العائلة... قلعة حصّنها الله ورسوله

**وعمليّة الخلق هذه زرعت في كلّ امرأة تلد على هذه الأرض حاجتها إلى رجل يرعاها ويساعدها في أمور الحياة ويكون قيّماً عليها وحامياً لها. وبذلك جعل الله للرجال على النساء درجة حسب الآية الكريمة ﴿ … وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [228 البقرة].ومعنى هذه الآية أنّ المعاشرة بين الزوج والزوجة هي معاشرة بالمعروف والحسنى أي كلُّ يقوم بواجبه الحياتي في المعاشرة يتحمّل مسؤوليّاته ويؤدّي أعماله بطيب نفس، أمّا ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ فتعني أنّ للرجال منزلة أعلى بالمسؤوليات والمهام ليست للنساء. فعلى الرجال الجهاد والتفكير بتدابير الحياة والعمل وأن يجمع القوّة اللازمة لحماية عائلته وله من الميراث أكثر لما عليه من موجبات الإنفاق على عائلته ودفع المهر، ويتحمّل مسؤوليّة القضاء والإمامة، ومسؤوليّة الإنفاق والرعاية لزوجه وأطفاله، وله الشهادة وأن يتزوّج على زوجته وله الطلاق وعليها طاعته. وإذا كانت كلّ هذه لا تكفي لتميّز الرجل عن المرأة في واقع الحياة فيكفي أن يكون خلقها الله من ضلع منه. وقال عليه الصلاة والسلام: “لو أمرت أحداً بالسجود لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها”. وقال الله عزّ وجلّ: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ ومعنى ﴿قَوَّامُونَ﴾ أُمِّروا عليهنَّ، أي على المرأة أن تطيع زوجها وهذا جزء من طاعتها لله. ومعنى ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ من كون الرجال منهم الأنبياء والخلفاء والحكّام والأئمّة والمجتهدون والقوّاد والمجاهدون، وزيادة قدرة العقل والتزامات الدين وصلوات الجمع والاجتماعات ومباشرة المسؤوليّة والرعاية لشؤون الأمّة وللرجل أن يتزوّج بأربع ولا يحلّ للمرأة غير زوج واحد وزيادة النصيب في الميراث وبيده الطلاق ولا تتزوّج المرأة إلاّ أن يزوّجها رجل وليّ لها وللرجل حقّ رجعتها وإليه يكون انتساب الولد. ومعنى ﴿ قَانِتَاتٌ﴾ قائمات بما يجب عليهنَّ من حقوق أزواجهنَّ التي بيّنها الله في آياته وأحاديث نبيّه وتوجبها وقائع العشرة والمعاشرة. ومعنى ﴿ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ حفظ نفوسهنَّ عند غيبة أزواجهنَّ ومن حفظ أنفسهن حفظ ألسنتهن من استغابة أزواجهن بما فيهم مما لا يطّلع على حالهم إلا الأزواج، فسر العشرة أمانة عند الزوجة. ومن حفظ نفوسهن حفظ فروجهنَّ وعوراتهنَّ عن كلّ أجنبي وحفظ أموال أزواجهنَّ في غيبتهم وحضرتهم.

إنّ الله جعل الزوجة مِنَّةً منه على عباده من الرجال فقال: ﴿ وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ الروم 21. أي جعل الزوجة التي يطمئنّ إليها الرجل ويقدّم إليها المودّة والرحمة وما يؤدّي به ذلك من جماع وولد واطمئنان وإفضاء إلى زوجه بمكنونات قلبه وعقله دون سابق معرفة قبل الزواج معجزة من معجزات الله الكبرى في الحياة.

إنّ الله قد كرّم المرأة وساواها في الأجر والثواب مع الرجل. فبالرغم من تحميله الرجل مسؤوليّات أكبر ومهام أكثر وأخطر من تلك التي أوجبها على المرأة فإنّه سبحانه وتعالى ساوى بالأجر والثواب بينهما كما ساوى في العقاب.

وحملة العرش يدعون للآباء وأزواج المؤمنين سواء بسواء دون تفريق حيث يقول تعالى عن لسان حملة العرش وهم يستغفرون للذين آمنوا: ﴿ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَابَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [غافر 8]. وجعل شرط دخول الجنّة للذكر والأنثى واحداً بقوله: ﴿ … وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ غافر 40. فليس الأمر في الإسلام مفاضلة بين الذكر والأنثى بل تحديد مهمّات بما يتوافق وطبيعة كلّ منهما. ولمّا كانت طبيعة المرأة أنّها أمّ فقد خُلِقَت فيها ينابيعُ دافقةٌ بالحبّ والرحمة والشفقة أغزر من تلك التي وجدت في الرجل. ومن الطبيعة البشريّة أنّ مَن قَوِيَت عنده هذه الأحاسيس تضعف عنده قدرة التمسّك والتقيّد بالثوابت والقناعات العقليّة التي تمتحن في المواقف والسير في أمور الحياة بما يتوافق والقواعد والقناعات العقليّة التي تمتحن في المواقف والسير في أمور الحياة بما يتوافق والقواعد والقناعات الفكريّة دون تأثير طاغ لأيّ ميل عاطفي ذاتي. ولهذا جاء الشرع في معظم أمور الحياة التي تحتاج إلى القدرات العاطفيّة الطاغية يجعلها مسؤوليّة المرأة. وفي معظم أمور الحياة التي تحتاج إلى إعمال العقل وأخذ القرار بالقيام بما يجب القيام به، من مسؤوليّة الرجل**

تمهيد بدون عنوان

حقائق كثيرة فاجأتني بنتائجها التي كنت أستنتجها من أحاديث الرسول ïپ². أترك لكم تقدير مستوى تأثيرها على مسار حياتكم ومساعدتكم على وضع أيّ خلافٍ زوجي في إطاره الصحيح وسهولة معالجته أو إزالته بالرضوخ لحكم الله.

أمرَ الله الأقارب والحكّام بنصح الزوجين وتذكيرهما بحكم الله في أمرهما قبل إيقاع الطلاق بينهما. ولكن الفرديّة طغت على العلاقات وأصبح المرء يخجل من استشارة غيره أو يأنف منها، وبذلك عزف عن الاستنصاح وأخذ يعتمد على اجترار أفكاره عساه يستنبط منها رشداً. ونسيَ أنّ ذلك حرام محرّم على المسلم لأن الأمر كلّه يعود إلى ما أمرَ به الله ورسوله. فإلى الذي يرغب بالنصيحة ويظنّ أن طلبها وضيعة، وإلى الذي يريد رشداً ويظن مصادره صعبة، وإلى الذي يظن امرأته سيئة غير قابلة لإصلاح أمرها، وإلى من تظنُّ زوجها سيئاً لا حياة لها معه، إلى المرأة التي عميت بصيرتها عن وضوح رؤية دورها في الحياة، إلى المرأة التي أمسك الشيطان بأطراف أمرها يتقاذفها كيف يشاء وهي في بُعدٍ سحيق عن إدراك مصيرها، إلى المرأة التي تقوم بالمعصية الزوجيّة طائعة للشيطان وتمتنع عن الزنى خوفاً من الله، إلى المرأة التي تصلّي لأنها اتخذت الله ربّاً وعصت زوجها منصاعةً لهواها، فجعلت لنفسها ربّين دون أن تدري: ربّاً للصلاة وربّاً للمعصية، بينما الله ربُّ كل شيء في الوجود؛ رب خالق مطاع بالعقل والهوى، وإليه وحده يصعد العمل الطيّب، إلى المرأة التي تطلب السعادة في الحياة والجنة في الآخرة.

وحتى تقلّ حالات سوء الفهم الناتجة عن الجهل في بواقع الزواج، ومن أجل وضع كثير من الخلافات في إطارها الواقعي، فلا تتحوّل إلى مأساة طلاق وتشريد عائلة، ندعو إلى التزام أحكام ديننا وتحكيمها في أمورنا، للتقيُّد به والعمل به. والتخلّي عن ذلك ارتكاب لثلاث معاصٍ شرعيّة أدناها كبيرة من الكبائر وثانيها كفرٌ عظيم:

1ـ التخلّي عن الإيمان لأن الإيمان تصديقٌ وعمل، وتصديق بدون عمل يضع الإنسان في خانة المنافقين أو مرتكبي الكبائر.

2ـ خروج من صفة “عبادي” التي يسمّي بها الله أهل الجنة وبذلك تحرَّم الجنة على مَن يعرف حكم الله ولا يعمل به لأنه يكون قد أطاع الشيطان.

3ـ معصية إقامة كيان العائلة على غير الأساس الذي أمر الله به وما يؤدّي ذلك إلى هدم أحكام الإسلام في الحياة يستحقُّ فاعله أشدَّ العذاب.
فالتقيّد بحكم الله في كلّ أمر هو الطريق الوحيد إلى الجنة وإلى المجد والسعادة في الدنيا والآخرة. ومعرفة الحكم إنما تكون لغاية محددة واضحة.
أهميّة موضوع العائلة في دين الله الذي جبَّ جميع الأديان التي أنزلها الله قبل الإسلام، كموضوع الحكم بما أنزل الله للفصل في خلافات البشر وإعلان الحرب على مَن يمنع انتشار فكر الإسلام واعتناقه وإقامة أحكامه بين الناس وبين الدول؛ ركيزة من ركائز هذا الدين وقاعدة من قواعده إن لم يكن قاعدة من قاعدتين.
البحث في العائلة، رغم محاولات كثيرة قام بها المؤلَّفون، لم يُعطَ حقه في التجديد والاستنارة. والكتب التي كُتبت عن العائلة كما أمر بها سبحانه وتعالى أن تكون وبما جاء في هدي سنّة رسوله ïپ²، كانت دائماً دون تحديد لواقعها مشتّتة غير متوحّدة الموضوع وكأن القصد محصور في جمع أحكامها. وأيضاً، في غالبيّتها أُخذت لذاتها ودونما اعتبارٌ لمتعلّقاتها. فغاب عنها الهدف من الكتابة فيه ممّا أفقدها العمق اللازم للبحث وبالتالي أفقد تلك الكتابات قدرة التأثير والتوجيه في صيانة العائلة المسلمة من التيارات الفكريّة الشيطانية التي عمل الكفَّار، أعداء الله وأعداء كلِّ مَن آمن بالله ورسوله، مئات السنين دون كللٍ أو مللٍ ليلَ نهار لتحويل العائلة المسلمة إلى كيان يعشِّشُ فيه الضلالُ والباطلُ فيزدهر وينتشر منها باطلٌ وكفرٌ وابتداعٌ شيطاني جديد.
الفكر الإسلامي وحده من بين أفكار الدنيا الذي يحتّم ممارسة العمل به ويجعله شرط الإيمان والكفر والجنّة والنّار. فلا يكون الإنسان مسلماً ولا مؤمناً إن عرف أحكاماً إسلاميّة ولم يطبِّقها على نفسه وفي حياته حيث يلزم. ونحن إذ نقدِّم هذه المفاهيم الإسلامية التي تحدِّد كيان العائلة المسلمة وهدفها من هذا الكيان إنّما بقصد التزام المسلمين بها لتعود العائلة معقلاً لإقامة أحكام الله ومنارةً للهداية إلى دين الله ويهزموا الشيطان الذي سيطر على حياتهم سنين دون وعي منهم على الجهل والضلال الذي يحيون فيه. فالشيطان لا ينهزم إلاّ بإقامة حكم الله. ففي كلِّ أمر يواجهه المسلم يحاول الشيطان أن يغريه بمعالجة الأمر بأيّة وسيلة غير الوسيلة الشرعيّة. وحده التمسُّك بالمعالجة الشرعيّة يهزم الشيطان.
في هذا العصر الذي تكاثرت فيه شياطين الأنس على شياطين الجنّ، وفي هذا الزمن الذي لم يَبقَ في الأرض موطنٌ واحدٌ للإيمان حيث أحكم إبليس قبضته على عنق البشر أجمعين؛ لم يعد لأيّ فرد أو أمّة الإسلام غير القرار الجازم بمواجهة الواقع، وقائع الحياة بأحكام الله ورسوله. فمعرفة الحكم الذي يحتاجه الواقع من أجل التقيّد بذلك الحكم وتطبيقه هو الوسيلة الوحيدة للنجاة من غضب الله وعذابه.
جديد هذا الكتاب أنّه أكمل نواقص الموضوع وأزال الغموض عن غوامضه واستغنى عن طويله بعمقِه ووحَّدَ مُتَفَرِّقَهُ بالتركيز على مقصدِهِ، وفي ترتيب أحكامه أبان التوافق والتلاقي في الأحكام والمقاصد بدل الاختلاط والإبهام. وفي كلّ هذا ومن كلّ هذا جاء النتاج ليس جديداً بقدر ما هو متمايز مغاير غير مشابه لكلّ ما قيل وكُتب في موضوع العائلة.
الله من وراء القصد: الأول أن يتحرّك المسلم في إقامة كيان ذاتي يحارب به الشيطان ويتّخذه عدوّاً كما أمره الله.
الثاني أن يقرِّر المسلم القبول والرضى بحكم الله وطاعته لله سبحانه بالتقيّد بأحكامه حتّى تتحوَّل حياته إلى حياة مؤمن يصدّق ويعمل بأمر الله، فيتحوّل إلى جرّافة تهدم الغثَّ البالي من بنيان الكفر في المجتمع، ومع غيره يشيع حكم الله في المجتمع وتقوم دولة تحكم بما أنزل وأمر به الله وحده.

المؤلف : يوسف بعدراني
.

**وكما أوجب الشرع طاعة المرأة لزوجها وجعله فرضاً عينيّاً عليها تستحقّ العذاب الشديد إن فرّطت فيه لأنّه حجر الزاوية في استمرار الحياة الزوجيّة، أوجب تثبيت هذا الحكم واقعاً لا يستطيع حتّى الرجل التراخي فيه، لأنّ?ه ليس أمراً خاصّاً بل عامّاً يتعلّق بصيغة ومسيرة الحياة للإسلام والأمّة، حرّم الشرع طاعة الزوجة وأوجب عدم طاعة النساء في توجيه سياسة الحياة ومباشرة مسؤوليّة الرعاية العائليّة والعامّة. وليس في الأمور الخاصة التي تحتاج إلى تشاور من مثل طعام اليوم ومكان الموقد وشكل الكرسي وما شابه. بل بخط سير الحياة وغايات الأعمال، قال عليه الصلاة والسلام في حديث أخرجه الترمذي عن علي رضي الله عنه: “إذا فعلت أمّتي خمس عشرة خصلة، حلّ بها البلاء…” الحديث وفيه: “وأطاع الرجل زوجته، وعقّ أمّه” إلى قوله: “واتخذت القينات والمعازف” وفي آخره “فليرتقبوا عند ذلك ريحاً حمراء، وخسفاً أو مسخاً وقذفاً”.: “لولا حوّاء لم تخن أنثى زوجها الدهر”. أخرجه الشيخان. خيانة حوّاء لآدم: هي في النصيحة له في الأكل من الشجرة وليس في غيرها. وسوء النصح في الإسلام من الخيانة وهو غير النصح عن جهالة.وقد أوضح عليه الصلاة والسلام أنّ خيانة الأنثى موروثة من حوّاء مذ خانت آدم عليه السلام في الجنّة. عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله

وجوب طاعة المرأة لزوجها وتحريم طاعة الرجل لزوجه ينبع من أمرين: الأوّل، النظام الاجتماعي في الإسلام يقوم على رعاية الرجل لأسرته، وهذه الرعاية تستوجب أن يكون المسؤول محدّداً. والثاني حماية قرار المسيرة الحياتيّة للمسلمين. فالمرأة بما سبق وعرفنا من ضعفها في المواقف وسهولة انجرافها مع أهوائها وتراخيها في أخذ القرارات الحاسمة يكون من الخطر الكبير على العائلة والمجتمع أن يكون لها رأي يطاع ومن هنا تحريم طاعة الرجل لزوجه.

ومن التحصينات الأخرى لمنع الشيطان من هدم العائلة وتشتيت ا"لأولاد انتزع من المرأة حق الطلاق وحصره بالرجل وجعل الطلاق لا يكون إلا منه وحرّم على المرأة أن تطالب به تحريماً صريحاً فقال عليه الصلاة والسلام: “أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من دون بأس فحرام عليها رائحة الجنة” وقال: “وإنّ المختلعات هنَّ المنافقات” المختلعة التي تطلب الطلاق. والبأس الذي قد يتراءى أنّه عذرٌ للمرأة تطلب من أجله الطلاق هو نشوز زوجها، وفي هذا أوجب الله على الزوجة علاجه قبل أن يصل إلى حدّ اعتباره بأساً وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ النساء 128. وهو ليس السأم والتذم?ّر فيكون بأساً برأيها. فالبأس هو مخالفة الزوج لحكم شرعي أمره الله به تجاه زوجه. وليس من البأس في شيء عدم قيادة السيارة أو قلّة في الملابس أو عدم الخروج أو منعها من الزيارات أو عدم وجود غسّالة كهربائيّة أو تجديد المفروشات وما شاكل ذلك من أمور الحياة التي يُقال بهتاناً أنها أصبحت من ضرورات حياة المجتمع.

هذه الأحاديث تنبّه الرجل والمرأة إلى خطر الشيطان على المرأة، فمفهوم الأحاديث الضمني وجوب تَحَصُّن المرأة ذاتيّاً لتقف بوجه هجمة الشيطان عليها ومحاولة غوايتها وتسخيرها لتحقيق غاياته في الدنيا. خاصة وأنّ أسمى غاياته هو بذر الشقاق في العائلة عن طريق تنفير الزوجة من الزوج أو العكس حتّى يسهل على المرأة معصية زوجها والتطاول عليه باللسان وهو نهاية مطاف أيّ زواج. ومن مفهوم الحديث الضمني أيضاً وجوب مساعدة الرجل لامرأته بتحصينها ضدّ مكائد الشيطان والوقوف معها بمحاربة أساليبه بالتنبّه الدائم والحرص الشديد بالتمسّك والوعي بأحكام الله المتعلّقة برعاية العائلة.**

**وجاءت الفاحشة بهذا المعنى أي البذاءة في اللسان والاستطالة بها على مَن هو ساكن معها في ذلك البيت مرّة أخرى في الآية الكريمة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. الطلاق 1.

قال ابن عبّاس في تفسير ﴿ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ في هذه الآية: فإذا بذأت عليهم بلسانها فقد حلَّ لهم إخراجها لسوء خلقها. ومع أنَّ حكم الله في المطلَّقة أن تحصي عدّتها ملازمة لبيتها لا تخرج منه ولا تُخرج منه حتى انقضاء عدّة الطلاق أمر واجب إلاّ أنّها إذا كانت سيّئة الخلق بمعنى أنّها تتطاول بلسانها على مَن يساكنها في البيت حتى على غير زوجها مطلِّقها فإنّها تُخرَج ولا تُساكَنُ. بذاءة اللسان والوقاحة والتطاول وعلو الصوت عيب كبير في أيّ شخص رجلاً كان أو امرأة بمقاييس كلّ المجتمعات وأجناس الناس. وهو عيب أكبر ونقيصة مهينة إذا وجدت في المرأة في أيّ مجتمع إسلامي أو غير إسلامي. ولكنّه في الإسلام جريمة سمّيت بنفس اسم جريمة الزنى وإن كانت تختلف عن الزنى بفعلها. ولعلّه السبب الوحيد الذي يطلِّق فيه الرجل زوجته طلاقاً غير مكروه فيه للرجل أن يطلِّق. فالطلاق إطلاقاً على عمومه قال فيه عليه الصلاة والسلام: “ما أحلَّ الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق”. أخرجه أبو داود موصولاً عن عبد الله بن عمر ومرسلاً ورواه محارب بن دثار من ثقات التابعين. وعن علي كرَّم الله وجهه عن النبي r قال: “تزوّجوا ولا تطلِّقوا، فإنّ الطلاق يهتزّ منه العرش”. فالطلاق شرٌّ كبير وهو الانتصار الأكبر للشيطان ولذلك شرَّع الله أحكاماً لحماية الزواج لا يمكن معها تدميره أو للطلاق أن يقع إلاّ أن يكون أحد الفريقين قد نشز أو أنّ المرأة أتت بالفاحشة المبيِّنة. وهذه الأمور نبَّه الله تعالى والرسول عليه الصلاة والسلام المؤمن أن يكون دائم الحذر من مكائد الشيطان ومحاولاته التي لا تنتهي للإيقاع بكلّ رجل وامرأة في الحياة وفي كافة جوانبها.

نقول ? والله أعلم ـ: إنّ نشوز المرأة أو إتيانها الفاحشة المبيِّنة وإصرارها على فعل هذا الحرام رغم الوعظ والهجر والضرب قد يكون السبب الوحيد الذي يكون فيه الطلاق من الرجل غير مكروه فيه أن يطلّق هو بسبب الاستثناء الصريح في الآية والحديث. في الآية ﴿ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وفي الحديث “فإن أطعنكم فلا تبغوا” مفاده إن لم يطعنكم فابغوا عليهنَّ سبيلاً وهي هنا تعني لا تمعنوا بالعقاب والوصول إلى آخر العقاب الذي هو الطلاق إلاّ إذا لم يطعنكم وعندها لا يكون ذلك بغياً لجوازه شرعاً والشرع لا يمكن أن يجيز البغي. والآية: ﴿ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ استثنى الإخراج من بيت قضاء العدّة وهو أمر ممنوع شرعاً ولكن أذن الله تعالى به في حالة مستثناة هي حالة الإتيان بالفاحشة المبيِّنة. وهذا تكرار للحكم الشرعي الذي يُسقط حقوق المرأة الناشز والمرأة الفاحش أو المتفحِّشة. حتى حقّ النفقة، ووجوب وفرضيّة إنفاق الزوج على الزوجة تسقط إذا نشزت أو فحَّشت، وكذلك يحرمها النشوز والتفحُّش حقوق الكرامة، فتسقط جميع أحكام إجراءات صون كرامتها من قبل الزوج في فترة ما قبل وأثناء وما بعد عملية التطليق بسبب المعصية لزوجها والتطاول عليه باللسان وعلوّ صوتها على صوته بالكلام البذيء وظهور الوقاحة في قولها وفعلها.

إنّ حكم الإسلام في التحادث والتخاطب بين البشر عامة مسلمين وغير مسلمين له قواعد تحتِّم مستوىً راقياً جدّاً من الخلق الكريم والتراحم والتودّد في الألفاظ والتعابير المتداولة. والحدّ الأدنى لرقي المستوى في تعامل المسلم مع غيره من البشر واجب مفروض والترقّي عنه ورفع درجة التراحم والتودّد في الألفاظ والعبارات خلق يزيده الشرع تكريماً بجزيل الثناء والأجر الذي يسبغه الله تعالى على عباده ذوي الخلق الكريم. وفي هذا الموضوع بحث تفصيلي واسع يمكن الرجوع إليه لكلّ مسلم بأيسر الوسائل. ولكنّه من بديهيّات القول أنّ الله سبحانه وتعالى والرسول r أمر وحثَّ على مكارم الأخلاق في القول والفعل وجعله أساساً في شخصيّة المسلم. إلاّ أنّ الحكم الشرعي اعتنى عنايةً خاصة بالعلاقة بين الرجل والمرأة بالرغم من كلّ تشريعاته في هذا الأمر للعامة من تجّار وعمّال ورفاق وأقارب وجيران وغيره. فقد حرص الشارع على أن ينفرد بتفصيل تنظيمٍ للعائلة وعلاقة الرجل بزوجه، وذلك بتشريع خاص يشدّد ويمعن في الحرص على توفير مستوى خلقي أعلى بين الزوج والزوجة والأولاد زيادة في تحصين العائلة من احتمالات التفكّك والاختلاف والانحلال.

.**

**الفحش … المرأة الفاحش

حرَّم الله تعالى نشوز المرأة وإتيان الفاحشة تحريماً قاطعاً وجعل عقاب ذلك جهنَّم وعذاباً شديداً في الآخرة. أمّا النشوز فهو المعصية من الزوجة لزوجها والتباعد والإعراض من الزوج عن زوجة. أمّا الفاحشة فحسب موضعها في الآية، ففي قوله تعالى: ﴿ وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ . معناها الزنى. وفي قوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. معناها معصية الزوج وبذاءة اللسان والتطاول والوقاحة على الزوج. لأنّه لو كان معناها هنا الزنى وقد علمه الزوج وليس عنده شهود أربعة فله ملاعنتها لإقامة الحدّ عليها وإذا أصرّت على إنكارها فلا سبيل لإقامة الحدّ عليها ويكون للرجل طلاقها، وليس له أن يمسكها ليضارها حتى تفتدي منه بمالها وقد وجدها تزني وتيقّن منه دون وجود الشهود. فالشهود لإثبات الزنى من أجل إقامة الحدّ وليس لإثبات الزنى فقط. فإن ثبت للزوج الزنى دون شهود فليس له إمساكها حتى تختلع وتفتدي نفسها منه وهذا بإجماع العلماء. ثم إنّ الآية: ﴿ وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾. تعني لا تمسكوهنَّ حتى تسترجعوا بعض الأموال التي أعطيتموهنَّ أي أنّ ذلك غير مباح ولا يجوز لكم أن تمسكوهنَّ ضراراً أي لإلحاق الأذى بهنَّ إلاّ في حالة واحدة هي أن تأتين بفاحشة مبيِّنة والفاحشة المبيِّنة هي المعصية الظاهرة. في هذه الحالة لا يكون العَضل ظلماً بسبب إتيانهنَّ الفاحشة المبيِّنة. على أنّ علماء الأمّة ابن مسعود وابن عبّاس والضحاك وقتاده قالوا: الفاحشة المبيِّنة في هذه الآية البغض والنشوز، قالوا: فإذا نشزت حلّ له أن يأخذ مالها؛ وهذا هو مذهب مالك. وقال أبو عمر: إنّ الفاحشة قد تكون البذاءة والأذى ومنه قيل للبذيء: فاحش ومتفحّش والبذيء والبذاء هو التطاول باللسان. فالمتفحّشة أو المرأة الفاحش هي التي تتطاول باللسان وتنطق بقبيح الكلام وسيء اللفظ.

عن عمر بن الأخوص الجشمي: “أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجّة الوداع يقول: بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وذكَّر ووعظ. ثم قال: ألا واستوصوا بالنساء خيراً. فإنّما هنَّ عوان عندكم، ليس تملكون منهنَّ شيئاً غير ذلك، إلاّ أن يأتين بفاحشة مبيِّنة، فإن فعلن فاهجروهنَّ في المضاجع، واضربوهنَّ ضرباً غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنَّ سبيلاً، ألا إنّ لكم على نسائكم حقّاً، ولنسائكم عليكم حقّاً، فحقّكم عليهنَّ: أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون. ألا وحقّهنَّ عليكم: أن تحسنوا إليهنَّ في كسوتهنَّ وطعامعنَّ”. رواه ابن ماجه والترمذي. عوان عندكم: بمعنى أسيرات في عهدتكم، بمعنى هنَّ مستسلمات لكم لا يستطعن أن يقدِّمنَ أكثر من استسلام الأسيرات. فهنَّ عاجزات لذلك عاملوهنَّ بالخير. وهم على تلك الحال من وجوب الاستيصاء بهنَّ عاجزات لذلك عاملوهنَّ بالخير. وهم على تلك الحال من وجوب الاستيصاء بهنَّ بالخير ما دمن لا يأتين بالفاحشة المبيَّنة التي هي المعصية وبذاءة اللسان، التطاول بالكلام واستعمال بذيئه. فمن تأتي بالفاحشة أي تتطاول باللسان أو معصية الزوج يكون استيصاؤها بالخير أن تردع بالموعظة فإن فاءت إلى رشدها كان خيراً وإلاّ هجرها زوجها في الفراش. فإن هداها الله كان خيراً وإلاّ فلزوجها أن يضربها ليؤدِّبها ويقوِّم سلوكها ويفرض عليها الامتثال لحكم الله. فالضرب هو العلاج الأخير الواجب لردعها عن النشوز والمعصية والتطاول. فإن ذكرت الله وخافت عذابه ورجعت عن معصيته فلا تطغوا في العقاب وتتمادوا في أيّ شكل من أشكاله مثل دوام الهجر والوصول بالعقاب إلى أكثر ممّا يردع. والضرب لا يكون على الوجه ولا يكون مبرحاً.

والترتيب الذي جاء بالحديث هو نفس الترتيب الذي جاء بالآية الكريمة: ﴿ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾. النساء 34. فالنشوز: هو العصيان وقد تكون دلالته بالقول أو بالفعل؛ فإن رفعت صوتها عليه، أو لم تجبه إذا دعاها، ولم تبادر إلى أمره إذا أمرها، أو لا تخضع له إذا خاطبها، أو لا تقوم له إذا دخل عليها غير آبهة به واستعملت قبيح الكلام وتمادت في وقاحتها. وقد جعل الله علاج نشوزها مرتَّباً الأخفّ فالأشدّ ولا يجوز سبق الشديد على الخفيف والقصد من الكلّ ردع النفس المؤمنة، وليس تحطيمها ويتوقّف العقاب بتوقّف السبب. ومن يبتغ من الرجال وراء ذلك فليذكر قدرة الله عليه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾. أي إنّ الله أقدر عليه منه عليهنَّ فليقف حيث يلزم التوقّف إذا عدنَ إلى الطاعة.

.**

**الجهر بالسوء

يطيب للنفس المتألّمة الدعاء بالشّر على مَنْ يُظنّ أو يُعلم أنّه سبب الألم. وفي معظم حالات الطلاق أو خلاف الزوج والزوجة يميل كلّ من الزوجين إلى تقوية موقفه وتثبيت حجّته بالدعاء على نفسه إن كان يقول شططاً ويسبُّ ويشتم المفتري. وقد يُمعن في تماديه فيجهر بذكر مساوىء زوجه ويزيد بالتعريض فيضيف أشياء غير حقيقيّة ويكون في اتهامه كذب عن قصد أو غير مقصود ممّا استوجبه سياق بذل الاتهامات لتقوية موقفه. فيقع في ارتكاب الحرام الذي لم يكن يرغب فيه ولا يقصده ويستحقّ الإثم والعقاب عليه في الآخرة. تحوّطاً ومنعاً لوقوع المسلم في حرام زلل اللسان ومن أجل حصر المشكل في أضيق حدوده أي في حدوده الأساسيّة، شرّع الله سبحانه وتعالى ضبط اللسان والنفس ومنعها عن الدعاء بالشرّ لأيّ سببٍ حتى على السارق يسرق أشياءك. وإن فعل المسروق ماله فإنّ دعاءه يكون تخفيفاً على السارق عن عقوبة السرقة في الآخرة لأنّ الدعاء عقوبة في الدنيا لأنّه محتمل الإجابة من الله تعالى. فإذا وقعت الإجابة أم لم تقع من الله تعالى في الحياة الدنيا يخفّف عن عذاب المدعو عليه في الآخرة.

قال الله تعالى: ﴿ لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا، إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [148/149 النساء]. وقد جاء في القرطبي في تفسيرها عن الحسن رضي الله عنه قال: هو الرجل يظلم الرجل فلا يدعو عليه، ولكن ليقل: اللهمّ أعنّي عليه، أللهّم استخرج حقّي، اللهَّم حلْ بيني وبين ما يريد من ظلمي، فهذا دعاء في المدافعة وهو أقلّ منال السوء. انتهى. عليه يكون للمظلوم أن ينتصر من ظالمه ولكن مع اقتصاد، إن كان مؤمناً ولا يقابل القذف، سيء الكلام، بمثله.

وقد روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قال: سُرقَ لها شيء فجعلت تدعو عليه، أي على السارق فقال رسول الله r: " لا تسبِّخي عنه". أي لا تخفّفي عنه العقوبة بدعائك عليه. وقال عليه الصلاة والسلام:“خذوا على أيدي سفهائكم”. والسفيه هو سيّء القول أو من يجهر بسوء القول وهو من يجب على المؤمنين منعه بالنصح.

يقول تعالى: ﴿ إن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ حبَّب إلى العفو ورغَّب. والعفو من صفة الله تعالى مع القدرة على الانتقام. روى ابن المبارك قال: حدّثني مَن سمعِ الحسن يقول: إذا جثت الأمم بين يدي ربّ العالمين يوم القيامة نودي ليقم مَن أجرُه على الله فلا يقوم إلاّ من عفا في الدنيا. يصدّق هذا الفهم قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. انتهى. فالمعاشرة تظهر جيّد الطباع وسيّئها وهذه المعاشرة الزوجيّة تستوجب التصرّف بكلّ عفويّة، واطّلاع المعاشر على أسرار ودقائق نفس الآخر أمر طبيعي بحكم المساكنة والمخالطة والممازجة ممّا يجعل جميع ما يعلم العشير من عشيرهِ سرّاً لا يجوز الجهر به لأنّ الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: “المجالس بالأمانات” فهذه المعلومات أمانة عند العشير. المعنى أنّ الله لا يحبّ الجهر بالسوء أي القول السيّء، لأنّ التمادي على الخلاف والشحناء والمباغضة هي قواعد الشرّ، وقال الرسول عليه الصلاة والسلام في البغضاء “إنّها الحالقة” يعني حالقة الدين لا حالقة الشعر. وفي هذا تنبيه إلى ما يمكن أن تؤدّي البغضاء إليه من ارتكاب عمل محرّم فيخرج فاعله عن حظيرة الدين ويكون في ذلك هلاكه في الآخرة.

وسوء الخلق شرٌّ مستطير لأنّه بداية طريق جهنَّم القصير لما يتوالى عنه من قول وفعل يوصل إلى التفحُّش وبهذا يقول الرسول r: “سوء الخلق شؤم”. لأنّه مجلبة للشرّ والفقر والتعاسة وبه تعمّ الشحناء بين الناس وتنتشر العداوة. وفي القرآن الكريم أنّ الشيطان يوقع بين الناس بتوتير العلاقة لإيجاد البغضاء والشحناء بينهم. وكلّما قويت علاقة اثنين والتحمت أمور حياتهما كما في حال حياة الأزواج والشركاء والجيران والأهل ازداد جهد الشيطان لتفكيك هذه الأواصر وإحلال العداوة محلّها. فنشر العداوة والبغضاء بين الناس هو تمهيد لسيطرة الشيطان وهو بمثابة إخصاب الأرض بالماء والسماد للزرع. وأهون السبل لبدء التباعد والمشاحنة هو سيّء الكلام. ولهذا أوصى الله سبحانه وتعالى عباده بحسن اللفظ وأمرهم به مبيِّناً أنّ الشيطان يأمرهم بالعكس. يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الإسراء 53: ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. فالقول الحسن هو عكس سيّء القول. ووصف سيّء القول بأنّه شؤم في الحديث الشريف وقول القرآن الكريم بأنّ الشيطان يحاول الإيقاع بين الناس وإيجاد التباغض والشحناء بينهم بتحويلهم من القول الحسن إلى سيّئه يجعل سوء القول حراماً. وكون التباغض والعداوة فعلاً محرّماً وكلّ وسيلة تؤدّي إليه محرّمة وسوء اللفظ والقول أوسع الأبواب لدخول البغضاء والعداوة يكون أيضاً سوء الخلق وسيّء اللفظ فعلاً محرَّماً.

ولإحكام إغلاق هذا الباب بوجه الشيطان يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. [34 فصِّلت].

عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: رسول الله r: “إنّ أحبّكم إليَّ وأقربكم منّي في الآخرة محاسنكم أخلاقاً. وإنّ أبغضكم إليَّ وأبعدكم عنّي في الآخرة أسوأكم أخلاقاً الثرثارون المتفيهقون المتشدّقون”. رواه أحمد ورواته رواة الصحيح والطبراني وابن حبان في صحيحه.

وعن علي عليه السلام قال: النساء أربع: القرئع والوعوع وغلّ لا ينزع وجامعة تجمع. القرئع: السمحة. الوعوع: الصخَّابة. غلّ لا ينزع: المرأة السوء للرجل منها أولاد لا يدري كيف يتخلّص منها. الجامعة: التي تجمع الشمل وتلمّ الشعث.

  • حديث شريف *

عن ابن عمرو بن العاص قال: لّما فتح النبي r مكة قام خطيباً، فقال: “لا يجوز لامرأة أمرٌ في مالها إذا ملك زوجها عصمتها”.

أخرجه أبو داود والنسائي

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن رسول الله r أنه قال: “إن الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة”.**

**روى الطبراني في حديث جاء بآخره قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إنّي رسول النساء إليك، وما منهنَّ امرأة علمت أو لم تعلم، إلاّ وهي تهوى مخرجي إليك. الله ربّ الرجال والنساء وإلههنَّ، وأنت رسول الله إلى الرجال والنساء، كتب الله الجهاد على الرجال، فإن أصابوا أُجروا، وإن استشهدوا كانوا أحياءً عند ربّهم يرزقون، فما يعدل ذلك من أعمالهم من الطاعة؟ قال: " صلى الله عليه وسلم طاعة أزواجهنَّ، والمعرفة بحقوقهم وقليل منكنَّ مَن يفعله".

وعن أَنَس بن مالك، في قصّة سجدة الإبل له صلى الله عليه وسلم ، يرفعه: قال: " صلى الله عليه وسلم لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقّه عليها، لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنبجس بالقيح والصديد، ثم استقبلته فلحسته ما أدّت حقّه". معنى تنبجس تتفجّر وتنبع.

عن أبي هريرة، قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت: وعن ابن أبي أوفى، قال: لمّا قدم معاذ بن جبل من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا؟ قال: يا رسول الله، قدمت الشام فوجدتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم، فأردت أن أفعل ذلك بك، قال: “فلا تفعل، فإنّي لو أمرت شيئاً أن يسجد لشيء لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها والذي نفسي بيده، لا تؤّدي المرأة حقّ ربّها حتى تؤدّي حقّ زوجها”. رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه واللفظ"أنا فلانة بنت فلان، قال: قد عرفتك، فما حاجتك؟ قالت: حاجتي إلى ابن عمّي فلان العابد، قال: قد عرفته. قالت: يخطبني، فأخبرني ما حقّ الزوج على الزوجة؟ فإن كان شيئاً أطيقه تزوّجته، قال: من حقّه، أن لو سال دماً وقيحاً فلحسته بلسانها ما أدّت حقّه، لو كان ينبغي لبشر أن يسجد لبشر لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها إذا دخل عليها، لما فضّله الله عليها. قالت: والذي بعثك بالحق، لا أتزوّج ما بقيت الدنيا". هذه المرأة قد يكون من شدّة تقواها خافت أن تتزوّج فلا تؤدّي حقّ زوجها كاملاً فتدخل بتقصيرها جهنّم، أو أنّها استعظمت الأمر فخشيت الوقوع في الحرام وهو معصية الرجل فأبت الزواج.

ولهذا قال عليه الصلاة والسلام لأبي سعيد الخدري عندما جاء بابنته إلى النبي صلى الله عليه وسلم تستوضحه بنفس المسألة وأجابها بما يشبه هذا الحديث وردّت بمثل ما ردّت به المرأة في الحديث السابق " لا تنكحوهنَّ إلاّ بإذنهنَّ". له.

وروى الحاكم المرفوع منه، من حديث معاذ، ولفظه، قال: “لو أمرتُ أحداً أن يسجد لأحد، لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقّه عليها، ولا تجد امرأةٌ حلاوة الإيمان حتى تؤدّي حقّ زوجها، ولو سألها نفسها وهي على ظهر قتب لم تمنعه نفسها”. قتب للبعير. وعن عائشة رضي الله عنها: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لو أمرتُ أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها: ولو أنّ رجلاً أمر امرأته أن تنتقل من جبلٍ أحمر إلى جبلٍ أسود، أو من جبلٍ أسود إلى جبلٍ أحمر لكان لها أن تفعل”.

وعن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم “ألا أخبركم بنسائكم في الجنّة؟” قلنا: بلى يا رسول الله، قال: “كلّ ودود ولود، إذا أغضبت أو أسيء إليها، أو غضب زوجها، قالت: هذه يدي في يدك لا أكتحل بغمضٍ حتى ترضى”. رواه الطبراني ورواته محتج بهم في الصحيح.

وعن معاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: “لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تأذن لأحد في بيت زوجها وهو كاره، ولا تخرج وهو كاره، ولا تطيع فيه أحداً، ولا تعزل فراشه، ولا تضرّ به، فإذا كان هو أظلم، فلتأته حتى ترضيه، فإن قبل منها فبها ونعمت، وقبل الله عذرها، وأفلجت حجّتها، ولا إثم عليها. وإن هو لم يرضَ فقد أبلغت عند الله عذرها”. رواه الحاكم، وقال صحيح الإسناد. أفلج أظهر حجّتها وقواها.

وعن ابن عبّاس: "أنّ امرأة من خثعم، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، أخبرني ما حقّ الزوج على الزوجة؟ فإنّي امرأةٌ أيِّم، فإن استطعت وإلاّ جلست أيِّماً، قال: " فإنّ حقّ الزوج على زوجته: إن سألها نفسها وهي على ظهر قتبٍ أن لا تمنعه نفسها. ومن حقّ الزوج على الزوجة أن لا تصوم تطوّعاً إلاّ بإذنه، فإن فعلت جاعت وعطشت ولا يقبل منها، ولا تخرج من بيتها إلاّ بإذنه، فإن فعلت لعنتها ملائكة السماء وملائكة الرحمة وملائكة العذاب حتى ترجع "، قالت: لا جرم لا أتزوّج أبداً. رواه الطبراني.وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إثنان لا تجاوز صلاتهم رؤوسهما… الحديث.. وفيه: وامرأة عصت زوجها حتى ترجع ". رواه الطبراني بإسناد جيّد والحاكم.

وعنه أيضاً قال: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنّ المرأة إذا خرجت من بيتها وزوجها كاره، لعنها كلّ ملك في السماء، وكلّ شيء مرّت عليه غير الإنس والجنّ حتى ترجع” رواه الطبراني في الأوسط.

وعن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثلاثة لا تقبل لهم صلاة، ولا تصعد لهم إلى السماء حسنة.. الحديث.. وفيه: والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى”. رواه الطبراني في الأوسط.

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فلم تأته، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح ". رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. وفي رواية للبخاري ومسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه، إلاّ كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها”. عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال:“لا ينظر الله تبارك وتعالى إلى امرأة لا تشكر لزوجها، وهي لا تستغني عنه”.

جميع هذه الأحاديث لا تحتاج إلى توضيح أو مشقّة في فهم ما بيّنه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله سبحانه وتعالى من حقوق الزوج على الزوجة وما يعتبر التقصير بها نشوزاً ومعصية من المعاصي الكبيرة في الشرع. فالزوج وحقوقه أعظم حقّاَ على المرأة من أيّ إنسان. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: “سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أيّ الناس أعظم حقّاً على المرأة؟ قال: زوجها، قلتُ: فأيّ الناس أعظم حقّاً على الرجل؟ قال: أمّه”. رواه البزار والحاكم وإسناد البزار حسن.

حتى الخروج إلى المسجد لا تفعله المرأة المؤمنة دون إذن زوجها كما صيام النافلة لا تصومه المرأة المؤمنة دون إذن زوجها. عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا استأذنت أحدَكم امرأتُه إلى المسجد فلا يمنعها” أخرجه الثلاثة وأبو داود، ومفهوم الحديث أنّه يلزمها إذن زوجها للخروج إلى المسجد.

.**

النشوز… المرأة الناشز

قال الله تعالى في سورة النساء الآية 34: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾.

في هذه الآية بيان حكم الله أنّ الرجل يحكم المرأة ويرعاها. وقوَّام مفرد قوَّامون على وزن فعَّال للمبالغة ومعناه القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بكل جهده. فقيام الرجال على النساء هو على هذا الوجه، حقٌّ وواجب مفروض من الله على الرجل أن يقوم به وعلى المرأة قبوله. وهو أن يقوم الرجل بتدبير أمورها وكفايتها وحمايتها وتأديبها وإمساكها في بيتها ومنعها من الخروج، وأنّ عليها طاعته وقبول أمره في غير معصية الله. وعلّة تفضيل الرجال على النساء في أحكام الإرث بيَّنه الله لما على الرجل من حقّ المهر والنفقة على المرأة. أمّا علّة الرعاية وقيام الرجل على المرأة فهو ما تميّزت به طبيعة الرجل ممّا هيّأه لأعمال لا تستطيع المرأة القيام بها من مثل التبصّر بالأمور وسعة الإدراك والشعور الطبيعي بالمسؤولية العامّة تجاه عائلته ومجتمعه، وشدّة بأسه وقوّة احتماله وقيامه بالقتال للذود عن معتقداته ودينه وبلاده وعرضه، ومباشرته الرعاية العامة للناس وهو العمل السياسي وتحمّله ومشقّة العمل لكسب قوت عياله من زوجةٍ وأطفال. وكثير غير هذه الأعمال ممّا يحتاجه أمر تدبير أمور الحياة وتذليل مشاقها. وقيل لأنّه غلب على طبع الرجل الحرارة واليبوسة فتكون فيه شدّة وبأس، بينما طبع النساء غلبت عليه الرطوبة والبرودة فيكون فيه معنى اللين والضعف بينما الرعاية والتربية والتوجيه والنهوض بأعباء الحياة إنّما يحتاج إلى شدَّةٍ وبأس ولا تنهض الأمم بلين وضعف. وأيضاً بما كان عليهم من واجب الإنفاق الدائم على الزوجة بقول الله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ للمهر ونفقة العيش.

جاء في القرطبي في تفسير الآية: ﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. مقصوده الأمرُ بطاعة الزوج والقيام بحقّه في ماله وفي نفسها في حال غيبة الزوج. قانتات قائمات بما يجب عليهنَّ من حقوق أزواجهنَّ بالطاعة لهم، حافظات للغيب بما استحفظهنَّ الله إيّاه من أداء الأمانات إلى أزواجهنَّ أو بحفظهِنَّ الله أي بحفظهِنَّ أمر الزوج ودينه في غيابه. وفي مسند أبي داود الطيالسي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خير النساء التي إذا نظرت إليها سرّتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك” قال: وتلا هذه الآية: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ إلى آخر الآية. وقال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: “ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرّته وإذا أمرها أطاعتك وإذا غاب عنها حفظته”. أخرجه أبو داود.

﴿ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ تخافون هنا بمعنى تعلمون وتتيقّنون، كذا قاله ابن عبّاس. فتخافون ليست بمعنى تشكّون في أنّها ستنشز بل التي قامت بفعل النشاز أو التي تتيقّنون أنّها صمّمت على النشوز أي المعصية. النشوز هو العصيان والتعالي عمّا أوجب الله عليهنَّ من طاعة الأزواج. وقال ابن دريد: نشزت المرأة ونشست ونشصت بمعنىً واحد وقال أبو منصور اللغوي: ومعنى نشصت السيّئة للعشرة. حيث أنّ النشوز أي معصية المرأة للرجل إذا استفحل يؤدّي حتماً إلى هدم السعادة الزوجيّة ويؤدّي إلى البغض والكراهية بين الأزواج وتحويل الزواج إلى مأساة لا يكون معها حلٌّ أو علاج إلاّ بالطلاق، لهذا أنعم الله على العباد بعدّة حلول لمعالجة النشوز من المرأة أوّلها أن توعظ فقال: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ أي بكتاب الله وحكم الله وذكِّروهنَّ بما أوجبه الله عليهنَّ من حسن الصحبة وجميل العشرة للزوج، والاعتراف بالدرجة التي له عليها. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها”. وقال: “أيما امرأة باتت هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تُصبح”. وفي رواية “حتى تراجع وتضع يدها في يده”. فدون اعتبار لسبب هجرها لفراش زوجها، إذا لم يكن في حرام حرَّمه الله، لا يجوز إطلاقاً أن يستمرّ تفاعل انفعال الزوجة إلى طلوع الصبح، فالفرض والواجب عليها حتى تُعذر يوم القيامة على ابتعادها عن فراش زوجها طوال ليلةٍ أن تبذل جهدها في مصالحته. فإمّا أن يرضى فتُؤجر أو لا يرضى فتُعذر ويسقط إثمها وتؤجر بنعمةٍ من الله.

.**

**نفقة الرجل على زوجه فيها أجر الصدقة كما أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن في نفقة الزوجة على الرجل إذا أعسر أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة، ترغيباً وتفضيلاً للمرأة تنفق من مالها على عائلتها بدل أن تختلع وتهدم زواجها وتفرّق أو تفترق عن أولادها وعندها مال يفي أو يساعد في أود العيش. عن عائشة رضي الله عنها، قالت: “جاءت مسكينة تحمل ابنتين لها، فـأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كلّ واحدة تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتها، فشقّت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها، فأعجبني شأنها فذكرتُ الذي صَنَعَت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ الله قد أوجب لها بهما الجنّة، أو أعتقها بهما من النار”. رواه مسلم. فهذه الأمّ التي كسبت ثلاث تمرات بسؤالها قد امتلكتها وأصبحت مالها فقسّمته وهو كل ثروتها عليها وعلى ابنتيها تمرة لكلّ واحدة. ولكنَّ إحدى ابنتيها لم تكتفِ بتمرة واحدة فطلبت من أمّها حصّة من تمرتها فشقّت لها نصفها وأطعمتها إيّاه. فالإنفاق من الأم على ابنتيها هو الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام “إنّ الله قد أوجب لها بهما الجنّة، أو أعتقها بهما من النار”. أي بالعمل الذي تقوم به من السعي لإطعام ولديها وليس بسبب التمرة والقصّة في حدودها.

ومع أنّ للمرأة أجراً مضاعفاً من إنفاق مالها على عائلتها إلاّ أنّه ليس لها أن تتصرّف بمالها في غير ذلك من أوجه الإنفاق إلاّ بموافقة زوجها، فعن ابن عمرو بن العاص قال: "لّما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكّة قام خطيباً، فقال: “لا يجوز لامرأة أمرٌ في مالها إذا ملك زوجها عصمتها”. أخرجه أبو داود والنسائي. وهذا لا يعني أنّ للزوج أن يتصرّف بمالها فمال المرأة للمرأة يبقى أمّا إذا أرادت التصرّف فيه فليس لها ذلك دون موافقة زوجها على أوجه صرفه. وهذا الحكم توجبه أيضاً مستلزمات رعاية الرجل وإدارته شؤون أهله من زوج وولد. فتحصيل الرزق وإنفاقه وحفظه من أهمّ مسؤوليّات الرعاية التي أوجبها الله على الرجل. فإنفاق المال جزء من الخطّة العامّة التي يضعها الرجل لتوجيه حياة أهله فلا ينبغي لسلامة الطريق أن يكون هناك رأيان وتصوّران لتلك الخطّة. وحيث أنّ رعاية العائلة قد جعلها الله فرضاً على الرجل فتكون إدارة الأمور الماليّة له. ولكن حيث أنّ ملك رقبة المال مباحة للزوجة كما للزوج فقد جعل التصرّف بمال الرجل للرجل وحده والتصرّف بمال الزوجة لها شرط موافقة الرجل على ذلك التصرّف حتى لا يؤدّي تصرّفها للإساءة بما وضعه من خطط لعائلته. ولا يعقل أن يكون للمرأة التصرّف بمال قد تؤذي به خطّة الرجل وتتسبّب في خسارته أو إتلاف مدخوله أو إيذائه في رزقه ويكون عليه وحده مسؤوليّة النفقة على أهله. فمن كمال الأحكام التي امتازت بها الشريعة الإسلاميّة على باقي الشرائع والأديان هو هذا الإحكام والترابط المطلق بين أحكام الشريعة وهو ما يحيّر عقل كلّ دارس لها ويزيد في إيمان كلّ من يؤمن بالله واليوم الآخر.

فالنفقة في الشرع شرط أساسي في الواجب والحق الزوجي وقد شَرَطه الله تعالى بقوله: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. فإذا طرأ ما يمنع الرجل من الإنفاق كإعساره أو مرضٍ يُقعده فللزوجة أن تختلع لأنّه ركنٌ من أركان رعاية الرجل لزوجه.

وقد حثَّ الله سبحانه وتعالى المرأة على الإنفاق حتى في حال السعة من فضله على الرجل، فقال تعالى: ﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [128 النساء].ففي هذه الآية حثٌ للمرأة على القبول بالتنازل عن أيّ حق فقسمتها في ليلة مبيت الرجل عندها إذا كان متزوّجاً بغيرها أو بنفقة إذا رأت أنّ زوجها يميل إلى تطليقها بسبب عبئها عليه من قسمة ليلتها لها أو نفقتها. فحثَّها الله تعالى أن تتدارك طلاقها بأيّ نوع من أنواع الإصلاح فإن كانت بتلبية رغبة زوجها بترك حقّها بليلتها مرّة في الأسبوع أو مرّتين فعليها أن تسترضيه بذلك، وإن كان بالمشاركة بالإنفاق وهي قادرة على ذلك فلتنفق ولتحذر شُحَّ الأنفس الذي قد يثنيها عن ذلك ولا يكون سبيلاً آخر لدرء الطلاق وهو ما يبغضه الله ويحثٌّ المرأة والرجل على تلافيه بأيّ وسيلة وإن بمساهمة الزوجة بأمر النفقة.

ليس للزوج أن يتصرّف بمال زوجته إلاّ بإذنها وليس لها أن تتصرّف به إلاّ بإطلاعه وموافقته كذلك لا يحقّ للزوجة التصرّف بمال زوجها إلاّ بإذنه والرسول عليه الصلاة والسلام يجعلها مسؤولة عن المال الذي يضعه زوجها بين يديها وعن كيفيّة التصرّف فيه. والمال ليس هو النقد بل كلّ شيء يُملك هو مال. قال صلى الله عليه وسلم: “المرأة راعية على مال زوجها وهي مسؤولة عن رعيّتها”.والرعاية موضوع أساسي في الحياة وقد حدّد الشرع مفهومه ومسؤوليّته.

**عن سعد بن أبي وقاص: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: “إنك لم تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلاّ أُجِرت عليها، حتى ما تجعل في فيّ امرأتك”. رواه البخاري ومسلم في حديث طويل.أمّا حدود النفقة أو مستواها وحدود الصدقة، فقد حدّد الشرع أدنى حدود الإنفاق وأدنى مستواه كما حدّد الصدقة بأقصى حدودها. ففي حدود النفقة تأمين حاجة الزوجة من الطعام وذلك أن يطعمها الرجل مما يطعم به نفسه أي لا يكون بينهما مفاضلة في الطعام. وللمرأة أن تأكل مرة أو أكثر في اليوم ولها أن تشبع أو لا تشبع وعدم الشبع غير الجوع. والرسول عليه الصلاة والسلام جعل الشبع من الأمور المكروهة وحضَّ على عدم الشبع. وليس في طعام الزوجة تحديد للنوع من الأطعمة فقد كانت نساء النبي رضوان الله وصلاته وسلامه عليهنَّ يقتَتنَ على التمر اليوم والشهر دون توفّر غيره من الطعام. عن عائشة رضي الله عنها قالت:“كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه ناراً، إنما هو التمر والماء، إلاّ أن نؤتى باللحيم”. أخرجه الشيخان والترمذي. وفي رواية “ما أكل آل محمد أكلتين في يوم واحد إلا وإحداهما تمر”. وعن أنس قال: مشيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبز وشعير وإهالة سنخة، ولقد سمعته يقول: “ما أمسى عند آل محمد صاع تمر ولا صاع حب”، وإن عنده يومئذ لتسع نسوة. أخرجه البخاري والترمذي والنسائي. الإهالة: ما أذيب من الشحم. والسنخ: المتغيّر الرائحة.

وعن حكيم بن معاوية، عن أبيه قال: قلت يا رسول الله، ما حقّ زوجة أحدنا عليه؟ قال:“أن تطعمها إذا طُعمت، وأن تكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبّح، ولا تهجر إلاّ في البيت”. أخرجه أبو داود.عن سعد بن أبي وقاص، قال:“قالت امرأة: يا رسول الله، إنّا كلٌّ على آبائنا وأبنائنا وأزواجنا، فما يحلّ لنا من أموالهم؟ قال: الرطب تأكلنه وتهدينه”. أخرجه أبو داود.

وعن عائشة قالت: “قالت هند امرأة أبي سفيان: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، ليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف”. أخرجه الخمسة إلاّ الترمذي.

هذه الأحاديث تحدّد الحد الأدنى من النفقة وهو حدّ الكفاية للقيام بأمور الحياة وتحدّد مستوى الطعام بما يَطعَمُ منه الرجل. كذلك أمر الكسوة والسكن فهو مما يكتسي وفيما يسكن. وليس تجديد الكساء بواجب بل الكساء يبقى صالحاً ما بقي صالحاً إلا إذا بال أو تمزق. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنّ سَرَّكِ اللحوقُ بي فليكفك من الدنيا كزاد الراكب، وإياك ومجالسة الأغنياء، ولا تستخلفي ثوباً حتى ترقعيه”. أخرجه الترمذي. وزاد رزين فقال: قال عروة: فما كانت عائشة تستجدُّ ثوباً حتى ترقع ثوبها. فليس للمرأة أن ترهق الرجل في استبدال كسائها بل للجل أن يكرمها بزيادة في كسائها ولها في طاعتها لله ورسوله أن تقنع بكسوتها وتتعفّف عن الطلب في الطعام والملبس وكل شيء، فوق مستوى قضاء الغرض والإيفاء بالحاجة.

لا يحلّ للمرأة أن تنفق من مال زوجها على أي شيء إلا بإذنه، عن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبة عام حجة الوداع: “لا تُنفق امرأةٌ شيئاً من بيت زوجها إلا بإذن زوجها، قيل: يا رسول الله ولا الطعام؟ قال: ذلك أفضل أموالنا”. رواه الترمذي وقال حديث حسن. أي أنه أولى الأموال بعدم إنفاقه إلا بإذن زوجها. وعن ابن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يجوز لامرأة عطيّة إلا بإذن زوجها” أخرجه أبو داود.

إذا أعسر الزوج ولم يكن للزوجة مال يكفيها وما ارتضت الصبر فلها أن تختلع لأنه يكون قد فسد شرط من شروط الرعاية وقيامة الرجل بأمر زوجه. أمّا إذا كان عندها مال فلها أن تنفق من مالها وقد رغّبها الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك وحثّها وجعل لها في ذلك أجرين. عن زينب الثقفية وكانت تحت عبد الله بن مسعود أي زوجته قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“تصدّقنَ يا معشر النساء ولو من حليكن، قالت: فرجعت إلى عبد الله بن مسعود. أي زوجها. فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالصدقة، فأته فاسأله، فإن كان ذلك يجزيء عني، وإلا صرفتها إلى غيركم، فقال عبد الله: بل ائته أنت، فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجتها مثل حاجتي. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ألقيت عليه المهابة. فخرج علينا بلال، فقلنا له: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك أتجزيء الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن، قالت: فدخل بلال على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هما؟ فقال: امرأة من الأنصار وزينب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الزيانب؟ قال: امرأة عبد الله بن مسعود، فقال: لهما أجر القرابة، وأجر الصدقة” رواه البخاري ومسلم واللفظ له.

.**

**الحديث ذكر ثلاثة أناس قاموا بمعاصٍ مختلفة في مواقع مختلفة ولكن إذا أمعنا النظر بالحديث وجدنا الآبق والعاصية والسكران قاموا بمعصية واحدة من جنس واحد فاستوجبوا حكماً شرعيّاً واحداً. فأنّها وإن كانت معاصٍ مختلفة ولكن في علّة تحريم كلّ معصية منها علّة واحدة مشتركة ممّا دعا إلى حصرهم في حديثٍ شريف واحد وتحريمهم بلفظٍ وصيغة شرعيّة واحدة. نقول إنّ المعصية واحدة ومن جنس واحد من وجهتين: الأولى أنّ الشرع يحفظ لكلّ صاحب حقّ حقّه ويجعل استلاب ذلك الحقّ عملاًَ محرّماً يستوجب فاعله العقاب. والحقّ قد يكون مادّياً وقد يكون معنوياً وقد يكون طاعة وقد يكون لله وقد يكون لغير الله وقد يكون بعين وقد يكون بمعاوضة. والحقّ المسلوب في أفعال الثلاثة المذكورين هو حقّ الوصاية والولاية وحقّ الملك والإنفاق. العبد الآبق وصايته لصاحب رقبته فلا يحقّ له أن يتمرّد على سلطته ولا يحقُّ له معصيته في أمر والأبق أمرّ وأشرّ من المعصية هو هروب كلّي بالجسد. والمرأة الساخط عليها زوجها امرأة عاصية لأمر زوجها خارجة من نطاق طاعته وقد جعل الله الوصاية عليها للرجل وجعل أمره نافذاً فيها وحرَّم عليها الخروج من طاعته وفرض عليها استرضاءه وإرضاءه وإدخال السرور إلى قلبه. ومعصيته وإسخاطه أمرّ وأشرّ من عدم استرضائه وإرضائه وإدخال السرور إلى قلبه فهو هروب بالعقل والقلب من صاحب حقّ أعطاه إيّاه الله. والسكران هو الذي يغيّر قدرة عقله على التحكّم في أفعاله بما أمره الله به. فالسلطان والسيادة للشرع والعقل محلّ استيعاب الشرع فإن عطَّل الإنسان بفعلٍ اختياريّ دور العقل في إقامة حكم الشرع فقد عطَّل الإنسان بفعل اختياريّ دور العقل في إقامة حكم الشرع فقد عطَّل حكم الشرع الذي هو محور حياة كلّ فردٍ مسلم، لذلك فالأمر ليس بشرب محرَّم فقط بل بتعطيل القدرة على الإنصياع لأوامر الله سبحانه والانتهاء عمّا نهى عنه وهو أمرٌ وأشرّ من شرب محرَّم. فالمعصية المشتركة هي التحلُّل من رباط الوصاية والولاء وجاء التحريم الجامع من هذا القبيل. ونجد أن تحريم التحرُّر من سيادة ولي الأمر مكرَّراً في كثير من الحالات التفصيليّة فإنكار الإبن لسيادة أبيه أو أمّه عليه محرَّم، وإنكار العامل لسيادة مرؤوسه محرَّم وعدم طاعة الأجير لمستأجره محرَّم، وتحرُّر الزوجة من رباط الطاعة لزوجها محرَّم، وهكذا الناس في المجتمع لكلّ منهم من تجب عليهم طاعتهم وتكون معصيتهم محرَّمة وطاعتهم فرضاً. فإذا أعطى الله حقّاً أو سلطاناً لأحدٍ من موقع معيّن كسلطة قائد الحرب فإنّها حقٌ من الله وما يستوجب لإتمام المهمّة حقٌّ من الله أيضاً فمن عصى قائد الحرب في مهمّته فقد تمرّد على سلطةٍ أمَرَ الله بطاعتها ولو كان ذات العمل غير محرَّم كأن يأمر القائد بركوب الدرّاجات الهوائيّة بدل الدرّاجات الحراريّة فيقوم أحدٌ باستعمال الدرّاجة الحراريّة بدل الهوائيّة على اعتبار أنّ الحراريّة مباحة الاستعمال بدل الهوائيّة. فطاعة الله هنا تتعلّق بطاعة قائد الحرب بما اختاره من المباح ويصبح استعمال غيره من المباح فعلاً محرَّماً. هذا من وجهة أولى، أمّا من الوجهة الثانية فيتعلّق بحقّ الملك والإنفاق. العبد ملك سيّده اشتراه بماله أو امتلكه بالغنيمة أو الهبة، طبعاً هذا أمر كان ولم يعد موجوداً في مجتمعات اليوم وقد لا يعود إلى التواجد أبداً فهو ليس أمراً مفروضاً ولكن وُجِد التشريع له لأنّه أمرٌ من أمور المعاملة بالمثل فلم يبطله الله لأنّ عدوّ المسلمين الكفّار على مختلف أجناسهم وأديانهم كانوا يمارسون استرقاق الأسرى وعائلاتهم التي يحملونها معهم فهو تشريعٌ ينظّم واقعاً وهو ليس حالة شرعيّة يلزم وجودها. فالعبد لا يملك رقبة نفسه بل يملكها عنه إنسان آخر وله أن يبيعه كما يبيع الحصان دون مشاورته، فهروبه من صاحب الأمر فيه هو سرقة لملك ومال ومتاع والسرقة محرَّمة إذا كان الإنسان سارقاً أو إذا أرسل مَنْ يسرق عنه. فيحرم على العبد أن يسرق مِن سيده لأنّه بذلك يمنع صاحب ملكٍ من التصرُّف بماله وهو حرام، والتصرَّف بمال الغير دون موافقة صاحب المال هو حرام، وتضييع مال الغير هو سرقة واختلاس. وبالنسبة للزوجة فإنّ الله سبحانه أقام هيكل العائلة على أساس أنّ الإنفاق على الرجل والحماية والدفاع عن الزوجة وكسوتها وإطعامها وتأمين المنزل عليه يقابله من المرأة الطاعة والإرضاء وإدخال السرور إلى قلبه. فإن عصت المرأة زوجها وأسخطته أي أغضبته ولم تسترضه تكون قد خانت ونقضت أموراً كثيرة منها المتعلّق بحديثنا: خانت واجب الإنفاق الذي أمر الله به الزوج. فواجب الإنفاق إذا قام به الرجل صار له حقٌّ من الله هو حقُّ الإرضاء فإن قام هو بواجبه ولم تقم الزوجة بواجبها فقد خانت حقَّ الإنفاق عليها الذي أعطاها إيّاه الله فهو كالسرقة والخيانة في المال وهدره في غير ما أباحه الله. والسكران استأمنه الله على مالٍ وأمره أن يصرفه في وجوهٍ متعدِّدة وأباح له التصرّف فيه في وجوه غير مفروضة ومنعه وحرَّم عليه إنفاقه في أمورٍ معيَّنة. ولكنّ السكران ينفقه على شراء محرَّم وهذا المال أعطاه الله له على شرطٍ وعهدٍ أن لا ينفقه على محرَّم، فإن أنفقه المرء على محرَّم فقد خان شرط عطاء الله له وخان حقّه في التصرّف بالمال الذي اؤتمن عليه. فهو خيانة حقّ الله في المال، وهو سرقة لذات المال لأنّ ذات المال ملكٌ لله وللمرء إنفاقها في أوجه مباحة وسلطة إنفاقه في غير هذه الأوجه محرَّمة، وإخراج للمال من سلطة إلى سلطة أي من سلطة الله إلى سلطة الشيطان. فهو كالسرقة بل سرقة بعينها وهي سرقة من الله وإعطاؤها للشيطان لأنّ الشيطان يمتلكها بمجرّد إنفاقها في محرَّم.

يتبع بحول الله وقدرته.**

وصيةُ أمٍّ لجميلةٍ من العرب
روى أبو الفرج جمال الدين بن الجوزي: رُويت لنا هذه الحكاية مبسوطة فقد روى أبو روفق الهمداني( ) عن أبي حاتم السجستاني( ) قال: قالوا: كان ملك من ملوك اليمن يقال له الحارث بن عمرو الكندي بلغه أن لعوف الكندي ابنة ذات جمال وكمال فبعث إلى امرأة من قومها يقال لها عصام فقال: إنه بلغني عن بنت عوف جمال وكمال، فاذهبي واعلمي لي عليها. فانطلقت حتى دخلت على أمها وهي أمامة بنت الحارث فأخبرتها ما جاءت له وإذا أمّها كأنها خاذل من الطباء، وحولها بنات كأنهن شوادن الغزلان، فأرسلت إلى ابنتها فقالت: يا بنية إنّ هذه خالتك أتتك لتنظر إلى شأنك، فاخرجي إليها ولا تستتري عنها بشيء، وناطقيها فيما استنطقتك فيه. فدخلت عليها، ثم خرجت من عندها وهي تقول: ترك الخداع من كشف القناع، فأرسلتها مثلاً. فلما جاءت إلى الحارث قال: ما وراءك يا عصام؟ قالت: أيها الملك صرح المخض عن الزبد، فأرسلتها مثلاً. ثم قالت: أقول حقاً وأخبرك صدقاً لقد رأيت وجهاً كالمرآة المضيئة يزينه شعر حالك كأذناب الخيل (المضفورة) إن أرسلته خلته سلاسل، وإن مشّطته خلته عناقيد كرم جلالها وابل، لها حاجبان كأنما خطّا بقلم أو سوِّدا بحمم (فحم) فقد تقوّسا على مثل عيني الظبية العبهرة (الرقيقة البشرة الناصعة البياض) التي لم تر قانصاً ولم يُذعرها قسورة (الأسد) يبهتان المتوسم، بينهما أنف كحد السيف المصقول ولم يخنس به قصر، ولم يمعن به طول، حفّت به وجنتان كالأرجوان في بياض محض كالجمان (اللؤلؤ) شُقَّ فيه فمٌ لذيذُ الملثم فيه ثنايا غر، وأسنان كالدرِّ ذات أشر، ينطلق به لسان ذو فصاحة وبيان، يحرِّكه عقل وافر وجوابٌ حاضر تلتقي دونه شفتان حمراوان كأنهما في لبن الزبد. يحملان ريقاً كالشهد نُصب ذلك على عنق أبيض كأنه إبريق فضة، لها صدر كصدر التمثال مدّت فيه عضدان مدمجتان ممليتان لحماً، مكسوتان شحماً، متصلة بهما ذراعان ما فيهما عظم يمس، ولا عرق يجس عصبتهما، يعقد إن شئت منهما الأنامل، وتركب الفصوص في حفر المفاصل، نتأ في ذلك الصدر ثديان يخرقان عليهما ثياباً ويمنعانهما أن تقلد سحاباً، أسفل من ذلك بطن طوي كطي القباطي المدمجة كسي عكنا كالقراطيس المدرجة كمدهن العاج لها ظهر فيه كالجدول ينتهي إلى خصر لولا رحمة ربك لانبتر، لها كفل يكاد يقعدها إذا نهضت، وينهضها إلى قعدت، كأنه حقف (قطعة من الرمل مستديرة) من الرمل لَبَدَه سقوط الطل (المطر)، أسفل من ذلك فخذان لفاوان كأنما نُصبا على نضَدٍ جُمان (كاللؤلؤ جُعل بعضه فوق بعض) متصلة بهما ساقان بيضاوان خَدلَجتان (ممتلئتان)، حمَلَ ذلك كله قدمان كحذوِ اللسان تبارك الله مع لطافتهما كيف يطيقان حمل ما فوقهما. وأما ما سوى ذلك فإني تركت نعته ووصفه لوقته، إلا أنه أكمل وأحسن مما وصف في شعر أو قول. فبعث الملك إلى أبيها فخطبها إليه فزوجها إياه، فبعث إليها من الصداق بمثل مهور نساء الملوك مائة ألف درهم وألف من الإبل، فلما حان أن تحمل إليه دخلت أمها لتوصيها فقالت:
أي بنية إن الوصية لو تركت لعقل أو أدب أو مكرمة في حسب لتركت ذلك منك ولزويته عنك، ولكن الوصية تذكرة للعاقل ومنبهة للغافل. أي بنية إنه لو استغنت المرأة عن زوجها بغنى أبيها وشدة حاجتها إليه لكنت أغنى الناس عن الزواج ولكن للرجال خُلِق النساء كما لهنَّ خُلِقَ الرجال أي بنية: إنك فارقت الجو الذي منه خرجت، والوكر الذي فيه دَرَجْتِ إلى وكرٍ لم تعرفيه وقرينٍ لم تألفيه فأصبح بملكه عليك مَلِكاً فكوني له أمَةً يكن لك عبداً، واحفظي عني خصالاً عشراً تكن لك دركاً وذخراً، فأما الأولى والثانية: فالمعاشرة له بالقناعة وحسن السمع والطاعة رأفة الرب وأما الثالثة والرابعة: فلا تقع عيناه منك على قبيح ولا يشم أنفه إلا أطيب ريح. واعلمي أي بنية أن الماء أطيب الطيب المفقود وأن الكحل أحسن الحسن الموجود، وأما الخامسة والسادسة: فالتعهد لوقت طعامه والهدوء عند منامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة. وأما السابعة والثامنة: فالاحتفاظ بماله والرعاية على حشمه وعياله. فإن الاحتفاظ بالمال من حسن التقدير والرعاية على الحشم والعيال من حسن التدبير. وأمّا التاسعة والعاشرة: فلا تفشي له سراً ولا تعصي له أمراً. فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوْغَرْتِ صدره، واتقي الفرح لديه إن كان تَرِحاً، والإكتئاب إذا كان فرحاً. فإن الأولى من التقصير والثانية من التكدير، واعلمي أنك لن تصلي إلى ذلك منه حتى تُؤثِري هواه على هواك ورضاهُ على رضاك فيما أحببت وكرهت، والله يخير لك بخيرته ويصنع لك برحمته.
فلما حملت إليه غلبت على أمره وولدت له سبعة أولاد ملكوا بعده( ).

**عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:“أتت النساءُ النبيّ وقلنَ: يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل من الجهاد في سبيل الله ما لنا من عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله قال: “مهنة إحداكنَّ في بيتها تُدرك بها عمل الجاهدين في سبيل الله”.
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المرأة عورة، إذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من الله كانت في بيتها”. أخرجه الترمذي في كتاب الرضاع.
عن السائب مولى أمّ سلمه رضي الله عنها أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خير مساجد النساء عقر بيوتهنًّ”. أخرجه أحمد في مسنده 6/197، 301. وابن خزيمه في صحيحه 3/92 والمنذري في الترغيب والترهيب 1/188.
عن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جدّه علي عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: “ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنّة؟” قالوا: بلى يا رسول الله قال: “الولود الودود التي إن أغضبته أو غضبت قالت: يدي في يدك لا أكتحل غمضاً حتّى ترضى عنّي”.
عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: تزوّجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير فرسه، قالت: فكنتُ أعلف فرسه وأكفيه مؤونته وأسوسه وأدقّ النوى لفاطمة وأغلفه وأستقي الماء وأفرز قربه وأعجن ولم أكن أحسن الخبز فكانت تخبز لي جارات من الأنصار، وكنَّ نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير ? التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ على رأسي وهي منّى على ثلثي فرسخ قالت: فجئت يوماً والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفرٌ من أصحابه، فدعاني ثمّ قال: آخ، ليحملني خلفه قالت: فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته وكان أغير الناس، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّي قد استحييت فمضى، فجئت الزبير فقلت: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّي وعلى رأسي النوى ومعه نفرٌ من أصحابه فأناخ لأركب معه، فاستحييت وعرفت غيرتك. فقال: والله لحملك النوى كان أشدّ عليَّ من ركوبك معه. قالت: حتى أرسل إليَّ أبو بكر بعد ذلك بخادم فكفتني سياسة الفرس فكأنّما أعتقني. أخرجه البخاري في كتاب النكاح: باب الغيرة. ورواه أحمد في مسنده 6/347. هذا كان صبر أسماء بنت أبي بكر صدّيق الوحي الإلهي في كلّ يوم وفي أيّ أمر، بنت أخلص المؤمنين بالرسول وأصفاهم قلباً. وتلك قصّة فاطمة بنت الرسول r وزوج أحبّ الناس إلى قلبه الأمين زوج علي أكرم المؤمنين حسباً وسيّد الشجعان والشهداء وجار الرسول في الجنّة، ومن قبل قصّة عائشة زوج الرسول صلى الله عليه وسلم سيّدة نساء الجنّة وأمّ المؤمنين. كلّ المؤمنات كنَّ يتفانينَ بخدمة أزواجهنَّ وبيوتهم والقيام بحقوق الحياة الزوجية وتربية الأولاد بنفسٍ راضية خاشعة مستسلمة لدورها الطبيعي في الحياة.
عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله أنا وافدة النساء إليك ما من امرأة تسمع مقالتي إلى يوم القيامة إلاّ سرّها ذلك، الله ربّ الرجال والنساء، وآدم أبو الرجال والنساء، وحوّاء أمّ الرجال والنساء، وأنت رسول الله إلى الرجال والنساء، كتب الله الجهاد على الرجال فإن استشهدوا كانوا أحياء عند ربّهم يرزقون وإن ماتوا وقع أجرهم على الله وإن رجعوا آجرهم الله ونحن النساء نقوم على المرضى ونداوي الجرحى فما لنا من الآخرة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا وافدة النساء أبلغي من لقيتِ من النساء طاعة الزوج واعترافها بحقّه يعدل ذلك كلّه”. الحديث بتمامه أخرجه الديلمي في مسنده رقم 8544.
وافدة النساء أي مبعوثتهنَّ أو سفيرتهنَّ عرضت على الرسول صلى الله عليه وسلم ما يجول بخاطر النساء كجنسٍ دائم الوجود حتى قيام الساعة ولم تكن تحكي خاطرها فقط ولا خواطر المسلمات في مدينتها أو عصرها. وهي بهذا الطرح جعلتها قضيّة المرأة على الدوام كما قالت: إلى يوم القيامة. وجواب الرسول صلى الله عليه وسلم كان ردّاً على هذا الطرح إلى يوم القيامة: “طاعة الزوج واعترافها بحقّه يعدل ذلك كلّه”. الاستشهاد وإحياء الله للشهيد وإرزاقه قبل البعث أو الانتصار والرجوع معافى إلى أهله أو جريحاً مأجورٌ يوم الحساب، أيّ حالة من تلك الحالات التي هي أرفع درجات الإيمان وأسمى مظاهر العبودّية للخالق الجبّار والتي ينال مستحقّها أجزل الثواب في الحياة الآخرة ويحيا في أعلى مراتب الجنّة خالداً في أوفر النعيم الدائم، كلّ ذلك يعدله عند المرأة طاعة الزوج واعترافها العملي بحقّه عليها. ومع هذا الجزاء الوافر للعمل المتيسّر " قليل منكّن مَن يفعل ذلك ".
يتبع بمشيئة الله وعونه.

والفقر ليس مبرّراً للتذمّر عند المؤمن والمؤمنة بل في معظم الأحيان يكون الصبر على الفقر طريقاً للجنّة وإذا أدرك المؤمن أنّ الرزق من الله يؤتيه من يشاء بقيت حياته في الدنيا نعيماً رغم فقره ونال الجنّة بصبره على مرارة عيشه. وإن لم يصبر تحوّلت حياته إلى جحيم وكان تذمّره طريقاً إلى جهنّم في الآخرة. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن سرّك اللحوق بي فليكفك من الدنيا كزاد الراكب، وإيّاك ومجالسة الأغنياء، ولا تستخلفي ثوباً حتى ترقعيه”. أخرجه الترمذي. وزاد رزين فقال: قال عروة: فما كانت تستجدّ ثوباً حتى ترقع ثوبها ولقد جاءها يوماً من عند معاوية ثمانون ألفاً، فما أمسى وعندها درهم. فقالت جاريتها: فهلا اشتريت لنا منها بدرهم لحماً؟ فقالت رضي الله عنها: لو ذكرّتني لفعلت.
فآل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم سادة البشر في الدنيا والآخرة إن شاء الله، ونساؤه أفضل آل بيته وعلى رأسه سيّدتنا وأمّ المؤمنين عائشة وابنته سيّدة نساء الجنة فاطمة عليها وعليهم جميعاً صلاة الله وسلامه. فمَن للمرأة المسلمة أن تقتدي به خير من أمّ المؤمنين حتى قيام الساعة. إنّ أعظم أمنية للمرأة المسلمة وأسمى ما يلزمها الطموح إليه بعد الإيمان هو التشبّه والاقتداء بأمّهات المؤمنين وهذه منّة وفرصة لم يمنحها الله لأمّة غير نساء الأمّة الإسلاميّة.
تكفي قصّة السيّدة عائشة برقع ثوبها قبل أن تستحدث ثوباً آخر ليزرع الإيمان في نفوس نسائنا. إنّ الثوب لا يقدّم ولا يؤخّر في قيمة الإنسان من ذكر أو أنثى لا في الدنيا ولا في الآخرة. ويكفي بقصّة السيّدة عائشة وإنفاقها للثمانين ألفاً دون أن تبقي درهماً واحداً أو حتى تتذكر أن تبقي منها لشراء اللحم وبيتها خالٍ منه لزرع الإيمان في نفوسنا. إنّ الرزق من الله يؤتيه من يشاء وإنّ الصدقة طريق للجنّة وإنّ المؤمن والمؤمنة عندما يبذلان في سبيل الله يلزمهما البذل دون حساب خوف أن يدركهما الموت ولم يبذلا قدر ما مكّنهما الله من البذل. ويكفي في قصّة السيّدة عائشة في أنّها كانت تمضي الشهر لا يتوفّر لها أن تأكل غير التمر والماء لتزرع في نفوسنا الإيمان بأنّ العمر لا يمدّه بطرٌ ولا يُنقصه خواء معدة والقناعة بأنّ قلّة الأكل لا تورث مرضاً وكثرة الأكل ليست مانعاً للمرض وإنّ الأكل قدّره الله حاجة في الإنسان لتغذية حياته ووقوداً لحركته وإنّ القدر اليسير منه يفي بغرض الحياة.
ويكفي بقصّة سيّدتنا فاطمة باستغنائها عن الخدم بالتسبيح والحمد والتكبير برهاناً أنّ الله لا يرضى من عبده الكسل والخمول كائناً من كان وإنّ الله خلق الذكر والأنثى للعمل قدر طاقةٍ قدّرها الله في الإنسان، وإنّ على الإنسان وجوب تأدية حقّ هذه القدرة التي أعطاه الله إيّاها لا منعُها وكبتها. وإنّ العمل، مطلق عمل، يقوم به المرء مختاراً أو مكرهاً، استجابة لأمر الله بأن يؤدّي واجبه في الحياة هو عبادة، لأنّ عبادة المؤمن وسرّ هذه العبادة أو فلسفتها دائمة في كلّ عمل، وإدراك الإنسان صلته بالله تعالى وهو يؤدي العمل أيضاً عبادة، أي قيامه بمطلق عمل بالنظام أو الطريقة التي بيّنها الشرع هو عبادة. وهذه هي فلسفة مزج المادّة بالروح في الإسلام وهو أمر تفرّد به الإسلام وحده منذ أن وُجد آدم ولم يعطَ لأمّة قطّ فخر وشرف ونعمة عبادة الله في كلّ أمر من أمور الحياة إلاّ للمسلم وحده.
الصبر مظهر يحتّمه الإيمان بالله ورسوله والوعي على مفاهيم الإسلام ورسالة المسلم التي تحتّم وضوح وتحديد المثل الأعلى في الحياة، وهو ابتغاء مرضاة الله في كلّ عمل يقوم به المسلم وذلك بالتقيّد بالأوامر والنواهي التي تحدّد طريقة القيام بالعمل، إن كان في التجارة أو الدراسة أو في المجابهة بالحرب أو انسحاب المداورة أو الإجارة أو المشاركة أو غيره. فواقع الحياة أنها تحتّم على الإنسان القيام بأعبائها وهذا أيضاً يحتّم مواجهة مصاعب وعقبات ومعوقات ووقوع ما يكره الإنسان. فإذا توطّدت النفس على الاعتقاد أنّ أصل العمل في الحياة هو التقيّد بالحكم الشرعي وأنّ نتائج الأفعال مقدّرة من الله وأنّ قدرة الإنسان محدودة وضعيفة في درء المصائب والمكاره، والصبر عليها وعدم اليأس والقنوط عند وقوع مكروه، وتكييف النفس مع المصيبة، أو المكروه فيه أجرٌ كبير من الله تعالى، يستطيع بهذا الاعتقاد أن يطمئنّ إلى غده في الآخرة سواء وقعت مصيبة أو ألمَّ به مكروه أم لا. وبذلك تهون عنده المصائب ويحيا حياةً مستقرّة هنيئة دونما اعتبار إلى مروره بمصيبة أو مكروه أو معاناة وهذا الفهم هو عامل أساسي للسعادة في الحياة.
عن يعلى بن عتبة أنّ رجلاً كانت له امرأة في زمن الرسول r وكانت امرأة صالحةً وكانت إذا دخل عليها قالت: مرحباً بسيّدها وسيّد أهل بيتها وإن كان هّمك لآخرتك فزادك الله همّاً وإن كان همّك الدنيا فإنّ الله عزّ وجلّ سيرزقك ويحسن إليك. فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما تقول فقال له رسول الله r: “لها نصف أجر المجاهد في سبيل الله وهي عامل من عمّال الله”.
.

**مكاره الزواج وثوابه

الصبر مهمّة صعبة جداً في الحياة والصبر ليس تحمّل المصيبة أو تقبّلها بمعنى القبول بها والرضوخ لعبئها بل الصبر أن يرضى المرء بوقوع المصبية ويعتبر واقعها المفروض حالة من حالات الحياة الطبيعيّة التي يلزم التعايش معها وتطويع الإمكانيّات للعيش الهنيء في ظلّ الواقع المستجدّ. وهذا الصبر هو المهمّة الصعبة في الحياة. ولذلك أمر الله المؤمنين وحدهم من دون البشر بالتجمّل بفضيلة الصبر فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وقال سبحانه: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.

وفي حديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: “ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتّى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة”. رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. فالصبر على المصائب هو من ميزات المؤمنين الذي هم أهل الجنّة الأصليين أي الذين يدخلون إلى الجنّة دون المرور بجهنّم أي بدون عقوبة مؤقّتة عليهم بل مباشرة برحمة من الله تعالى والله أعلم.

والصبر حتّى على المرض أجره الجنّة، عن أبي هريرة قال: “جاءت امرأة بها لمم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ادعُ الله لي، فقال: إن شئت دعوتُ الله فشفاك، وإن شئت صبرتِ ولا حسابَ عليك! قالت: بل أصبر ولا حساب عليَّ”. وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عبّاس: ألا أريك امرأة من أهل الجنّة؟ قلتُ: بلى قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إنّي أصرع، وإنّى أتكشّف، فادعُ الله لي، قال: إن شئت صبرتِ ولك الجنّة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، قالت: أصبر فادعُ الله لي أن لا أتكشّف فدعا لها".

ومن قراءة الآية أعلاه وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم وإمعان النظر في صبر الآية وفي صبر حديث المرأة التي بها لمم والمرأة التي بها صرع وتتكشّف يمكن الاستنتاج أنّ هناك نوعين من الصبر: الأوّل صبر على المصائب التي لا يمكن تفاديها، والثاني صبر على المصائب التي يمكن تفاديها. ومن رحمة ربّي على عباده أن جعل الأجر متساوياً في الحالتين بينما الشيء الذي يظنّه الإنسان العادي أن يكون الأجر متفاوتاً فيكون أكثر على المصيبة التي يمكن تفادي استمرارها كما كان في حال مصيبة مرضى المرأتين في حالتي اللمم والصرع فهما ارتضتا استمرار تحمّل المرض وألمه بعد تخيير الرسول عليه الصلاة والسلام لهما بين الشفاء أو تحمّله بأجر ومغفرة من الله تعالى، وأن يكون أقلّ في المصائب المفروضة والتي لا قِبَل للمرء بمعالجتها من مثل اضطرار الجرّاح إلى قطع الساق، فهذا الأمر لا يخيّر فيه المرء مثلاً فتقبّله العيش والتكيّف مع انعدام الساق أيضاً فيه أجر ومغفرة من الله على صبر المؤمن وهو من النوع الذي ورد معناه في الآية الكريمة أعلاه.

.**

**الشرط الأوّل لسعادة العائلة هو المرأة، وفي عمليّة تطويع المرأة فكريّاً ونفسيّاً لهذا الدور الحياتي يضع سبحانه وتعالى المرأة أمام الخيار الصعب في الحياة: القبول بعبوديّة الله أم الرفض، وما يؤدّي إليه كلّ أمر في كلّ عمل وخاصة في الأمور الرئيسيّة في الحياة، مصداق قوله تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾. الملك 2. وربطه سبحانه لقبوله بتوحيده وعبادته من المرأة بطاعة وإرضاء وإسعاد زوجها يجعل معصية المرأة لزوجها أمراً بالغ الخطورة في الإسلام. ومن التمعّن في الدور العام الذي حدّده الله للمرأة في الحياة لا نجد أخطر من المعصية الزوجيّة جريمة إلا جريمة فعل الزنى التي تستوجب جهنّم في الآخرة بحسب نصوص ومدلولات الأحاديث النبويّة المتعلّقة في هذا الأمر والتي أوردناها في غير مكان. فحكم الموت على الزنى غسلٌ للذنب ويمنع جهنّم في الآخرة برحمة الله، أمّا معصية الزوجة لزوجها فليس عليها هذا العقاب وليس لها ذلك الغسل منه إذا لم تتب قبل موتها. والصدقة التي تغسل تحتاج إلى توبة، والتوبة هي العودة إلى الطاعة والارتداد عن المعصية فإذا تمّ القبول بالطاعة والامتناع عن المعصية لا تكون هناك مشكلة وبذلك يتحقّق الشرط الأساسي للسعادة وهو الزوجة المطيعة التي يرضى عنها زوجها وربّها.

إن القبول بحكم الله يعني الجنّة ومعصية حكم الله يعني جهنَّم والخيرة للرجل والمرأة أن يختار كلّ منهما طريقه ويحدّد مصيره. وهذا أمر صعب في البداية سهل إذا أمعن الإنسان نظره وفكره فيه. والله سبحانه الذي فطر العبد على الخوف كذلك فطره على الطمع ولهذا فالإسلام جاء ببيانه للحكم الشرعي يهدّد مُخالِفَهُ بعذاب الله الذي يهزُّ القلوب ويُبكي العيون فرحاً. وكما يهدّد الله المرأة التي تعصي زوجها ويخوِّفها بجهنّم كذلك يطمئنها في طاعتها ويعدها الجنّة. فالرسول عليه الصلاة والسلام يصف المرأة التي تدخل الجنّة بطاعتها لزوجها والعمل لإرضائه والسعي لاسترضائه. عن أنس بن مالك عن النبي r قال: “ألا أخبركم بنسائكم في الجنّة؟” قلنا: بلى يا رسول الله: قال: “كل ودود ولود، إذا أغضبت أو أسيء إليها، أو غضب زوجها قالت: هذه يدي في يدك لا أكتحل بغمضٍ حتّى ترضى”. رواه الطبراني. إعجاز الله يظهر في كلّ شيء وفي هذا الوصف إعجاز من رحمته وإعجاز من كرمه وإعجاز من تبسيط وتيسير طريق الجنّة على المرأة. سبحان الله ما أعدله وما أرأفه بالمرأة. وفوق هذا يقول الرسول r للرجال: “أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم”. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. فهنيئاً للمرأة تطيع زوجها وتسترضيه فتنعم بخير الدنيا وجنّة الآخرة فتسعد قبل الموت وتسعد بعد الموت، وفي الموت يتعهّدها رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما.

وفي حديث أبي هريرة عن رسول الله r قال: قيل يا رسول الله أيّ النساء خير قال: “التي تُسرّه إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره”. رواه أصحاب السنن بسندٍ صحيح. فالمرأة بهذه الصفة هي “خير” وفي حديث آخر “خير ما يكنز المرء” دليل واضح على أنّ الزوجة حتّى تدخل الجنّة يجب أن تكون في الدنيا خيرٌ لزوجها. والسعادة جزء من الخير وفي أضيق معاني الخير تكون السعادة ثمرة الخير الوحيدة التي ينعم الله بها على عبده، فالمرأة حتّى توصف بوصف الرسول r أنّها “خير” يلزمها أن تكون مصدرَ سعادة لزوجها وإلاّ فكيف تُسرّ الزوج إذا نظر إليها وهي ليست مصدر سعادة له؟

مهما كانت مهمّة الزوجة سهلة أو صعبة للبعض فإنّ الصبر على مشاق الزواج أجره الجنّة كالصبر على أيّ مكرروه في الحياة. ولا يكون الصبر مأجوراً إلاّ إذا أدّى المرء حقّ الصبر بالخلق الحسن ونفسٍ راضية. فسوء الخلق والتصرّف الساخط يُبطل أجر الصبر لأنّه يناقضه.**

**ألإسعاد.. واجب الزوجة

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. الروم 21.

في هذه الآية الكريمة تحديد للقصد من الزواج، وتوضيح لواقع الحياة الزوجية وأنّ الزواج الذي لا ينضح بالسكينة وهي: الطمأنينة والغبطة وأشمل وأعمق من ذلك، لا يتّصف بهذا الوصف الإلهي للزواج، والحياة الزوجيّة التي يرتضيها الله لعباده المؤمنين. وفيه مفهوم أنّ خلق المرأة من ضلع الرجل معجزة، وجعلها زوجة يسكن إليها الرجل معجزة كمعجزة خلقها. فالسكينة أي السعادة والغبطة والطمأنينة والحبور والاستسلام الكلّي لقدر الله، كلّها مجتمعة إهداء من الله، نعمة من الرحمن الرحيم إلى الرجل في قالب أنثوي سمّاه تعالى امرأة، وأباحها للرجل بالزواج.

يُذكّر الله بمعجزاته التي لا تعدُّ ولا تحصى فيأخذ واحدة منها ويلفت الانتباه إلى الإعجاز فيها بكلّ رقّة ورأفة. والآية توضح للرجل والمرأة أنّ “السكنى” أو “السكينة” شرط أساسي في استمرار زواج المسلمين. فلا سعادة لمؤمن في زواج دون سكينة. ولّما كان الإيمان يحتّم السعادة ويمنع الشقاء لا بل يستحيل التقاء الشقاء بالإيمان، يكون السعي من أجل توفير السكينة في الزواج فريضة واجبة على الرجل والمرأة. والويل لمن لا يؤدي قسطه في سبيل ذلك. والآية تبيّن بوضوح أنّ طبيعة الحياة الزوجيّة للمسلمين هي طبيعة هانئة مطمئنّة يسودها الوفاق والالتقاء الروحي. والآية بذلك تحتّم أنّ نظام الله لعلاقات العائلة بالزواج بين الرجل والمرأة وتنظيم استمرار تلك العلاقة هو النظام الوحيد الذي يحقّق وصفه تعالى لطبيعة الزواج هذا. كما أرسى الله سبحانه وتعالى الجبال أوتاداَ للأرض جعل لحياة العائلة المسلمة قواعد أساسيّة لا يجوز أن يحيد الرجل والمرأة عنها. فالعائلة في الإسلام تقوم على حقّ الرعاية المطلق للرجل، وهو فرض واجب على الرجل وليس حقّاً يمكنه التخلّي عنه. وعلى المرأة حقّ الطاعة المطلقة وهو فرضٌ واجبٌ عليها الالتزام به التزاماً حياتيّاً كالتزامها بالصلاة والصدق والأمانة. وطاعة الزوج لزوجها حقٌّ من حقوق شهادة لا إله إلاّ اله وأنّ محمداً رسول الله، فلا سعادة ولا سكينة ولا بركة في زواج لا تطيع فيه الزوج زوجها. وفي ذلك يقول رسول الله r: “ولا تجد المرأة حلاوة الإيمان حتى تؤدّي حقَّ زوجها”. فطاعة المرأة لزوجها أساس لسعادة الزوج والعائلة. وهذا واضح في موضوع الإعجاز الذي تلفت إليه الآية الكريمة: ﴿ وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾. فالآية تبيّن أنّ السعادة في الزوجة ومن الزوجة التي يتوافق معها الرجل وترضى روحه بالاطمئنان للقرب منها وتهنأ نفسه بالدخول فيها والسكنى إليها.

وحيث أنّ المرأة هي أساس السعادة في الزواج فقد شرّع الله سبحانه الأحكام التي تحتّم على المرأة طوعاً أو كرهاً أن تقوم بدورها الطبيعي في الحياة وتوفّر السعادة لزوجها. فبيّن سبحانه أحكامه وأوامره ونواهيه المتعلّقة بتنظيم العائلة والعلاقة بين الزوج وزوجه، وجعل الرعاية والقيادة للرجل وعلى المرأة الطاعة في غير معصية الله. وحتّى لا يترك للمرأة حقّ الخيار في التردّد بين القبول وعدم القبول بفرض الله عليها طاعة زوجها أبد الحياة، ربط سبحانه وتعالى طاعتها لزوجها بعبوديّتها له جلَّ جلاله، وأقفل أبواب السماء على صلاة وصوم ودعاء وتسبيح المرأة التي لا تطيع زوجها. فقال عليه الصلاة والسلام: “فإنّي لو أمرت شيئاً أن يسجد لشيء لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفسي بيده، لا تؤدّي المرأة حقَّ ربّها حتّى تؤدّي حقَّ زوجها”. وفي هذا إعلان واضح من الله سبحانه وتعالى على لسان رسوله r أنّ الله لا يقبل طاعةً أو عبادةً من الزوجة التي تقصّر بتأيدة حقّ زوجها وأداء واجباتها له. وكأنّه يقول إنّ طرق السماء مؤصدة الإقفال بوجه المرأة التي تعصي زوجها أو حتّى تقصّر في واجبها تجاه زوجها، وتأدية حقّه حتّى يرضى. فقبول الله من المرأة أيّة عبادة أو صدقة أو دعاء منوط بنجاحها وتمام قيامها بواجبها تجاه زوجها وإلاّ فطريق السماء عليها مقطوعة ولا تُقبل منها طاعة ولا عبادة، أي كأّنها لا تصلّي ولو صلّت وحالها كحال مفطر رمضان ولو صامت ولا حساب لأيّ صدقة تقدّمها.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال في هذا حديث للرسول r قال: “ثلاثة لا تُقبل لهم صلاة، ولا تصعد لهم إلى السماء حسنة: العبد الآبق حتّى يرجع إلى مواليه فيضع يده في أيديهم، والمرأة الساخط عليها زوجها حتّى يرضى، والسكران حتّى يصحو”. رواه الطبراني في الأوسط. من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل. وفي حديث آخر عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r: “إثنان لا تجاوز صلاتهما رؤوسهما: عبد أَبِقَ من مواليه حتّى يرجع، وامرأة عصت زوجها حتّى ترجع”. رواه الطبراني بإسناد جيد والحاكم**

عصيان الزوج من الكبائر في دين الله

مع الترغيب بالجنة والمغفرة من الله وعظيم أجر طاعة الزوج فإن الله والرسول قد بيَّنا عظيم جرم معصية الزوج لزوجها وإن هذه المعصية طريق حتمي إلى جهنم وسبب في غضب الله ولعنته ولعنة الرسول ولعنة الملائكة على الزوجة الناشزة التي تأتي بالفاحشة المبيّنة، التي تعصي زوجها وتتطاول عليه باللسان ووقح الكلام وتفعل ما يكره وتبدد ماله وتبيح سرَّه ولا تحفظه في غيبته، وتفارق فراشه ولا تستجيب له ويغضب أو تغضبه ولا تسترضيه. قال عليه الصلاة والسلام:
“لا ينظر الله تبارك وتعالى إلى امرأة لا تشكر لزوجها، وهي لا تستغني عنه”. وعن معاذ بن جبل عن النبي r قال: “لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلكِ الله، فإنّما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا”. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: “إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فلم تأته، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح”. وفي حديث آخر للرسول r: “والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها زوجها”. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: “ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ولا تصعد لهم إلى السماء حسنة: العبد الآبق حتى يرجع إلى مواليه ويضع يده في أيديهم، والمرأة الساخط عليها زوجُها حتى يرضى، والسكران حتى يصحو”. رواه الطبراني في الأوسط من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل. وعن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله r: “المرأة لا تؤدي حق الله حتى تؤدي حق زوجها كله، لو سألها وهي على ظهر قتب لم تمنعه نفسها”.
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: “إثنان لا تُجاوز صلاتُهما رؤوسهما: عبدٌ أَبِقَ من مواليه حتى يرجع، وامرأة عصت زوجها حتى ترجع”. رواه الطبراني بإسناد جيد والحاكم. وعنه قال: سمعت رسول الله r يقول: “إن المرأة إذا خرجت من بيتها، وزوجها كاره، لعنها كل ملك في السماء، وكل شيء مرّت عليه، غير الجن والإنس حتى ترجع”. وعن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله أي النساء خير؟ قال: “التي تسره إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره”. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: “إذا صلّت المرأة خمسها، وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت”. ساوى عليه الصلاة والسلام بين الصلاة والصوم وعدم الزنى وطاعة الزوج كشرط لدخول المرأة الجنة برحمة ربها ولانفتاح جميع أبواب الجنة لها تدخلها من أي باب شاءت. وهذا الحديث يعني أيضاً أن أي ثلاث من هذه العبادات والطاعات لا تفتح أبواب الجنة. فإن سقط إقامة واحدة منها كعدم تأدية الصلاة في الحياة أو عدم صيام رمضان أو إتيان الزنى أو النشوز بمعصية الزوج أو إتيان الفاحشة بالتطاول باللسان على الزوج فإن ذلك يمنع انفتاح أبواب الجنة لها ويجعل مصيرها مع المصنفين للحساب العسير والعياذ بالله. فكما أن الصلاة والصوم عبادات زمنية موقوتة مفروضة أبد الحياة أي طالما أن في الإنسان عرقاً ينبض أو عيناً ترف، كذلك عدم الزنى وطاعة الزوج طاعات مفروضة طالما في المرأة عرق ينبض أو عين ترف وهي قادرة على القيام بواجب هذه الطاعة. وعليه لا تكون الطاعة مفروضة في حال تبادل الحب فقط بين الاثنين بل طاعة الزوج لزوجها طالما هي زوج دون اعتبار لحالة الزواج من سعادة أو تعاسة. فرض الطاعة أوجبه الله وجعله كعبادة الصلاة والصوم واجباً طالما حالة الزواج قائمة. فليس الفرض موقوفاً بأي شرط طالما العشرة الزوجية وضع قائم بشرع الله وليس للمرأة أن تضع ظروفاً للطاعة وظروفاً تظن أن الطاعة فيها غير واجبة. فكما أن حالة الحياة توجب الصلاة وعدم الزنى تماماً حالة الزواج توجب طاعة الزوج لزوجها. ولتعلم المرأة أنه لولا أن الطاعة، طاعة الزوجة لزوجها، من الفرائض الأساسية التي يرتبط بها مصير المرأة في الآخرة بالجنة وأن المعصية، معصية المرأة لزوجها، من الكبائر العظائم في الإسلام التي يرتبط بها مصير الناشزة أو العاصية أو المتفحّشة في الآخرة بالنار، لما ساوى الرسول عليه الصلاة والسلام بين الجهاد والاستشهاد في سبيل الله وبين طاعة المرأة لزوجها. كما في حديث ابن عباس عن الرسول عليه الصلاة والسلام حيث قال في آخر الحديث: “أبلغي من لقيت من النساء: أن طاعة الزوج، والاعتراف بحقه، يعدل ذلك”. أي الجهاد والاستشهاد الذي كان السؤال عنه في أول الحديث. والحديث المتعلّق بعدم قبول الله سبحانه وتعالى لصلاة من تعصي زوجها واضح صريح لا يحتاج إلى شرح أو تفصيل. وحديث زيد بن أرقم عن الرسول عليه الصلاة والسلام الذي يقول فيه: “المرأة لا تؤدي حق الله حتى تؤدي حق زوجها كله”، يُغني عن أي توضيح ويرفع أي لبس أو إبهام في عظيم أجر الطاعة ومكانتها في الإسلام وكبير إثم معصية الزوج حتى جعلها الله من الكبائر. جاء في القرطبي في تفسير آية: ï´؟إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًاï´¾ النساء 31. قال ابن عباس: الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. انتهى. فلو استعرضنا الأحاديث النبوية المتعلّقة بالمعصية لوجدنا كم مرة هدّد الرسول r الزوجة العاصية بسخط الله وناره ولعنة الملائكة. وتكفي مساواة عدم طاعة الزوجة بترك الصلاة وعدم الصوم والزنى حتى يكون فعل معصية الزوج من الكبائر في دين الله.

  • حديث شريف *

في حديث أبي هريرة عن رسول الله r، قال: قيل يا رسول الله أيّ النساء خير؟ قال: “التي تسرّه إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، ولا تُخالفه في نفسها ولا في مالها لما يكره”.

رواه أصحاب السنن بسند صحيح

**طاعة الزوج يعدل ثوابها استشهاد الرجل

مع ما أمر الله والرسول به الرجل من حسن معاشرة المرأة كذلك أمر الله ورسوله المرأة بحسن معاشرة زوجها وطاعته وحفظه في غيابه. عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله: أي الناس أعظم حقاً على المرأة؟ قال: “زوجها” قلت: فأيّ الناس أعظم حقّاً على الرجل؟ قال: “أمه”. وعن حصين بن محصن: أنّ عمة له أتت رسوله الله r، فقال لها: “أذات زوج أنت؟” قالت: نعم، قال: “فأين أنت منه؟” قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه. قال: “فكيف أنت له؟ فإنه جنتك ونارك” رواه أحمد والنسائي بإسنادين جيدين والحاكم وقال صحيح الإسناد. وعن ابن عباس رضي الله عنه، قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، هذا الجهاد كتبه الله على الرجال، فإن يصيبوا أجروا وإن قتلوا كانوا أحياءً عند ربهم يرزقون، ونحن معشر النساء نقوم عليهم. فما لنا من ذلك؟ فقال رسول الله r: أبلغي من لقيت من النساء: “إن طاعة الزوج، والاعتراف بحقه، يعدل ذلك، وقليل منكن من يفعله”.

فقد ساوى الإسلام بين جهاد الرجل في سبيل الله والانتصار في الحرب أو القتل شهيداً وبين طاعة الزوج له ومعرفتها حقوقه عليها. ولا يجوز في هذا المجال البحث في المفارقة والمفاضلة بين هول القتل والقتال وطاعة الزوجة، ولا يجوز التفكير ولو للحظة عن مدى تفضيل النساء على الرجال أو مدى التساهل الإلهي مع النساء والشدة مع الرجال في شروط دخول الجنة. لأن الموضوع ليس مفاضلة وبخساً لحق ولا تسهيلاً ولا تصعيباً لدخول الجنة، بل تكليفاً من قبل رب العالمين لكلٍّ حسب طبيعته وقدرته. وعلى كلٍّ حسب دوره ورسالته في الحياة. فالإنسان ذكرٌ أو أنثى يحيا على هذه الأرض فترة محدّدة من أجل القيام بعمل معين بقدرة محدّدة. فلا الرجل اختار رسالته ولا المرأة اختارت رسالتها بل تقديراً وإلزاماً من الله للمؤمنين الذين قبلوا الإلتزام بأمر الله. أما من اختار لحياته رسالةً ودوراً بما يراه هو ومن وراءه شيطانه فقد أنظره الله إلى يوم البعث حيث الحساب والثواب والعقاب. والله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا﴾.

وزاد الإسلام في تحصين المرأة بوجه شيطان المعصية لزوجها فرغَّبها بطاعة زوجها وجعل الجنة شرطاً من شروطها فقال عليه الصلاة والسلام: “أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة”. وقال r: إذا صلَّت المرأة خمسها وصامت شهرها، وحفظت فرجها وأطاعت زوجها، قيل لها: أدخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت". وعن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم:ألا أخبركم بنسائكم في الجنة؟" قلنا: بلى يا رسول الله، قال: “كل ودود ولود، إذا أغضبت أو أسيء إليها أو غضب زوجها، قالت: هذه يدي في يدك لا أكتحل بغمض حتى ترضى”.**

القناعة بالمرأة وفيها عَوَج
جعل الله قواعد للحياة الزوجيّة يستحيل معها هدم العائلة إذا ما تقيّد الرجل والمرأة بها، وبذلك يستحيل على الشيطان أن يجوس في أرجاء عائلة تقيم حياتها على قواعد الإسلام. ولعلّ أكبر عامل في هدم الحياة الزوجيّة هو عدم فهم الرجل لطبيعة المرأة ومدى اختلافها عن طبيعة الرجل…
عليه الصلاة والسلام أوضح عيوب النساء حتّى يتبيّن الرجل حقيقة المرأة ويعلمه ويحتاط له فقال: “إنّ المرأة خلقت من ضلع، وإنّ أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء”. وعن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله r: إنّ المرأة خلقت من ضلع فإن أقمتها كسرتها، فدارِها تعش بها". وفي حديث آخر: “إنّ المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها”. وقال: “لا يفرك مؤمن مؤمنةً إن كره منها خلقاً رضي منها آخر”. يفرك يعني يكره.
هذا الوصف من النبي عليه الصلاة والسلام الذي أوحى الله تعالى معناه إليه هو الوصف الثابت والدائم في المرأة. لأن فيه تبياناً للواقع الذي خُلقت عليه المرأة. خلقها الله من أكثر أضلع الرجل اعوجاجاً وهو الضلع الأعلى. وهذا لا يعني اعوجاجاً في الشكل أو العظم أو اعوجاج عضو، فالمرأة رمز الكمال في الخِلقة وعنوان الجمال في الكون ورأس الافتنان في الحياة وينبوعٌ للبهجة والمسرّة واللهو بين الناس. وإلى هذا فهي أمُّ أفرغ الله فيها صبراً وحنواً ورحمة تستطيع بها حمل الأطفال ووضعهم وتنشئتهم دون ملل أو كلل رغم كثير التعب. ولكنّ العوج فيها في طبعها، في أخلاقها وفي طريقة فهمها للأمور. هذا العوج وإن كان طبيعياً قد جعل الله ورسوله له علاجاً. أما العلاج فهو علاج كلّ أمر في الحياة وهو الإيمان. فالإيمان في الإسلام يوجب العمل بحسب ما أمر الله والرسول به، وهو يقتضي التسليم المطلق والتقيد بحكم الله.
ومن أحكام الله الأساسية في الزواج على المرأة طاعتها لزوجها. فطاعة الزوج لزوجها أوجبها الله كما أوجب الجهاد على الرجل. لأنه جعل أجر الاستشهاد أو الانتصار في الجهاد كأجر الزوجة المطيعة لزوجها. إلا أن الجهاد فرض عين حتى تحصل الكفاية في الانتصار أي فرض على من يكفي للقيام بالعمل بينما فرض طاعة الزوج لزوجها فرض عين على كل زوجة مع دوام الزواج.
أما لماذا الإيمان يعالج العِوَج الطبيعي في المرأة، الذي قد يكون عوجاً في فهم الأمور أو عوجاً في أسباب الميل العاطفي، فلأن الإيمان يحتّم على الإنسان ذكراً أو أنثى فهم الأمور بحسب واقعها، وقبولها أو رفضها بقدر موافقتها للحكم الشرعي أو مخالفتها له. كذلك بالنسبة للميول فما وافق الشرع أحبّه المسلم وما خالفه كرهه، وما حسَّنه الشرع يراه حسناً وما قبّحه الشرع يراه قبيحاً. ومع أن الإيمان وحده يجب أن يكون كافياً لتلافي خطر العِوج في المرأة إلا أن النفس البشرية طبعت وفيها إمكانية الانحراف حتى مع وجود الإيمان. قول الرسول r “فإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوِج”، توصية للرجل أن يداري العِوج في المرأة ويداوره حتّى ينعم بالاستمتاع. والاستمتاع هنا ليس الجماع بل العيش الهنيء الذي يكون الجماع جزءاً منه، فالاستمتاع هو في الصحبة والمعاشرة والمرافقة في كلّ أبعادها ومقتضياتها ليل نهار، في الصحّة والمرض، في الغنى والفقر، في الاستقرار والتشرّد وفي النجاح والفشل. يعني في كلّ حالة تفرضها الحياة يتكيّف معها المؤمن ويعتبرها حالة حياتيّة يمكنه معها أن يستمتع بنعم الله التي لا تحصى ومنها الزوجة التي إذا أمرها أطاعته.
هذا إذا كان العوج ممّا يمكن المناورة للتغلّب عليه، أو مداورته لتفاديه وعدم التصادم معه. ولكن إبليس اللعين والشيطان الرجيم يفتّش عن أصغر العوج الذي يمكن تضخيمه، فينفخ فيه سمومه. وقد ينجح عبر السنين في تحويله مشكلة زوجيّة يمكن التعايش معها كأيّ حالة منغّصة للعيش ولكن لا تؤدّي إلى هدمه، أو مشكلة زوجيّة لا يمكن التعايش معها كالنشوز أي المعصية أو فعل الفحش والتفحش وارتكاب المعصية المبيّنة أي التطاول والبذاءة باللسان وظهور الوقاحة بالقول والفعل من المرأة والعياذ بالله، وهي حالة يكون الشيطان وزبانيته قد أحكموا سيطرتهم التامة والكاملة على تلك المرأة المسكينة، وفي ذلك أفردنا بحثاً منفصلاً.
ومع عوج النساء فقد أمر الله تعالى معاشرتهنَّ بالحسنى والمعروف كما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بحسن معاملتهنَّ والصبر عليهنَّ وجعل في ذلك أجراً كبيراً للرجل. فقال عليه الصلاة والسلام: “أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخيارهم خيارهم لنسائهم”. وقال: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي”. وفي حديث: “خيركم خيركم للنساء”. وقد أوصى الرسول عليه الصلاة والسلام الرجال المؤمنين بالنساء في خطبة حجّة الوداع فقال: “ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنّما هنَّ عوان عندكم، ليس تملكون منهنَّ شيئاً غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبيّنة، فإن فعلنَ فاهجروهنَّ في المضاجع، واضربوهنَّ ضرباً غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنَّ سبيلاً، ألا إنّ لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقّاً، فحقّكم عليهنَّ: أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون، ألا وحقّهنَّ عليكم: أن تحسنوا إليهنَّ في كسوتهنَّ وطعامهنَّ”. وعن معاوية بن حيده قال: قلت: يا رسول الله، ما حقّ زوجة أحدنا عليه؟ قال عليه الصلاة والسلام: “أن تطعمها إذا طُعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت”.
يتبع بمشيئة الله وعونه.