العبادات في جواب سؤال

حول مواقيت الصلاة

**السؤال:أنا أحد الشباب من فنلندا أتساءل عن حكم مواقيت الافطار عندنا، حيث ان الشمس وان كانت تغيب الا انه ليس هناك “ظلمة ليل” وتبقى مثل حالة الشفق بعيد الغروب، علما أنني أعيش في منطقة نائية في شمال فنلندا في منطقة تبعد 800 كلم عن العاصمة هلسنكي، وبالكاد توجد جماعة من المسلمين هناك.

فكيف نقدر مواعيد الامساك عند الفجر، مع ان وقت الغروب شبه معروف (مع ملاحظة ان “الغروب” يكون حوالي الساعة 11 مساء. أما الفجر فمن الصعب تحديد وقته نظرا لعدم وجود “ليل” بالمعنى المتعارف عليه. فهل يصح لنا ان نقضي صوم رمضان في موعد اخر؟؟ وهل يؤثر عدم وجود زمن محدد للامساك (الفجر) على صحة الصيام (حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر)؟ أم أن علي ان أقتفي مواقيت الجامع في العاصمة هلسنكي؟؟**

الجواب

إن المواقيت هي أسباب الصلاة والصيام، فيوجد الحكم بوجود السبب، وينعدم وجود الحكم بانعدام وجود السبب، ولذلك يقال في السبب أصولياً: “السبب، في الاصطلاح، هو كل وصف ظاهر منضبط دل الدليل السمعي على كونه معرفاً لوجود الحكم لا لتشريع الحكم.” أي أن الأسباب هي أمارات وضعها الشارع لتعريف المكلَّف وجود الحكم من قبل المكلِّف، وبالتالي فإن السبب يترتب على وجوده وجود الحكم وعلى عدمه عدم الحكم.

وعليه فلا يجوز الصيام أو الصلاة بمواقيت منطقة أخرى غير منطقتك من حيث صلاة الفجر أو الظهر… ومن حيث وقت الإمساك في رمضان ووقت الفطر، فلا يجوز أن تصوم بمواقيت جامع هلسينكي في العاصمة وأنت تسكن في منطقة شمال فنلندا بعيدة عن العاصمة800 كلم.

أخي الكريم، يبدو أن المشكلة عندكم هي في المغرب والفجر من حيث الإفطار والإمساك، وهذه المسألة هي كالتالي:

حيث إن غروب الشمس معروف، فيفطر الصائم عند الغروب ولو أن حالة الشفق باقية، لأن أذان المغرب هو عند غروب الشمس، فعند مسلم في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل الذي جاءه يسأل عن مواقيت الصلاة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «…ثمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالْمَغْرِبِ حِينَ وَقَعَتِ الشَّمْسُ» وفي رواية « ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْمَغْرِبِ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ…»، أي غربت، وهذا وقت الإفطار، أي ليس عند غياب الشفق، فغياب الشفق هو وقت صلاة العشاء، كما جاء عند مسلم في الحديث المذكور « ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ…» وفي رواية « ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعِشَاءِ حِينَ وَقَعَ الشَّفَقُ…» أي غاب، ولذلك لا يؤثر وجود الشفق بعد الغروب في الإفطار، والشفق عند بعض الفقهاء هو الحمرة بعد غياب الشمس، وعند فقهاء آخرين هو البياض الذي يعقب الحمرة بعد غياب الشمس، فغياب الشفق لصلاة العشاء هو غياب الحمرة بعد الغياب، أو غياب بياض النهار بعد الحمرة. قال بن الْأَثِيرِ: (الشَّفَقُ مِنَ الْأَضْدَادِ يَقَعُ عَلَى الْحُمْرَةِ الَّتِي تُرَى فِي الْمَغْرِبِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَعَلَى الْبَيَاضِ الْبَاقِي فِي الْأُفُقِ الْغَرْبِيِّ بَعْدَ الْحُمْرَةِ الْمَذْكُورَةِ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ).

أما الفجر الذي يجب عنده الإمساك فهو آذان الفجر والصلاة، وفي حديث مسلم المذكور « فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ…» وفي رواية « فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ بِغَلَسٍ، فَصَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ…» وفي حديث الترمذي عندما أمّ جبريل الرسولَ صلى الله عليه وسلم ورد «ثُمَّ صَلَّى الفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الفَجْرُ، وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ…». ومعنى “بغلس” قال ابن الأثير: الغلس ظلمة الليل إذا اختلطت بضوء الصباح.

والفجر هنا هو الفجر الصادق أي تغير في ظلمة الليل نحو البياض، حتى ولو كانت ظلمة الليل جزئية كما عندكم، فإذا تغيرت هذه الظلمة إلى بياض ينتشر في الأفق معترضاً فهو الفجر الصادق، فتمسك عنده وتصلي، وهو يختلف عن الفجر الكاذب الذي هو تغيير في ظلمة اللليل إلى البياض، ولكنه بياض يظهر عمودياً صاعداً نحو السماء ليس منتشراً أفقيا، وهذا لا تجوز صلاة الفجر عنده لأنه من الليل فتأكل وتشرب… أي ليس شرطاً أن تمسك عنده.

والبياض الذي يخالط ظلمة الليل عند الفجر الصادق لا يعني أن ترى كل شيء بل وأنت تراقب الأفق عند المشرق تجد أن الظلمة “الجزئية” قد بدأت بالانقشاع، أي الرؤية أصبحت تنتشر يميناً وشمالاً عند الأفق باختلافٍ عما قبلها.

قال ابن حجر في فتح الباري لابن حجر عند شرح حديث مسلم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ - أَوْ أَحَدًا مِنْكُمْ - أَذَانُ بِلاَلٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ - أَوْ يُنَادِي بِلَيْلٍ - لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ، وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الفَجْرُ - أَوِ الصُّبْحُ -» وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا إِلَى فَوْقُ وَطَأْطَأَ إِلَى أَسْفَلُ حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا وَقَالَ زُهَيْرٌ: «بِسَبَّابَتَيْهِ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الأُخْرَى، ثُمَّ مَدَّهَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ» قال ابن حجر: (… وَالصُّبْحُ يَأْتِي غَالِبًا عَقِبَ نَوْمٍ فَنَاسَبَ أَنْ يُنَصَّبَ مَنْ يُوقِظُ النَّاسَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا لِيَتَأَهَّبُوا وَيُدْرِكُوا فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ… وَكَذَا قَوْلُهُ “وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا” أَيْ أَشَارَ… قَوْلُهُ “إِلَى فَوْقُ” بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ وَكَذَا “أَسْفَلُ” … وَكَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ ثُمَّ فَرَّقَهُمَا لِيَحْكِيَ صِفَةَ الْفَجْرِ الصَّادِقِ لِأَنَّهُ يَطْلُعُ مُعْتَرِضًا ثُمَّ يَعُمُّ الْأُفُقَ ذَاهِبًا يَمِينًا وَشِمَالًا بِخِلَافِ الْفَجْرِ الْكَاذِبِ وَهُوَ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ ذَنَبُ السِّرْحَانِ فَإِنَّهُ يَظْهَرُ فِي أَعْلَى السَّمَاءِ ثُمَّ يَنْخَفِضُ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ رَفَعَ وَطَأْطَأَ رَأْسَهُ…) ومعترضاً أي عريضاً أفقياً.

والخلاصة: حيث لا إمساكية معتمدة للمنطقة عندكم، عليه فاصنع ما يلي:

? عند الغروب تفطر…

? وعند ظهور بياض أفقي أكثر من حالة الظلمة “الجزئية” التي تقول إنها تكون عندكم في الليل، أي عندما ترى تغيراً فيها لافتاً للنظر نحو البياض الأفقي يميناً وشمالاً عند جهة المشرق فهو الفجر الصادق، فتمسك وتصلي الفجر…

? فاجتهد في ذلك ما أمكنك، وابذل الوسع فيه، واستعن بإخوانك عندك واستشرهم، وافطر وأمسك على ذلك، واحتط لنفسك عند الإمساك والإفطار، والله غفور رحيم ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] وقال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البيهقي في سننه الكبرى «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ».

تقبل الله منا ومنك ومن المسلمين الصيام والقيام، والله معك.

العاشر من رمضان 1432هــ / 10/8/2011م

حول الدعاء

**السؤال: حدث نقاش في إحدى الجلسات حول موضوع الدعاء، خاصه ما ورد في المفاهيم فكان أخذ ورد: هل الدعاء فقط لطلب الثواب؟ أو يمكن أن يكون له نتيجة محسوسة؟ وهل طريقة تنفيذ الفكرة الإسلامية لا يدخلها الدعاء، بل هي أعمال مادية تحقق نتائج محسوسة؟ وهل اقتران هذه الأعمال بالدعاء مخالف لطريقة الإسلام؟ وماذا عن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا» قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ: «اللَّهُ أَكْثَرُ». أي أن هناك نتائج محسوسة تحدث من الدعاء كأن يُعجل الله تحقيق حاجة الداعي في الدنيا؟ كما أن الله منّ على عباده بأنه سبحانه يجيب دعوة المضطر إذا دعاه في الآية الكريمة؟( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ)´…

نرجوا توضيح هذا الأمر وجزاكم الله خيرا؟ **

الجواب: يبدو أن هناك التباساً في فهم ما ورد في صفحتي 57 و58 من المفاهيم، فالذي ورد عن الدعاء فيهما وأنه يحقق نتائج غير محسوسة “الثواب” كان في سياق حالة معينة وهي أن تكون النصوص الشرعية قد بيّنت طريقة لتنفيذ مسألة ما، فلا نستعملها بل نكتفي بالدعاء وحده، وضرب الكتاب مثلاً بالجهاد والدعاء تجاه فتح حصن أو قتال عدو…

وأما في غير هذه الحالة فالدعاء قد ينتج عنه نتائج محسوسة بإذن الله، بالإضافة إلى الثواب كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الوارد في السؤال.

وحتى يكون الأمر واضحاً، فسأستعرض ما ورد في صفحتي 57 و58 من المفاهيم:

1- جاء في أوائل صفحة 57: (والمدقق في هذه الأعمال التي دلت عليها الأحكام الشرعية المتعلقة بالطريقة يجد أنّها أعمال مادية تحقق نتائج محسوسة وليست هي أعمالاً تحقق نتائج غير محسوسة…)انتهى.

وهذا صحيح، فباستقراء الأدلة تبيّن أن أعمال الطريقة تحقق نتائج محسوسة.

2- ثم قارن الكتاب بعد النص السابق بين الدعاء والجهاد في حالة فتح حصن أو مدينة أو قتل العدو، فرأى أن الدعاء وحده ليس من الطريقة، وأن الجهاد هو الطريقة في هذه الحالة، وذلك وفق الأدلة الواردة…

جاء في المفاهيم: (…فمثلاً الدعاء عمل يحقق قيمة روحية، والجهاد عمل مادي يحقق قيمة روحية، لكن الدعاء وإن كان عملاً مادياً فإنه يحقق نتيجة غير محسوسة وهي الثواب، وإن كان قصد القائم بالدعاء تحقيق قيمة روحية، بخلاف الجهاد فإنه قتال الأعداء وهو عمل مادي يحقق نتيجة محسوسة وهي فتح الحصن أو المدينة أو قتل العدو وما شاكل ذلك، وإن كان قصد المجاهد هو تحقيق القيمة الروحية…)

فالمقارنة هنا هي بين الدعاء والجهاد عند قتال الأعداء أو فتح حصن…:

فإذا عُمل بالدعاء وحده فهو يحقق نتيجة غير محسوسة وهي الثواب، وذلك لأن الطريقة التي وردت في هذه الحالة هي الجهاد وليست الدعاء، فالموضوع هو مقارنة بين الدعاء إذا استعمل وحده في مسألة دون استعمال الطريقة التي بُيِّنت لهذه المسألة.

ولا يجوز تعميم هذه الحالة بجعل الدعاء في حالات أخرى لا أثر له في النتائج المحسوسة وإنما يحقق فقط الثواب! لأن الوارد في الفقرة السابقة يتعلق بمسألة لها طريقة عملية في الشرع لم تُؤخذ، وإنما أُخِذ بدلها الدعاء وحده، فكان للدعاء نتيجة غير محسوسة وهي الثواب.

ويبدو أن الالتباس جاء من جملة وردت في المثال الذي ضرب، فقد ورد " لكن الدعاء وإن كان عملاً مادياً فإنه يحقق نتيجة غير محسوسة وهي الثواب…"، فصارت الجملة عند بعضكم مظنة العموم، أي أن الدعاء في جميع حالاته لا يحقق إلا نتائج غير محسوسة “الثواب”، في حين أن سياق المثل هو في حالة معينة، وهي استعمال الدعاء وحده في فتح حصن أو هزيمة عدو دون الأخذ بالطريقة التي وردت بها النصوص “الجهاد”.

3- أما الدعاء مع الأخذ بالأسباب، فله أثر في النتائج، وهو ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه صحابته رضوان الله عليهم، فالرسول صلى الله عليه وسلم يُعدّ الجيش ويدخل العريش يدعو، والمسلمون في القادسية يعدون العدة لاقتحام النهر وسعد رضي الله عنه يُقبل على الله يدعو… وهكذا المؤمنون الصادقون يعدون العدة ويشرعون في الدعاء، فالساعي لطلب الرزق يجدُّ ويكدُّ وهو يدعو، والطالب يدرس ويجتهد وهو يدعو الله سبحانه بالنجاح، ويكون لذلك أثر في النتائج بإذن الله.

جاء في المفاهيم في آخر صفحة 58: (إلاّ أنه يجب أن يعلم أنه وإن كان العمل الذي دلت عليه الطريقة عملاً مادياً له نتائج محسوسة، لكن لا بد أن يسيّر هذا العمل بأوامر الله ونواهيه، وأن يقصد من تسييره بأوامر الله ونواهيه رضوان الله. كما أنه لا بد أن يسيطر على المسلم إدراكه لصلته بالله تعالى فيتقرب إليه بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن ونحوها، ويجب أن يعتقد المسلم أن النصر من عند الله. ولذلك كان لا بد من التقوى المتركزة في الصدور لتنفيذ أحكام الله، وكان لا بد من الدعاء ولا بد من ذكر الله، ولا بد من دوام الصلة بالله عند القيام بجميع الأعمال.). وواضح منه أهمية أن يقترن الدعاء بالأخذ بالأسباب في جميع أعمال المؤمن، وزاد هذه الأهمية تكرار كلمة “لا بد” للدلالة على بالغ الأهمية بأن تقترن جميع الأعمال بالدعاء ودوام الصلة بالله…

4- إن استعمال الدعاء مع الأخذ بالأسباب هو، كما قلنا، الذي كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه رضي الله عنهم والمؤمنون، وهما إذا اقترنا كان لهما أثر في النتائج بإذن الله، واستعمالهما معاً لا يخالف طريقة الإسلام، بل ما يخالفها هو الاقتصار على الدعاء وحده دون الطريقة التي بينتها النصوص لتنفيذ الفكرة الإسلامية.

جاء في المفاهيم في آخر صفحة 57 وأول صفحة 58: (ولذلك ينكر كل الإنكار أن تكون جميع الأعمال التي يراد بها تنفيذ فكرة الإسلام أعمالاً تحقق نتيجة غير محسوسة ويعتبر ذلك مخالفاً لطريقة الإسلام…).

أي أن المخالف لطريقة الإسلام هو “أن تكون جميع الأعمال التي يراد بها تنفيذ فكرة الإسلام أعمالاً تحقق نتائج غير محسوسة”، أما أن يكون بعضها يحقق نتائج غير محسوسة “الدعاء في حالات معينة” مع أعمال تحقق نتائج محسوسة “الإعداد المادي”، فهذا أمر وارد ومهم، وهو غير مخالف لطريقة الإسلام.

5- وهكذا فإنّ ما جاء في المفاهيم عن الدعاء هو في حالتين:

الأولى: أن يرد وحده في تنفيذ فكرةٍ ليس هو من طريقة تنفيذها، وإنما نصت النصوص على طريقة أخرى لتنفيذها، كالدعاء وحده في حالات قتال العدو، بأن نقف أمام حصن لنفتحه دون إعداد جيش للقتال، بل بالدعاء وحده، ففي هذه الحالة لا يحقق الدعاء سوى نتائج غير محسوسة “الثواب”.

الثانية: اقتران الدعاء بالأسباب، وهذا أمر لا بد منه، وفي هذه الحالة يشتركان “هو والأخذ بالأسباب” بالتأثير في النتائج بإذن الله.

ولم يرد في “المفاهيم” عن الدعاء شيءٌ في حالات أخرى، بل تلك يشملها الحديث العام الذي أخرجه أحمد في مسنده: عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا» قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ: «اللَّهُ أَكْثَرُ»، أي يستجيب الله سبحانه للداعي بإحدى ثلاث، ومن بينها « إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ».وهي نتيجة محسوسة.

6- وعليه فإن هناك نتائج محسوسة ممكنة للدعاء في غير الحالة التي ذكرت في المفاهيم، حيث ذكر الحديث إحدى الثلاث «أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ» وهذه نتيجة محسوسة، ومثل هذا ما يحدث بصلاة الاستسقاء “وهو دعاء” من تحقيق نتائج محسوسة بنزول الغيث، وما يحدث بالرُّقية “وهي دعاء” من تحقيق نتائج محسوسة بشفاء المريض، كما يحدث من التداوي بالدواء المادي…

وقد منَّ الله على عباده في آياته بأنه سبحانه يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، وجعل هذه الإجابة في موقع البرهان على أن لا إله إلا الله، وواضح من كل ذلك أن إجابة المضطر هنا هي في الدنيا، فكلمة مضطر هي وصف مفهم بطلب حاجة في الدنيا، فالإجابة تكون محسوسة بإذن الله، يقول سبحانه: ï´؟ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ï´¾.

وقد أمرنا الله سبحانه بالدعاء ووعدنا بالإجابة ï´؟ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ï´¾، وقد فسّر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الاستجابة بأنها «إِحْدَى ثَلَاثٍ» ومن بينها النتيجة المحسوسة، وبطبيعة الحال فإن تحقيق النتائج، سواء أكانت محسوسة أم غير محسوسة، فكل ذلك بإذن الله سبحانه.

والخلاصة:

  • ما ورد في المفاهيم هو:

أ- الطريقة أعمال تحقق نتائج محسوسة.

ب- مقارنة بين الدعاء وحده والجهاد في موضوع فتح حصن أو قتال عدو… فالدعاء لا يؤدي هنا نتيجة محسوسة، بل فقط الثواب، فهو وحده ليس من طريقة فتح الحصن أو قتال العدو…

ج- لا يصح أن تكون جميع الأعمال التي يراد بها تنفيذ فكرة الإسلام أعمالاً تؤدي نتائج غير محسوسة، بل يمكن أن تكون مزيجاً من أعمال تحقق نتائح محسوسة مع أعمال تحقق نتائج غير محسوسة كإعداد الجيش للقتال مع الدعاء لله سبحانه بالنصر.

د- الدعاء أمر ضروري للمسلم خلال قيامه بأعمال الطريقة… كما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم.

  • هذا هو ما جاء في المفاهيم عن حالة الدعاء التي لا تتعدى الثواب، أي في حالة استعمال الدعاء وحده لمسألة ما كفتح حصن…، وعدم الأخذ بالطريقة التي بينتها النصوص الشرعية لتلك المسألة وهي هنا الجهاد.

وأما حالات الدعاء الأخرى فهي واقعة تحت الحديث العام للرسول صلى الله عليه وسلم «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا» قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ: «اللَّهُ أَكْثَرُ» أخرجه أحمد في مسنده.

ومنه يتبيّن أن الله سبحانه قد يحقق حاجة الداعي في الدنيا، وهي محسوسة، أو يصرف عن الداعي من السوء مثلها في الدنيا، وهي محسوسة، أو يدخرها له يوم القيامة وهو الثواب الذي هو نتيجة غير محسوسة.

والله سبحانه ذو الفضل العظيم، فهو الرحمن الرحيم يكرم عبده بثواب الدعاء حتى وإن أجاب دعوته في الدنيا، فالحمد لله رب العالمين.

الرابع من ذي القعدة 1432هـ/1/10/2011

في الطّهارة**
ماذا لو إذا وجد المتوضئ في أصابعه طلاء أثناء الوضوء فهل الاشتغال بحكة وإزالته يقطع المولاة ويلزمه إعادة الوضوء ؟
الجواب :

لا تنقطع المولاة بذلك - على الراجح - ولو جفت أعضاءه لأنه تأخر بعمل يتعلق بطهارته ، وكذلك لو انتقل من صنبور إلى صنبور لتحصيل الماء نحو ذلك.

ماذا لو كان مسافراً بالطائرة في رحلة من الرحلات الطويلة فأصابته جنابة ولا يستطيع الأغتسال وليس في الطائرة شئ يجوز التيمم عليه ، ولو انتظر حتى يصل إلى البلد الآخر لخرج وقت الصلاة التي لا تجمع كالفجر أو وقت جمع الصلاتين كالظهر والعصر ؟
الجواب :

إذا سلمنا أنه لا يستطيع الاغتسال في الطائرة فإن هذه المسألة تسمي عند الفقهاء بمسألة فاقد الطهورين ، وقد تباينت أوقوالهم فيها ورأي الإمام أحمد وجمهور المحدثين أنه يصلي على حاله وهذه قدرته واستطاعته ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها والدليل الخاص في هذا المسألة ما رواه مسلم في صحيحه أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، بعث أناساً لطلب قلادة أضلتها عائشة فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء (لعدم وجود ماء ) فأتوا النبي ، صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فنزلت آية التيمم ، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، ولا أمرهم الإعارة فدل على أنها غير واجبة ولان الطهارة شرط فلم تؤخر الصلاة عند عدمها ، ومثل هذه الحالة قد تقع لبعض المرضي الذين لا يستطيعون تحريك أعضائهم مطلقاً أو السجناء في بعض الأوضاع كالمقيد والمعلق ، المقصود أن يؤدي ولا يخرجها عن وقتها بحسب حالة ولا إعادة عليه على الصحيح وما جعل الله علينا في الدين من حرج .

ماذا لو أسقطت المرأة ونزل عليها الدم فهل تصلي أم لا ؟؟
الجواب:
هذه المسألة مبنية على نوع الدم هل هو نافس أو استحاضة وقد ذكر العلماء الضباط في ذلك فقالوا : ( إذا رأت الدم بعد وضع شئ يتبين فيه خلق الإنسان فهو نفاس وإن رأته بعد إلقاء نطفة أو علقة فليس بنفاس .
وفي هذه الحالة تكون مستحاضة تتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها وتصلي أما إذا أما إذا كان الذي سقط جنيناً متخلقاً أو فيه آثار لتخطيط أحد الأعضاء كيد أو رجل أو رأس فإنه نفاس ،
وإن قالت إنهم أخذوه في المستشفي فرموه ولم أره فقد ذكر أهل العلم أن أقل زمن يتبين فيه التخطيط واحد وثمانون يوماً من الحمل بناء على
ما جاء في حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ، قال حدثنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق فقال إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكاً يؤمر بأربع كلمات ويقال له اكتب علمه ورزقه وشقي أو سعيد .
فمثل هذه تجتهد وتستعين بتقديرات الأطباء حتى يتبين لها حالها وأما الدم النازل قبيل الولادة فإن كان مصحوباً بآلام الطلق فهو نفاس وإلا فلا ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما تراه حين تشرع في الطلق فهو نفاس ،ومراده طلق يعقبه ولادة وإلا فليس بنفاس ).

في الصلاة
ماذا لو كان يصلي الوتر وأثناء صلاته أذن المؤذن لصلاة الفجر فهل يكمل وتره ؟
الجواب:
نعم إذا أذن وهو أثناء الوتر فأنه يتم الصلاة ولا حرج عليه والمسألة تدخل في قضية وقت الوتر هل هو إلى طلوع الفجر أم إلى انتهاء صلاة الصبح وقول الجمهور إلى طلوع الفجر .

حاتم الشرباتي كتب:
ماذا لو فاتته صلاة العصر مثلا فجاء إلى المسجد فوجد المغرب قد اقيمت فماذا يفعل ؟

الجواب:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالي يصلي المغرب مع الإمام ثم يصلي العصر باتفاق الأئمة ، ولكن هل يعيد المغرب فيه قولان :
أحدهما : يعيد وهو وقول بان عمر ومالك وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه .

الثاني : لا يعيد وهو قول ابن عباس وقول الشافعي والقول الآخر من مذهب أحمد .

والثاني اصح فإن الله لم يوجب على العبد أن يصلي الصلاة مرتين إذا اتقيالله ما استطاع والله أعلم .

إذا أتي ماسفر على جماعة يصلون لكنه لايدري هل الإمام مسافر فيدخل معه بنية القصر أم مقيم فيتم وراءه فالاظهر أنه يعمل بما ترجح لديه من القرائن كرؤية حليه المسافر وآثار المسفر على الإمام فإن ، رجح أنه مقيم فيتم .

الدليل : مارواه الإمام أحمد بسنده عن ابن عباس أنه سئل : ( مابال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد وأربعاً إذا أئتم بمقيم فقال :

تلك السنة وفي رواية أخرى (تلك سنة أي القاسم ,إن رجح أنه مسافر فصلى معه بنية القصر ركعتين ، وبعدما سلم مع الإمام تبين له أن الإمام مقيم وأن الركعتين صلاهما الثالثة والرابعة للإمام ، فيقوم ويأتي بركعتين لبتم بهما اللتين ، صلاهما هما الثالثة والرابعة للإمام فيقوم ويأتي بركعتين ليتم الصلاة ،ويسجد للسهو ، ولا يضره ماحصل منه الكلام والسؤال لمصلحة صلاته .

ماذا لو عجز المصلي عن القيام فجأة أثناء الصلاة أو كان عاجزاً عن القيام فصلى قاعداً ثم استطاع القيام أثناء الصلاة فماذا يفعل ؟
الجواب:
قال ابن قدامة رحمه الله ، ومتي قدر المريض أثناء الصلاة على ما كان عاجزاً عنه من قيام أو قعود أو ركوع أو سجود أوإيماء انتقل إليه وبنى على ما مضي من صلاته ،وهكذا لو كان قادراً فعجز في أثناء الصلاة أتم صلاته على حسب حالة لأن مامضى من الصلاة كان صحيحاً فيبني عليه كما لو لم يتغير حالة .

والدليل حديث عمران بن حصين رضى الله عنه ، قال : كان بي بواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم ، عن الصلاة فقال : صلى قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلي جنب .
ماذا لو صلى إنسان في مسجد ثم أتي مسجداً آخر لدرس أو حاجة فوجدهم يصلون؟
الجواب:
فإنه يدخل معهم في الصلاة ويحسبها نافلة حتى لو ان في وقت من أوقات النهي لأنها صلاة ذات سبب والدليل مارواه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في سننه في باب ماداء في الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة من حديث يزيد بن الأسود ، رضى الله عنه ، قال شهدت مع النبي ن صلى الله عليه وسلم ، حجته فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف ، قال فلما قضى صلاته

وأنحرف إذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه ، فقال : على بهما فجيئ بهما ترعد فرائصهما ، فقال ما منعكما أن تصليا معناً ،

فقالا : يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في رحالنا ، قال : فلا تفعلا ، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنهما لكما نافلة ،

وفي حديث أنهما أتيا بعد صلاة الفجر وقت نهي ، وأخرج مالك الموطأ في باب ماجاء في إعادة الصلاة مع الإمام بعد صلاة الرجل لنفسه عن محجن رضى الله عنه

أنه كان في مجلس مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فإذن بالصلاة فقام رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ( ما منعك أن صلي مع الناس ألست برجل مسلم ، قال بلي يا رسول الله عليه وسلم ، إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت .

الصلاة
السؤال:
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
لاحظت يوم الجمعة أنه إذا دخل أحد للمسجد وصلى تحية المسجد ينهاه بعض الناس عن ذلك. وفي مرة قطع الإمام خطبته وأخذ يكلم الناس: يا إخوان، تحية المسجد والإمام يخطب حرام. وبعد الخطبة ذهب أخ للإمام وسأله لماذا قال ذلك ويريد أن يناقشه فرد الإمام: نحن في تونس مالكية، وانصرف دون أن يسمع كلام الأخ. نرجو منكم أن تفيدونا في هذا وبارك الله فيكم.

الجواب:
الكاتب: ياسين بن علي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
كنا نود لو شرح لنا السائل الكريم واقعة الحال هذه بكيفية مفصلة حتى تكتمل الصورة ونستوعب الموقف بدقة. على كل حال، فنظرا لأهمية المسألة، سنحاول في هذا المقام الإلمام بمختلف القضايا التي أثارها السؤال. فنقول وبالله التوفيق:

  1. اختلف العلماء في تحية المسجد أثناء الخطبة:

· رأي الشافعية: قال النووي (في المجموع، ج4ص427-428): “قال أصحابنا: إذا جلس الإمام على المنبر امتنع ابتداء النافلة، ونقلوا الإجماع فيه. وقال صاحب الحاوي: إذا جلس الإمام على المنبر حرم على من في المسجد أن يبتدئ صلاة النافلة، وإن كان في صلاة جلس، وهذا إجماع… وأما إذا دخل داخل والإمام جالس على المنبر أو في أثناء الخطبة فيستحب له أن يصلي تحية المسجد ركعتين ويخففهما ويكره تركهما للحديث الصحيح: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين…”.

· رأي الحنابلة: قال شمس الدين ابن قدامة المقدسي (في الشرح الكبير مع الإنصاف، ج5 ص298-300): “(ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يركع ركعتين، يوجز فيهما)… فإن جلس قبل أن يركع استحبّ له أن يقوم فيركع… وينقطع التطوّع بجلوس الإمام على المنبر، فلا يصلي أحد غير الداخل، يصلي تحية المسجد…”.

· رأي الأحناف: قال ابن مودود الموصلي (في الاختيار لتعليل المختار، ج1ص84): “وتكره الصلاة والإمام يخطب”. وقال الكاساني (في بدائع الصنائع، ج1ص263): “وأما محظورات الخطبة فمنها أنه يكره الكلام حالة الخطبة وكذا قراءة القرآن وكذا الصلاة…”.

· رأي المالكية: قال خليل: “وحرم… وابتداء صلاة بخروجه وإن لداخل”. قال صالح عبد السميع الأبي (في جواهر الإكليل، ج1ص105): “(وابتداء صلاة) نافلة فتحرم (بـ)مجرد (خروجه) أي الإمام للخطبة على جالس في المسجد قبل خروجه ويقطع سواء أحرم بهما عامدا أو جاهلا أو ناسيا عقد ركعة أو لا بل (وإن لداخل) المسجد حال خروج الإمام للخطبة أو بعده… وقيل يجوز النفل للداخل كمذهب الشافعي رضي الله عنه…”. وقال القاضي عبد الوهاب (في الإشراف، ج1 ص328): “إذا دخل والإمام يخطب جلس ولم يركع تحية المسجد، خلافا للشافعي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغوت…”.

وقد لخّص ابن رشد الحفيد أصل الخلاف في المسألة فقال (في بداية المجتهد، ج1 ص132): "اختلفوا فيمن جاء يوم الجمعة والإمام على المنبر: هل يركع أم لا ؟ فذهب بعضهم إلى أنه لا يركع وهو مذهب مالك، وذهب بعضهم إلى أنه يركع. والسبب في اختلافهم معارضة القياس لعموم الأثر؛ وذلك أن عموم قوله عليه الصلاة والسلام “إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين” يوجب أن يركع الداخل في المسجد يوم الجمعة وإن كان الإمام يخطب، والأمر بالإنصات إلى الخطيب يوجب دليله أن لا يشتغل بشيء مما يشغل عن الإنصات وإن كان عبادة. ويؤيد عموم هذا الأثر ما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام “إذا جاء أحدكم المسجد والإمام يخطب فليركع ركعتين خفيفتين” خرجه مسلم في بعض رواياته، وأكثر رواياته “أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر الرجل الداخل أن يركع” ولم يقل إذا جاء أحدكم، الحديث. فيتطرّق إلى هذا الخلاف في: هل تقبل زيادة الراوي الواحد إذا خالفه أصحابه عن الشيخ الأول الذي اجتمعوا عليه في الرواية عنه أم لا؟ فإن صحت الزيادة وجب العمل بها فإنها نص في موضع الخلاف والنص لا يجب أن يعارض بالقياس، لكن يشبه أن يكون الذي راعاه مالك في هذا هو العمل.

هذا رأي المذاهب في المسألة، وأما قولنا فيها فليس بمهم؛ لأنه لا يرفع الخلاف.

  1. تبيّن معنا مما سبق، أنّ المسألة محلّ خلاف بين أهل العلم، ولكلّ منهم دليله الذي يعتمد عليه في فهم الحكم الشرعي. وإذا كانت المسألة محلّ خلاف، فالأصل أن يعمل فيها كلّ واحد بما غلب على ظنّه أنّه الراجح والصواب، مع التماس العذر لمخالفه. وأمّا التعصّب للمذهب بإلغاء الرأي المخالف فلا يجوز. قال الشيخ الطاهر ابن عاشور رحمه الله مبينا الأسباب التي أدت إلى تأخر الفقه (في أليس الصبح بقريب، ص175-176): “الأول: التعصّب للمذاهب والعكوف على كلام إمام المذهب واستنباط الحكم منه بالالتزام أو نحوه… وفي قواعد المقرّي: قاعدة لا يجوز التعصّب للمذاهب…”.

  2. قول الإمام: “يا إخوان، تحية المسجد والإمام يخطب حرام”. هذا القول، إنما قاله الإمام لتلهيب الجهلة، ولتهييج التعصب وإذكاء ناره. عن جابر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكن في التحريش بينهم” (رواه الترمذي). والأصل، أن يبيّن الإمام اختلاف العلماء في هذه المسألة، وأنّ من صلى تحية المسجد فقد عمل برأي شرعي معتبر فلا إنكار عليه. نعم، للإمام أن ينتصر لقول مالك رضي الله عنه، ولكن عليه أن يبيّن أقوال العلماء وأدلتهم ثمّ يبيّن رأي مذهبه ويبرز أدلته. وللعلم، فإنّ قول مالك في المسألة قويّ يدلّ على عمق علمه وفقهه، ولكن من الناس من أفسد علم مالك بجهله. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

هذا أمر، والأمر الآخر أنّ على الإمام في مثل هذه الحالة أن يراعي ما يلي:

  • قد يريد بعض الناس قضاء الصبح، ويخجل من ذكر ذلك، فهل نلزمه بالتصريح به. قال الحطاب الرعيني (في مواهب الجليل، ج2 ص551-552): “وأما إذا ذكر المستمع للخطبة منسية، فقال ابن ناجي قال عبد الحميد في استلحاقه قال أصحابنا: يقوم فيصلي وهو صحيح لأن الصلاة التي ذكرها فرض، وظاهره أنه يصليها بالمسجد ولا يخرج وهو أخف من خروجه في بعض الحالات انتهى. وقال البرزلي في أول مسألة من مسائل الصلاة: إذا ذكر صلاة الصبح والإمام يخطب فليصلها بموضعه ويقول لمن يليه: أصلي الصبح إن كان ممن يقتدي به وإلا فليس عليه ذلك… في نوازل ابن الحاج: إذا ذكر الصبح والإمام يخطب فليقم وليصلها بموضعه ويقول لمن يليه: أنا أصلي الصبح إن كان ممن يقتدي به وإلا فليس عليه ذلك…”. فيخشى بعد هذه الفتنة أن يخجل الناس من صلاة فرضهم.

  • من علماء المذهب المالكي من يقول بجواز صلاة تحية المسجد لداخل والإمام يخطب. قال خليل في التوضيح (نسخة رسالة دكتوراه، جامعة أم القرى، ج1 ص455-456): “لا يبتدئ الداخل التحية بعد خروج الإمام على الأصح… ومقابل الأصح للسّيوري أن الركوع أولى، وهو مذهب الشافعي لحديث سليك الغطفاني…”. وقال الدسوقي (في حاشيته، ج1 ص388): “قوله: (وإن لداخل) أي بل وإن كان ذلك الذي ابتدأ صلاة النافلة في حال خروج الخطيب داخل المسجد، ولو قال: ولو لداخل كان أولى لأن السيوري جوزه للداخل حال خروج الإمام للخطبة وهو من أهل المذهب…”. وكما ترى فقد أخذ علماء المذهب بعين الاعتبار قول السيوري وهو من أهل المذهب، فكان على الإمام أن يقتدي بهم وأن يراعي الخلاف في المسألة، فلا يشهّر بقول المخالف مع وجود المخالف داخل المذهب المالكي ذاته.

  1. قول الإمام: “نحن في تونس مالكية”. هذا القول يدلّ على جهل وتعصّب. ذلك أن تونس فيها المالكية وهم أغلبية، وفيها الأحناف والإباضية وهم أقلية، وإذا جاز وجود هؤلاء أفلا يجوز وجود غيرهم كالحنابلة والشافعية وهم من أهل السنة؟ بل إن تونس تفتح أبوابها للعلماني والملحد، فهل تغلقه في وجه الحنبلي والشافعي المسلم؟ هذا والله أعلم.

نسأل الله تعالى أن يرينا الحقّ حقّا فنتبعه والباطل باطلا فنجتنبه.

**الأثر المادي للدعاء **

السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخي العزيز، بعد التحية، أود أن تساعدني في أن أجد ضالتي في مسألة الدعاء… فقد ورد في القران الكريم أن الله مجيب الداعي إذا دعاه. وقد بينت لنا السنة أن استجابة الدعاء قد تكون عاجلا أو آجلا أو بما هو أفضل منه في الدنيا أو في الآخرة. والحزب يبين في كتاب مفاهيم حزب التحرير أن الدعاء يحقق قيمة روحية ولكن أثره ونتائجه غير محسوسة أي الثواب. وسؤالي هو كيف يمكن أن تحصر آثار الدعاء في الثواب فقط مع أن الله قد يستجيب الدعاء في الدنيا؟ وبوركت

ألجواب :

(وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

يبدو أنك تشير إلى ما ورد في المفاهيم في صفحتي 57، 58، وأن الموضوع قد التبس عليك، والمسألة كما يلي:

إن الذي ورد عن الدعاء فيهما وأنه يحقق نتائج غير محسوسة “الثواب” كان في سياق حالة معينة وهي أن تكون النصوص الشرعية قد بيّنت طريقة لتنفيذ مسألة ما، فلا نستعملها بل نكتفي بالدعاء وحده، وضرب الكتاب مثلاً بالجهاد والدعاء تجاه فتح حصن أو قتال عدو…

وأما في غير هذه الحالة فالدعاء قد ينتج عنه نتائج محسوسة بإذن الله، بالإضافة إلى الثواب كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الوارد في السؤال.

وحتى يكون الأمر واضحاً، فسأستعرض ما ورد في صفحتي 57، 58، من المفاهيم:

1- جاء في أوائل صفحة 57: (والمدقق في هذه الأعمال التي دلت عليها الأحكام الشرعية المتعلقة بالطريقة يجد أنّها أعمال مادية تحقق نتائج محسوسة وليست هي أعمالاً تحقق نتائج غير محسوسة…) انتهى.

وهذا صحيح، فباستقراء الأدلة تبيّن أن أعمال الطريقة تحقق نتائج محسوسة.

2- ثم قارن الكتاب بعد النص السابق بين الدعاء والجهاد في حالة فتح حصن أو مدينة أو قتل العدو، فرأى أن الدعاء وحده ليس من الطريقة، وأن الجهاد هو الطريقة في هذه الحالة، وذلك وفق الأدلة الواردة…

جاء في المفاهيم: (…فمثلاً الدعاء عمل يحقق قيمة روحية، والجهاد عمل مادي يحقق قيمة روحية، لكن الدعاء وإن كان عملاً مادياً فإنه يحقق نتيجة غير محسوسة وهي الثواب، وإن كان قصد القائم بالدعاء تحقيق قيمة روحية، بخلاف الجهاد فإنه قتال الأعداء وهو عمل مادي يحقق نتيجة محسوسة وهي فتح الحصن أو المدينة أو قتل العدو وما شاكل ذلك، وإن كان قصد المجاهد هو تحقيق القيمة الروحية…)

فالمقارنة هنا هي بين الدعاء والجهاد عند قتال الأعداء أو فتح حصن…:

فإذا عُمل بالدعاء وحده فهو يحقق نتيجة غير محسوسة وهي الثواب، وذلك لأن الطريقة التي وردت في هذه الحالة هي الجهاد وليست الدعاء، فالموضوع هو مقارنة بين الدعاء إذا استعمل وحده في مسألة دون استعمال الطريقة التي بُيِّنت لهذه المسألة.

ولا يجوز تعميم هذه الحالة بجعل الدعاء في حالات أخرى لا أثر له في النتائج المحسوسة وإنما يحقق فقط الثواب! لأن الوارد في الفقرة السابقة يتعلق بمسألة لها طريقة عملية في الشرع لم تُؤخذ، وإنما أُخِذ بدلها الدعاء وحده، فكان للدعاء نتيجة غير محسوسة وهي الثواب.

ويبدو أن الالتباس جاء من جملة وردت في المثال الذي ضرب، فقد ورد “لكن الدعاء وإن كان عملاً مادياً فإنه يحقق نتيجة غير محسوسة وهي الثواب…”، فصارت الجملة كأنها مظنة العموم، أي أن الدعاء في جميع حالاته لا يحقق إلا نتائج غير محسوسة “الثواب”، في حين أن سياق المثل هو في حالة معينة، وهي استعمال الدعاء وحده في فتح حصن أو هزيمة عدو دون الأخذ بالطريقة التي وردت بها النصوص “الجهاد”.

3- أما الدعاء مع الأخذ بالأسباب، فله أثر في النتائج، وهو ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه صحابته رضوان الله عليهم، فالرسول صلى الله عليه وسلم يُعدّ الجيش ويدخل العريش يدعو، والمسلمون في القادسية يعدون العدة لاقتحام النهر وسعد رضي الله عنه يُقبل على الله يدعو… وهكذا المؤمنون الصادقون يعدون العدة ويشرعون في الدعاء، فالساعي لطلب الرزق يجدُّ ويكدُّ وهو يدعو، والطالب يدرس ويجتهد وهو يدعو الله سبحانه بالنجاح، ويكون لذلك أثر في النتائج بإذن الله.

جاء في المفاهيم في آخر صفحة 58: (إلاّ أنه يجب أن يعلم أنه وإن كان العمل الذي دلت عليه الطريقة عملاً مادياً له نتائج محسوسة، لكن لا بد أن يسيّر هذا العمل بأوامر الله ونواهيه، وأن يقصد من تسييره بأوامر الله ونواهيه رضوان الله. كما أنه لا بد أن يسيطر على المسلم إدراكه لصلته بالله تعالى فيتقرب إليه بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن ونحوها، ويجب أن يعتقد المسلم أن النصر من عند الله. ولذلك كان لا بد من التقوى المتركزة في الصدور لتنفيذ أحكام الله، وكان لا بد من الدعاء ولا بد من ذكر الله، ولا بد من دوام الصلة بالله عند القيام بجميع الأعمال.). وواضح منه أهمية أن يقترن الدعاء بالأخذ بالأسباب في جميع أعمال المؤمن، وزاد هذه الأهمية تكرار كلمة “لا بد” للدلالة على بالغ الأهمية بأن تقترن جميع الأعمال بالدعاء ودوام الصلة بالله…

4- إن استعمال الدعاء مع الأخذ بالأسباب هو، كما قلنا، الذي كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه رضي الله عنهم والمؤمنون، وهما إذا اقترنا كان لهما أثر في النتائج بإذن الله، واستعمالهما معاً لا يخالف طريقة الإسلام، بل ما يخالفها هو الاقتصار على الدعاء وحده دون الطريقة التي بينتها النصوص لتنفيذ الفكرة الإسلامية.

جاء في المفاهيم في آخر صفحة 57 وأول صفحة 58: (ولذلك ينكر كل الإنكار أن تكون جميع الأعمال التي يراد بها تنفيذ فكرة الإسلام أعمالاً تحقق نتيجة غير محسوسة ويعتبر ذلك مخالفاً لطريقة الإسلام…).

أي أن المخالف لطريقة الإسلام هو “أن تكون جميع الأعمال التي يراد بها تنفيذ فكرة الإسلام أعمالاً تحقق نتائج غير محسوسة”، أما أن يكون بعضها يحقق نتائج غير محسوسة “الدعاء في حالات معينة” مع أعمال تحقق نتائج محسوسة “الإعداد المادي”، فهذا أمر وارد ومهم، وهو غير مخالف لطريقة الإسلام.

5- وهكذا فإنّ ما جاء في المفاهيم عن الدعاء هو في حالتين:

الأولى: أن يرد وحده في تنفيذ فكرةٍ ليس هو من طريقة تنفيذها، وإنما نصت النصوص على طريقة أخرى لتنفيذها، كالدعاء وحده في حالات قتال العدو، بأن نقف أمام حصن لنفتحه دون إعداد جيش للقتال، بل بالدعاء وحده، ففي هذه الحالة لا يحقق الدعاء سوى نتائج غير محسوسة “الثواب”.

الثانية: اقتران الدعاء بالأسباب، وهذا أمر لا بد منه، وفي هذه الحالة يشتركان “هو والأخذ بالأسباب” بالتأثير في النتائج بإذن الله.

ولم يرد في “المفاهيم” عن الدعاء شيءٌ في حالات أخرى، بل تلك يشملها الحديث العام الذي أخرجه أحمد في مسنده: عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا» قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ: «اللَّهُ أَكْثَرُ»، أي يستجيب الله سبحانه للداعي بإحدى ثلاث، ومن بينها «إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ». وهي نتيجة محسوسة.

6- وعليه فإن هناك نتائج محسوسة ممكنة للدعاء في غير الحالة التي ذكرت في المفاهيم، حيث ذكر الحديث إحدى الثلاث «أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ» وهذه نتيجة محسوسة… وقد منَّ الله على عباده في آياته بأنه سبحانه يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، وجعل هذه الإجابة في موقع البرهان على أن لا إله إلا الله، وواضح من كل ذلك أن إجابة المضطر هنا هي في الدنيا، فكلمة مضطر هي وصف مفهم بطلب حاجة في الدنيا، فالإجابة تكون محسوسة بإذن الله، يقول سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.

وقد أمرنا الله سبحانه بالدعاء ووعدنا بالإجابة ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وقد فسّر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الاستجابة بأنها «إِحْدَى ثَلَاثٍ» ومن بينها النتيجة المحسوسة، وبطبيعة الحال فإن تحقيق النتائج، سواء أكانت محسوسة أم غير محسوسة، فكل ذلك بإذن الله سبحانه.

والخلاصة:

  • ما ورد في المفاهيم هو:

أ- الطريقة أعمال تحقق نتائج محسوسة.

ب- مقارنة بين الدعاء وحده والجهاد في موضوع فتح حصن أو قتال عدو… فالدعاء لا يؤدي هنا نتيجة محسوسة، بل فقط الثواب، فهو وحده ليس من طريقة فتح الحصن أو قتال العدو…

ج- لا يصح أن تكون جميع الأعمال التي يراد بها تنفيذ فكرة الإسلام أعمالاً تؤدي نتائج غير محسوسة، بل يمكن أن تكون مزيجاً من أعمال تحقق نتائح محسوسة مع أعمال تحقق نتائج غير محسوسة كإعداد الجيش للقتال مع الدعاء لله سبحانه بالنصر.

د- الدعاء أمر ضروري للمسلم خلال قيامه بأعمال الطريقة… كما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم.

  • هذا هو ما جاء في المفاهيم عن حالة الدعاء التي لا تتعدى الثواب، أي في حالة استعمال الدعاء وحده لمسألة ما كفتح حصن…، وعدم الأخذ بالطريقة التي بينتها النصوص الشرعية لتلك المسألة وهي هنا الجهاد.

وأما حالات الدعاء الأخرى فهي واقعة تحت الحديث العام للرسول صلى الله عليه وسلم «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا» قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ: «اللَّهُ أَكْثَرُ» أخرجه أحمد في مسنده.

ومنه يتبيّن أن الله سبحانه قد يحقق حاجة الداعي في الدنيا، وهي محسوسة، أو يصرف عن الداعي من السوء مثلها في الدنيا، وهي محسوسة، أو يدخرها له يوم القيامة وهو الثواب الذي هو نتيجة غير محسوسة.

والله سبحانه ذو الفضل العظيم، فهو الرحمن الرحيم يكرم عبده بثواب الدعاء حتى وإن أجاب دعوته في الدنيا، فالحمد لله رب العالمين.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

01 من محرّم 1436هـ ألموافق2014-10-25 م

منقول

نصاب ألزكاة

**السؤال:

جاء في كتاب الأموال صفحة 158 ما يلي:

(أما إن كان نصاب الذهب، أو الفضة، تاماً من أول الحول، وحصلت استفادة أثناء الحول، فإن كانت الاستفادة من تجارة ضُمَّت إلى الأصل، واعتُبر حول الاستفادة بحول الأصل، لأنّ الاستفادة كانت من نماء المال وجنسه، فكانت تبعاً له.

وأما إن كانت الاستفادة من جنس النصاب، ولكنها من غير طريق النماء، كأن كانت بميراث أو هبة، فهذه الاستفادة يجب أن يمرّ عليها حول كامل، ولا تُضَمُّ إلى الأصل، ولا تأخذ حكم حوله…) انتهى

أما الفقرة الأولى فمفهومة… وأما الفقرة الثانية، فهل تعني إذا بلغ معي النصاب في محرم هذا العام، وبعد ذلك بأربعة أشهر في جمادى الأولى وصلني ألف دينار من الميراث، فهل يكون للمال معي حولان، بمعنى أن النصاب الأصلي أزكيه في محرم القادم، ولكن الميراث أزكيه في جمادى الأولى القادمة؟ أي أن هناك موعدين للزكاة في كل سنة؟ أو يجوز لي زكاة الميراث في نهاية حول النصاب الأصلي، أي أزكي الجميع في محرم السنة القادمة؟**

الجواب:

إن المال غير المستفاد من النصاب الأصلي الذي معك، فزكاته تجب عند تمام حوله وليس عند حول النصاب الأصلي، فمثلاً معك النصاب (85 غراماً ذهباً أو 200 درهم فضة) في محرم هذا العام، فإن زكاة هذا النصاب تجب بعد مرور حول عليه إذا لم ينقص.

فإذا جاءك من التجارة بالنصاب المذكور ألف دينار في جمادى الأولى، فإنه يضاف إلى ما معك ويزكى الجميع في محرم السنة القادمة. وأما إذا جاءك من الميراث، أي ليس بسبب النصاب الذي معك، فإن هذا الميراث تجب زكاته بعد مضي حول عليه، وليس بعد مضي حول على النصاب، وهذا يعني كما ورد في السؤال أن تزكي النصاب في محرم من العام القادم إذا لم ينقص النصاب حينذاك، وتزكي الميراث في جمادى الأولى من السنة القادمة، فللنصاب حوله، وللميراث حوله، هذا من حيث الوجوب.

ولكن يجوز لك أن تخرج زكاة الميراث في نهاية حول النصاب الأصلي أي في محرم لا أن تنتظر إلى نهاية حول الميراث في جمادى الأولى، وبعبارة أخرى تزكي مالك مرة واحدة بعد مضي حول على امتلاكك للنصاب، أي في محرم، وذلك لأنه يجوز تعجيل إخراج الزكاة، أي إخراجها قبل حولها، فيجوز لك أن تخرج زكاة الميراث قبل تمام حوله، فتخرجه عند تمام حول النصاب الأصلي، لأن الشرع أجاز تعجيل الزكاة بعد بلوغ النصاب، وقبل مضي حول عليه، أما الواجب فهو بعد مضي الحول، ومن أدلة تعجيل إخراج الزكاة قبل مضي الحول على النصاب ما يلي:

  • أخرج البيهقي في السنن الكبرى عَنْ عَلِيٍّ، “أَنَّ الْعَبَّاسَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ”.

  • وأخرج الدارقطني في سننه عَنْ حُجْرٍ الْعَدَوِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ: «إِنَّا قَدْ أَخَذْنَا مِنَ الْعَبَّاسِ زَكَاةَ الْعَامِ عَامِ الْأَوَّلِ».

  • وأخرج الدارقطني عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ طَلْحَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا عُمَرُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟ إِنَّا كُنَّا احْتَجْنَا إِلَى مَالٍ فَتَعَجَّلْنَا مِنَ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ مَالِهِ لِسَنَتَيْنِ». اخْتَلَفُوا عَنِ الْحَكَمِ فِي إِسْنَادِهِ وَالصَّحِيحُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ مُرْسَلٌ.

والخلاصة أن الميراث الذي جاءك بعد امتلاكك النصاب بأشهر تجب زكاته بعد تمام حوله، وليس بعد تمام حول النصاب، ولكن تجوز زكاته مع تمام حول النصاب أي قبل تمام حول الميراث الذي حصلت عليه، وذلك لجواز تعجيل الزكاة وفق الأدلة الشرعية في هذا الباب.

01 من شـعبان 1435 ألموافق 2014-05-30م

منقووووووول

**“حج الكبير في السن”

و

“الحقيقة والمجاز”**

hamed qashou كتب:
السؤال الأول:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ أَبِي أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ رُكُوبَ الرَّحْلِ ، وَالْحَجُّ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ ؟ قَالَ: أَنْتَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ عَنْهُ أَكَانَ يُجْزِي ذَلِكَ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاحْجُجْ عَنْهُ) رواه أحمد والنسائي بمعناه.

هل يفهم من الحديث أن حج الابن عن أبيه هو على الوجوب أم على سبيل بر الابن بأبيه؟

حيث إن الرجل قد بيّن للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن أباه شيخ كبير، لا يستطيع ركوب الرحل،…

والمعلوم أن الحج هو واجب على المستطيع ماليا وبدنيا.

وما نعلمه أن غير المستطيع يسقط عنه إثم عدم القيام بالفرض.

السؤال الثاني:

أليس (يُحْيِ الْعِظَامَ) في قوله تعالى ((قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ))، هو من باب المجاز؛ حيث أطلق الجزء وأراد به الكل؟

سألته تحت هذا الموضوع

جزاكم الله خيرا وأدامكم سندا وذخرا لأمة الإسلام العظيمة، وأيدكم بنصر مؤزر من عنده سبحانه.

أ. حمزة(حامد قاشو )

ألجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

أما جواب سؤالك الأول أخي الكريم

بالنسبة إلى الحديث الذي ذكرته: عَنْ يُوسُفَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، لَا يَسْتَطِيعُ الرُّكُوبَ، وَأَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ، فَهَلْ يُجْزِئُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: «آنْتَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَكُنْتَ تَقْضِيهِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَحُجَّ عَنْهُ».

أخرجه النسائي، وتفرد يوسف بن الزبير في ذكر كلمة “أنت أكبر ولده”، ولذلك قال فيه بعض المحققين مقالاً بسبب هذا الأمر، وأما باقي الحديث فهو صحيح عند جمهور المحققين، وهناك من صححه حتى بلفظ “أكبر ولده”. ومع ذلك فإن الحديث رويَ بدون ذكر “أكبر ولده” عن ابن عباس:

أخرج ابن حبان في صحيحه عن سُلَيْمَانُ بن يسار قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي دَخَلٍ فِي الْإِسْلَامِ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَإِنْ أَنَا شدته عَلَى رَاحِلَتِي، خَشِيتُ أَنْ أَقْتُلَهُ، وَإِنْ لَمْ أَشُدَّهُ، لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهَا، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أرأيت لَوَ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ عَنْهُ أَكَانَ يُجْزِئُ عَنْهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاحْجُجْ عن أبيك».

ومنه يتبيَّن أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل عدم القيام بالحج من الشيخ الكبير الذي لا يثبت على الراحلة، جعله ديناً عليه، أي أنه واجب عليه حتى ولو لم يستطع ركوب راحلة لشيخوخته وضعفه. وقد تكلم الفقهاء في الحديث آخذين في الحسبان أن الله سبحانه جعل فرض الحج متوقفاً على الاستطاعة ((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا))، فجعل بعض الفقهاء حديث الشيخ الكبير خاصاً لذلك السائل وليس لغيره حتى لا يتعارض الحديث مع الاستطاعة التي ذكرتها الآية، وأما في غير تلك الحالة فلا يجب على الإبن الحج عن أبيه غير المستطيع إلا من باب بر الوالدين، على اعتبار أن ذلك الحكم خاص بذلك السائل، مثل الحكم الخاص بأبي بردة في الأضحية بالماعز الجذعة، الذي أخرجه البخاري عن البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ… فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ خَالُ البَرَاءِ: قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ عِنْدَنَا عَنَاقًا لَنَا جَذَعَةً هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ، أَفَتَجْزِي عَنِّي؟ قَالَ: «نَعَمْ وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ». والجذعة من الماعز لا تجزئ في الأضحية ولكنها خاصة بأبي بردة.

والذي أرجحه هو الجمع بين الحديث والآية قبل الذهاب إلى الخصوص لأن الأصل أن الأحكام مخاطب بها الناس، ولا يُصرف أحدها إلى الخصوص إلا إذا ورد نص في ذلك مثل حالة أبي بردة، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم له «نَعَمْ وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ»، وإذا تعذر الجمع… وهنا لا يوجد نص على الخصوص، وكذلك لا يتعذر الجمع، فيمكن أن يجمع بين الآية والحديث بأن الحج لا يجب إلا عند الاستطاعة في المال والبدن، يستثنى من ذلك حالة الإبن مع أبيه، فإن كان الإبن مستطيعاً والأب غير مستطيع فيجب على الإبن أداء الحج عن أبيه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عدّ الحج عن الوالد في هذه الحالة كالدين الذي يجب على الولد قضاؤه عن أبيه.

وعليه فإن كنت مستطيعاً أن تحج عن أبيك ولو كان هو لا يستطيع، أو تُوفِّي ولم يحج، فعليك أن تحج عن أبيك فهو كالدين على الوالد وسداده واجب على الابن ثم الورثة وفق الأحكام الشرعية في هذا الباب.

أما إن كنت غير مستطيع لا بنفسك ولا بأن تدفع أجرة لغيرك، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وعندما يمكنك ذلك تفعل بإذن الله.

وجواب سؤالك الثاني:

لا يعمد للمجاز إلا إذا تعذرت الحقيقة، فمثلاً: ((يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ)) فإن “أصابعهم” مجاز في أطراف الأصابع لأن الأصابع على الحقيقة، أي كاملة، يتعذر جعلها في الآذان، بل فقط أطراف الأصابع التي تُجعل في الآذان.

ومثل هذا ((وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا)) فهنا الخمر مجاز في العنب، لأن الخمر لا يعصر على الحقيقة، بل الذي يعصر العنب الذي يصنع منه الخمر…

أما إذا لم تتعذر الحقيقة فلا يعمد إلى المجاز فقوله سبحانه: ((وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)) لا تتعذر حقيقة إحياء العظام بالنسبة لله سبحانه، ولذلك قلنا “يحي…” على الحقيقة وليست على المجاز، وفهمنا منها أن عظام الميتة هي ميتة كذلك.

**أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة.

4 رجب 1434 هـ - 14-5-2013 م**

أحكام متعلقة بالزكاة
السؤال 1:
شيخنا الفاضل تحية طيبة من عند الله مباركة فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته سؤالي يتعلق بنصاب الزكاة في عروض التجارة ورد في كتاب الاموال صفحة 195 ان نصاب الزكاة ان نصاب الزكاة 200 درهم فضة اي 595 غرام فضة او 20 دينار ذهبا اي 85 غرام . فاليوم اي النصابين نعتمد في حسابنا لعروض التجارة مع العلم ان هناك فروق كبيره بين سعر الذهب والفضة فدينار ذهب واحد يساوي تقريبا مئات الدراهم الفضية فلو حسبنا خمسة دنانير ذهبية لتجاوز ثمنها نصاب الفضة فاي النصابين نعتمد اليوم وبارك الله فيك ونفعنا بعلمك) انتهى.

السؤال 2:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عندي بعض الأسئلة عن الزكاة:
1-ما هي كيفية حساب الزكاة؟
2-إذا ملكت النصاب مثلاً 120غرام ذهب، فهل تحسب الزكاة بالنسبة لما يزيد على (87.479 غرام ذهب) أم تكون الزكاة على الكمية كلها أي 120 غرام ذهب؟ وماذا عن نسبة صفاء الذهب حيث يكون الذهب بنسبة 24 قيراطاً و22 قيراطاً…إلخ؟
3-إذا كان يوجد في البيت ذهب وزنه الكلي 170 غراماً ولكن مالكيه مختلفون، فنصفه مثلاً لأمي والنصف الأخر لزوجتي فهل تجب الزكاة مع أن كل واحد من المالكين لا يملك النصاب لكن إذا جمعنا ما هو موجود عند المالكين فإنه يتجاوز النصاب؟
4- إذا كنت لا أعرف التاريخ الهجري الذي بدأ به العام عند اكتمال النصاب، فكيف ومن أي تاريخ أبدأ حساب الزكاة؟) انتهى.

‏الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
الأسئلة كلها في باب واحد، ولذلك نجمل الجواب عليها جميعها:
1- نصاب #‏الذهب هو عشرون ديناراً وهو ما يعادل “85 غرام ذهب” وليس كما جاء في السؤال “87.479 غرام ذهب” وذلك لأن الدينار الواحد يساوي 4.25 غرام ذهب، فإذا ضُرب بعشرين ديناراً فيكون النصاب “85 غرام ذهب”. ونصاب #‏الفضة هو مئتا درهم وهي تعادل “595 غراماً من الفضة” لأن الدرهم الواحد يزن “2.975 غراماً من الفضة” فإذا ضرب بمئتي درهم فيكون النصاب “595 غراماً من الفضة”… ودليل ذلك ما رواه أبو عبيد في الأموال عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلَّم -: « لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ مِثْقَالا مِنَ الذَّهَبِ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ صَدَقَةٌ »، وما رواه البخاري عن يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي الحَسَنِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» ومقدارها عدّاً مائتا درهم؛ لأنّ كل أوقية أربعون درهماً.
2- إذا بلغ الذهب النصاب “85 غراماً” أو بلغت الفضة النصاب “595 غراماً”، فلا تجب فيهما #‏الزكاة حتى يحول على بلوغ النصاب الحول، أي من اليوم الذي بلغ الذهب أو الفضة النصاب يبدأ الحول، والعبرة بالحول الهجري، فإذا بلغ المال النصاب في العاشر من شهر #‏محرم مثلاً، فإن الزكاة تجب في هذا المال عند حلول العاشر من شهر محرم من العام الهجري الذي يليه…
وذلك لما رواه الترمذي عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «مَنْ اسْتَفَادَ مَالًا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ عِنْدَ رَبِّهِ». ومقدار الزكاة الواجبة في الذهب والفضة هو ربع العشر، أي من نصاب الفضة خمسة دراهم أي “14.875 غراماً” من الفضة ومن نصاب الذهب نصف دينار أي “2.125 غراماً” من الذهب، وذلك لما رواه ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «كَانَ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا فَصَاعِدًا نِصْفَ دِينَارٍ، وَمِنَ الْأَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارًا»، ولما رواه الترمذي عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَهَاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَةِ: مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، وَلَيْسَ فِي تِسْعِينَ وَمِائَةٍ شَيْءٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ».
3- كما ذكرنا آنفاً فإن الزكاة تجب في الذهب والفضة إذا بلغا #‏النصاب وحال على النصاب الحول، وتُخرج الزكاة عن المبلغ كله لا عما زاد على النصاب فقط، فمن ملك مثلاً “170 غراماً” من الذهب وحال عليه الحول فإنه يُخرج زكاة الـ “170 غراماً” أي يخرج ربع عشر الـ “170 غراماً” وهو: “4.25 غراماً” من الذهب أي يخرج ديناراً كاملاً، ولا يخرج فقط عن الـ “85 غراماً” الزائدة عن النصاب، أي لا يخرج فقط “2.125 غراماً” من الذهب أي نصف دينار… وكذلك الأمر بالنسبة للفضة، فإنه يجب فيها ربع العشر في المبلغ كله ما دام قد وصل النصاب وحال عليه الحول.
4- إن حكم الزكاة في الذهب خاص بالذهب الخالص “24 قيراطاً” وكذلك حكم الزكاة في الفضة خاص بالفضة الخالصة، فإذا خلط الذهب بغيره أو خلطت الفضة بغيرها فيخصم ذلك من الوزن بمقداره بحيث يكون ما يتبقى بعد خصم المادة المخلوطة بالغاً النصاب، فإذا ملك شخص “85 غراماً” من الذهب عيار “18” قيراطاً فإنه لا يكون قد ملك النصاب لأن خالص الذهب فيها أقل من 85 غراماً… فزكاة سبيكة من ذهب 24 تختلف عن زكاة سبيكة بالوزن نفسه من ذهب 18 ويقدر الذهب الصافي عند حساب النصاب فيكون نصاب الذهب 24 هو 85 غم، ولكن نصاب الذهب 18 أكثر من ذلك لأنه مخلوط بمواد غير ذهبية بنسبة الربع، أي أن الذهب عيار 18 فيه ذهب صافٍ يعادل ثلاثة أرباع الذهب عيار 24، وعليه فالنصاب من ذهب 18 هو مرة وثلث من نصاب الذهب الصافي أي 113.33 غم، وعليه فإن الذي يملك 85 غم من الذهب الصافي 24 يكون قد ملك النصاب، فإذا مضى عليه الحول يدفع زكاته 2.5% من وزنه، ولكن الذي يملك 85 غم من الذهب 18 لا يملك النصاب إلى أن يصبح ما يملكه 113.33 غم، فإذا مضى عليه الحول يدفع زكاته 2.5% من وزنه، وواضح هنا أن #‏العبرة في الزكاة هي بالذهب الصافي.
5- الزكاة عبادة فردية فلا تجب في مال #‏المسلم حتى يبلغ ماله النصاب، فإذا ملك رجل 60 غراماً من الذهب وملكت زوجته مثلاً 60 غراماً من الذهب فإنه لا تجب الزكاة لا عليه ولا عليها، حتى لو زاد مجموع ما عندهما على النصاب، حتى يبلغ مال أحدهما وحده النصاب فعندها تجب الزكاة في #‏مال من بلغ ماله النصاب، فإذا زاد مال الزوج مثلاً وأصبح يملك 120 غراماً من الذهب فتجب الزكاة في ماله هذا، ولا يضم إليه مال زوجته “60 غراماً” من الذهب.
6- إذا كان المال المزكى نقداً إلزامياً، أو عروضاً #‏تجارية فإنه يقوَّم بأحد النصابين أي بنصاب الذهب أو بنصاب الفضة، فإذا اختلف النصابان كما هو حاصل في وقتنا الحالي حيث نصاب الفضة أقل بكثير في قيمته من نصاب الذهب، فالذي أراه أن يكون التقدير بأقل النصابين أي بنصاب الفضة لا بنصاب الذهب، وأقول بأقل النِصابين، لأنه إن بلغ النصاب الأدنى فقد أصبح من أهل الزكاة فلا يجوز أن يتجاوزه انتظاراً للنصاب الأعلى، بل عليه أن يسجل هذا التاريخ الذي أصبح فيه من أهل الزكاة، ثم بعد مضي الحول يدفع الزكاة، ولأن الزكاة هي حق للفقراء و #‏المساكين… (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ…)، ( وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)، ويقول ï·؛: « فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» رواه البخاري. وعليه فإن مصلحة صاحب الحق هي التي تؤخذ في الاعتبار، وبناء عليه فإن النصاب يقدر بالقيمة الأقل، وهذا يعني أنها تقدر بنصاب الفضة.
7- أما كيف تكون طريقة حساب الزكاة، فإنه عندما يبلغ المال النصاب يبدأ حوله، فإذا بلغ المال في العاشر من محرم 1437 هـ النصاب فإن الزكاة تجب عند حلول العاشر من محرم من العام الهجري القادم 1438 هـ، فإذا حصل نماء من هذا المال فإنه يضم إليه ويكون حولهما واحداً، فمثلاً إذا ملك شخص 100 غرام من الذهب ابتداء من العاشر من محرم 1437 هـ، ثم استعمل هذا الذهب في التجارة فربح فوقه 150 غراماً حتى العاشر من محرم من العام الذي يليه 1438 هـ فإنه يدفع زكاة 250 غراماً من الذهب لأن المال الجديد ناتج عن المال القديم فيأخذ حكمه…
أما إذا جد مال جديد بعد العاشر من محرم 1437 هـ دون أن يكون #‏نماء للمال السابق كأن أهدي له مال أو ورث مالاً…
فإن هذا المال الجديد له حوله، فإن ملكه مثلاً في العاشر من شعبان 1437 هـ فإن زكاته تجب في العاشر من شعبان عام 1438 هـ وليس في العاشر من محرم عام 1438 هـ لأن حولي المالين مختلفان…
8- ولأنه يجوز تعجيل إخراج الزكاة قبل حولها، فيجوز أن تُخرج الزكاة في العاشر من محرم عن النصاب الأصلي وكذلك تعجيل الزكاة عن المال الذي أهدي أو بالإرث في العاشر من محرم بدل الانتظار حتى نهاية الحول في العاشر من #‏شعبان. وأما جواز تعجيل الزكاة فللأدلة الشرعية ومنها:

  • أخرج البيهقي في السنن الكبرى عَنْ عَلِيٍّ، “أَنَّ الْعَبَّاسَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ”.
  • وأخرج الدارقطني في سننه عَنْ حُجْرٍ الْعَدَوِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ: «إِنَّا قَدْ أَخَذْنَا مِنَ الْعَبَّاسِ زَكَاةَ الْعَامِ عَامِ الْأَوَّلِ».
    وعليه فيمكنك أن تصنع بالنسبة لزكاة مالك كما يلي:
  • تسجل التاريخ #‏الهجري عندما يبلغ المال لديك النصاب.
  • بعد عام هجري كامل تحسب ما لديك من أموال إذا كانت النصاب أو أكثر من النصاب.
  • تدفع زكاة كل هذا المال الذي لديك وليس فقط ما زاد عن النصاب بل كل المال، أي النصاب وما زاد عليه.
  • ثم تُحصي أموالك كل عام في هذا #‏التاريخ وتزكيها كلها إذا كانت النصاب أو أكثر من النصاب.
    9- إذا نسي المرء تاريخ بلوغ ماله النصاب فإنه يقدر ذلك تقديراً ويراعي عند التقدير مصلحة مستحقي الزكاة لأن حقهم في المال مقدم على حقه هو بوصفه صاحب المال… أي إذا كان يتراوح تقديره بين شهري محرم وشعبان فليجعل بداية الحول شهر محرم لا شهر شعبان، فهذا أحوط له في دينه بإذن الله.
    أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة
    02 من صـفر 1437هـ 14/11/2015م
    منقول

جواب سؤال عن البدعة

**السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

في الأمس كان الناس خارجين من صلاة الجمعة، وتعلمون تجمّع الناس على باب المسجد فقال شخص “صلوا على النبي” فقال له شخص آخر اسكت إنها بدعة.

السؤال هل هي بدعة أم لا؟ وجزاكم الله خيراً**

ألجواب:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

قول ذاك الرجل “صلوا على النبي” على باب المسجد ليس بدعة، وذلك لأن البدعة هي مخالفة أمر الشارع الذي وردت له كيفية أداء، فالبدعة لغة كما في لسان العرب: “المبتدع الّذي يأتي أمراً على شبهٍ لم يكن…، وأبدعت الشّيء: اخترعته لا على مثالٍ”. وهي في الاصطلاح كذلك، أي أن يكون هناك “مثال” فعله الرسول صلى الله عليه وسلم ويأتي المسلم بخلافه، وهذا يعني مخالفة كيفية شرعية بيَّنها الشرع لأداء أمر شرعي، وهذا المعنى هو مدلول الحديث. «وَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» [البخاري ومسلم]. وهكذا فإن من سجد ثلاثاً في صلاته بدل اثنتين فقد جاء ببدعة، لأنه خالف فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن رمى ثماني حصيات بدلاً من سبع على جمرات منى فقد جاء ببدعة لأنه كذلك خالف فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن زاد على ألفاظ الأذان أو أنقص منها فقد جاء ببدعة لأنه خالف الأذان الذي أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم…

أما مخالفة أمر الشارع الذي لم ترد له كيفية أداء، فهي تقع في الأحكام الشرعية، فيقال عنها حرام، أو مكروه… إن كان خطاب تكليف، أو يقال باطل أو فاسد… إن كان خطاب وضع، وذلك حسب القرينة المصاحبة للأمر…

فمثلاً: أخرج مسلم عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها وهي تصف صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «… وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ، لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا… » فهنا بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن المسلم بعد أن يرفع من الركوع لا يسجد حتى يستوي قائما، وإذا رفع من السجود لا يسجد السجدة الأخرى حتى يستوي جالساً، فهذه كيفية بينها الرسول صلى الله عليه وسلم ، فالذي يخالفها يكون قد أتى ببدعة، فإذا قام المُصلي من الركوع ثم سجد قبل أن يستوي قائماً فيكون قد أتى ببدعة لأنه خالف كيفية بينها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه البدعة ضلالة وصاحبها آثم إثما كبيرا.

لكن مثلاً أخرج مسلم عن عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ، إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، فَمَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى»، فلو خالف مسلم هذا الحديث فباع الذهب بالذهب بزيادة، وليس وزناً بوزن، فلا يقال إنه أتى بدعة، بل يقال إنه ارتكب حراماً، أي الربا.

والخلاصة: أن مخالفة الكيفية التي يبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي بدعة، ومخالفة الأمر المطلق للرسول صلى الله عليه وسلم دون بيان الكيفية يقع في الأحكام الشرعية: الحرام والمكروه… الباطل والفاسد… وذلك حسب الدليل.

وفي سؤالك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين كيفية الكلام المصاحب للخروج من المسجد بعد صلاة الجمعة، ولذلك فقول ذلك المسلم وهو خارج من المسجد “صلوا على النبي” لا يقع في باب البدعة، بل يدرس ضمن الأحكام الشرعية، وهو جائز لا شيء فيه، بل له أجر وفق نيته إن شاء الله.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

28 رجب الفرد 1434هـ ألموافق2013-06-07

منقول

بسم الله الرحمن الرحيم

** إعطاء الزكاة لذوي الحاجات غير الأساسية**

**السؤال: ورد في كتبنا أن الفقير هو من لا مال عنده يكفي حاجاته الأساسية (مطعمه وملبسه ومسكنه)، ومن كان كذلك فإنه يعطى من الزكاة. غير أن هناك حاجاتٍ أخرى تقرب من الأساسية، وكانت الدولة الإسلامية تسدها لذوي الحاجات هذه من بيت مال المسلمين مثل (طلبة العلم، الإعانة للزواج، توفير العلاج). ولكن في أيامنا هذه لا توجد الدولة الإسلامية التي تسد هذه الحاجات، والسؤال هو:

هل يمكن سدها من الزكاة من باب:

1 - عدم وجود الدولة الإسلامية لسد هذه الحاجات

2 - هناك أقوال لبعض الفقهاء يجيزون ذلك بشروط معينة

3 - إنها حاجات ليست كماليةً بل هي أقرب للحاجات الأساسية

ثم هل لو اتبعنا رأي فقيه يقول بإعطاء الزكاة لسد هذه الحاجات، هل نكون خالفنا المتبنى؟**

الجواب

نحن عندما عرَّفنا الفقير الذي يعطى من الزكاة بأنه هو من لا مال عنده لسد الحاجات الأساسية، قد قلنا ذلك بناءً على أدلة وأوردناها في النظام الاقتصادي ص213 سطر 4 - 13 حيث قلنا: (وقد اعتبر الإسلام الفقر اعتباراً واحداً للإنسان في أي بلد وفي أي جيل. فالفقر في نظر الإسلام هو عدم إشباع الحاجات الأساسية إشباعاً كاملاً. وقد حدد الشرع هذه الحاجات الأساسية بثلاثة أشياء هي: المأكل، والملبس، والمسكن. قال تعالى: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } وقال: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ } روى ابن ماجه عن أبي الأحوص قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» مما يدل على أن الحاجات الأساسية، التي يعتبر عدم إشباعها فقراً، هي: الطعام، والكسوة، والمسكن.)

وكذلك في الأموال ص197 سطر 10 - 13 حيث قلنا (الفقراء: وهم الذين لا يأتيهم مالٌ يكفيهم، لسد حاجاتهم الأساسية التي هي المأكل، والملبس، والمسكن. فمن يدخل عليه أقلُّ مما يحتاجه، لسد حاجاته الأساسية، اعتبر فقيراً، تحل عليه الصدقة، وله أن يأخذ منها،)

وهذا هو الراجح لدينا في المسألة.

وأما قول السائل أن لا وجود لدولة الآن تسد هذه الحاجات، فنعم لا توجد دولة، ولكن يوجد مسلمون، الأصل أن يدفعهم إسلامهم لأن يساعدوا هؤلاء المحتاجين بالتبرع لهم من أموالهم وليس من مال الزكاة، بل يعطون مال الزكاة للفقراء لسد الحاجات الأساسية، ويتبرعون من فضل أموالهم لمساعدة المحتاجين للحاجات المذكورة (التعليم والزواج والعلاج).

أما هل هي مخالفة للمتبنى إذا اتبع السائل رأي مجتهد أو فقيه يقول بجواز إعطاء الزكاة لسد تلك الحاجات غير الأساسية (العلم والزواج والعلاج) وليس قصر الزكاة على سد الحاجات الأساسية (المطعم والملبس والمسكن)، فنعم هي مخالفة للمتبنى. ولكننا لا نعاقب إدارياً عليها، فمن أعطى من زكاته لأصحاب الحاجات غير الأساسية المذكورة (العلم والزواج والعلاج) بناءً على اتباعه رأي مجتهد أو فقيه يطمئن إليه، فإننا لا نعاقبه إدارياً وحسابه عند ربه سبحانه وتعالى.

13 من محرَّم الحرام 1429هـ ألموافق21/01/2008م

إمامة ألصلاة

السؤال

**بسم الله الرحمن الرحيم

هل تجوز إِمَامَةُ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِ في الصلاه وهل يختلف الأمر بين صَلاَةِ الْفَرْضِ وبين غَيْرِ الْفَرْضِ كَصَلاَةِ الْكُسُوفِ أَوِ التَّرَاوِيحِ .**

ألجواب

إختلف الفقهاء في إمامة الصبي الذي لم يبلغ : فجاء في “الموسوعة الفقهية” (6/203-204): " جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ ( الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ ) عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الإْمَامَةِ فِي صَلاَةِ الْفَرْضِ أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ بَالِغًا ، فَلاَ تَصِحُّ إِمَامَةُ مُمَيِّزٍ لِبَالِغٍ فِي فَرْضٍ عِنْدَهُمْ ؛ لأِنّها حَال كَمَالٍ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا ، وَلأِنَّ الإِمَامَ ضَامِنٌ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْل الضَّمَانِ ، وَلأِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ مَعَهُ الإْخْلاَل بِالْقِرَاءَةِ حَال السِّرِّ .

أَمَّا فِي غَيْرِ الْفَرْضِ كَصَلاَةِ الْكُسُوفِ أَوِ التَّرَاوِيحِ : فَتَصِحُّ إِمَامَةُ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ( الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ ) لأِنَّهُ لاَ يَلْزَمُ مِنْهَا بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ .وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَدَمُ جَوَازِ إِمَامَةِ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِ مُطْلَقًا ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ فِي الْفَرَائِضِ أَمْ فِي النَّوَافِل.

وَأللهُ أعْلَمْ

ألعِبادات في جواب سؤال
01 فهرس
02 ألصلاة
03 في الصلاة
06 في الطّهارة
07 إمامة ألصلاة
08 حكم صلاة الجمعة دون وجود خليفة
09 حول الدعاء
10 حول مواقيت الصلاة
11 حول الزكاة
12 الحساب الفلكي في الصوم
13 حول “حج الكبير في السن”
14 كيف نقدر مواعيد الإمساك عند الفجر
15 عدم جواز اعتماد الحساب الفلكي لإثبات دخول الشهر
16 ألإفاضة في الحج
17 هل تجب الزكاة في حلي الذهب الذي أعد للادخار؟
18 حول حديث «… وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ»
19 حول نصاب الزكاة في عروض التجارة
20 حول قطع الصلاة بمرور المرأة أمام المصلي
21 إعطاء الزكاة لذوي الحاجات غير الأساسية
22 البدعة
23 نصاب ألزكاة
24 زكــاة عـروض التجــارة
25 الأثر المادي للدعاء
26 الأدلة التفصيلية في حكم زكاة عروض التجارة
27 محل التكليف في زكاة مال الصبي والمجنون
28 الزكاة وحلول الحول
29 أحكام متعلقة بالزكاة
30 حج الكبير / الحقيقة والمجاز
31 زكاة عروض التجارة
32 تعجيل الزكاة
33 إغلاق ألعين في الصلاة لاشعوريا أو ورعا
34 حول النجاسة وحكم ازالتها

في الصلاة

**7389]ماذا لو تعرض المصلي لوسوسة الشيطان في صلاة يلبس عليه القراءة وياتي له بالخواطر السيئة وشككه في عدد الركعات ؟

**الجواب:

حدث هذا لأحد الصحابة وهو عثمان بن أبي العاص ، رضي الله عنه ، فجاء يشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقول :إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها على فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ،

(ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثاً ) قال ففعلت ذلك فأذهبه الله عني .

فتضمن هذا الحديث أمرين لدفع شيطان الصلاة ، الأول : الاستعادة بالله من شر فيتلفظ بها المصلي بها المصلي ولا حرج والثاني :

التفل عن الشمال ثلاثاً وهو نفخ الهواء مع شئ من الريق بشرط أن لا يؤذي من بجانبه ولا يقدر المسجد .**

ماذا لو شك المصلي هل أحدث أم لا ؟ أو أحس بحركة في بطونه فهل ينصرف أم يواصل ؟

**الجواب:

إذا تيقن من الحدث يخرج من الصلاة ، أما إذا شك لم يتيقن فلا يخرج إلا بيقين ، وهو سماع الصوت أو وجود الريح ، فإن وجد ذلك فلينصرف ، وإلا فلينصرف ، وإلا فلا يلتفت .

الدليل : عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال رسول الله ، صلي الله عليه وسلم ، (إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره أحدث أم يحدث فاشكل عليه فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجداً ريحاً**

ماذا لو أحدث الرجل في صلاة الجماعة ماذا يفعل ؟

**الجواب : عليه أن يأخذ بأنفه فيضع يده عليه ثم يخرج .

والدليل : عن عائشة رضي الله عنها ، قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه ثم لينصرف ) قال الطيبي :

أمر بالأخذ ليخيل أنه مرعوف وليس هذا من الكذب بل من المعاريض بالفعل ورخص له في ذلك لئلا يسول له الشيطان عدم المضي استحياء من الناس .

وهذا من التورية الجائزة والإبهام المحمود رفعا للحرج عنه ، فيظن من يراه خارجاً بأنه أصيب برعاف في أنفه ،

وكذلك من فوائد هذا التوجيه النبوي قطع وساوس الشيطان بأن يبقي في الصف مع الحدث أو يواصل مع الجماعة وهو محدث وهذا لا يرضي الله ،

وكيف يبقى وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم ، بالانصراف ، وهذا ويجوز له اختراق الصفوف أو أن يمشي إلى الجدار فيتوضأ ويعود للصلاة .**

ماذا لو شك الإنسان في صلاته هل صلى ثلاثاً أو أربعاً ؟

**الجواب:

العمل على ماترجح لديه فإنه لم يترجح لديه شئ فليبين على اليقين وهو الأقل ثم يسجد للسهو .

والدليل : عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدركم صلى ؟ ثلاثا أو أربعاً فليطرح الشك وليبن على ما استيفن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيما للشيطان .**

حول قطع الصلاة بمرور المرأة أمام المصلي

**السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا موجودة في مشفى مرافقة لولدي المريض في غرفة العلاج أثناء أدائي الصلاة مرت من أمامي الممرضة (وهي كافرة)، فهل تبطل صلاتي، علما بأنني ﻻ أستطيع مغادرة الغرفة؟**

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

إن قطع الصلاة بمرور المرأة أمام المصلي أمر مختلف فيه عند الفقهاء، وهو من العبادات، ولا أريد أن أتبنى فيه، ولكنني أنقل لك رأي الفقهاء المعتبرين حول الموضوع، فتقلد من تشاء ممن تطمئن باجتهاده في المسألة:

? رأي الأحناف أن الصلاة لا تقطع بمرور المرأة وغيرها. جاء في المبسوط لمؤلفه: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي المتوفى 483هـ:

(وَإِنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ مَارٌّ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ كَلْبٍ لَمْ يَقْطَعْ صَلَاتَهُ عِنْدَنَا…

“وَلَنَا” حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ مُرُورُ شَيْءٍ وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ»…).

? رأي المالكية: جاء في الذخيرة لمؤلفه أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي المتوفى 684هـ:

(السَّادِسُ قَالَ فِي الْكِتَابِ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي…)

? رأي الشافعية: جاء في المجموع شرح المهذب لمؤلفه أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي المتوفى 676هـ:

(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إذَا صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ فَمَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ كَافِرٌ أَوْ كَلْبٌ أَسْوَدُ أَوْ حِمَارٌ أَوْ غَيْرُهَا مِنْ الدَّوَابِّ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ عِنْدَنَا…)

? رأي الحنابلة: جاء في كتاب المغني لمؤلفه أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي المتوفى 620هـ:

(مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: “وَلَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ إلَّا الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ”. يَعْنِي إذَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ. هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْهُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ لَا يَقْطَعُهَا عِنْدِي شَيْءٌ إلَّا الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ… وَمَعْنَى الْبَهِيمِ الَّذِي لَيْسَ فِي لَوْنِهِ شَيْءٌ سِوَى السَّوَادِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَقْطَعُهَا الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ، وَالْمَرْأَةُ إذَا مَرَّتْ، وَالْحِمَارُ…).

? وكما ترى فعند الأحناف والمالكية والشافعية لا تقطع الصلاة، وعند الحنابلة في قول تقطع الصلاة.

أسأل الله سبحانه أن يشرح صدرك لما هو خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

3 رجب 1435هـ ألموافق2014-05-02م

منقول

حول نصاب الزكاة في عروض التجارة

**السؤال: شيخنا الفاضل تحية طيبة من عند الله مباركة

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سؤالي يتعلق بنصاب الزكاة في عروض التجارة: ورد في كتاب الأموال صفحة 195 أن نصاب الزكاة 200 درهم فضة أي 595 غراماً فضة، أو 20 ديناراً ذهبا أي 85 غراماً. اليوم أي النصابين نعتمد في حسابنا لعروض التجارة مع العلم أن هناك فروقاً كبيرة بين سعر الذهب والفضة، فدينار ذهب واحد يساوي تقريبا مئات الدراهم الفضية. فلو حسبنا خمسة دنانير ذهبية لتجاوز ثمنها نصاب الفضة، فأي النصابين نعتمد اليوم؟ وبارك الله فيك ونفعنا بعلمك.**

ألجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أولاً: بالنسبة لأهل الذهب فالنصاب “85 غراماً ذهباً” وبالنسبة لأهل الفضة " 200 درهم فضة" وبالنسبة للورق النقدي النائب، فحسب المسجل عليه الذي ينوب عنه “فإن كان النائب هو الذهب، اعتبر بنصاب الذهب، وإن كان النائب هو الفضة اعتبر بنصاب الفضة”.

أما الورق الذي يأخذ قيمته بقوة القانون وليس ورقاً نائباً لا عن ذهب ولا عن فضة، كالورق النقدي الحالي، فالذي أرجحه هو أن يُقوَّم بأقل النِّصابين، أي بالفضة فإذا بلغ قيمة النقد الورقي “200” درهم فضة أي قيمة 595 غراماً فضة، أي نحو 20 أونصة فضة، وأظن أن أونصة الفضة تساوي نحو 30 دولاراً، وهذا يعني أنه إن بلغ ما عند المسلم نحو 600 دولار “تحسب بالضبط”، ولم يكن عليه ديْن… فهو من أهل الزكاة، فإذا مضى حول على النصاب دون أن ينقص فعليه دفع الزكاة.

وأقول بأقل النِصابين، لأنه إن بلغ النصاب الأدنى فقد أصبح من أهل الزكاة فلا يجوز أن يتجاوزه انتظاراً للنصاب الأعلى، بل عليه أن يسجل هذا التاريخ الذي أصبح فيه من أهل الزكاة، ثم بعد مضي الحول يدفع الزكاة إن لم ينقص النصاب. هذا ما أرجحه والله أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

8 رجب 1435هـ ألموافق2014-05-07م

منقول

** حول حديث «… وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ» **

**السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

ورد في كتاب الأموال في موضوع الغرامات، صفحة 123 ? 124 (وكذلك أخذه من مانع الزكاة شطرا من ماله زيادة عن الزكاة الواجبة، تعزيرا له، فقد روى أبو داود وأحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «… ومن منعها فأنا آخذها وشطر ماله»).

يظهر مما ورد أن المتبنى هو جواز أخذ الغرامة من مانع الزكاة كعقوبة تعزيرية رغم وجود اختلافات كثيرة بين الفقهاء على مشروعيتها، لكن ما أود التوضيح فيه هو:

1- الحديث المستدل به كاملا من حيث السند والمتن، فقد بحثت عنه ولم أجد إلا حديثاً: عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعاً: «في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون لا تفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرا فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها منه وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا جل وعز لا يحل لآل محمد منها شيء» رواه أحمد.

وفي سنن أبي داود: عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

«في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون ولا يفرق إبل عن حسابها من أعطاها مؤتجرا قال ابن العلاء مؤتجرا بها فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا عز وجل ليس لآل محمد منها شيء»

أما بلفظ “فأنا آخذها وشطر ماله” فلم أجدها.

2- ما المقصود بشطر ماله؟ هل هو نصف ماله كله؟ أم نصف ماله الذي منع زكاته؟ أم نصف ما هو مقدر دفعه زكاة في ماله؟ أم على حسب ما ورد عند البعض وهو أنه يجعل ماله شطرين فيتخير عليه المصدق ويأخذ الصدقة من خير الشطرين عقوبة لمنعه الزكاة؟ بارك الله فيك وبك وجزاك عنا خير الجزاء**

ألجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

بالنسبة للحديث الذي ذكرته «فإنا آخذوها وشطر ماله»:

1- أخرج أبو داود عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمقَالَ: «فِي كُلِّ سَائِمَةِ إِبِلٍ فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَلَا يُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا - قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ مُؤْتَجِرًا بِهَا - فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ، لَيْسَ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ»

2- وأخرج أحمد والنسائي، واللفظ لأحمد عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «فِي كُلِّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ. فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ. لَا تُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا. مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا مِنْهُ وَشَطْرَ إِبِلِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا لَا يَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ».

? هذا الحديث مختلف في فهمه عند الفقهاء:

فمنهم من يقول بدعوى النسخ، فلا يؤخذ إلا الزكاة، ومنهم من يقول إن رواية “شطر” ليست هكذا بتسكين الطاء، بل هي بالبناء للمجهول “شُطِّر” أي قُسم ماله نصفين ويتخير عامل الزكاة من أي النصفين يأخذ، ومنهم من يقول إن الراوي وَهِمَ، بل هي “فإنا آخذوها من شطر ماله” أو “من شطر إبله”…

? والراجح لدي في المسألة هو ما يلي:

أ- بالنسبة لموضوع البناء للمجهول، وموضوع الوهم، وموضوع النسخ، فإني أستبعد كل ذلك:

فالبناء للمجهول مستبعد لأن كلمة “شطر” في كل روايات الحديث المعتبرة مذكورة دون البناء على المجهول…

وأما الوهم، فكذلك مستبعد، لأن الرواية ليست “فإنا آخذوها منه شطر ماله” ليقال أن “الهاء” في “منه” وهم من الراوي، مع أن الوهم هنا كذلك لا يكون لأنه يستبعد على الراوي العارف بالعربية أن يقول “منه شطر ماله” فكيف إذا تبع “منه” حرف “الواو”، فيقال إنه وهِمَ في لفظ “منه وشطر”، بدلاً من “من شطر”؟ فهذا مستبعد…

هذا عن البناء للمجهول والوهم. أما النسخ فهو مستبعد كذلك لأن التاريخ غير معروف، ولأن دليل النسخ عندهم ليس واضحاً، وأدلة الزكاة العامة لا تَنسخ دليلَ الزكاة الخاص بعقوبة مانع الزكاة…

ب- والراجح لدي هو أن الحديث الأول: «فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ» يفيد أن مانع الزكاة تؤخذ الزكاة منه جبراً عنه، ويغرَّم شطر ماله، وممكن أن يفهم منها شطر كل ماله، أي الذي استحقت الزكاة عليه والأموال الأخرى التي لم تبلغ مبلغ الزكاة من ذهب وفضة وإبل وبقر وغنم، وقمح وشعير وتمر وزبيب، وعروض التجارة.

ج- والحديث الآخر: «فَإِنَّا آخِذُوهَا مِنْهُ وَشَطْرَ إِبِلِهِ» بعد ذكر زكاة الإبل «فِي كُلِّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ…»، فهذا يعني أن الشطر مضاف إلى الإبل التي يملكها، أي تؤخذ زكاة إبله، وشطر الإبل، وبعبارة أوضح لو كان عنده من الإبل السائمة أربعون فإن زكاتها واحدة “ابنة لبون”، ثم يؤخذ منه غرامة أخرى وهي شطر الأربعين.

د- ويكون الحديث الثاني مخصصا للحديث الذي سبقه، أي لا يغرم شطر كل ماله، بل شطر المال المزكّى.

هـ- أما مدلول الشطر هل هو النصف أو الجزء، فقد جاء في القاموس المحيط (الشَّطْرُ: نِصفُ الشيءِ وجُزْؤُهُ)، ولذلك فيُترك هذا لتبني الخليفة بالنسبة لمانع الزكاة: فإما أن يأخذ الزكاة ونصف ماله المزكّى، أو يأخذ منه الزكاة وجزءَ مالِهِ المزكّى، وذلك غرامة لمنعه الزكاة… وإن كنتُ أميل إلى النصف لأنها غرامة والغرامة فيها معنى العقوبة والشدة… هذا والله أعلم وأحكم.

وللعلم فقد ذكرنا هذا الموضوع في أدلة الغرامات، أي أن أخذ شطر ماله هي غرامة كما جاء في كتاب الأموال، وكتاب نظام العقوبات.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

17 من جمادى الآخرة 1435هـ ألموافق2014-04-17م

منقول

هل تجب الزكاة في حلي الذهب الذي أعد للادخار؟

**السؤال: السلام عليكم شيخنا الفاضل،

هل تجب الزكاة في حلي الذهب الذي أُعد للادخار؟ وجزاك الله خيرا ونصر الله هذه الدعوة على يديك…**

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

1- الحُليّ ما تتحلى به المرأة وتتزين، من الذهب، أو الفضة، في معصميها، أو في جيدها، أو في أذنيها، أو في غير ذلك من مواضع جسمها.

والحليّ لا زكاةَ فيها، سواء أكانت من الذهب، أم من الفضة، أم من غيرها من أنواع المجوهرات كاللؤلؤ، والياقوت، والزبرجد، والعقيق، وغيرها من أنواع الأحجار الكريمة، سواء أكانت الحلي قليلة أم كثيرة، بلغت نصاباً، أو زادت عليه، فإنه لا زكاة في كل ذلك؛ لأنّها للاستعمال، وتتخذها النساء للحلية والزينة.

عن الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس في الحليّ زكاة» ذكره ابن قدامة في المغني. وروى أبو عبيد عن عمرو بن دينار قال: «سئل جابر بن عبد الله: أفي الحليّ زكاة؟ قال: لا، قيل: وإن بلغ عشرة آلاف؟ قال نعم».

وعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه «أن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، كانت تلي بنات أخيها، يتامى في حجرها، لهن الحليّ، فلا تخرج من حليِّهنَّ الزكاة» رواه مالك في الموطأ.

وأما حديث عمرو بن شعيب الذي ورد فيه (أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها في يدها مسكتان من ذهب، فقال: «هل تعطين زكاة هذا؟» قالت: لا، قال: «أيسرُّك أن يُسوِّرك الله بهما بسوارين من نار»). فهذا الحديث، قال عنه أبو عبيد: «لا نعلمه يروى إلاّ من وجه واحد، بإسناد قد تكلم فيه النّاس قديماً وحديثاً».

وقال الترمذي: «ليس يصح في هذا الباب شيء».

وقد ذهب إلى عدم وجوب الزكاة في الحلي ابن عمر، وجابر، وأنس، وعائشة، وأسماء، وبه قال القاسم، والشعبي، وقتادة، ومحمد بن علي، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبو عبيد، وإسحق، وأبو ثور.

هذا في الحلي التي تتخذها المرأة لزينتها، أما إذا كانت للتجارة فعليها زكاة التجارة.

2- وأما إن لم تكن للزينة ولا للتجارة، وإنما للادخار لغير حاجة، فإنها تعامل معاملة الكنز، أي تحرم حتى لو أخرجت زكاتها، ومن الأدلة على تحريم الكنز:

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾.

وقد روى أحمد بإسناد صحيح عن أبي أمامة قال: (تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، فَوُجِدَ فِي مِئْزَرِهِ دِينَارٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «كَيَّةٌ»، قَالَ: ثُمَّ تُوُفِّيَ آخَرُ فَوُجِدَ فِي مِئْزَرِهِ دِينَارَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «كَيَّتَانِ»)، وأسند الطبري نحوه إلى أبي أمامة الباهلي. وهذا يعني تحريم كنز الذهب والفضة مطلقاً ولو كان دينارين، ولو كان ديناراً واحداً، ما دام يكون كنزاً، أي خزناً للمال لغير حاجة يراد إنفاقه عليها. والرسول قال ذلك بالنسبة لهذين الرجلين لأنهما كانا يعيشان من الصدقة وعندهما التبر، فقال: «كية» وقال: «كيتان» يشير إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ﴾ التي هي قسم من آية الكنز، أي يشير إلى آية الكنز. فهذا دليل على تحريم الكنز تحريماً مطلقاً، سواء أبلغ نصاب الزكاة أم لم يبلغ، وسواء أزكي أم لم يزكَّ، فالكنز كله حرام.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

27 من جمادى الآخرة 1435هـ ألموافق2014-04-27م

منقول

ألإفاضة في الحج

**السؤال:

استوقفني قوله تعالى في سورة البقرة: ((فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)).

إن الآية الأولى ((فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)) تفيد الإفاضة من عرفات إلى المشعر الحرام، أي إلى مزدلفة. وأما الآية التي بعدها “ثُمَّ أَفِيضُوا”، فتفيد أن هناك إفاضة أخرى من مزدلفة إلى منى، فهل هذا يعني أن هناك إفاضتين: واحدة يقف فيها الحجيج في عرفات ويفيضون إلى مزدلفة، والثانية يقف فيها الحجيج في مزدلفة ويفيضون إلى منى، علماً بأن ما نعلمه هو أن الوقوف في عرفة ومن هناك تكون الإفاضة…؟

أرجو توضيح هذا الأمر وجزاك الله خيراً.**

الجواب:إنها يا أخي إفاضة واحدة، وهي من عرفات إلى المزدلفة، هذه هي المسماة إفاضة، ولبيان ذلك أوضح لك معنى الآيتين الكريمتين:

((فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ)) أي إذا دفعتم أنفسكم بكثرة من عرفات، من فاض الماء إذا سال مُنصبا فهو من إفاضة الماء أي صبه بكثرة.

و((عَرَفَاتٍ)) هنا ليست جمع لعرفة، بل هي معنى المكان المعروف في الحج، وهي اسم من لفظ الجمع، فلا تجمع ولا واحد له، أي ليست هناك أجزاء في الموقف كلّ واحد منها يسمى (عرفة) ثم جمعت (عرفات)، بل (عرفة) و(عرفات) بمعنى واحد علم على المكان المعروف، و(التاء) في (عرفات) ليست تاء التأنيث ولهذا صُرِف، أي لم يمنع من الصرف.

((وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ)) أي إن كنتم من قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم لكم بالهداية، وبيان أحكام الشرع للحج وغيره، من الضالين.

((الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)) هي مزدلفة كلها كما قال ابن عمر - رضي الله عنهما - ويطلق على مزدلفة كذلك (جَمْع).

((ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ))، أي لتكن إفاضتكم يا أهل مكة مثل باقي الناس، من عرفة إلى مزدلفة وليس من مزدلفة، أي أن يكون وقوفكم في عرفة وليس في مزدلفة، وفي ذلك إبطال لما اعتادته قريش في الجاهلية أن تقف في مزدلفة ولا تقف في عرفة كسائر الناس، فقد كانت قريش في الجاهلية لا تقف في عرفات حيث الحلّ بل تقف في مزدلفة لأنها من الحرم، ويقولون نحن قطّان بيت الله الحرام فلا نخرج من الحرم، وكانوا يُسمَّون (الحمس) ويقفون وقوفا خاصا في مزدلفة دون الناس، فأمر الله سبحانه في هذه الآية الكريمة قريشاً أن تفيض من عرفة حيث يفيض الناس دونما تمييز، وأن تستغفر الله بسبب أخطائها السابقة في عدم حجها على هدى، والله سبحانه غفور لعباده المخلصين رحيم بهم.

أخرج البخاري ومسلم واللفظ للبخاري عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الحُمْسَ، وَكَانَ سَائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ، ثُمَّ يَقِفَ بِهَا، ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا» فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ((ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ))».

وعلى هذا المعنى يكون ((ثُمَّ)) عطف على آخر الآية السابقة ((وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ))، أي أن في الآيات تقديمًا وتأخيرًا من حيث المعنى، فكأن ترتيب المعنى على النحو التالي: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس من عرفات وليس من مزدلفة كما كانت تصنع قريش في الجاهلية، فإذا أفضتم من عرفات ونفذتم أمر الله سبحانه فاذهبوا إلى مزدلفة واذكروا الله عند المشعر الحرام - أي مزدلفة - واحمدوا الله على هدايته لكم بعد أن كنتم قبل ذلك من الضالين غير المهتدين).

ويبدو أن الدافع للسؤال هو أن السائل قرأ أنَّ “ثم” حرف عطف يفيد الترتيب في الأفعال مع التراخي بمعنى وقوع ما بعدها بعد ما قبلها على التراخي أي بعد مهلة، وبناء عليه فهم معنى الآيتين على النحو التالي:

فهم من الآية السابقة ((فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)) أي عند مزدلفة فالحجيج يكون قد وصل مزدلفة.

وفهم من الآية الثانية ((ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ))، مع ما في ذهنه من معنى “ثم” أن المعنى: وقد وصلتم إلى مزدلفة وبعد ذكركم الله وصلاة الفجر ادفعوا إلى (منى) أي المعنى كما رآه من ((ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)) هو: ثم أفيضوا من مزدلفة إلى منى، ويبدو أن هذا هو سبب السؤال لديه.

والأمر ليس كذلك، وبيانه من وجهين:

الوجه الأول: أن ما رواه البخاري ومسلم حول نزول الآية يجعل معنى ((ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)) أي أفيضوا من عرفة وليس من مزدلفة، فقد فرض الله على كل الحجيج أن يفيضوا من عرفة، وقريش كذلك.

الوجه الثاني: أن “ثم” تعني الترتيب مع التراخي وأن ما بعدها يكون من حيث الوقوع بعد ما قبلها، ولكن هذا ليس كلّ معناها، بل إنها تستعمل في غير ذلك، فإن من استعمالاتها أن يكون ما بعدها من حيث الوقوع قبل ما يسبقها في الكلام، ولكن هذا يحتاج إلى قرينة وإلى إبراز غرض مطلوب، فالعرب يقولون: (أعجبني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب). وهنا عطف بها (ما صنع أمس) على (ما صنع اليوم) أي عطف اللاحق على السابق بدون نسق التتابع بينهما، غير أن المعنى المشهور لها هو أن يقع اللاحق بعد السابق بمهلة بينهما، ولذلك قلنا إن استعمالها على نحو آخر يحتاج إلى قرينة، ويكون المقصود من هذا الاستعمال إبراز أمر مطلوب التركيز عليه لأن اختلاف النسق في الاستعمال من العربي الفصيح يكون لغرض وليس دون غرض.

وبدراسة قول العرب السابق نجد أن القرينة الدّالة على أن ما بعد “ثم” سابق لما قبلها هو الاستعمال الصريح لكلمة (أمس) بعد (ثم) واستعمال (اليوم) قبل (ثم).

أما الأمر المراد إبرازه في قولهم هذا فهو التقليل من قيمة ما صنعه اليوم، فظاهر الكلام مدح لما صنعه أمس وحقيقته ذمّ لقدراته… فبدل التقدم بالعمل للأمام تراجع عن ذي قبل، فكان عمل اليوم أدنى من عمل أمس.

وفي الآية الكريمة فإنَّ القرينة هي سبب النزول فيما رواه البخاري ومسلم.

أما الغرض المراد إبرازه فهو إبطال ما اعتادته قريش من الوقوف في مزدلفة وعدم ذهابهم للوقوف في عرفة أي أن الله سبحانه بعد أن ذكر في الآية السابقة إفاضتهم من عرفات إلى مزدلفة عاد فذكرهم أنّ هذه الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة واجبة على قريش كغيرهم من الناس.

آمل أن يكون الأمر قد اتضح، وأن الإفاضة هي من عرفات، وأن الآية اللاحقة ((ثُمَّ أَفِيضُوا…)) هي في المعنى قبل ((فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ…))، والتقديم والتأخير في لغة العرب هي لغرض، والغرض هنا هو إزالة ما كان في الجاهلية من تمييز قريش عن باقي الناس.

السابع عشر من ذي القعدة 1434هـ ألموافق 2013-09-22

**حول: عدم جواز اعتماد الحساب الفلكي لإثبات دخول الشهر **

**السؤال:السلام عليكم،،

قرأت جواب السؤال عن عدم جواز اعتماد الحساب الفلكي لإثبات دخول الشهر وبارك الله فيكم. لكن بقيت نقطة أرجو بيانها، وهي أن البعض يقولون بالأخذ في الحساب في نفي صحة الرؤية، أي إذا كان الحساب الصحيح يقول بعدم تولد الهلال وجاء من يشهد أنه رآه فلا يأخذون بشهادته ويعتبرون أنه توهم شيئا فظنه هلالا، ولذلك ترد شهادته. وقد قرأت قصصا في التاريخ الإسلامي عن مثل هذه الحالات التي رُفضت فيها الشهادة، وقد قال بهذا الرأي الإمام القاضي تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الدمشق (صاحب كتاب الإبهاج في شرح المنهاج في أصول الفقه)، وقد أورد هذا الرأي وبعض هذه الحوادث في كتابه المعنون (العَلَم المنثور في إثبات الشهور). وقد حصل في أعوام سابقة أن الفلكيين أعلنوا عدم تولد الهلال حتى مغيب الشمس، ثم أُعلن إثبات دخول الشهر في مساء اليوم نفسه. أفيدونا بارك الله فيكم ونفع بكم، وأجرى النصر على أيديكم.**

ألجواب:(وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

إن جوابي السابق عن اعتماد الرؤية وليس الحساب الفلكي واضح وشامل للمسألة بإذن الله، وأنت تقول إنك اطلعت عليه، ومع ذلك فأجيبك وأقول:

يا أخي، بالنسبة للصيام والفطر فالأدلة واضحة في أن الرؤية هي السبب للصوم والفطر «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»، كما وضحنا في الجواب الذي سبق أن نشرناه.

أما أن يكون الحساب في النفي، فإن الله سبحانه قد حسم لنا هذا الأمر بأن جعل شهود الشهر هو سبب الصيام، والرسول صلى الله عليه وسلم وضَّح لنا هذا الشهود بأنه الرؤية…

أما التثبت من صحة قول الشهود فهو عمل القاضي، فيسأل الشاهد ويناقشه ويتأكد من صحة بصره ورؤيته، ومن كان حوله… أي يستعمل كل ما يمكنه للتثبت من صحة الشهادة بجهوده البشرية، وقصة ذلك القاضي الذي ناقش الشاهد بعد أن شهد بالرؤية… فإن القاضي بالنظر والتدبر رأى على عين الشاهد شعرة فأزالها ثم سأل الشاهد أين الهلال، فلم يعد يراه!

أما أن تدخل الحساب عن ولادة الشهر وعدم الولادة، فليس الأمر كذلك، لأننا لا نصوم بناء على حقيقة الشهر بل على رؤيته، والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة، ومنها حديث البخاري قال: حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْ قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ». ومعنى ذلك أن الهلال قد يكون موجوداً ولكن يحجبه غيم، فلم نره، فنكمل عدة الشهر ثلاثين يوماً.

فالواجب يا أخي هو أن نقف عند النص الذي حدد الرؤية.

وبهذه المناسبة فقد حضرتني قصة ذلك الاجتماع “كأنه للمؤتمر الإسلامي أو علماء المسلمين أو نحو ذلك” في المغرب قبل بضع سنين، وقد اقترح بعضهم أن يصعدوا في طائرة في ليلة الثلاثين فيمكنهم أن يروا الهلال دون غيم حتى لا يحول حائل دون عدم رؤية الهلال!

إن الله سبحانه قد وضع أسباباً للعبادات فتلتزم، ولا نُعَقِّد الأمر على أنفسنا فنجعله عسيراً، والله سبحانه أراد لنا اليسر ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ واليسر هو في اتباع الأحكام الشرعية كما وردت في الإسلام.

ثم إن هناك أمراً آخر وهو أن الفلكيين مختلفون في عدد الساعات التي يجب أن تمضي على ولادة الهلال حتى يُرى بعد الغروب، ولذلك فقد يقول هذا بالحساب أنه لا يمكن رؤيته، وقد يرى في هذا المكان ولا يرى في مكان آخر، فقد يبقى هنا بعد الغروب دقيقتين وفي مكان آخر يبقى 15 دقيقة… وهكذا.

ولذلك فإدخال الحساب نفياً أو إثباتاً فيه تعقيد لم يأمرنا الله سبحانه به، بل إن النصوص صريحة واضحة، ولا تقبل تأويلاً.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

03 من شـعبان 1434 ألموافق2013-06-12

منقول