ضرورة التبني في الأحزاب والتكتلات
تمهيد
يتأتى التبني عند من له أهلية في أخذ الفكرة بطريقتها وأدلتها , أي عند من تتوفر لديه القدرة على تلقي الفكرة تلقيا" فكريا" بحسبها . وهذا لا يتأتى الا عند من له أهلية الاجتهاد , وهو المجتهد الناشط في البحث والاستنباط , او من له أهلية الاجتهاد , ولا ينشط في استعمالها , ويكتفي بأن يتلقى الفكرة من غيره من المجتهدين ,او المتبع : وهو الذي عنده بعض حصيلة من العلوم الشرعية المعتبرة في الاجتهاد .
فلهذا لا يستطيع تبني الافكار والاحكام , وفرزها من الاراء المختلقة والمتباينة , الا من كانت له اهلية تحصيل شيء من العلوم الشرعية المعتبرة, مثل إتقانه لمقدمات في التفسير وأصوله , والفقه وأصوله , والحديث وأصوله , ولو بعض شيء منها يؤهله بإعطائه كفاءة علمية في فهم المطلوب الخبري للفكرة فضلا" عن الالمام الثقافي.
ومن ليس له أهلية او بعض أهلية فليس صالحا" للتبني بنفسه , وإنما حاله حال العامي العاجز , فهو مقلد عامي لا يقوى على حمل الرأي بأدلته ومعانيه , فيكون غير مؤهل للامر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة للخير , وهذه حال غالب الناس في زماننا هذا , بل حال كثير من المتعلمين , اذ يغلب عليهم الجهل بمسائل أولية في العلوم الشرعية المعتبرة وهي الفقه والتفسير والحديث . مما يفقدهم القدرة على تحمل المسؤولية الفكرية للرأي المتبنى , ولكنهم على وجه التعميم يصلحون لتكثير السّواد حين رضاهم بالعمل أو مشاركتهم في نصرته , لقوله عليه الصلاة والسلام { من كثّر سواد قوم فهو منهم , ومن رضي عمل قوم كان شريكا" لمن عمله} .
ثم مما ينبغي ان يعلم ان طريقة إيجاد القدرة الواعية يحتاج المكلف فيها الى مل يتكون لديه بعد قراءته لسيرة الرسول محمد ( صلى الله عليه وسلم ) في تكتيل الصحابة ( رضوان الله عليهم جميعا" ) , لهذا كان لا بدّ من التأهيل الشرعي للتبني قبل ذلك , أي إيجاد بعض كفاءة ثقافية للعلوم الشرعية , ولا يكفي ادراك موضوع التبني فكرة للتأهيل , وإنما لا بدّ من تحصيل بعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد.
كما يجب ان يلاحظ ان التبني غير التقليد , لان التقليد ظاهرة فردية , اما التبني فيشمل ( الفرد) و ( الجماعة ) و ( الامة ) و ( الدولة ) , ثمّ انه يجري في الذهن على سبيل الاقناع وليس على سبيل معرفة الدليل فحسب , وليس بطريقة التسليم لرأي الشيخ أو العالم في المسألة من غير طلب الدليل , لهذا لا يحتاج المجتهد ان يوصل ما استنبطه الى المقلد على سبيل الاقناع , لانه امر ربما يجري بين العلماء خاصة" , وفيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم { ما علمتم فقولوا به وما جهلتم فردّوه الى عالمه } ولقوله تعالى {{ لعلمه الذين يستنبطونه منهم }}
( النساء 83 ).
اما التبني فإنه امر لازم للعمل من جهة القائمين على الامر , بأفرادهم او جماعاتهم , وهو يتأتى بالاقناع بطريقة تحويل الفكرة بأدلتها ودلالاتها وطرائقها الى قناعة في ذهن المتلقي بمنهجية فكرية تلزمه العمل , فتنتقل بعد هذا التحول الفكري للرأي او المعلومات او الافكار في الذهن الى صفة مفاهيم ومقاييس. ولهذا كان التبني غير التقليد , ولكن امره ربما يتداخل في الحوار والنقاش بين الناس , او في المحاسبة بين الامة والحاكم , او بين الطوائف المؤمنة . فينتبه المتعلم حين التبني الى الاسس الفكرية والاصول الفقهية المعتبرة فيه , ولا يلتفت الى ذلك في التقليد غالبا" , وانما يرجع في التقليد الى عالمه فحسب , وهذه الانتباهة ضرورية حتى لا يقعوا في دوّامة الجدل من غير طائل مرام مطلوب .
كما يلاحظ في التبني انه لازم لكل عمل , وليس لكل أمر أو فكر ملاحظ في الواقع , لان كثيرا" من الامور لا يعدها الشارع معتبرة , وكثير لا يعتدّ بها , وكما قيل : ان الرأي الذي لا يعتدّ به لا يرد عليه . فيلاحظ ان ضرورة التبني هي لامر عملي في حياة الفرد لسلامة اسلامه وسلامة أعماله بقصد العبادة , او لامر جامع في حياة الامة وجماعة المسلمين , او أمر لازم على مستوى الفكرة والطريقة.
حتمية التبني ولزومه :
تحتّم فكرة التبنّي لوازم تطبيق أحكام الاسلام وأفكاره ومعتقداته , من جهة الفرد في علاقاته الخاصة , ومن جهة الحكّام والامراء في علاقات المجتمع العامة.
وطريقة التبني الفكري مع حتميّتها الروحية فإنها تظهر عمليا" بنهج نظام الاسلام طريقة في العيش بالسجية , فتظهر بداهة" الدعوة الى الخير الذي جاء به الاسلام للناس طبيعيا" , بمعالجة المستحدثات من المشكلات ومستجدات الامور لأنها من مقتضيات الدين والايمان , ثمّ الامر بالمعروف الذي ظهر تركه وهو واجب , والنهي عن المنكر الذي ظهر فعله وهو حرام لأن طبيعة الايمان تتنافر وما يضادها . وقد جعل الله النصيحة بين المسلمين محمودة وجعل له الاجر والثواب عنده , وعيّن ان النصيحة عامّة لأئمة المسلمين وأمرائهم وعامّتهم . وتأخذ النصيحة بعدها الفكري من جهة الناس وفيما بينهم على سبيل التذكرة لأفرادهم , او الاخبار بالافكار المطلوبة والاحكام الشرعية الواجبة او المحمودة على سبيل البيان , فالمذاكرة في إطار النصيحة هي بيان المطلوب المعرفي على وجهه . وتأخذ بعدها الفكري والعملي من جهة الناس الى الحكّام على سبيل المحاسبة على تطبيق الاسلام . وهو من جهة الحكّام الى الناس إلزامهم بالسمع والطاعة بالمعروف وهكذا تظهر حتمية التبنّي في دار الاسلام او في سلوك المسلم لأنها من لوازم الايمان وضرورات الدين بوصفه الفكري والعقيدي والفقهي.
التبني في التكتلات السياسية العاملة:
من الضروري والحتمي قيام التكتلات السياسية بتبني فكرة وطريقة محددة لتنفيذ الفكرة لا تحيد عنها ولا تخالفها، وأفكار فرعية لازمة لخط السير تُلزم أفرادها بتبنيها والدعوة لها وعدم مخالفتها بحال .
لذا فمن انتظم في حزب سياسي يعمل لتغيير الأوضاع أنّه لا يكون مقلدا لأن التقليد محصور في عمل الشخص فقط ولا يُلزم بالدعوة لما قلده ، ويجوز له التحول لتقليد مذهب آخر إن رأى أن دليله أقوى. هذا بالنسبة للتقليد عند الناس عامة… أمّا المنتسب لحزب سياسي عامل فيختلف وضعه حيث أنه قد اقتنع بفكرة الحزب الأساسية ( الطريقة ) وبناء على هذا الاقتناع انضم لذاك الحزب وألزم نفسه بدعوة غيره للانضمام للحزب والدعوة لفكر الحزب، وهنا يلزم هذا العضو الدعوة لكل فكر للحزب أي ( الفكرة والطريقة والأفكار الفرعية المتبناه للزومها في السير ) فما دام قد انتظم بالحزب عن قناعة تامة بالفكرة الأساسية والطريقة لزم أي ينبنى جميع أفكار الحزب الفرعية والتعارف المتبناه بلا استثناء سواء اقتنع بها أم خالفت رأيه، ولا يجوز له حمل أي فكر للناس غير الفكر المتبنى من قبل الحزب والذي تبناه هو بالضرورة، ومن ذلك يتبين الفرق بين التقليد والتبني في عمل الأحزاب، فعضو الحزب متبني لكل أفكار حزبه وملزم بالدعوة لها وعدم الدعوة لغيرها( وإن خالقت رأيه ). مع ملاحظة أنّه لا يُعقل أن يختلف تبني أفراد حزب في المسألة الواحدة للزوم وحدة التبني وخلافها يأدي بالتأكيد في التأثير على عمل الكتلة سلباً مما يعني حتمية الفشل لذاك التكتل.
.