسر فقال مثل ذلك، ثمجاءه من بين يديه فقال مثل ذلك، ثم قال هاتها مغضباً، فحذفه بها حذفة لو أصابتهلأوجعه أو عقره، ثم قال: يعمد أحدكم إلى ماله لا يملك غيره فيتصدق به ثم يقعد يتكففالناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى، خذ الذي لك، لا حاجة لنا به، فأخذ الرجل ماله”.
هذه هي بعض الخطوط العريضة من السياسة الاقتصادية في الإسلام، والتي بهاننقذ الأمة بل العالم من براثن الفقر والعوز والحاجة، ولا يمكن أن تطبق هذه السياسةإلا في ظل دولة الخلافة الراشدة القادمة بإذن الله، فالأمة في أمَسِّ الحاجة لها،بل العالم أجمع؛ يقول تقرير للأمم المتحدة إن مليار شخص في العالم محرومون منالأساسيات، أي الحاجات الأساسية، ومنها الماء، وإن 20% من سكان العالم يستهلكون 86%من ثرواته.
عن مجلة الزيتونة**