الإخلاص في حمل الدعوة/3**
وليعلم كل مسلم , وحامل الدعوة خاصة , أن الإخلاص في العبادة عصمة من غواية الشيطان ، من تمسَّك به نجا وسلم ، وإلا ضلَّ وغوى وانحرف عن الصراط المستقيم ، فقد جاء في سورة الحِجر قوله تعالى يذكر قصة إبليس: { قال ربّ بما أغويتني لأزيّننّ لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ïپ? إلا عبادك منهم المخلَصين ïپ? قال هذا صراط عليّ مستقيم ïپ? إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } ، فبيَّن سبحانه أن إبليس كان يدرك أن المخلصين من عباد الله معصومون من فتنته وغوايته ، وأما غيرهم فهم أتباعه الغاوون ، فعباد الله الذين لا سلطان لإبليس عليهم والناجون من حبائله هم المخلصون وحدهم دون سواهم ، وكلمة المخلصين الواردة في الآية قرئت بفتح اللام - المخلَصين - وتعني من أخلصهم الله واصطفاهم لعبادته وقرئت بكسر اللام - المخلِصين - وتعني من أخلصوا العبادة لله ، وكلا القراءتين جاءت بطريق التواتر ، ومعناهما متقارب .
إن الإخلاص في القول أن تقول ما تقول امتثالاً لأمر الله , وسعياً وراء مرضاته فقط ، وإن الإخلاص في العمل أن تعمل العمل امتثالاً لأمر الله , وسعياً وراء مرضاته فقط ، أما إن كان القول أو العمل وفقَ الحكم الشرعي , ولأجل غرضٍ دنيوي وشخصي في آن واحد ، أي كانا امتثالاً لأمر الله وسعياً وراء مرضاته , إضافةً إلى تحقيق غرضٍ دنيوي ونفع شخصي ، انطبق عليهما حديث أبي أُمامة الباهلي " إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتُغي به وجهُه " ، إلا أن يكون القول أو العمل المطلوبان شرعاً إنما أمر الله بهما لتحقيق غرض دنيوي ونفع شخصي فلا بأس ، فالتجارة من بيع وشراء وتوكيل وحوالة ، والزواج من عقد ونفقة وكفالة وولاية ، والتطبيب من تشخيص داء ووصف دواء وإجراء عمليات ، وسائر أعمال المعاش والكسب لا بأس بما يقال فيها وما يعمل ابتغاء الغرض الدنيوي والنفع الشخصي , ما دامت تُؤدَّى كلُّها وفقَ الحكم الشرعي . أما العبادات , وهي تعني شكر الخالق المنعم المتفضل وحمده وعبادته , فلا يصح فيها الشرك وإلا حبطت ولم تُقبل ، وذلك كالجهاد وحمل الدعوة وإقامة الصلاة , وأداء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله , والتصدق على الفقير وإحسان العمل وقراءة القرآن , وذكر الله وسائر العبادات ، فهذه يجب أن تتجه النية فيها إليه سبحانه ، فإنما الأعمال - أي العبادات هنا - بالنية وإنما لامرئٍ ما نوى ، فمن نوى حمل الدعوة إرضاء لله وامتثالاً لأمره فنيته لله ، ومن حملها تكسُّباً أو إظهاراً للعلم والفهم , أو سعياً وراء الجاه والذكر كانت وبالاً عليه ولا يقبلها الله منه ، فحمل الدعوة عبادة ينطبق عليها ما ينطبق على سائر العبادات ، فيجب أن يكون فيها الإخلاص الخالص لله سبحانه ، يحملها المسلم امتثالاً لأمر الله وسعياً وراء مرضاته فحسب ، لأنه بذلك إنما يوجِّه عبادته للخالق المنعم المتفضل وحده لا شريك له ، فلا الجهادُ بغير إخلاص النية ، ولا حملُ الدعوة بغير إخلاص النية ، ولا أية عبادة بغير إخلاص النية تُقبل ويرضى الله عن صاحبها وفاعلها ، فحتى يجاهدَ مسلمٌ ، وحتى يحملَ الدعوة مسلمٌ ، وحتى يعبدَ الله مسلمٌ يجب أن يكون الجهاد خالصاً لله ، وأن يكون حمل الدعوة خالصاً لله ، وأن تكون عبادته كلُّها خالصة لله ، وإلا كان مشركاً شركاً أصغر أو أكبر ، خفياً أو ظاهراً ، وهذا كله يحول دون نوال رضوان الله , ويُقحم صاحبه في نار جهنم .
إن الإخلاص في حمل الدعوة كالإخلاص في أية عبادة هو الكفيل بقبولها ، وبدون الإخلاص يقع الشركُ المُحبط للأعمال كلها ، فلْينتبه حامل الدعوة إلى هذه المسالة ، ولْيولها كلَّ عناية واهتمام .
11 -الصبرُ على البلاء**
إنه ما من أمة أو شعب أو قوم إلا ولهم عقائد يعتنقونها ، وأفكار يحملونها وأحكام ينظمون بها أمورهم ، ارتضوا لأنفسهم هذه العقائد والأفكار والأحكام وألِفوها مع مرور الزمن ، وصاروا مستعدين للدفاع عنها ، لأنها غدت جزءاً من حياتهم , وهذه سُنَّة الله في خلقه لا تتخلف في الأمم والشعوب والأقوام ، ولهذا رأينا أنه ما من نبي أو رسول جاء قومه بعقائد وأحكامٍ جديدةٍ مغايرةٍ لما هم عليه إلا ورفضوه ورفضوا ما يدعوهم إليه ، وكذبوه وآذَوه ، ودافعوا عما ألفوا وارتضوا من العقائد والأفكار والأحكام ، فنال النبيون أو الرسل من صنوف الأذى وألوان العذاب ما نجده مبثوثاً في كتاب الله سبحانه ، قال تعالى في سورة الأنعام : { ولقد كُذبت رسلٌ من قبلك فصبروا على ما كُذِّبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدّل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين } ، وقال سبحانه في سورة الزخرف : { وكم أرسلنا من نبي في الأولين وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به بستهزؤون } .
وحيث أن أتباع الأنبياء والرسل يحملون الدعوات من بعدهم ، فإنهم هم كذلك كانوا يتعرضون للأذى والتعذيب ، ويكفي مثالاً على ذلك قوله تعالى في سورة البروج : { قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود } . وما جاء في الحديث الشريف عن خبَّاب بن الأرَتِّ قال " شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بُردةً في ظل الكعبة ، قلنا له ألا تستنصر لنا ، ألا تدعو الله لنا ؟ قال : كان الرجل فيمن قبلكم يُحفَر له في الأرض ويُجعَل فيه , فيُجاء بالمنشار فيُوضع على رأسه فيثشقُّ باثنتين وما يصدُّه ذلك عن دينه ، ويُمشط بأمشاط من الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصدُّه ذلك عن دينه ، والله لَيُتمَّنَّ اللهُ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون " رواه البخاري وأحمد والنسائي وأبو داود .
وقد نال رسول الله صلى الله عليه وسلم ونال أصحابَه من أذى قريش وقبائل العرب ما هو معروف ومشهور ، ويكفي مثالاً على ذلك ما جاء في البداية والنهاية لابن كثير " وقال البخاري حدثنا عياش بن الوليد …حدثني عروة بن الزبير سألت ابن عمرو بن العاص فقلت : أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم , قال : بينا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حِجْر الكعبة , إذ أقبل عليه عقبة بن أبي مُعَيط , فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً ، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال : أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم … الآية " . وما جاء في البداية والنهاية " عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , وكانوا ثمانية وثلاثين رجلاً , ألحَّ أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور ، فقال : يا أبا بكر , إنَّا قليلٌ , فلم يزل أبو بكر يُلحُّ حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كلُّ رجلٍ في عشيرته ، وقام أبو بكر في الناس خطيباً , ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس , فكان أوَّلَ خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين , فضُربوا في نواحي المسجد ضرباً شديداً , ووُطئَ أبو بكر وضُرب ضرباً شديداً ، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة , فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويحرفهما لوجهه ، ونزا على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه ، وجاء بنو تيْم يتعادَون , فأجْلَتْ المشركين عن أبي بكر ، وحملت بنو تيْم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله , ولا يشكُّون في موته … " .
ولكن الأنبياء والرسل , وكذلك أتباعهم من بعدهم , ما كانوا ليَدَعوا حمل الدعوة وتبليغَ الشرائع والأحكام ، بل كانوا يصبرون ويصبرون على ما يلاقونه حتى يحكم الله بينهم وبين أقوامهم ، وما عُرف أن نبياً أو رسولاً أو أتباع نبي أو رسول تركوا حمل الدعوة , وتخلَّوا عن حمل الأمانة من تعذيب أصابهم ، أو تكذيب واستهزاء تعرضوا له ، فكما أن سُنَّة الله في خلقه أن الأمم والشعوب والأقوام يدافعون عن عقائدهم وأفكارهم وأحكامهم ، فإن سُنَّة الله في خلقه أن الأنبياء والرسل وأتباعهم من حَمَلة الدعوة يصبرون على الأذى والتعذيب حتى يحكم الله بينهم وبين أقوامهم , ويَنزل نصرُ الله عليهم ، فالآيةُ في سورة الأنعام المذكورة قبل قليل : { ولقد كذبت رسلٌ من قبلك فصبروا على ما كُذِّبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدّل لكلمات الله } صريحة الدلالة على ما نقول . فالصبر على العذاب والأذى سنة لا تتخلف في كل من يحمل الدعوة من أنبياء وأتباع على مرِّ العصور والدهور ، ولم يحصل ولا مرة واحدة أن نبياً أو رسولاً أو حتى جُمْلة الأتباع لنبي أو رسول تعرضوا لأذى أو عذاب فتركوا حمل الدعوة واستجابوا لمراد أقوامهم ، لأن ذلك لو حصل لكان خارقاً للسُّنَّة ، ومبدلاً لكلمات الله .
حُبُّ الدنيا /2**
فإذا كانت الدنيا تعدل نقطة ماء ، وإذا كانت الدنيا لا تعدل عند الله سبحانه جناح بعوضة ، وإذا كانت الدنيا أهون على الله من سخلة ميتة ، أكان لمسلم عاقل فطن أن يُغَرَّ بها ويدعَ النعيم المقيم الأبدي في جنات عرضها السموات والأرض ؟ أما سمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ، ولَغَدوة في سبيل الله ورَوْحة خير من الدنيا وما فيها " رواه البخاري والترمذي وأحمد من طريق سهل ، فلماذا التنافس والتكالب على موضع سوط وترك ما أعدَّه الله في الجنة من جنان واسعات فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ؟ أما سمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر بعد أن أخذ بمنكبه ، أي وضع يده الكريمة على كتفه " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " رواه البخاري والترمذي وابن ماجة وأحمد ، أما سمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " رواه مسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد ؟ فلماذا يعيش في الدنيا كأنه مقيم لا يرحل ، رغم أن هذه الدنيا هي بمثابة سجن لا يعود منه الى مأواه وبيته في الجنة إلا أن يخرج منه ؟
والجواب على ذلك هو أن المسلم ، وإن سمع بهذه الأحاديث ، إلا أن شيئاً غطَّى على عقله وسلب منه فطنته ورُشده ، وهو الهوى ، فالهوى كفيل بقلب المعادلة رأساً على عقب ، كفيل بأن يجعل المسلم العاقل الفطن يفضل الدنيا على الآخرة ، وكفيل بأن يحول بينه وبين التقيُّد بشرع الله ، وكفيل بأن يوقعه في حمأة المعاصي والمنكرات ، كل ذلك سعياً وراء لذة دنيويَّةٍ ، ونفع دنيوي ومصلحة دنيوية ، وترك ما يؤدي به إلى نعيم الآخرة ورضى الله سبحانه ، فالهوى وحب الدنيا شيء واحد ، وصنف واحد لا ينفصم أحدهما عن الآخر ، يقابلهما خشية الله والعمل للآخرة ، قال تعالى في سورة النازعات : { فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى } . فمن أحب الدنيا فقد تمسّك بالهوى وانقاد له ، ومن أخذ بالهوى وانقاد له فقد أحب الدنيا وزينتها وزخرفها ، وإن الهوى من طبيعته أن يحجب عقل الإنسان عن الصواب والحق ، ويزين له الباطل والمنكر , فمن زنا أو شرب الخمر أو سرق ، أو رابى أو قتل مسلماً بغير حق ، أو ترك إقامة الصلوات أو امتنع عن أداء الزكاة ، أو اجتنب حملَ الدعوة وتحمُّلَ التعذيبِ والمطاردةِ في سبيلها ، فإنما يفعل كل ذلك بدافع الهوى وحبِّ الدنيا ، وإلا فإن العقل قادر على التمييز بين خير الآخرة وشرِّ الدنيا وفتنتها ، وعلى التمييز بين سموِّ العمل بأحكام الشرع لإرضاء الله وبين هبوط العمل بالمعاصي ومخالفة أحكام الشرع المؤدية إلى سخط الله ، ولولا الهوى الذي يحجب العقل لما ركن مسلم إلى الدنيا وترك السعي للآخرة إلا أن يكون مجنوناً مخبولاً رُفع عنه التكليف ، قال تعالى في سورة الكهف : { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه ولا تَعْدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فُرُطا } وقال سبحانه في سورة محمد : { ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أُوتوا العلم ماذا قال آنفاً أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتَّبَعوا أهواءهم } ، فالهوى يغفل القلب عن الحق ، والهوى يطبع على قلب صاحبه ، فمن غفل عن الحق وطبع على قلبه فالمعاصي عمله ، والمنكرات صنيعه ، والدنيا أكبر همه ، ونتيجة كل ذلك الضلالُ وسوءُ العاقبة ، قال تعالى في سورة القصص : { فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضلّ ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين } وقال سبحانه في سورة محمد : { أفمن كان على بينة من ربه كمن زُين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم } .
إن جمهرة المسلمين اليوم قد أحبوا الدنيا ، وأعماهم الهوى عن الالتزام والتقيد بشرع الله ، فضربهم الله بأن سلَّط عليهم النصارى واليهود والهندوس يذيقونهم مرَّ الذل والهوان ، ويتحكمون بمصائرهم عن طريق حفنة من أهل النار نصبوهم حكاماً على المسلمين ، كلُّ همهم محاربةُ الإسلام والمسلمين المخلصين الحاملين للدعوة العاملين على تحرير المسلمين من تسلُّط هؤلاء الكفار الأعداء ، وليس غريباً أن يستنسر البغاث اليهود علينا ويسلبوننا بعض مقدساتنا ، وهم لا يزيدون في القوة على قوة فأر أمام أسد هصور ، وما ذاك إلا لأننا أحببنا الدنيا وآثرناها على الدار الآخرة ، فقذف الله في قلوبنا الوهن والضعف أمام الأعداء الكافرين ، فعن ثوبان ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، فقال قائل : ومِن قلة نحن يومئذ ؟ قال : بل أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل . ولينزعنَّ اللهُ من صدور أعدائكم المهابة منكم ولَيقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن فقال قائل : يا رسول الله وما الوهن ؟ قال حبُّ الدنيا وكراهية الموت " رواه أبو داود ، ورواه أحمد بلفظ " … أنتم يومئذٍ كثير ولكن يُلقى في قلوبكم الوهن ، قالوا : وما الوهن يا رسول الله ؟ قال حبكم الدنيا وكراهيتكم القتال " .
قصص الأنبياء والمرسلين/2**
وعليه فإن على حامل الدعوة دراسةَ هذه القصص واستخلاصَ العبر والمواقف والدروس المستفادة منها ليستفيد منها في أثناء حمله للدعوة ، إضافة طبعاً إلى النظر في السيرة النبوية التي هي الأساس في هذا المضمار ، ومن لم يفعل فقد قصَّر وفوَّت على نفسه الفائدة ، ولم يكن له من حظ منها إلا مجرد ثواب التلاوة .
إن استخلاص جميع الدروس والعبر الواردة في هذه القصص يحتاج إلى كتب وكراريس كثيرة ، ولا يتسع المقام هنا لإيرادها كلها ، ويكفي هنا التنويهُ بالفكرة الأساسية والخط العريض ، وما على حامل الدعوة إلا أن يدرس هذه القصص دراسة وبحثاً ليستخلص بنفسه ما فيها من عِبَر ودروس . وهذا عدد من هذه الدروس والعبر ، ليطلع عليها حملةُ الدعوة ، ولينهجوا نهجها في البحث والاستقصاء :
1 - إن من أهم ما يحتاج إليه حامل الدعوة الثبات وذلك لشدة ما يعترضه من عقبات وصعاب وما يصيبه من عذاب وعَنَتوما يعرض عليه من إغراءات ، فإذا هو قرأ قوله سبحانه في سورة هود: { وكلاًّ نقص عليك من أنباء الرّسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين } فهم منه أن أنباء الرسل مادة صالحة للتثبيت ، فأكب عليها قراءة ودراسة واستنباطاً ليحصل منها على الثبات اللازم له .
2 - وإن من أهم ما يحتاج إليه حامل الدعوة الصبر على تكذيب الناس له وتعذيبهم إياه ، ودوام تحليه بالصبر إلى أن يأتي نصر الله ، لأنه بدون هذا الصبر لن ينتصر ، ولن يكرمه الله به ، فإذا هو قرأ قوله تعالى في سورة الأنعام: { ولقد كُذِّبت رسلٌ من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين } فَهِم منه أن في القصص وأنباء الرسل ما يحقق له القدرة على التحلي بالصبر انتظاراً للفرج ووعد الله بالنصر .
3 - إن الواجب على حامل الدعوة أن يعمل لله مخلصاً له العمل لا يبتغي مقابل ذلك لا مالاً ولا جاهاً ، ولا غرضاً دنيوياً ، وحيث أنه يعمل كعمل الأنبياء فإن عليه أن يحذو حذوهم ، فنبي الله نوح يخاطب قومه بقوله كما جاء في سورة هود : { ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً إن أجريَ إلا على الله … } ، ونبي الله هود يخاطب قومه عاداً بقوله كما في نفس السورة : { يا قوم لا أسألكم عليه أجراً إن أجريَ إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون } ، ونبي الله صالح يخاطب قومه ثمود بقوله كما في سورة الشعراء : { وما أسألكم عليه من أجر إن أجريَ إلا على رب العالمين } ونبي الله لوط يخاطب قومه بقوله كما في نفس السورة : { وما أسألكم عليه من أجر إن أجريَ إلا على رب العالمين } ونبي الله شعيب يخاطب قومه مدين - أصحاب الأيكة - بقوله كما في نفس السورة : { وما أسألكم عليه من أجر إن أجريَ إلا على رب العالمين } ونبينا ïپ² أمره ربه عز وجلّ أن يخاطب الناس بنفس الشيء ، قال تعالى في سورة الأنعام : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين } ، فوجب على حملة الدعوة أن ينهضوا لحمل الدعوة ابتغاء وجه الله ونوال مرضاته فحسب ، وعدم أخذ الأجرة لا مالاً ولا جاهاً ولا أي غرض من أغراض الدنيا ، فيخلصون لله العمل طالبين الأجر والمثوبة منه فحسب.
4 - إن من أعظم ما ينبغي على حامل الدعوة أن يتجنبه هو تحكيم الهوى وإشباع الرغبات والشهوات على حساب التمسك بالحق والالتزام به ، لأنه هو الضلال المبين ، ولا ينبغي لحامل الدعوة أن يكون ضالاً ، قال تعالى في سورة ص : { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } ، وقال سبحانه في سورة مريم : { أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبُكيا ïپ? فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً ïپ? إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئاً } فليحذر حامل الدعوة من أن يكون من هؤلاء الخلف الذين اتبعوا الشهوات ، فإن هو زلت قدمه يوماً فاحتكم إلى هواه وشهواته وبنى موقفه وتصرفه على هذا وترك قول الحق أو فعل الحق فليبادر فوراً ودون تأخير إلى التوبة ، حتى يتوب الله عليه .
5 - الإيمان بوعد الله بالنصر ، والإيمان بالاستخلاف في الأرض ، والإيمان بالغلبة على المعاندين والمتكبرين والظلاميين والعلمانيين حقيقةٌ يجب أن تكون راسخة عند حامل الدعوة ، وبديهية حتى ولو لم يحس بها أو يشاهد مقدماتها ، إذ يكفي حامل الدعوة أن يقف على وعد الله سبحانه بالنصر ليعتبر هذا النصر حقيقة لا بد من وقوعها ، قال تعالى في سورة الشعراء مخاطباً موسى وهرون : { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين ïپ? أن أرسل معنا بني إسرائيل } فاعتبره نبي الله موسى أمراً مؤكداً لا بد من وقوعِه ، وقد تكرر الأمر هذا في آية أخرى من نفس السورة : { وأوحينا إلى موسى أن أَسْرِ بعبادي إنكم مُتَّبَعون } فأيقن أن خروج بني إسرائيل من مصر ونجاتهم من فرعون كائن لا محالة لا يشك في وقوعه وحصوله ، ولهذا لما وصل أصحاب موسى إلى شاطئ البحر ورأوا جيش فرعون يتعقبهم فشكّوا في الوعد الإلهي : { فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدرَكون } لم يشك نبي الله ، ولم يجعل الحالة الصعبة التي كانوا عليها تؤثر في إيمانه بوقوع وعد الله ، وإنما أجابهم إجابة الواثق بوعد الله بالنجاة والخلاص من فرعون : { قال كلا إن معيَ ربي سيهدين } . والعبرة والدرس من هذه القصة هي أن حامل الدعوة الذي كما قلنا من قبل يقتدي بالأنبياء يجب أن ينظر إلى وعد الله وأمره نظرة اليقين والحقيقة الواقعة ، لأن الله سبحانه لا يخلف وعده ، فهذا نبي الله موسى قد أمره ربه بتخليص بني إسرائيل من حكم فرعون وتسلّطه ، فاعتبر أمر الله يقيناً قائماً لا يتطرق إليه الشك ، حتى عندما سار ببني إسرائيل ، فوصلوا إلى بحر لا يملكون السفن لاجتيازه ورأوا جيش فرعون الذي لا قبل لهم بقتاله خلفهم ، وظل الإيمان إيماناً واليقين يقيناً رغم أن موسى عليه السلام لم يقف آنذاك على كيفية حصول النجاة ، ولا رأى أمامه أية وسيلة للنجاة ، ومع ذلك بقي على إيمانه بحصول النجاة فقال : { كلا إن معيَ ربي سيهدين } فكلمة ( كلاّ ) تعني أن جيش فرعون لن يصل إليهم لأن وصوله يعني عدم تحقق النجاة اليقينية عنده ، وقد قال ما قال رغم أنه لم يكن واقفاً على كيفية النجاة ، وهنا قمة الإيمان ، فقال : { إن معيَ ربي سيهدين } ، فعلى حامل الدعوة عندما يتلو قوله تعالى في سورة النور : { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون } أن يثق بوعد الله هذا ، وأن الله القوي العزيز سيمكنه من إقامة الخلافة ، وأن هذه الخلافة لا شك ستقوم وإن هو لم ير الأحوال المواتية ولا الظروف المهيأة ، ولا القوى إلى جانبه ، مقتدياً بنبي الله موسى عليه السلام في إيمانه بوعد الله رغم عدم رؤيته للأحوال والظروف المواتية ، وعندما يتلو حامل الدعوة قوله تعالى في سورة المائدة : { ومن يتولَّ اللهَ ورسولَه والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون } يوقن أن الغلبة لا شك قادمة ، وأن نصر الله لا شك آت إلى حزب الله الذي يقوم على تنفيذ أمره ، واجتناب نهيه ويحمل الدعوة بحق وصدق وإخلاص ، وإذا قرأ حامل الدعوة قوله تعالى في سورة الصف : { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون } تأكد لديه أن اليوم الذي سيعلو فيه دين الإسلام على جميع الأديان آت لا محالة ، وهكذا يأخذ حامل الدعوة الوعود التي قطعها رب العالمين على نفسه بتصديق قطعي ويقين ثابت بأنها ستتحقق لا محالة ولو أنه لم يشاهد مقدماتها ، ولا رأى ما يدل على تحققها .
3قصص الأنبياء والمرسلين**
لقد شَغلت قصصُ الأنبياء والمرسلين حيزاً كبيراً من القرآن الكريم في أكثر من خمسين سورة منه ، خاصة قصة نبي الله موسى عليه السلام ، وقد تكرر سرد العديد من هذه القصص ولكن بتعابير مختلفة في هذه السور ، ونحن نعلم أن الله سبحانه لا يأتي بحرف في كلمة في آية في سورة من القرآن إلا لحكمة ولغرض فما الحكمة من ذكر هذا القدر الكبير من قصص الأنبياء والمرسلين في القرآن المجيد ؟
إن الله سبحانه أنزل القرآن بالحق ، فقال في سورة البقرة : { ذلك بأن الله نزّل الكتاب بالحق … } ، وقال في سورة آل عمران : { ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نَزَّلَ عليك الكتاب بالحق … } ، فكان من الحق قصص الأنبياء والمرسلين . وقد جاء التنويه بهذا في قوله تعالى في سورة آل عمران : { إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم } وفي قوله سبحانه في سورة الأنعام : { … إن الحكمُ إلا لله يقصّ الحق وهو خير الفاصلين } ، فالقصص هذه حق ، ونحن مطالبون بالحق ، ومأمورون بحمل دعوة الحق إلى الناس أجمعين . فكما نحن مطالبون بالعقيدة ، ومطالبون بالعبادات ، ومطالبون بأحكام المعاملات والعقود ، ومطالبون بسائر الأحكام الشرعية تعلماً وتعليماً وعملاً ، فإننا ولا شك مطالبون بتعلم آيات القرآن كلها وتعليمها والعمل بها ، ومنها آيات القصص ، وإلا لما كان لإيرادها الكثيف في القرآن معنى ، وإلا لما أُنزلت علينا بالحق ، والله سبحانه منزه عن العبث واللغو .
إن الله سبحانه يريد منا نحن المسلمين أن نكون شهداء على الناس ، وَوَصَفنا بأننا أمةٌ وسط ، قال تعالى في سورة البقرة : { وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً … } وقال سبحانه في سورة الحج : { … هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس … } ، ومعنى الشهداء ، أو حتى يصح أن نكون شهداء على الناس ، أننا لا بد من أن نحمل الدعوة إليهم ونبلِّغهم شريعة الإسلام ، فمن حمل الدعوة إلى الناس استحق أن يقال عنه إنه شهيد عليهم ، ومن لم يفعل لم يكن ممن يستحقون هذا الوصف الكريم ، فحمْلُ الدعوة في الإسلام عمل جليل وعظيم لا ينبغي لمسلم أن يتخلف عنه ، وإلا فَقَدَ الكثيرَ من الخير وحرَم نفسه من الشهادة على الأمم ، وحيث أنَّ الأمم تتفاوت في الأفكار وفي القيم وفي السلوك وفي الأنماط المعيشية تفاوتاً كبيراً ، فإن على حامل الدعوة ، حتى يحسن العمل ، أن يتسلح بما يعينه على اتخاذ المواقف الصالحة عند كل حالة تقابله أثناء حمله للدعوة ، فحمل الدعوة إلى أناس متقدمين فكرياً يحتاج إلى مواصفات تغاير المواصفات عند حمل الدعوة إلى أناس بسطاء وبدائيين ، وحمل الدعوة بالجهاد إلى أمة قوية عسكرياً يختلف عنه تجاه أمة ضعيفة ، وهكذا يجب على حامل الدعوة إلى الأمم المختلفة أن يتصف بشتى الصفات التي تؤهله لحمل الدعوة الإسلامية إلى مختلف أمم الأرض ، فجاء ذكر قصص الأنبياء والمرسلين في قرآننا المجيد .
وبعبارة أخرى فإن قصص الأنبياء والمرسلين ما هي إلا نماذج لكيفية حمل الدعوة إلى الأمم المختلفة ، فنجد نوحاً عليه السلام يخاطب قومه بغير ما يخاطب به صالح قومه أو إبراهيم قومه أو شعيب قومه أو عيسى قومه ، لأن كل قوم من هؤلاء الأقوام والأمم يختلفون كثيراً أو قليلاً عن غيرهم من الأقوام والأمم ، وحيث أن المسلمين هم الأمة الوحيدة المكلفة بحمل الدعوة الإسلامية إلى جميع الأقوام والأمم دون غيرها من أتباع الديانات الأخرى التي أُنزلت كلُّها على أقوام خاصين ، فإن المسلم يحتاج إلى الوقوف على عدد من النماذج لكيفية حمل الدعوة إلى جميع الأقوام والأمم ، فحبانا رب العالمين نماذج عدةً لكيفية حمل الدعوة التي تصلح لحامل الدعوة في التسلح بها والاستفادة منها ، فمن نهض بعبء حمل الدعوة فإنَّ عليه أن يقف على هذه القصص ليستفيد منها حيال المواقف المختلفة التي تجابهه وتعترض سبيله في أثناء عمله في أناس مختلفين علماً وفهماً وحضارة وقوة وضعفاً .. الخ .
والدليل على ما نقول قوله تعالى يخاطب نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم في سورة الأنعام : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين } ، فهذا القول يدل دلالة واضحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بالإقتداء بهُدى هؤلاء الأنبياء والمرسلين ، فعن مجاهد- في تفسير هذه الآية - قال " قلتُ لابن عباس , فقال : نبيكم صلى الله عليه وسلم ممن أُمر أن يقتدي بهم " رواه البخاري في تفسير سورة الأنعام . وحيث أن المسلمين مأمورون بالإقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم ، وحيث أن خطاب النبي خطاب لأمته إلا ما اختص به ، وهنا لا اختصاص ، فإننا نكون مأمورين بالإقتداء بهُدى هؤلاء الأنبياء والمرسلين .
وهنا قد يتبادر إلى الذهن أننا نقول بأن شرع من قبلنا هو شرع لنا ظناً أن الإقتداء بهدى الأنبياء والمرسلين يعني الالتزام بشرائعهم وأحكام دياناتهم ، فنجيب على هذه الشبهة بأن الإقتداء بهدى الأنبياء والمرسلين متعلق بأصول الدين والتوحيد والطاعة ، وليس بالأحكام التفصيلية ، وهذا المعنى هو المقصود من قوله تعالى في سورة الشورى : { شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه … } وهو المقصود من قوله سبحانه في سورة آل عمران : { قل صدق الله فاتبعوا ملّة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين } وهو المقصود من قوله جل جلاله في سورة النحل : { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً } .
فالقول إنه قد شرع لنا ما وُصِّي به نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ، والقول إننا مأمورون بإتباع ملة إبراهيم لا يعني أننا مأمورون بإتباع أحكام دين نوح ، ودين إبراهيم ودين موسى ودين عيسى التفصيلية ، وإنما المقصود اتباع هؤلاء الأنبياء في أصول الدين والتوحيد والطاعة الإجمالية ، وهذه عند الله واحدة وإليها أشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله " … الأنبياء إخوة من عَلاَّت وأمهاتهم شتى ودينهم واحد … " رواه أحمد ومسلم من طريق أبي هريرة رضي الله تعالى عنه .
12 - الثباتُ على حمل الدعوة**
( حمل الدعوة ) كلمتان ثنتان " حمل " و " الدعوة " ، فالحمل شيء والدعوة شيء آخر . أما الدعوة فهي مجموعة الأفكار والأحكام الشرعية ، أو هي الإسلام كلُّه ، وأما الحمل فهو التبليغ ، بمعنى أنه تبليغ الناس الأفكار والأحكام الشرعية ، وقد سبق أن قلنا إن حمل الدعوة هو عمل الأنبياء والمرسلين وعمل من تبعهم وسار على نهجهم ، وإن حمل الدعوة هو أفضلُ عمل وأكرمُه على الإطلاق ، وحيث أن حمل الدعوة هو كذلك ، فإنه ولا شك من أعظم الواجبات ، بل إن جميع الواجبات الشرعية لا تتم إلا به ومحصِّلة له .
إن المسلم مأمور أمراً جازماً بأداء الواجب والقيام به ، وعدم تركه والتخلِّي عنه ، بمعنى أن المسلم مأمور أمراً جازماً بالثبات على فعل الواجب وإلا أثم ، فالثبات على فعل الواجب واجب ولا شك ، ومن الواجب حمل الدعوة ، فحمل الدعوة واجب ، والثبات عليه واجب كذلك ، فإذا قلنا إن الثبات واجب على حامل الدعوة ، فإننا نعني أنه واجب عليه في الحمل ، وواجب عليه في الدعوة ، ولا يصح قصر الثبات على أحدهما دون الآخر ، فيجب على كل مسلم حمل الدعوة ، ويجب بالتالي على كل حامل دعوة الثبات على الدعوة ، أي الثبات على مجموعة الأفكار والأحكام الشرعية , والتمسك بها والمحافظة عليها , لأنها وحدها هي الحق ، وهي من عند الله ، وأن ما سواها باطل وهو من عند غير الله ، وبالتالي لا يكون دعوة ، ولا يكون إسلاماً . كما أن على حامل الدعوة أن يثبت على الحمل ، أي يثبت على تبليغ مجموعة الأفكار والأحكام الشرعية , ولا يتوقف عنه مهما كانت الظروف والعقبات ، وإلا كان تاركاً لحمل هذه المجموعة وداخلاً في سخط الله سبحانه ، فالثبات كما هو مطلوب في الدعوة هو كذلك مطلوب في الحمل ولا فضل لمسلم ثبت على أحدهما دون الآخر ، بل يصح القول إنه لا خير في مسلم ثبت على أحدهما دون الآخر ، وويل لمسلم لم يثبت على كلا الأمرين ، لأن عاقبته النار وبئس المصير .
إن أعداء الدعوة وأعداء الإسلام يعملون جاهدين لضرب الثبات على الدعوة بنفس القوة والعزم لضرب الثبات على الحمل ، أما بخصوص ضرب الثبات على الدعوة فإنهم يعملون جاهدين على تشويه الدعوة وإلصاق التهم بها ، وإدخال أفكار الكفر وأحكامه فيها ، فتراهم مثلاً يُدخلون الديمقراطية - وهي نظام كفر - في الدعوة أي في الإسلام ، ويُدخلون الحريات - وهي أفكار كفر - في الدعوة أي في الإسلام ، ويدخلون العدالة الاجتماعية - وهي حكم كفر - في الدعوة أي في الإسلام ، يريدون من ذلك أن يلبسوا على المسلمين دينهم ، فلا يعودون يفرِّقون بين الحق والباطل ، ولا بين ما هو من عند الله وما هو من وضع البشر ، وذلك حتى يفسدوا على حملة الدعوة دعوتهم ، ويُنهوا ثبات المسلمين وحَمَلة الدعوة على دينهم ودعوتهم ، وهذا كان حال أعداء الإسلام ولا زال ، قال تعالى في سورة البقرة چ ? ? ? ? گ گ گ گ ﮖچ فمَن حملَ الدعوة وجب عليه أن يثبت عليها ويرفض هذه المحاولات من أعداء الدعوة وأعداء الإسلام ، ووجب عليه أن يحافظ ويتمسك بكل ما لديه من أفكار وأحكام شرعية ويرفض ما سواها حتى تبقى أفكاره وأحكامه نقية صافية فالثبات على المبدأ ، والتمسك والمحافظة على الأفكار والأحكام الشرعية ورفضُ ما سواها يحبط مساعي أعداء الدعوة وأعداء الإسلام ويرد كيدهم في نحورهم .
وأما بخصوص الثبات على الحمل ، فإن الأعداء يفتحون المعتقلات والسجون ، ويُشهرون العصي والسياط ، ويحاربون حَمَلة الدعوة بقطع الأرزاق وحتى بقطع الأعناق ، يعلنون الحرب على حَمَلة الدعوة في كل المجالات , ليحولوا بينهم وبين حمل الدعوة والثبات عليه والاستمرار فيه ، فمن فُتن في دعوته فقد فُتن ومن ترك حمل الدعوة استجابةً لطلب الأعداء فقد سقط , وحقَّق المفتون والساقط لأعداء الدعوة وأعداء الإسلام ما يصبون إليه ويطمحون إليه .
الصبرُ على البلاء/3**
إن البلاء في ذاته شر ، وإن العذاب شرٌّ كذلك ، وإنهما أمران لا بد لحامل الدعوة من مجابهتهما ، وقد أمره رب العزة بالتحلي بالصبر والتحمُّل حيالهما ، فمن امتثل لأمره سبحانه ، فصبر على البلاء وتحمَّل العذاب فإنه بذلك يُحيل الشرَّ خيراً والأذى نعمةً وفضلاً ، فالصبر باب عظيم من أبواب الخير لا يجوز لمسلم أن يدير ظهره إليه ، ولا أن يجتنبه ويتخلى عنه ، وإلا فَقَدَ خيراً عميماً هو في أمس الحاجة إليه ، فعن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إنه من يستعفَّ يُعفَّه الله ، ومن يتصبَّر يُصبِّره الله ، ومن يستغن يُغنه الله ، ولن تُعطَوا عطاءً خيراً وأوسع من الصبر " رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي .
إن الله سبحانه كما يصبُّ البلاء على من يحبُّ من عباده , فإنه يهبه الصبر لملاقاة هذا البلاء ، فهما أمران متلازمان لدى المؤمنين الصالحين المخلصين ، فكما أن من لا يصيبه بلاء , في دينه خفة ورقَّة ، فكذلك من لا يملك الصبر , في دينه خفة ورقَّة ، أحدهما يدل على الآخر ويرشد إلى وجوده ، وكلاهما يدل على مدى فضل صاحبه عند ربه ، فعن عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يُؤتى بالشهيد يوم القيامة فيُنصب للحساب ، ويُؤتى بالمتصدِّق فيُنصب للحساب ، ثم يُؤتى بأهل البلاء ولا يُنصب لهم ميزان , ولا يُنشر لهم ديوان ، فيُصبُّ عليهم الأجرُ صبَّاً ، حتى إن أهل العافية ليتمنَّون في الموقف أن أجسادهم قُرضت بالمقاريض من حُسن ثواب الله لهم " رواه الطبراني وأبو نعيم ، وصدق الله العظيم القائل في سورة الزمر : { … إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب } على هذا الصعيد يجب على المسلم الذي يحمل الدعوة أن يسير في حملها وهو متبينٌ موطئَ قدميه ، غيَر غافل عن أية خطوة يخطوها ، لأنه يسير في حقل مزروع بالألغام ، لا يمكنه قطعه واجتيازه بدون أداة الصبر والتحمل ، فبالصبر والتحمل يتغلب على كل بلاء ، ويصمد لكل عذاب ، ويتصدى لكل مكروه ، ولهذا جاء ذِكر الصبر في كتاب الله تعالى في حوالي مائة موضع ، وما ذاك إلا لخطورته وفضله
ونزيد على ما سبق بالقول : إن من أصيب بمصيبة , فأراد أن يُحولِّها في الدنيا إلى خير ، فلْيعمل بما روته أم سلمة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما مِن عبدٍ تصيبه مصيبة فيقول : إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون اللهم اجُرْني في مصيبتي وأَخلِفْ لي خيراً منها إلا آجَرَه الله في مصيبته وأَخْلَف له خيراً منها … " رواه أحمد ومسلم .
وإذا ما تعرض حامل الدعوة للتعذيب من قِبَل أعداء الدعوة فلْيقتدِ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , بأن يدعو الله سبحانه بدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لدى تعذيب أهل الطائف له عندما ذهب لدعوتهم ، فعن محمد بن كعب القرظي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قائلاً " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلَّة حيلتي وهواني على الناس , يا أرحم الراحمين ، أنت ربُّ المستضعفين وأنت ربي ، إلى مَن تكلُني ؟ إلى بعيدٍ يتجهَّمُني أم إلى عدوٍّ ملَّكته أمري ؟ إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أبالي ، ولكنَّ عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلماتُ وصلح عليه أمرُ الدنيا والآخرة من أن تُنزل بي غضبَك ، أو يحلَّ عليَّ سَخَطك ، لك العُتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك " رواه ابن هشام في السيرة ، ورواه البغوي في التفسير ، ورواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق عبد الله بن جعفر .
الصبرُ على البلاء/2**
وعلى هذا فإن حامل الدعوة يجب أن يعرف منذ اللحظة الأولى لحمل الدعوة أنه مُقْدِم على مجابهة قومه وشعبه ، ومتعرِّضٌ قطعاً للأذى والعذاب ، فإذا ما تعرض فعلاً للأذى والعذاب استقبله بالصبر والتحمُّل , لأنه قد هيَّأ نفسه مقدَّماً لكل هذا ، وإلا لم يكن صادقاً في حمل الدعوة ولا عالماً بمقتضياته ، فيسقط على جانبي الطريق ، ولا يبقى إلا الصادق ، وإلا العالم بمقتضيات حمل الدعوة فحسب ، وهذه أيضاً سُنَّة لا تتبدل ولا تتحوَّل ، فالله تعالى يقول في سورة محمد : { ولنبلونّكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوَ أخباركم } ويقول سبحانه في سورة السجدة : { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } ويقول جل جلاله في سورة العنكبوت : { ولقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين } .
إن حمل الدعوة يعني ضربَ العقائد والأفكار والأحكام المألوفة لدى الناس ، واستبدالَ عقائد وأفكارٍ وأحكامٍ بها ، كما يعني التعرضَ للأذى والعذاب وما يجب حياله من التحلي بالصبر والتحمُّل ، وانتظار الفرج والنصر من رب العالمين ، هذا هو ما يعنيه حمل الدعوة بأوجز عبارة ، فمَن حَمَـل الدعوة فلْيحملْها على هذا الأساس ، ولْيهيئْ نفسَه للسير بكل خطواتها ، ولا يصح أن يُمنِّي نفسه الأماني بأنه ربما تعدَّى إحدى هذه الخطوات فسلم ونجا من العذاب والأذى ، أو جاءه النصر في أول الطريق .
إن حمل الدعوة هو أشرف عمل يقوم به إنسان ، وهو أعظم مصدر لجني الحسنات ونوال الدرجات والمنازل ، فلا يصح أن يطمع بذلك من أراده بعمل سهل وجهد بسيط ، وأمن وأمان ، فحمل الدعوة لا يعني التفوُّهَ بالكلام والتشدُّقَ بالقول في المجالس حتى إذا اهتزت له عصا أو سمع تهديدات انكفأ على وجهه ونكص على عقبيه ، ظانَّاً أن حملَ الدعوة لعبةٌ وأُلهيةٌ لتمضية الوقت وإظهار البراعة .
إن البلاء والعذاب أمران لا بد من حصولهما في أثناء حمل الدعوة ، وإن الصَّبَر والتحمُّلَ أمران لا بد من وجودهما لدى حامل الدعوة ، وكلما أخلص حامل الدعوة , وكلما نشط وقدَّم , اشتد عليه البلاء والعذاب , وبالتالي احتاج لمزيدٍ من صبر وتحمُّل . فالأنبياء والرسل أولاً ، وحَمَلة الدعوة المخلصون الصادقون النشطون ثانياً ، وسائرُ المسلمين بعد ذلك يصيبهم البلاءُ حسب الصدق والإخلاص لديهم ، فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال " قلت : يا رسول الله أيُّ الناس أشدُّ بلاء ؟ قال : الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل ، يُبتَلى الرجلُ على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلابة زِيد في بلائه , وإن كان في دينه رِقَّة خُفِّف عنه ، وما يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على ظهر الأرض ليس عليه خطيئة " رواه أحمد والنَّسائي وابن ماجة وابن حبان والدارمي والحاكم ، ورواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ، وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن الصالحين يُشدَّد عليهم , وإِنه لا يصيب مؤمناً نكبةٌ من شوكةٍ فما فوق ذلك إلا حطَّت به عنه خطيئة ورُفع بها درجة " رواه أحمد وابن حِبَّان والبيهقي وصححه هو والذهبي .
فلْينظر كلُّ مسلم , وأخُصُّ حاملَ الدعوة , لنفسه ، فإن كان مُبتلى بشدَّة فلْيحمد الله ويصبر ، وإن كان غير مُبتلى , أو كان بلاؤه خفيفاً , فلْيعلم أن دينه فيه رِقَّة ، فعليه أن يقويه بالإقدام على الواجبات والإكثار من الطاعات ، وتعديل خط سيره ، ولا يخدعنَّ نفسه بتبريرات وتأويلات فاسدة ، فإن الميزان يوم القيامة لا يثقل بها ، بل ربما خفَّ بها ونقص ، لأن التبريرات والتأويلات هذه تحُول دون التمسك بالحق والثبات عليه ، فتكون معاصي وآثاماً .
إن البلاء والعذاب , وإن كانا مكروهَين لدى النَفس البشرية , إلا أن الله سبحانه يُنزلهما بمن يحب من عباده الصالحين فضلاً منه وكرماً وإنعاماً بالخير ، فمن كانت منزلته عند الله نازلة ارتفع بالصبر على البلاء والعذاب منزلةً ، ومن كانت آثامه كثيرة حُطَّت آثامه حطَّاً ، قال تعالى في سورة البقرة : { … وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم … } ، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل فلا يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلّغه إياها " رواه ابن حبان وأبو يعلى ، وعن أبي هريرة أيضاً قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ، ورواه أحمد وابن حبان والحاكم .
13 - الحِلمُ وسعةُ الصدر**
إنَّ حمل الدعوة عملٌ شاقٌّ مُضنٍ , لأنَّ حامل الدعوة مطلوبٌ منه أن ينقل للناس أفكاراً غير أفكارهم , وآراءً غير آرائهم , وأحكاماً غير أحكامهم , وربما عقيدةً غير عقيدتهم , وحيث أنَّ الإنسان بفطرته يميل إلى ما يعرف , وإلى ما يعتقد , وإلى ما يألف , فإنه لا يسهل عليه أن يتخلى عما تدعوه إليه فطرته , فإن هو سمع من حامل الدعوة ما يخالف ما اعتاد عليه وألِفه , أو اعتقده , فلا شكَّ بأنه يبادر إلى رفض ما يسمع , وربما يثور في وجه حامل الدعوة ويناصبه العداوة إلا مَن رحم الله من ذوي الفطرة السليمة والخلق الرضيِّ , فيقوم برشق حامل الدعوة بألفاظٍ نابيةٍ وعباراتٍ جارحة , وهنا يصبح حامل الدعوة على المحكِّ , هل يقابل العباراتِ الجارحة بألفاظٍ جارحةٍ , والألفاظ النابية بألفاظٍ نابية ؟ أم أنه بما حباه الله من صفاتٍ حسنة وخصالٍ حميدة بتجاوز هذا الموقف ؟
إنَّ حامل الدعوة _ وهو الذي يتَّخذ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قدوةً وأُسوةً _ ينبغي عليه أن يتمثَّل بمواقف رسول الله عليه الصلاةُ والسلامُ عند مخاطبة الناس والتعامل معهم , وإنَّ مما يتَّصفُ به رسولُنا الكريم صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الناس الحِلم وسعة الصدر , فعلى حامل الدعوة أن يتَّصف بالحِلم وسعةِ الصدر في تعامله مع الناس عامةً , وفي مناقشتهم وتعليمهم وهدايتهم وحمل الدعوة إليهم , وإلا فشل في عمله ولم يتمكن من إقناعهم بما يحمل من أفكارٍ وأحكامٍ وآراءٍ , بل إنَّ هناك صنفاً من الناس يتقصَّدون إثارةَ حامل الدعوة من أجل إفشال عمله , فإن كان حامل الدعوة ضيِّق الصدر وغضوباً , وسريع الانفعال فإنَّ النتيجة حتميةٌ في الفشل . ومما أُلفتُ النظرَ إليه أنَّ حامل الدعوة ينبغي عليه أن لا ينتصر لنفسه من هؤلاء الناس , فلا يجعل كرامته ومكانته محلَّ بحثٍ واعتبارٍ فيثور ويقوم بالثأرِ لكرامته ومكانته , فيفسد كلَّ ما يريد تحقيقه , وفي ذلك الفشلُ التامُّ , وتنقلبُ عليه الأمورُ وربما تتحطم آماله فيركن إلى القعود والتَّخلِّي عن حمل الدعوة .
وبهذه المناسبة أسوق لحامل الدعوةِ خاصًّةً ولسائر المسلمين عامَّةً هذه النُّصوصَ التي تظهر حِلمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعةَ صدره , فيقتدي بها الجميع فيُثابون بالتمثُّل بها , ويحققون لأنفسهم ولدينهم وللمسلمين الخيرَ والهدى والصلاح , فعن أبي أُمامةَ رضي الله تعالى عنه قال " إنَّ فتى شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ائذنْ لي بالزَّنا . فأقبل القومُ عليه فزجروه وقالوا : مه مه . فقال : ادْنُه , فدنا منه قريباً , قال : فجلس , قال : أتحبُّه لأُمك ؟ قال : لا واللهِ جعلني الله فِداكَ , ,قال : ولا الناسُ يحبونه لأُمَّهاتِهم , قال : أَفَتحِبُّه لابنتك ؟ قال : لا والله يا رسول الله جعلني الله فِداك , قال : ولا الناسُ يحبونه لبناتهم , قال : أفتحبُّه لأُختك ؟ قال : لا والله جعلني الله فِداكَ , قال : ولا الناسُ يُحبُّونه لأَخَواتِهم قال : أفتحبُّه لعمَّتك ؟ قال : لا والله جعلني الله فِداك , قال : ولا الناسُ يُحبُونه لعَّماتِهم , قال : أفتحبُّه لخالتك؟ قال : لا والله جعلني الله فِداكِ , قال : ولا الناسُ يُحبُّونه لخالاتهم , قال : فوضع يده عليه وقال : اللهمَّ اغْفِرْ ذنبَه وطهِّرْ قلبَه وحصِّنْ فَرجَه , فلم يكُنْ بعدُ ذلك الفتى يلتفتُ إلى شيء " رواه أحمد والطبراني والبيهقي وإسنادُه صحيحٌ . وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال " كنتُ أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه بُردٌ نَجْرانيٌّ غليظُ الحاشية , فأدركه أعرابيٌّ فجبذه جَبْذةً حتى رأيتُ صَفحَ أو صَفحةَ عُنُقِ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثَّرتْ بها حاشيةُ البُردِ من شدة جَبْذتِهِ , فقال : يا محمد أعطني من مال الله الذي عندك , فالتفت إليه فضحك , ثمَّ أمر له بعَطاءٍ " رواه أحمد والبيهقي وإسنادُه صحيحٌ . وعن بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده قال " أخذ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ناساً مِن قومي في تهمةٍ فحبسهم , فجاء رجلٌ من قومي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب , فقال : يا محمد عَلامَ تحبس جِيرتي ؟ فصمت النبيُّ صلى الله عليه وسلم عنه , فقال : إنَّ ناساً ليقولون إنك تنهى عن الشَّرِّ وتستخلي به , فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : ما يقول ؟ قال : فجعلتُ أعرِضُ بينهما بالكلام مخافةَ أن يسمعها فيدعو على قومي دعوةً لا يُفلحون بعدها أبداً , فلم يزل النبيُّ صلى الله عليه وسلم به حتى فهمها فقال : قد قالوها أو قائلها منهم , واللهِ لو فعلتُ لكان عليَّ وما كان عليهم , خلَّوا له عن جيرانه " رواه أحمد ابن حنبل والطبراني والحاكم والبيهقي بسندٍ حسنٍ . قول الحديث ( تستخلي به ) أي تستقلُّ به وتنفرد به .
فانظر يا أخي حامل الدعوة إلى نبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو القدوة لنا ?كيف كان يعالج الأمور بالحِلم وسعة الصدر في مواقف صعبة على النفس البشرية , فلم يثُرْ في وجه مَن طلب الإذنَ بالزنا ولم يعنِّفه أو يعاقبه , ولم يغضب ممن جبذه وكاد يخنقه , ولم يثأر ْ ممن اتهمه في تقواه وهو النبي المعصوم المنزه عن الشرور والآثام , فإن كنتَ مقتدياً برسولك الكريم فلا تغضب ممن دعوتَه فهجاك أو شتمك أو اتهمك بالباطل , ولا تيأس منه فتتركه ولا تعود إليه بل واظب على دعوته , وثابر على حمل الدعوة مهما وجدتَ من عقباتٍ ومشقاتِ واتهاماتٍ لك ولدعوتك ولأصحابك , فليست الطريق ممهَّدةً , وليس العمل سهلاً يقوى عليه كلُّ الناس , واحمد الله تعالى على أن حباك بنعمة حمل الدعوة في زمن الفساد , فإنها والله لنعمةٌ وفضلٌ وشرفٌ .
- الثباتُ على حمل الدعوة/3**
حتى إذا فرغ عتبةُ ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال : أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ قال : نعم ، قال : فاسمع مني قال : أَفعل فقال : { بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فُصِّلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهمم لا يسمعون وقالوا قلوبنا في أكنّة مما تدعونا إليه } ، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤه عليه , فلما سمعها منه عتبة أنصت لها , والقى يديه خلف ظهره , معتمداً عليهما يسمع منه ، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد ثم قال : قد سمعتَ يا أبا الوليد ما سمعتَ فأنت وذاك " . وجاء في السيرة أيضاً قولةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم المشهورة " والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهره الله أو أَهلك فيه ما تركته " ، وروى الطبراني من طريق مسور ومروان , وابن كثير في البداية والنهاية قولتَه المشهورة أيضاً " فما تظن قريش ؟ فو الله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثي الله حتى يظهرني الله أو تنفرد هذه السالفة " .
إن حامل الدعوة معرَّضٌ لهذه المقاومة , والصدِّ عن حمل الدعوة والاستمرار فيه ، فقد يعرضون عليه التعاون معهم وجنيَ الأموالِ الطائلة ، وقد يَعرضون عليه الوظائف العالية والجاه العريض ، فإن لم ينجحوا , واستمر حاملُ الدعوة على موقفه الثابت , أعملوا في جسده العصي والسياط ، وصبُّوا عليه ألواناً من التعذيب الجسدي والنفسي ، وأذاقوه فنوناً من الأذى ، وسجنوه السنين والأعوام ، فمن ضعف عندئذٍ فاستجاب لهم فقد سقط إلى غضب الله وعقابه ، ومن ثبت ونجا وسلم فعند الله المثوبة له والمنزلة العالية .
إن الثبات على الدعوة ، أي على مجموعة الأفكار والأحكام الشرعية التي يحملها ويدعو الناس إليها واجب عظيم يجب القيام به بكل طاقة مستطاعة ، ولا يصح مطلقاً أن يحمل فكراً واحداً غير شرعي ، ولا حكماً واحداً غير إسلامي ، ولْيحاذر من أن يعلق بأفكاره وأحكامه ما يُسَرُّ به أعداءُ الدعوة وأعداءُ الإسلام من أفكار وأحكام باطلة فاسدة ليست من شرع الله ، وإن قال بها العلماء والفقهاء الواقفون على أعتاب السلاطين ، أو الذين أخذوا الأحكام ودرسوا الشريعة حسب المنهاج الذي وضعه الكفار وعملاؤهم ليَحرفوا المسلمين عن الفهم الصحيح للإسلام ، ويصرفوهم عن دينهم الحق . فإنما النصر مع الثبات على الحق ولو كان ثقيلاً ، ولو كان شاقَّاً ، ولو رُمي بكل ما في قاموسهم القذر من وصفٍ جارح ونعتٍ قادح ، فالحق أحق أن يُتَّبع لا سيما ونحن في زمانِ سيطرة الإِعلام وأجهزته وأدواته على عقول الناس ، وقدرتِه على إلباس الباطل ثوب الحق ، والفساد ثوب الصلاح .
وكما ثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم على الدعوة وعلى حملها ، فقد ثبت صحابته رضوان الله عليهم ثباتاً لا نظير له ، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً ومعروفة ومشهورة ، وما قصة تعذيب بلال في بطحاء مكة وثباته على الحق ، وما قصة آلِ ياسر وتعذيبهم برمضاء مكة وصبرهم بخافيةٍ على أحد ، فعلى الشبابِ حَمَلةِ الدعوة أن يَخلفوا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمانهم هذا ، فيُحيوا ذكراهم ويعيدوا سيرتهم ، ويجدِّدوا تاريخهم بالإقتداء بهم في الثبات على الحق والاستمرار فيه حتى ينزل نصرُ الله . والله غالبٌ على أمره .
القرآن والكون/2**
فكما أن البشر يعجزون عن الإتيان بمثل الآيات التنزيلية فإنهم كذلك يعجزون عن الإتيان بمثل الآيات الكونية ، أي أنهم عاجزون عن صياغة مثل جمل القرآن عجزهم عن خلق مثل مخلوقات هذا الكون .
فالقرآن كتاب مقروء مشكَّل من آيات ، وأما الكون فكتاب منظور مشكَّل من آيات ، وكلا هذين الكتابين تدل آياته على وجود الخالق القدير . أما كيف يتعامل الإنسان مع هذه الآيات وتلك للوصول إلى الإيمان بوجود الخالق القدير فكما يلي :
إن الله سبحانه عندما يتحدث عن التعامل مع آيات القرآن نجده يستعمل لفظة التدبّر ، ولكنه يستعمل لفظة التفكّر عند الحديث عن التعامل مع آيات الكون ، فلماذا ، وما هو الفارق بين اللفظتين ؟
لنستمع إليه سبحانه يقول في سورة النساء : { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } ، ويقول في سورة محمد : { أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها } ، ويقول في سورة المؤمنون : { أفلم يدَّبَّروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين } ويقول في سورة ص : { كتابٌ أنزلناه إليك مبارك ليدَّبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب } ، فقد استعمل لفظة التدبّر مع آيات القرآن ، ولم يستعمل جلّ وعلا أية لفظة أخرى بديلة أو مرادفة .
ولنستمع الآن إلى خطاب الله سبحانه للبشر عندما يطلب منهم التعامل مع آيات الكون ، قال تعالى في سورة البقرة : { أيودّ أحدكم أن تكون له جنّة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكِبَرُ وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون } ، وقال سبحانه في سورة آل عمران : { إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ïپ? الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار } ، وقال جلّ جلاله في سورة يونس : { إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازّيّنت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرُنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تَغْنَ بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون } وقال تعالى في سورة الرعد : { وهو الذي مدّ الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً ومن كل الثمراتِ جعل فيها زوجين اثنين يُغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقومٍ يتفكرون } ، وقال العليّ القدير في سورة النحل : { هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شَراب ومنه شَجر فيه تُسيمون ïپ? ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } وقال تعالى في سورة النحل أيضاً : { وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ïپ? ثم كلي من كل الثمرات فاسلُكي سُبُل ربك ذُلَلاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } وقال سبحانه في سورة الروم : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } وقال جلّ جلاله في سورة الزمر : { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمّى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون …} الخ ، فقد استعمل سبحانه لفظة التفكّر مع آيات الكون ، فلماذا هذا التمايز ، وما معنى التدبر والتفكّر ؟
التدبر لغة : النظر في العواقب ، والنظر في أول الشيء وآخره ، أُخذ هذا اللفظ من كلمة الدُّبُر وهي المؤخرة ، وعلى هذا فإن التدبُّرَ يعني النظر في الشيء كله أوله وآخره حتى يأتي على آخره أي دُبُره ، فلا يكون النظر في أول الشيء أو النظر في أوله ووسطه فقط تدبراً ، ولا يكون النظر في أي شيء تدبراً إلا إذا أتى على جميع الشيء حتى يصل إلى آخره ، هذا هو معنى التدبر . وبمعنى آخر فإن التدبر يعني النظر الشامل الكامل في الشيء . وبمعنى ثالث فإن التدبر يعني نظر البحث والاستقصاء ، أي النظر في أدنى الشيء وأقصاه ، فعندما يخاطب الله سبحانه البشر بأن يتدبروا القرآن الكريم ، فإنه يطلب منهم أن ينظروا في آياته نظرَ بحث واستقصاء ، أي نظراً يأتي على أولها وآخرها ، وحيث أن المقصود من هذا الطلب هو الوصول إلى الإيمان بوجود الخالق القدير ، فإن الإيمان هذا يحتاج من الإنسان لأن ينظر في آيات الله التنزيلية كلِّها ، وهذا المعنى يظهر بوضوح في قوله تعالى في سورة النساء : { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } ، فمن نظر في الآيات كلها ، وهي كثيرة ، فلم يجد في صياغتها وأسلوبها أي اختلاف في قوة الصياغة وسموِّ التعبير وروعة الأسلوب عكس ما يحصل في كتابات البشر الطويلة ، فإن الإنسان لا بد من أن يجد فيها قوةً هنا وضعفاً هناك ، وسُمواً هنا وهبوطاً هناك ، وروعةً هنا وضحالةً هناك ، فلما لم يجد التالي لآيات القرآن الكثيرة أي ضعف ولا هبوط ولا ضحالة أيقن أن هذه الآيات هي فعلاً من عند خالق قدير وليس من عند البشر ، ولا يستقيم هذا الأمر إلا بالنظر في جميع الآيات ، إذ لو نظر في نصف الآيات أو ربعها فلم يجد ضعفاً ولا هبوطاً ولا ضحالة فإن الحجة عليه لا تقوم ، إذ ربما كان الضعف والهبوط والضحالة في القسم الباقي ، فلكي تُقطع حجةُ المحتجين أمر الله سبحانه الناس بأن يتدبروا الآيات ، أي ينظروا فيها كلها ، أي يستقصوا النظر كاملاً . هذه هي الحكمة وهذا هو القصد من استعمال لفظ التدبُّرِ مع آيات القرآن ، ولو استعمل لفظ النظر أو التلاوة أو القراءة هنا لما قامت الحجة ، ولما انقطعت التَعِلَّة ، فحتى تكون جمل القرآن آيات ، أي علامات على وجود الخالق القدير لا بد من استعراضها كلِّها، والتيقن عندها من أنها فعلاً آيات ربانية وليست جملاً من صياغة البشر .
هذا المعنى غير مطلوب عند النظر في الآيات الكونية ، ولو جاء استعمال لفظة التدبُّرِ معها لما استطاعه الإنسان ، وبالتالي لما قامت الحجة ، ولبقيتِ التعلَّة ، فسبحان العليم الحكيم .
إن آيات الكون الكثيرة كثرة لا يحيط بها عقل الإنسان ، ففي تركيب الإنسان نفسه الآلاف من الآيات ، وفي تركيب الحيوان كذلك ، وقُلْ مثلَ ذلك في تركيب النبات ، وفي تركيب الهواء ، وفي السماء والشموس ، وفي ما خلق الله في هذا الكون الذي لا يستطيع الإنسان الإحاطة به ، فإن فيه من الآيات والعلامات والعوالم ما لا يمكن إحصاؤه ، فلو كانت الحجة تقوم فقط عند نظر الاستقصاء في هذه المخلوقات لما قامت ، لعجز الإنسان عن ذلك ، والله سبحانه لا يخاطب العقول بما تعجز عنه ، فلما كانت آيات الكون من الكثرة بحيث يستحيل الإحاطة بها لم يطلب سبحانه من الإنسان أن يتدبرها ، أي ينظر فيها كلها .
2 القرآن والكون**
أنزل الله سبحانه القرآن على محمد بن عبد الله بلغة قومه من العرب ، وجعله آيات ، وجعل هذه الآيات مقروءة ومفهومة لمن يعرف العربية ، ورغم أن هذه الآيات التي تشكل كل مجموعة منها سورة من القرآن منزلة باللغة العربية على نبي عربي يعيش بين العرب أيام كانوا يعتزون بلغتهم ويدّعون الفصاحة والبلاغة ، فإن الله سبحانه قد تحدى هؤلاء العرب في مكة أن يأتوا بمجموعات منها ، فقال تعالى في بادئ الأمر في سورة هود : } أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين { فلما عجزوا تحداهم الله سبحانه أن يأتوا بمجموعة واحدة منها فقال في سورة يونس ( )فلما عجز عرب مكة ، وانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، تحدَّى الله سبحانه سائر العرب هذه المرة بأن يأتوا بمجموعة واحدة منها ، فقال في سورة ( ) فعجز سائر العرب عن الإتيان بسورة واحدة ، وخسروا التحدي .
والناظر في هذه المسألة يقف متسائلاً : كيف عجز العرب عن الإتيان بمثل سورة واحدة من القرآن ، ولو بلغت ثلاث آيات كسورة الكوثر ، وهم أهل الفصاحة وأرباب اللغة ؟ والجواب على ذلك هو أن القرآن صنفٌ من التعبير جديدٌ لم يعهده العرب ولم يعرفوه عبر تاريخهم ، فالتعبير العربي إما نثر بأنواعه المعروفة ، وإما شعر بأنواعه المعروفة ، أي هو صنفان فحسب ، وهذان الصنفان هما في مقدورهم فقط ، ولم يكن يخطر ببالهم مطلقاً أن يكون في لغتهم صنف ثالث من أصناف التعبير ، وهنا كان الإعجاز في القرآن الكريم ، فالإعجاز هو أن القرآن صنفٌ ثالثٌ جديدٌ لا عهد للعرب به ، ولا قدرة لديهم عليه ، وإن التحدي في العادة لا يكون إلا في أمرٍ يدَّعي أصحابُه البراعة فيه والإتقان له ، وإلا لم يكن للتحدي جدوى ، وحيث أن العرب يدَّعون البراعة في اللغة العربية وإتقانها ، وأنهم أهل فصاحة وبلاغة وبيان ، فإن تحدي الله لهم في لغتهم وأساليب التعبير فيها هو تحدٍّ في موضعه ، أرأيت لو أنك تحديت أمياً بأن يكتب فعجز ، أكنت تقيم عليه الحجة بأنك تملك الإعجاز ؟ أرأيت لو أنك تحديت عالم رياضيات بأن يقوم بتشريح جثة فعجز أكان يصلح هذا العجز منه حجة لك بأنك تملك الإعجاز ؟ كلا طبعاً ، فالتحدي لا يكون إلا في أمر يدَّعي صاحبه أنه عالم به بصير به قادر عليه فإن عجز عن الإتيان بما ادَّعى أنه عالم به ، فهو الأمر المطلوب وهو إقامة الحجة عليه ، والعرب لم يكونوا يتقنون ويبدعون سوى التعبير بلغتهم ويدَّعون العلم التام بأساليب التعبير فيها ، فكان التحدي في هذه المسألة حاسماً ومفحماً لهم ، فالقرآن كلام معجز ، والإعجاز فيه آت من حيث أنه جاء بصنف جديد من التعبير لا هو نثر ولا هو شعر ، وإنما هو قرآن لا قدرة لأحد على الإتيان بمثله ، حتى ولو وقف عليه وتعلَّمه ، فصار للغة العربية ثلاثةُ أصناف في التعبير : النثر ، والشعر - وهما مقدور عليهما من قبل العرب - والتعبير القرآني ، وهو الذي لا قدرة للعرب عليه ، وهذه الميزة لم تتوفر لغير اللغة العربية مطلقاً .
وحيث أن الله سبحانه قد أنزل هذا القرآن على محمد بن عبد الله ليكون معجزته التي يُثبت بها نبوته وأنه مرسل من ربه عز وجل ، وحيث أن هذا القرآن المعجزة يتشكل من جمل ، فإن هذه الجمل فيها الإعجازُ الدالُّ على أن الله سبحانه هو قائل هذه الجمل وهو منزلها على نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم لهذا أطلق التعبير القرآني كلمة آية وآيات على هذه الجمل ، والسبب في هذا الإطلاق أن الآية في اللغة هي العلامة أو الأَمارة الدالَّة على شيء ، وحيث أن هذه الجمل بسبب كونها معجزة تدل على القائل القدير وهو الله سبحانه ، فإنه سبحانه سمَّاها آيات ، أي علامات دالة على وجوده سبحانه . فالقرآن يتشكل من جمل ، كل جملة منه هي علامةٌ دالة على وجود الله ، لأن غير الله سبحانه لا يستطيع الإتيان بمثلها ، قال تعالى في سورتي البقرة وآل عمران : { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق } ، وقال جلّ جلاله في سورة آل عمران : { ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم } ، وقال أيضاً في سورة آل عمران : { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات …} ، وقال في سورة يونس : { الر تلك آيات الكتاب الحكيم } . فالقرآن سَمّى جُمَله التي يتشكل منها آيات ، بمعنى علامات دالاّت على وجود الحق سبحانه . ولننظر الآن في هذا الكون الواسع وما يتشكل منه .
إن الناظر في هذا الكون يجد أن كل جِرْمٍ ، بل كل شيء يتكون الجِرْم منه أو عليه هو أيضاً معجز لا قدرة للبَشر على الإتيان بمثله ، وحيث أن هذه المخلوقات وجودها معجز ، فإن مما لا شك فيه أنه يصح أن يطلق عليها مجتمعة أو متفرقة لفظة آيات أو آية لنفس المعنى المقصود لآيات القرآن الكريم ، فكما أن جمل القرآن معجزة ولذلك أطلق عليها لفظة آيات ، فإن مخلوقات هذا الكون لا شك في إعجازها ، ولهذا يطلق عليها هي الأخرى لفظة آيات ، أي علامات دالاّت على وجود خالقها القدير ، ولقد أطلق القرآن الكريم على الكثير من هذه المخلوقات لفظة آيات ، فقال تعالى في سورة البقرة : { إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفُلْكِ التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبثّ فيها من كل دابّة وتصريفِ الرياح والسّحابِ المسخّر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون } ، وقال سبحانه في سورة يونس : { إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون } وقال جلّ وعلا في سورة فصلت : { ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهنّ إن كنتم إياه تعبدون } وقال سبحانه في سورة الروم : { ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمِين ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزّل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوةً من الأرض إذا أنتم تخرجون } ، فقد أطلق سبحانه لفظة الآيات على خلق السموات ، وعلى خلق الأرض ، وعلى اختلاف الليل والنهار ، وعلى السفن الجارية في البحر ، وعلى المطر النازل من السماء ، وعلى جميع دوابّ الأرض ، وعلى تصريف الرياح ، وعلى السحاب بين السماء والأرض ، وعلى الشمس ، وعلى القمر ، وعلى خلق الإنسان ، وعلى التزاوج بين البشر ، وعلى اختلاف الألوان واختلاف الألسن ، وعلى النوم ، وعلى البرق ، كما أطلقها على مخلوقات أخرى وردت في آيات القرآن الكثيرة ، ويكفي أن يقول سبحانه في سورة الجاثية : { إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين } ، وما مرّ قبل قليل في سورة يونس : { … وما خلق الله في السموات والأرض لآيات …} فالكون سموات وأرض وما في هذه السموات والأرض ، فهاتان الآيتان من كتاب الله سبحانه قد أتتا على جميع مخلوقات هذا الكون ، ووصفتها كلها بأنها آيات ، أي علامات دالاّت على وجود الخالق القدير ، ويكفي مثالاً على الإعجاز في خلق هذه المخلوقات قوله سبحانه في الحديث الذي رواه أبو هريرة قال : سمعت النبي يقول : " قال الله عز وجلّ : ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرّة أو ليخلقوا حبّة أو شعيرة " رواه البخاري وأحمد ، فالتحدي بخصوص الآيات الكونية كالتحدي الذي جاء بخصوص الآيات القرآنية الوارد في سورة الإسراء : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً } ،
منزلة حامل الدعوة/2**
إن الله سبحانه الذي اقتضت حكمته أن يفاضل بين مخلوقاته قد فضّل الإنسان على سائر المخلوقات ، بل إنه قد جعل مخلوقاته في الأرض والسموات مسخّرة لهذا الإنسان الكريم ، قال تعالى في سورة لقمان : { ألم تروْا أن الله سخّر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة …} وقال سبحانه في سورة الجاثية : { وسخّر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } ، فالموكب الكوني الحق تسير فيه مخلوقات الله بالحق ما عدا الكفار ، في مقدمته وعلى القمة فيه جماعة المسلمين .
إن الله سبحانه الذي اقتضت حكمته أن يفاضل بين مخلوقاته قد فضّل الإنسان على سائر المخلوقات ، بل إنه قد جعل مخلوقاته في الأرض والسموات مسخّرة لهذا الإنسان الكريم ، قال تعالى في سورة لقمان : { ألم تروْا أن الله سخّر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة …} وقال سبحانه في سورة الجاثية : { وسخّر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } ، فالموكب الكوني الحق تسير فيه مخلوقات الله بالحق ما عدا الكفار ، في مقدمته وعلى القمة فيه جماعة المسلمين.
ونجده سبحانه قد فاضل بين أتباع الأنبياء والمرسلين وأممهم ، فجعل أمة محمّد صلى الله عليه وسلم أفضل الأمم ، قال تعالى في سورة آل عمران : { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله … } .
وقد استمرت سُنَّةُ التفاضل لتطال المسلمين أنفسهم ، فنجده سبحانه قد فضَّل المجاهدين على القاعدين , فقال في سورة النساء { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غيرُ أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلاً وعد الله الحسنى وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً * درجاتٍ منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفوراً رحيماً } .
وفضل سبحانه المنفقين والمقاتلين قبل فتح مكة على أقرانهم ممن كانوا بعدهم فقال في سورة الحديد : { … لا يستوي منكم من أنفق من قَبْلِ الفتح وقاتل ، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بَعْدُ وقاتلوا ، وكَلا وَعَدَ اللهُ الحسنى واللهُ بما تعلمون خبير } ، وفضل جلّ جلاله الأتقياء على من سواهم ، فقال في سورة الحجرات : { … إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير } ، فليس كل مسلم في منزلة الآخر ، ولا في درجته ، ولهذا خلق الله الجنة درجات لعباده المؤمنين ، فقال تعالى في سورة آل عمران : { هم درجات عند الله والله بصير بما يعلمون } وقال سبحانه في سورة الأنفال : { أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم } ، وقد جاء في الحديث النبوي أن الجنة مائة درجة أعلاها الفردوس ، فعن أبي هريرة قال : فالرسول الله صلى الله عليه وسلم: { … إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة أُراه فوقه عرش الرحمن } رواه البخاري والترمذي وابن حبان ، وهذا يعني أن التفاضل في الآخرة أكبر منه في الدنيا ، لأن التفاضل في الدنيا لا يبلغ هذا المقدار ، يؤكده قوله سبحانه في سورة الإسراء : { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ولَلآخرةُ أكبرُ درجاتٍ وأكبر تفضيلاً } .
فما دام التفاضل هو سنَّة الله الثابتة في مخلوقاته ، فإن المسلم مدعوٌّ إلى العمل والعمل في طاعة الله حتى يصعد ويصعد في درجات الجنة ليقترب من عرش الرحمن بدخول الفردوس " … الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة أُراه قال : وفوقه عرش الرحمن " هذا الاقتراب هو ما ينبغي على المسلم السعي إليه بمثابرة وقوة والحرص على نواله ، وقد نزل الأمرُ بالاقتراب في أول سورة أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال تعالى في سورة العلق : { كلا لا تطعه واسجد واقترب } ، ووصف الحق سبحانه السابقين بأنهم المقربون ، فقال في سورة الواقعة : { والسابقون السابقون أولئك المقربون } . .
إن أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام قد فَضَلوا الناس جميعاً ، ومن ثَمَّ فَضَلوا المخلوقاتِ كلَّها ، فكانوا في مقدمة الموكب الكوني الحق ، وما ذاك إلا لقيامهم بنشر الهدى وتبليغ الشرائع وحمل الدعوة إلى الله ، فكان عملهم هذا أفضل عمل وأكرم عمل يناط بمخلوق على الإطلاق ، فإن قام مسلم بمثل ما قاموا به ، أي قام بنشر الهدى وتعليم الشرائع , وبمعنى ثانٍ قام بحمل الدعوة فإنه ولا شك سيقترب من منزلتهم العليا في الجنة . فعمل الداعية إلى الله سبحانه مقاربٌ لعمل الأنبياء والمرسلين ، وكلامه من كلامهم ، وهو أفضل الكلام وأحسنه ، قال تعالى في سورة فصِّلت { ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين } . فأنبياء الله ورسله هم في مقدمة الموكب الحق ، يليهم العاملون بعملهم وهم الدعاةُ حَمَلَةُ الدعوة ، ثُم يتتابع المسلمون خلفهم كلٌّ حسب منزلته في الفضل والصلاح .
نخلص من كل ذلك إلى أن الكون كله , وقد خلقه الحق بالحق ، وسيره سبحانه بالحق ، وأمر الأنبياء والمرسلين بدعوة الحق ، وجعل التفاضل بالحق والالتزام بالحق فإن كل مسلم ومؤمن ، وأخصُّ منهم الدعاة إلى الله ، يجب أن يتمسكوا بالحق قولاً وعملاً ، وأن يلتزموا بالحق في مواقفهم ، فلا يحيدوا عنه مقدار شعرة وإلا تقلقل موقعهم في موكب الحق ، فهم على الحق يثبتون وبالحق يتقدمون ، وهذا هو السبيل القويم والمنهاج المستقيم الذي جاءت به رسل الله سبحانه ، قال تعالى في سورة الأعراف : { … لقد جاءت رُسُل ربنا بالحق } وهو السبيل نفسه والمنهاج نفسه المطلوب من المسلمين العاملين المخلصين الداعين إلى الله ، قال تعالى في سورة الأعراف : { وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون }
إنَّ حامل الدعوة له من الفضل والمنزلة عند ربه ما يُوجِبُ عليه المحافظة على هذا الفضل وهذه المنزلة , وذلك بالمزيد من المثابرةِ والاجتهادِ والدَّأبِ المتواصل , موصلاً ليله بنهاره , غيرَ مقصِّرٍ ولا متهاونٍ , ثم يقوم قبل ذلك وبعد ذلك بشكر الله وحمده على أن وفقه لهذا العمل الكريم وأكرمه بهذا الفضل العظيم
وليحذر حامل الدعوة من الالتفات إلى الإغراءات ، والركون ِإلى العروض الباطلة التي تعرض عليه من الأعداء أو الخصوم أو الجهلة ، يحاولون بها صرفه عن قول الحق ، وعن التمسك بالحق ، وعن الالتزام بدعوة الحق .
1-منزلة حامل الدعوة**
إن الله سبحانه قد اقتضت حكمته أن ينعم على مخلوقاته بأن خلقها بعد أن لم تكن ، وشاءت إرادته أن يكرم من بين البشر ناساً بنعمة الإسلام ، وأن يكرم من المسلمين الخاصَّةَ منهم بنعمة حمل الدعوة ، وهم أنبياؤه ورسله ومن نهج نهجهم وعمل عملهم من أتباعهم ، فلئن وجب على جميع المخلوقات حمد الله على نعمة الخلق ، فإن على المسلمين جميعاً واجب حمد الله على نعمة الخلق ، وواجب حمده على نعمة الإسلام ، وإن على حَمَلة الدعوة واجب حمد الله على نعمة الخلق ، وواجب حمده على نعمة الإسلام ، وواجب حمده على نعمة حمل الدعوة . فالحمد لله ، ثم الحمد لله ، ثم الحمد لله .
إن الله سبحانه كان وليس معه شيء ، وكان وليس قبله شيء ، فكان هو الأول وكان هو الحق ، ثم كانت إرادته أن يخلق بالحق هذا الكون البديع من أرض وشمس ونجوم وكواكب ، وما شاء الله مما ندرك ومما لا ندرك ، وسيَّر هذه الأجرام وما فيها وما عليها بأنظمة وقوانين ثابتةٍ غايةٍ في الدقة والإتقان ، وقد خلق كل ذلك بالحق ، قال تعالى في سورة الأنعام : { وهو الذي خلق السمواتِ والأرضَ بالحقّ …} وقال سبحانه في سورة إبراهيم : { أَلمْ تَرَ أنَّ اللهَ خلق السمواتِ والأرضَ بالحقّ …} وقال جلّ جلاله في سورة الحِجْر : { وما خلقنا السمواتِ والأرضَ وما بينهما إلاّ بالحق …} ، وكرر سبحانه هذا الأمر في العديد من الآيات ، ونفى عن هذا الخلق البديع البطلان ، فقال تعالى في سورة آل عمران : { الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً …} وقال سبحانه في سورة ص : { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظَنُّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار } .
وهذا الكون المخلوق بالحق كلُّ ما فيه قانتٌ لخالقه ، منقادٌ إليه يُسبِّح له ، قال تعالى في سورة البقرة : { وقالوا اتخذَ اللهُ ولداً سبحانه بل له ما في السموات والأرض كلٌّ له قانتون } وقال سبحانه في سورة الإسراء : { تسبح له السموات السّبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً } وقال جل جلاله في سورة فصلت : { ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائْتِيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين } .
فالأَجرام في السماء ، والجبال والبحار والأنهار والصحاري والحيوان والشجر والهواء وسائر أجزاء الأرض كلُّها تسبّح لله وتسجد له وتنقاد إليه ، وتطيعه ، فهي تسير في موكب كوني واحد متجانس تجمعه طاعةُ الخالق الحق ، وهذا الموكب الكوني الواحد قد خُلق بالحق ، ويسير بالحق ليصل إلى يوم الحق , إلى الحاقة , فالحاقة هي خط الوصول لموكب الحق البديع .
إن الخالق الحق قد ميَّز الإنسان وكرَّمه بأن حباه بالعقل البديع ، فهو بهذا العقل البديع قد تفرَّد على سائر المخلوقات ، وهذا التفرُّد لم يخلقه الله عبثاً ولا باطلاً ، وإنما خلقه بالحق لأمر عظيم وجليل ، وهو تهيئة الإنسان لتلقي التكليف الإلهي دون سائر مخلوقات الله ، وجعل العقل مناط التكليف ، وجعله قادراً على إدراك التكليف هذا ، والقيام بتبعاته ، لا سيَّما وأنَّ في هذا العقل صفةَ الاعتزاز بالذات ، ولهذا فإنه عندما عُرض عليه التكليف كما عُرض على سائر المخلوقات لم يتوان في القبول منطلقاً من اعتزازه وثقته بنفسه وبقدرته ، فقبل التكليف ، واستعد لتحمل تبعاته ، قال تعالى في سورة الأحزاب
إنّا عرضنا الأمانةَ على السموات والأرض والجبال فَأبينَ أن يحملنها وأشفقنَ منها وحملها الإنسانُ إنه كان ظلوماً جهولاً ) ولولا هذا العقل وثقته بنفسه وبقدرته لأحجم عن القبول ، ولأدخل نفسه في موكب الكون السائر بطاعة الله والانقياد له دون هذا التكليف ، ولكن الله علَّامَ الغيوب قد خلق عقل الإنسان ووهبه قُدُراتٍ خاصًّةً تمكنه من حمل هذا العبء إن هو انطلق من قاعدة الانقياد والطاعة لله ، فإن هو فعل ذلك بقي في موكب الحق ، بل واستحق أن يتسنَّم الذروة فيه ، وإلا خرج عنه إلى غضب الله وعقابه .
إنَّ هذا العقل منه مَن قد انطلق من قاعدة الانقياد والطاعة لله سبحانه وتعالى فعندما عُرض عليه الإسلامُ قبِله واستسلم إلى اله بالطاعة , فكان عقلاً مستنيراً واعياً مُدركاً لمسؤولياته , ناهضاً لِتحمُّل تبِعات ما قبله, هذا العقلُ هو عقل الإنسان المسلم , وهو بهذا القبول قد بقي ضمن موكب الكون الحق , بل كان رائداً فيه , ومن العقل مَن أعماه الاعتزاز والثقة بالنفس وبقدرته , فلم ينطلق من قاعدة الانقياد والطاعة لله سبحانه , وإنما استكبر وتطاول , وجمح به الغرور إلى الخروج عن الجادة , وهذا العقلُ هو عقل الإنسان الكافر , فخرج هذا الكافرُ باستكباره وتطاوله وجموحه على موكب الكون إلى غضب الله وعقابه . فالأرضُ وما فيها وما عليها , والشمس وضوؤها , والقمر ونوره , وسائر الأجرام التي نعرفها وندركها والتي قصرت عقولنا عن معرفتها وإدراكها كلها تسير معاً في موكبٍ كوني خاضعٍ مطيعٍ , في مقدِّمته العقلُ والإنسانُ المسلم , ولم يتخلف عنه سوى العقل والإنسان الكافر , فهو وحده النَّشازُ في هذا النَّسق الكوني البديع , قال تعالى في سورة الحج : { ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوابّ وكثير من الناس ، وكثير حقّ عليه العذاب ومن يُهِنِ اللهُ فما له من مُكْرِم إن الله يفعل ما يشاء } وقال سبحانه في سورة الروم : { أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمّى وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون } فقوله جل جلاله : { وكثير حق عليه العذاب } ، وقوله : { وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون } ، يدل كلاهما على مفارقة الكفار المعذَّبين لهذا الكوكب الكوني ، هذه المفارقة والمباينة وصفها رب العزة بأقبح وصف وأرذله بقوله في سورة التوبة : { إنما المشركون نجس …} ولم يرد في الآيات القرآنية ذكر النجاسة إلا مرة واحدة فحسب هي هذه المرة ، أطلقها سبحانه على الكفار المشركين ، وحيث أن الكون مخلوق على الطهارة ، فإن وصف الكفار بالنجاسة لأبلغ دلالة على مغايرتهم لما عليه هذا الكون ، وخروجهم على خطه ومنهاجه مما يستوجب نبذهم تماماً كما تنبذ النجاسات ، فالكفار من الإنس ومثلهم من الجن هم حالة النشوز في هذا الكون .
الغرباء
لأبي إياس محمود بن عبد اللطيف بن محمود ( عويضة )
إهداءٌ
إلى كلِّ مسلمٍ ملتـزمٍ بشـرع الله
إلى كلِّ مسلم عاملٍ في طاعةِ الله
إلى كلِّ مسلمٍ غيورٍ على دين الله
إلى كلِّ مسلـمٍ داعٍ إلى سبيـلِ الله
إلى كلِّ كافـرٍ يسعى إلى الهـدايـة
بسم الله الرحمن الرحيم
مقـدمـة
الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين ، وبعد :
فإن الله سبحانه قد اصطفى الأنبياء والرسل من بني آدم . وفضلهم على الناس أجمعين ، وكلفهم سبحانه بتبليغ الشرائع ونشر الهدى ، فكان تبليغ الشرائع ونشر الهدى هو عمل الأنبياء والمرسلين ووظيفتهم ، من أجله كان الاصطفاء ، وبه كان الفضل . فتبليغ الشرائع ونشر الهدى هو أفضل عمل وأكرمه عند الله على الإطلاق ، فإن نهض مسلم بمثل هذا العمل ، أي حمل الدعوة من بعدهم ، فقد قام بأفضل عمل وأكرمه على الإطلاق .
إن الله سبحانه إذا أراد إرسال رسولٍ لتبليغ الشريعة عنه ونشر الهدى بين الناس هيّأه لهذا العمل الأسمى بأنْ حباه بالخصالِ الحميدةِ والسجايا الكريمة , ثم أنزل عليه وحيه بالشريعة وقد اكتملت خصاله وسجاياه ، فتطابق الوعاء في الفضل والخير مع ما سكب فيه ، وتجانست الشريعة مع صاحبها والهُدى مع عَلَمه فكان التوافقُ بين الاثنين لازماً والتجانسُ بينهما حتمياً ، فمن نهض من المسلمين بمثل عمل الأنبياء والمرسلين ? أي نهض بحمل الدعوة - فإن عليه أن يجعل من نفسه مثالاً للفضل والخير والصلاح ، يتمثل فيه الإسلام في أفكاره وأحكامه وما يدعو إليه من صفات وأخلاق حسنة فاضلة ، ذلك أنَّ تمثُّل الإسلام في حامل الدعوة هو بمثابة حملٍ للدعوة , ينظر إليه الناسُ فيقلِّدونه ويأخذون عنه , وإلا لم يصلح للقيام بهذا العمل ، وإن قام به لم ينجح فيه ولم يَجْرِِ الخيرُ على يديه ، فحامل الدعوة ينبغي أن يعلم أنه إن لم يهيئ نفسه لتجسُّدِ الإسلام فيه أفكاراً وأحكاماً وصفاتٍ فلن يصلح لحمل الدعوة ، بل لن يكون بحقٍّ حامل دعوة وإن هو حاول أو ادَّعى ، فالدعوة رأس الخير والفضل والصلاح في حياة الناس ، لا يحملها بحقٍّ إلا مسلمٌ تحلى برأس الخير وقمة الفضل وذِروة الصلاح قولاً وعملاً وصفات وقد ذكرنا في هذا الكتاب ما إن تمسَّك به مسلمٌ فقد تهيأ بالفعل لحمل الدعوة , وكان صالحاً له وناجحاً فيه ، يرجو من ربه النصرَ والتمكينَ في الأرض ، ودخولَ الفردوس في الآخرة مع النبيين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين .
وأُلفتُ النظر هنا إلى مسألةٍ مهمةٍ هي أنَّ حامل الدعوة لا يكفيه أن يكون مجرد داعيةٍ , وإنما يجب عليه أن يكون عالماً أيضاً , أي يجب على حامل الدعوة أن يكون داعيةً وعالماً في آنٍ واحد , فالدعوةُ والعلم متلازمان ومتعاضدان لا ينفكُّ أحدهما عن الآخر , وشتَّان بين داعٍ جاهل وداعٍ عالم , ولذا وجب على حامل الدعوة أن يوازن بين حمل الدعوة للناس وبين طلب العلم , فيقوم بالعملين في وقت واحد , ولينظر حامل الدعوة إلى هذا الحديث النبوي الشريف فيجعله له نبراساً في حياته : عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " مَن سلك طريقاً يطلبُ فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة , وإنَّ الملائكة لَتضعُ أجنحتها رِضاً لطالب العلم , وإنَّ العالِم لَيَستغفر له مَن في السمواتِ ومَن في الأرض, والحيتانُ في جوف الماء, وإنَّ فضل العالِم على العابدِ كفضل القمر ليلةَ البدر على سائر الكواكب , وإنَّ العلماء ورَثَةُ الأنبياء , وإنَّ الأنبياء لم يُوَرِّثوا ديناراً ولا درهماً , ورَّثوا العلمَ , فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافرٍ " رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والدارمي . وهذا العلمُ الذي قرأتم فضله على صاحبه في هذا الحديث النبوي العظيم يُكسبُ صاحبه الخشيةَ من الله , , قال تعالى في الآية 28 من سورة فاطر (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ) وهذه الخشيةُ من الله سبحانه هي من أعمدةِ النجاةِ من النار , وهو ما يسعى إليه حاملُ الدعوة , بل كلُّ مسلم , فعن أبي هريرة رضي الله عنه , عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يلج النارَ أحدٌ بكى مِن خشيةِ الله عزَّ وجلَّ حتى يعود اللبنُ في الضِّرعِ …" رواه أحمد والنسائي والترمذي . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " عينان لا تَمَسَّهما النار : عينٌ بكت مِن خشية الله , وعينٌ باتت تحرُسُ في سبيل الله " رواه الترمذي
كما يجب على حامل الدعوة أن يتحلى بالتواضع ويتجنب التكبر حتى يكون محبوباً عند الله وعند الناس , فيسمعون منه ويأخذون عنه , ففي التواضع الخيرُ الكثير وفي التكبر الشر المستطير , فعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " مَن تواضع لله رفعه الله ومَن تكبَّر وضعه الله " رواه البيهقي والطبراني وأحمد . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما مِن آدميٍّ إلا في رأسه حكمة , الحكمةُ بيد المَلَك , فإن تواضع قيل للمَلَك: ارفعْ حكمته, وإن تكبر قيل للمَلَك ضع حكمته " رواه البيهقي , ورواه الطبراني بسندٍ حسن من طريق ابن عباس رضي الله عنه .
وقد اخترت أن تكون أبحاثُ الكتاب مدعّمة بالأدلة ، وموجزة في العبارة لتكون أبلغ في التأثير ، وأدعى بحَمَلةِ الدعوةِ لأن يأخذوها فتتمثَّلَ فيهم ، فمن وقف عندها فقد أفلحَ ، ومن طلب المزيد فالباب مُشرعٌ أمامه ، والله يختص برحمته وفضله من يشاء .
وقد استدللت بما صح عندي وحسُن من الأحاديث ، ولم أستدلَّ بحديث واحد علمتُ أنه ضعيف أو موضوع ، وحسبي أنني بذلتُ الوسع في ذلك ، فإن كان قد تحقق ما قصدته فلله الحمد والشكر على توفيقهِ ، وإن خفي عليَّ شيء منه فأدعو الله لي بالمغفرة والصفح . وقد أثبتُّ لفظَ الحديث لراويه إن كان واحداً ، فإن كان الرواة اثنين فأكثر فلفظُ الحديث للراوي المذكور أولاً ، وَمَن بعده من الرواة يوافقون في اللفظ أو يخالفون فيه كثيراً أو قليلاً دون أن يخرجوا بما رووْا عن مضمون اللفظ المثبت .
أسأل الله سبحانه أن يلقى هذا الكتاب من القُرَّاءِ قبولاً حسناً ، وأن يقرأوه بأناةٍ ورويّة قصدَ العلم والعمل معاً ، حتى يتمثلوا بما فيه ، ويكونوا مؤمنين صادقين وحَمَلة دعوة مخلصين ، آمين .
أبو إياس محمود بن عبد اللطيف بن محمود ( عويضة )
الإخلاص في حمل الدعوة/2**
إن الله سبحانه ما أنزل ديناً إلا وأنزله على الفطرة ، فالدين الذي نزل على نبي الله موسى نزل على الفطرة ، والدين الذي نزل على نبي الله عيسى نزل على الفطرة ، ثم إن أتباع هاتين الديانتين قاموا بتحريف التوراة والإنجيل ، فأفسدوا هاتين الديانتين اللتين نزلتا على الفطرة ، فاتخذوا العُزير والمسيح ندَّين لله سبحانه ، فوقعوا في الشرك ، فأرسل الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بدين الإسلام ليرد الناس إلى الدين القيِّم , ويعيدهم إلى الفطرة التي فطرهم عليها ، وهي توحيد الله وإخلاص العبادة لله . وحتى لا يقع المسلمون فيما وقع فيه من قبلهم من شرك , فقد تكفَّل سبحانه بحفظ كتابه المنزل من التحريف فقال في سورة الحجر : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ، إضافة إلى أن نصوص الكتاب وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شدَّدت النكير على الشرك كما لم تشدد على غيره ، وركَّزت على الإخلاص في العبادة ، وعلى توحيد الله سبحانه ، وهذه جملة من النصوص في ذلك :
أ - قال تعالى في سورة الأعراف : { قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون } .
ب - وقال سبحانه في سورة الزمر : { قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين ïپ? وأمرت لأن أكون أول المسلمين ïپ? قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ïپ? قل الله أعبدُ مخلصاً له ديني } .
ج - قال جل جلاله في سورة فصلت : { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين } .
د - عن عبد الله بن مسعود قال " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيُّ الذنب أعظم عند الله ؟ قال : أن تجعل لله نداً وهو خلقك … " رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأحمد .
هـ - عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال الله تبارك وتعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل لي عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه " رواه مسلم وأحمد ، ورواه ابن ماجة بلفظ " … من عمل عملاً وأشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو للذي أشرك" .
و - عن معاذ بن جبل قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " يا معاذ , أتدري ما حقُّ الله على العباد ؟ قال : الله ورسوله أعلم , قال : أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ، أتدري ما حقهم عليه ؟ قال : الله ورسوله أعلم ، قال أن لا يعذِّبهم " رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد .
إن الشرك يقابله الإخلاص ، فحتى ينجو المسلم من الشرك : خفيِّه وظاهِرِه ، صغيرِه وكبيرِه , يجب أن يتحلى بالإخلاص في كل ما يقول ويعمل ، فالإخلاص يطرد الشرك ويحمي صاحبه منه ، وبدون الإخلاص يقع في الشرك ، فبقدر ما يسعى المسلم , وخاصةً حاملَ الدعوة , للنجاة من الشرك بقدر ما يتمسَّك بالإخلاص والإخلاص الخالص فيما يصدر عنه من قول أو فعل ، فبالإخلاص يكون الفلاح والنجاة ، فعن أبي ذرٍّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " قد افلح من أخلص قلبه للإيمان , وجعل قلبه سليماً ولسانه صادقاً , ونفسه مطمئنة وخليقته مستقيمة ، وجعل أذنه مستمعة وعينه ناظرة … " رواه أحمد والديلمي والبيهقي بسند حسَّنه الهيثمي ، وعن جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " … ثلاثٌ لا يغل عليهم قلبُ المؤمن : إخلاص العمل والنصيحة لولي الأمر ، ولزوم الجماعة ، فإن دعوَتَهم تكون من ورائه " رواه أحمد والطبراني بسند جيد ، وعن أبي هريرة أنه قال : " قيل يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد ظننتُ يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أوَّل منك لما رأيت من حرصك على الحديث ، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً مخلصاً من قلبه أو نفسه " رواه البخاري ، ورواه أحمد بلفظ " … لمن يشهد أن لا إله إلا الله مخلصاً يصدِّق قلبُه لسانَه ولسانُه قلبَه " ، وعن يعقوب بن عاصم أنه سمع رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما قال عبدٌ قط لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مخلصاً بها روحه , مصدقاً بها قلبُه لسانَه إلا فتق له أبواب السماء حتى ينظر الله إلى قائلها ، وحُق لعبدٍ نظر الله إليه أن يعطيه سُؤله … " رواه النَّسائي ورواه الترمذي مختصراً من حديث أبي هريرة . فالفلاحُ ونوالُ الشفاعة ونظرُ الله الذي يحقق نوال المطلوب إنما تحصل بإخلاص العبادة لله ، وعكسها من عكسه . وليعلم المسلم , وحامل الدعوة خاصة , أن العمل الصالح لا يكفي ، فلا يصح أن يقف المسلم أمام جمع من الناس يدعوهم إلى الإسلام , ويعلمهم الأحكام , ويحمل إليهم الدعوة إن كان يريد من ذلك أن يقول الناس عنه إنه عالم ، ولا يصح أن يُظهر حاملُ الدعوة وأي مسلم موظفٍ في دائرةٍ أو شركة النشاطَ في العمل والاندفاعَ فيه إن كان يقصد من ذلك نوالَ منزلة وحظوة عند مسؤوله ، ولا يجوز لحامل الدعوة ولأي مسلم أن يصلي أمام الناس صلاةً طويلةً بخشوع وتبتُّل على غير عادته في صلاته وحيداً , قاصداً من ذلك إظهارَ تقواه وحسن عبادته ، ولا يقبل الله من متصدق في جمْعٍ من الناس إن كان إنما تصدَّق ليُقال عنه إنه فاعل خير ، ولا يجوز إلا أن تكون الأعمال كلُّها لله ، ولله وحده ، وإلا دخلها الشرك الصغير أو الكبير ، والخفي أو الظاهر ، فأُحبط العملُ كله ، فعن أبي أُمامة الباهلي قال " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أرأيتَ رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ما له ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا شيء له ، فأعادها ثلاث مرات يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا شيء له ، ثم قال : إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتُغي به وجهُه " رواه النَّسائي والطبراني بسند جيد ، ورواه أبو داود وأحمد بلفظ " … رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عَرَضاً من عَرَض الدنيا … " فالجهاد ، وهو سنام الإسلام وعبادةٌ من أعظم العبادات , لا ينفع صاحبَه بشيء عند ربه إن هو أشرك في توجِّهه إلى الله معه غيرَه فيه ، لأن الله كما مرَّ قبل قليل لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له .
10 الإخلاص في حمل الدعوة**
إن هذا الكون كله بما فيه الإنسان مخلوق لله ، وإن الله وحده هو خالق هذا الكون بما فيه الإنسان ، وهذه حقيقة عند العلماء والعقلاء ، وهي عقيدة للمؤمنين فالإنسان مخلوق لله ، والله وحده هو خالقه ، خلق روحه وجسمه وغرائزه وحاجاته العضوية وصفاته الفطرية ، ومن هذه الصفات الفطرية أنه يشكر من أنعم عليه ويحمد من تفضَّل عليه ، وإلا كان ناكراً للجميل جاحداً للنعمة والفضل ، وهذه الصفة الفطرية عامة في كل إنسان ، فإذا أنعم أحدٌ عليك بنعمة ، وحباك أحد بعطية سارعت إلى شكره وبادرت إلى حمده دون تردد وتفكير ، لأنها صفة أصيلة فيك وفطرة فُطرتَ عليها ، وهذه الصفة الفطرية لا تدفعك لشكر غير المنعم ولحمد غير المتفضل ، فمن أهداك هدية شكرته هو ، ومن أعطاك عطية حمدته هو ، وليس مطلوباً ولا مقبولاً أن تشكر غير المُهدي ، أو تحمد غير المعطي ، كما أنه ليس مطلوباً ولا مقبولاً أن تشكر مع المهدي غيره ، أو تحمد مع المعطي شخصاً آخر ، لأن ذلك مغاير ومخالف للصفة الفطرية ، ويأباها العقلُ السويُّ .
إن الله سبحانه فطر الإنسان على هذه الصفة ، فهي أصيلة فيه عميقة في نفسه ، وحيث أن الله سبحانه هو الخالق ، وهو المنعم المتفضل علينا ، أنعم علينا بنعمة الخلق من عدم ، وتفضل علينا بما لا يحصى من النعم , لم يشاركه أحد في كل ذلك ، فإن الصفة الفطرية فينا تدفعنا وتقتضي منا أن نبادر إلى شكره وحمده وحدَه لا نُشرك في الشكر والحمد معه سواه ، وهذا المعنى هو أصل الدين ، وهو الغاية الرئيسية من إنزال الشرائع كلِّها ، فالله هو الخالق المنعِم المتفضِّل ، والإنسان هو المنعَم عليه المتفضَّل عليه ، فكان عليه واجب الشكر والحمد لله وحده دون سواه وهذا المعنى موجود في قوله تعالى في سورة الروم : { فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ، فالدين القيم هو ما فطر الله الناس عليه فطرة لا تتغير ، وهو التوجه إلى الله وحده دون سواه في الشكر والحمد والعبادة . ونحن نقول إن الإسلام دين الفطرة ، وهذه الآية الكريمة قد شرحت أصل الدين الفطري بأنه يعني التوجه بالعبادة إلى الله وحده دون أي انحراف بهذا التوجه إلى غيره ، أي توحيد الله بالعبادة دون شرك ، وهذا المعنى هو ما جاءت به أيضاً الآية في سورة الذاريات : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ، وهو المعنى نفسه نجده مختصراً في قولِه ( لا إله إلا الله ) ، ومعناها لا معبود سوى الله .
وباستحضار هذا المعنى لأصل الدين نستطيع إدراك مدى قبح الشرك ، ذلك أن الشِّرك هو الخروجُ على هذه الفطرة ، والتضادُّ مع أصل الدين ، وهو يعني التوجه بالشكر والحمد والعبادة إلى غير المنعِم المتفضِّل الخالق إلى جانب التوجه بالشكر والحمد والعبادة إلى المنعِم المتفضِّل الخالق ، وربما تمادى الشرك إلى شكر غير المنعم وحمد غير المتفضل وعبادة غير الخالق ، وترك شكر المنعم وحمد المتفضل وعبادة الخالق كليَّة . والمشركون حالهم أنهم أقاموا وجوههم للدين مائلاً منحرفاً إلى غير الجهة والقصد المطلوبين ، في حين أن أصل الدين يعني خلوص العبادة لمن يستحقها فقط ، ولهذا يصح أن نقول إنَّ المشرك فاسدة فطرتُه ، شاذٌّ في صفته ، منحرفٌ في توجهه ، ولهذا استحق هذا الوعيد الشديد الوارد في سورة النساء في موضعين : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء … } وهذا المعنى هو أيضاً ما يجب استحضاره عندما نقرأ ما رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ما من مولود إلا يولد على الفطرة , فأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه ويمجِّسانه , كما تُنتَج البهيمةُ بهيمةً جمعاء , هل تحسون فيها من جدعاء ؟ ثم يقول أبو هريرة : واقرأوا إن شئتم : { فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله } الآية . " رواه مسلم وأحمد والبزار . فالله سبحانه خلق الإنسان على الفطرة ، بمعنى على الدين القيم ، أو الدين الحنيف ، أو العبادة الخالصة لله سبحانه ، فيأتي اليهودي والنصراني والمجوسي فيغيرون فطرة أبنائهم ويحرفونها ليجعلوا عبادتهم مصروفةً لغير الله أو متجهةً لله ولغيره معاً ، مخالفين الأمر الإلهي بعبادة الله وحده دون سواه ، لأنه وحده المستحق للعبادة ، لأنه وحده الذي خلق وأنعم وتفضل ، فالحمد لله على نعمة الإسلام الذي جاء بالفطرة , وهي التوجه بالشكر والحمد والعبادة لمستحقها وهو الخالق المنعم المتفضل وحده . فعلى كل مسلم إدراك هذه الحقيقة ، والاعتقاد بهذه العقيدة ، وأن يعض عليها بالنواجذ , وليحذر وهو يتوجه في عبادته لربه من إشراك غير الله في التوجه والعبادة ، لأنه الشرك ، ولأنه الظلم ، ولأنه الضلال ، ولأن العاقبة الخلود في النار ، وليحرص على فطرته وصفته الأصيلة وهو التوجه بالشكر والحمد والعبادة لمن خلق وأنعم وتفضل وهو الله وحده دون سواه .
. مع كتاب الله /2**
والقرآن ثلاثون جزءاً يُقرأ في ثلاثين يوماً , بمعدل جزء في كل يوم ، أي حوالي عشرين صفحة ، وهذه أعدل القراءة ، إلا أن يكون سجيناً أو مريضاً في الفراش أو يقوم الليل مثلاً فلا بأس من قراءته في أقلَّ من ثلاثين يوماً ، فعن عبد الله بن عمرو قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " إقرأ القرآن في كل شهر ، قال قلت : إني أجد قوة , قال : فاقرأه في عشرين ليلة , قال قلت : إني أجد قوة . قال : فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك " رواه مسلم والبخاري وأبو داود والنسائي وأحمد ، فأعدل القراءة أن يُقرأ القرآن مرةً كلَّ شهر ، إلا أن يجد متسعاً من الوقت كالسجين أو المقعد في فراشه لمرض ، أو الشيخ الهرم الذي لا يقوى على العمل ، أو المفجوع بمصاب يريد أن يتعزى بالقراءة عن مصابه ، أو من هو في مثل هذه الحالات ، فلا بأس بالزيادة , فالأمر النبوي ورد بالقراءة في شهرٍ , وبالقراءة في عشرين يوماً , وبالقراءة في سبعٍ , ونهى عن الزيادة على ذلك ( ولا تزِدْ على ذلك ) . فإن قال أحدهم إنني أقوى على القراءة بأكثر من السبع , ذكرنا له الحديث النبوي الشريف : عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يفقه مِن قرأ القرآنَ في أقلَّ مِن ثلاثٍ " رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والدارمي وابن حِبَّان .
ويجب أن يعلم حاملُ الدعوة أن حمل الدعوة واجب ، في حين أن قراءة القرآن مندوبة ، فلا يصح أن يجعل قراءة القرآن تحول بينه وبين واجب حمل الدعوة ، فما دام يستطيع حمل الدعوة فليحملها ، حتى إذا لم يعد يستطع مواصلة العمل لتعبٍ أو لظروف طارئة فليقرأ القرآن في هذه الظروف والأحوال ، وإن هو زاد على القراءة مرة في الشهر . ولكن على حامل الدعوة أن يحرص على قراءة ما تيسر له من القرآن كل يوم ولو أقل من جزء في اليوم ، ولو أقلَّ من حزب في اليوم ، والحزب نصف الجزء ، ولا ينبغي له أن يهمل قراءة القرآن بالكلِّية ، وإذا قرأ القرآن قرأه مرتلاً ، والترتيل هو التمهل في القراءة وتفريق الحروف وإعطاؤها حقها من النطق ، فالقرآن يُقرأ بالمد وعلى تمهُّل ، فعن قتادة قال " سئل أنس : كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : كانت مداً , ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمدُّ بسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم " رواه البخاري وأبو داود . والله سبحانه قد أمر نبيَّه عليه الصلاة والسلام بأن يتمهَّل في القراءة ، فقال جل جلاله في سورة الإسراء : { وقرآناً فَرَقْناه لتقرأه على الناس على مُكْثٍ ونزّلناه تنزيلاً } وأمره بترتيل القرآن فنحن مأمورون باتِّباعه فيه ، فقال سبحانه في سورة المزَّمِّل : { … ورتل القرآن ترتيلاً } . والأصل في حامل الدعوة أن يداوم على قراءة القرآن وترتيله ، بحيث لا يمرُّ عليه يوم إلا وقرأ شيئاً من القرآن ، حتى إذا ختمه افتتح القراءة بسورة الفاتحة من جديد ، وهكذا كلما ختم ختمة استأنف القراءة ، فإن فعل ذلك , فصار ماهراً في القراءة لطول اشتغاله بها , نال مكانة عالية كريمة ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة ، والذي يقرأ هو يشتد عليه له أجران " رواه البخاري ومسلم وابن ماجة والنسائي والترمذي وأحمد ، والسَّفَرة هم الملائكة الكَتَبة في اللوح المحفوظ ، يكون الماهر بقراءة القرآن معهم . لهذا لا يصح بعد الوقوف على هذه المنزلة أن يغفل حامل الدعوة عن النصَب والدأب ليحصلها ، وهو الحريص على كل خير والساعي لكل فضل .
إن القرآن مائةٌ وأربعَ عشرةَ سورةً تضمُّ نيفاً وستة آلاف آية تضم نيِّفاً وثلاثَمائةِ ألفِ حرفٍ ، فإذا عرفنا أن قراءة كل حرف من القرآن تعدل حسنة , وربما ضُوعفت الحسنة إلى عشر أمثالها , علمنا كم من الحسنات ينال قارئ القرآن بقراءته له ، فاندفعنا من ثَمَّ إلى قراءة القرآن كلما تيسَّر لنا ذلك ، وحرِصنا على عدم تفويت هذا الخير العميم ، فعن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة , والحسنة بعشر أمثالها , لا أقول : ألم حرف , ولكن ألفٌ حرف ولامٌ حرف وميمٌ حرف " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب ، ورواه ابن أبي شيبة .
إن الأصل والأجدر بالمسلم أن يقرأ كتاب الله وهو حاضر الذهن ، يعي ويفقه ما يقرأ ، ولْيعلم وهو يقرأ أن كلام الله يجري على لسانه ، فلا يليق بمن هذا حاله أن يقرأ وهو شاردُ الذهن ومشغولٌ عنه بغيره ، فإن أبى إلا الانشغال بغيره عنه فليقطع قراءته ، ولينصرف إلى حاجته ، ولا يعود إلى القراءة إلا بعد أن يحصر ذهنه فيما يقرأ ، فإذا مرَّ بآيةِ رحمةٍ سأل ربه أن يرحمه ويرحم المسلمين ، وإذا مرَّ بآيةٍ فيها عذاب تعوَّذ بالله من عذاب الله ، وإذا مرَّ بآية فيها تنزيهٌ لله نزَّه الله وسبَّح ، وهكذا يبقى متفاعلاً مع القراءة منغمساً فيها مشغولاً بها عما عداها ، فعن حذيفة ابن اليمان " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا مرَّ بآية رحمة سأل ، وإذا مرَّ بآيةٍ فيها عذابٌ تعوَّذ ، وإذا مرَّ بآيةٍ فيها تنزيهٌ لله عزَّ وجلَّ سبَّح " رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ، فمثلاً إذا قرأ قوله تعالى في سورة البقرة : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب } قال : اللهم أنزل علينا نصرك ، واجعله قريباً يا رب العالمين ، وإذا قرأ قوله سبحانه في سورة المائدة : { وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } قال : اللهم اجعل رزقي حلالاً طيباً واجعلني من المتقين ، وإذا قرأ قوله تعالى في سورة الشورى وإذا قرأ قوله جلّ جلاله في سورة الشورى : { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون } دعا الله قائلاً : اللهم إني تبت إليك فاقبل توبتي واعفُ عني ، وإذا قرأ قوله عز وجل في سورة ق : { فاصبر على ما يقولون وسبّح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب } قال : سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ، وهكذا .
- مع كتاب الله**
أنزل الله سبحانه القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم على مدى ثلاثة وعشرين عاماً ، ثلاثةَ عشرَ عاماً وهو في مكة ، وعشرةَ أعوام وهو في المدينة أنزله بلسان عربي مبين لا ليكون معجزة لمحمد بن عبد الله يُثبت بها صدق نبوته فقط ، ولا ليتخذه المسلمون منهاجاً ونبراساً للعمل والتطبيق فحسب ، وإنما أنزله رب العالمين لأمر ثالث أيضاً هو التعبد بتعلمه وتعليمه ، وبحفظه وتعاهده ، وبتلاوته وترتيله . فالقرآن كلام يعلو ويسمو على كلِّ كلام ، فتعلُّمه وتعليمُه أفضلُ التعلُّم والتعليم ، وحفظُه وتعاهدُه أفضلُ الحفظ والتعاهد ، وتلاوتُه وترتيلُه أفضلُ التلاوة والترتيل ، بل لا تكون تلاوةٌ مع ترتيلٍ إلا للقرآن فحسب . فينبغي لكلِّ مسلم ، ولحامل الدعوة بشكل خاص ، أن يتعلم كتاب الله ، فيقف على معانيه وأحكامه ، ويسترشد بهديه ونوره ، لأن الله سبحانه أنزله ليَعْلَمَه الناسُ ، فقال في سورة فصلت : { كتابٌ فُصّلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون } ، وكما قلنا فإن تعلُّم القرآن وتعليمه أفضل التعلُّم والتعليم ، فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه " رواه البخاري ومسلم وأحمد وأصحاب السنن ، وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " تعلموا القرآن واقرأوه فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جِرابٍ محشوٍّ مسكاً يفوح ريحه في كل مكان … " رواه الترمذي بسند حسن ، ورواه ابن ماجة . قوله كمثل جرابٍ محشوٍّ مسكاً يعني مثل وعاء مملوء بعطر المسك الذي هو أطيب العطور . وقد امتثل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا الهدي النبوي ، فأقبلوا على كتاب الله يتعلمونه ويعملون به سالكين في ذلك ما رواه أبو عبد الرحمن السلمي قال " حدثنا مَن كان يُقرئنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقترؤون من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات ، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل ، قالوا فعلمنا العلم والعمل " رواه أحمد وابن أبي شيبة ، ورواه الحاكم باختلافٍ في الألفاظ وصححه هو والذهبي .
إن حامل الدعوة محتاج في حمله للدعوة لأن يتسلح بالعلم بالعقيدة وأفكارها وبالأحكام الشرعية ، وإن أهمَّ العلم وأفضلَه العلمُ بما جاء في كتاب الله منها ، فعلى حامل الدعوة أن يقف على ما في كتاب الله من العقيدة وأفكارها ، ومن الأحكام الشرعية .
كما ينبغي لحامل الدعوة أن يحفظ من القرآن ما يتيسر له منه ، حتى يستطيع قراءته في صلاته وخاصةً صلاة الفجر التي يُسن الإكثار فيها من قراءة القرآن ، قال تعالى في سورة الإسراء { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا } ، إضافة إلى أن حفظ آيات الله سبحانه كلما كان أكثر حقق المسلم لنفسه مزيد فضل ومنزلة عند ربه ، وهو ما ينبغي لحامل الدعوة أن يحرص عليه ، فعن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يُقال لصاحب القرآن : اِقرأ وارْتَقِ ورتِّل كما كنت ترتِّل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأُها " رواه أبو داود وأحمد وابن ماجة وابن حبان ، ورواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح . وكما أن العاقل اللبيب إن هو حصَّل خيراً احتفظ به ولم يفرط فيه ، فكذلك حامل القرآن وحافظه ، فمن حفظ من القرآن شيئاً لم يفرط فيه بنسيان وإهمال ، ولم يدَعْه للتفلُّت والضياع ، بل داوم على تعاهده ومذاكرته حتى يبقى محفوظاً في صدره ، وإلا فوَّت وأضاع خيراً كثيراً ، فعن أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " تعاهدوا القرآن ، فوالذي نفسي بيده لهو أشدُّ تفصِّياً من الإبل في عُقُلها " رواه البخاري ومسلم . قوله أشدُّ تفصِّياً من الإبل في عقلها يعني أكثر تفلتاً وشروداً من الإبل المربوطة . وعن عبد الله بن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " بئسما لأحدِهم أن يقول نسيت آية كيتَ وكيتَ ، بل نُسِّي ، واستذكروا القرآن فإنه أشدُّ تفصياً من صدور الرجال من النَّعَم " رواه البخاري ومسلم والترمذي والنَّسائي والدارمي . ويكفي ما رواه ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخَرِب " رواه الترمذي بسند حسن صحيح ، ورواه الدارمي وأحمد وابن ماجة . فليحرص حامل الدعوة على الإكثار من حفظ آيات الله ، وليحذر من نسيان ما حفظ منها .
أما بخصوص تلاوة القرآن وترتيله فنقول : إن القرآن أنفس النفائس ، فلا يجوز هجره ، ولا يحل تركه على الأرفف ليعلوه الغبار ، وإنما الأصل في المسلم ، وخاصة حامل الدعوة , أن يبقيه إلى جانبه ، ويحمله في حله وترحاله ، ويقرأ منه ما تيسر له كل يوم ، يقرأ وهو منشرح الصدر مقبلٌ على ما يقرأ ، فإذا تعب ومالت النفس عن القراءة فليترك حتى لا يقرأ إلا وهو راغب في القراءة ، قال تعالى في سورة المزّمّل : { … فاقرأوا ما تيسر من القرآن … } ، وعن جندب بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إقرأوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه " رواه البخاري ومسلم وأحمد .
حُبُّ الدنيا /3**
إن حب الدنيا هو اللطمة العنيفة التي لطمت المسلمين أفراداً وجماعات فأحلَّتهم من التمسُّك بأحكام دينهم وجرَّتهم إلى سبيل العصاة الظالمين ، وأوردتهم موارد الردى والهوان الذي نعيشه اليوم ، وما أرى أحداً منهم قد سلم من هذه اللطمة واجتاز العقبة الثانية إلا القلة القليلة من ذوي الأعذار ، وإلا من نذروا أنفسهم لحمل الدعوة وتحذير المسلمين من حب الدنيا وكراهية الجهاد في سبيل الله وردهم إلى حب الآخرة والتقيد بأحكام الشرع ، والعمل لإقامة حكم الله في الأرض ، حتى يتم التخلص من تسلط الكفار علينا ، وتعود العزة لنا والنصر . فحامل الدعوة هو الذي يتمثل الإسلام فيه قولاً وعملاً وخلقاً ، وهو الذي يلتزم بشرع الله كاملاً ، لأن من يترك حمل الدعوة فإنه يأثم إثماً عظيماً ، وربما مات ميتة جاهلية ، وإن كان صوَّاماً قوَّاماً عابداً ، فالمسلم إن أراد أن يلتزم بالشرع كاملاً وينال رضا ربه سبحانه فإنه فضلاً عن إقام الصلاة والصيام والزكاة والحج والعبادة والذكر واجتناب المعاصي والمنكرات يجب عليه حمل الدعوة وإحياءُ العمل بالإسلام ، وإلا كان آثماً مقصِّراً .
إن الإسلام يأمرنا بأمرين اثنين رئيسيين : العمل به ، وحمله إلى الناس ، فالعمل به دون حمله إلى الناس نصف المطلوب ، وحمله إلى الناس دون العمل به نصف المطلوب كذلك ، ولا يتسنى القيام بالمطلوب كله إلا بالأمرين معاً : العمل به ، وحمله إلى الناس ، وهكذا يتضح أن حامل الدعوة الذي يتقيد بشرع الله هو الذي يتمثل الإسلام فيه ، وهو الذي يقوم بكل المطلوب ، وهو الذي يتقي الله حق تقاته ، وهو الذي يصح وصفه بأنه اجتاز العقبة الثانية ، وهي حب الدنيا ، وآثر عليها الآخرة ، وسعى لها سعيها ، فكان من السابقين بإذن رب العالمين .
إن الإسلام لا يمنع المسلم من أخذ نصيبه من الدنيا والتمتع بما فيها من طيبات ، فالله سبحانه يقول في سورة القصص : { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا … } ، ويقول في سورة الأعراف : { قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصّل الآيات لقوم يعلمون } ، ولكن ذلك ، أي أَخْذ النصيب والتمتع بالطيبات ، مشروطٌ بالحلال وبحسب شرع الله ، فالمال من الدنيا ، فيصح الحصول عليه بالبيع والشراء مثلاً وليس بالربا والغش مثلاً ، ويصح إنفاقه على المأكل والملبس والمسكن وقضاء الحاجات والتصدُّق منه على المحتاجين ، وليس على شراء الخمر وإعداد المآدب التي يقصد منها المراءاة ، وبناء المراقص ودور اللهو . والنكاح من الدنيا فينال بالزواج ولا ينال بالزنا . والملابس من الدنيا فتستعمل في ستر العروة وجلب الدفء وليس للخيلاء والتبختر والتبرج . واللهو من الدنيا فيصح اللهو بتربية الخيل وملاعبة الزوجة وإطلاق الرصاص وأمثال ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم " كل ما يلهو به الرجل المسلم باطل إلا رمية بقوس ، وتأديبه فرسه ، وملاعبته أهله فإنهن من الحق " رواه الترمذي وأحمد وابن ماجة والحاكم من طريق عقبة بن عامر ، ولا يصح اللهو بلعب القمار وحضور حفلات الرقص والغناء الماجنة ، والسباحة في المسابح المختلطة . والدور من الدنيا فيصح بناء بيت يؤوي صاحبه بقدر حاجته وليس ببناء قصر منيف متعدد الغرف والردهات يتسع لكثير من الأفراد تعالياً على الناس وإظهاراً للثراء ووفرة المال ،.فعن خبَّاب رضي الله عنه قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " كلُّ نفقةٍ يُنفقها العبدُ يُؤجرُ فيها إلا البنيان " رواه الطبراني وأحمد وابن حبان , ورواه الترمذي وصححه كما رواه البيهقي وابن ماجة بلفظ " يُؤجرُ الرجلُ في نفقته كلِّها إلا التراب , أو قال : في البناء " وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أراد الله بعبدٍ شراً خضَّرَ له في اللبِنِ والطينِ حتى يبني " رواه الطبراني والخطيب , وسكت عنه ابن حجر في فتح الباري . قوله خضَّر : يعني حسٍّن . وقتال الأعداء وقهرهم وفتح بلادهم من الدنيا فيصح إذا كان جهاداً في سبيل الله وابتغاء نشر دين الله ، وليس قتالاً من أجل عَرَض من عَرَض الدنيا ، فعن أبي هريرة " أن رجلاً قال : يا رسول الله ، رجلٌ يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضاً من عرض الدنيا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أجر له ، فأعظم ذلك الناس فقالوا : عُد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلعلك لم تُفَهِّمْه ، فقال : يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عَرَضاً من عرض الدنيا ، فقال : لا أجر له ، فقالوا للرجل : عُد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له الثالثة ، فقال له : لا أجر له " رواه أبو داود وأحمد بسند حسن . وهكذا ، فليحذر المسلمون وليحذر حامل الدعوة من حب الدنيا والتمتع بها بغير ما شرع الله وإيثارها على الآخرة ، وَلْيَسْعَ بسعي الآخرة وليقترب إلى الله سبحانه بالتقوى ، ولينتقل إلى زمرة السابقين المقربين الذين ينعمون في الجنة برحمة الله سبحانه .