الشنفرى الازدي صاحب لامية العرب

ان الشاعر في هذه القصيدة يفخر بكثير من هذه الصفات التي يأبى أحدنا أن يتحلى بها، ولكنه متشبث بها يكررها ويؤكدها في ثنايا قصيدته، فهل هناك ما يبرر ذلك؟
الواقع أن فهم ذلك يتوقف بالدرجة الأولى على فهم الدافع الذي دفعه الى نوع الحياة التي أصبح يمارسها، والسبب الذي جعله يتغنى بمثل تلك الصفات، كما يتوقف ذلك أيضا على فهم نفسية الشنفري وما يضطرب في نفسه من عواطف مختلفة، فهو رجل كريم النفس أبي يأبى الظلم والهوان والذل كما رأيناه يصرح بذلك في بداية هذا البحث، وكما يكرر هذا بصراحته المعهودة في مثل قوله:
ولولا اجتناب الذام لم يلف مشرب = يعاش به الا لدي ومأكل
ولكن نفسا مرة لا تقيم بي =على الضيم الا ريثما أتحول
اننا أمام رجل شجاع قوي الجنان يتحدى كل ما يعترض طريقه من عقبات وأخطار في سبيل الانتقام لنفسه ورد الاعتبار لها، واشباع حاجياته التي حرمها، ناقم على من كانوا سببا في ذلك، وما يتبع هذه النقمة موجه طبعا اليهم وليس الى غيرهم، ولذلك فهو يأخذ حقه بيده ممن ظلموه في وقت لم يكن في الصحراء العربية قانون ولا وازع قار يلجأ اليه المظلوم، إذ كانت الغلبة للقوي، وهذا ما نفهمه وما يعبر عنه بصراحة في قصيدة أخرى له يتحدث فيها عن إشباع نهمه وانتقامه من بني سلامان الذين يقال أنهم هم الذين سيوه صغيرا ثم أهانوه، يقول:
جزينا سلامان بن مفرج قرضها = بما قدمت أيديهم وأزلت
وهكذا يستطيع القارئ لشعر الشنفري أن يفهم جذور القضية التي تشغله وتثقل كاهله بأنواع الهموم التي تنتابه فيحاول أن يتخلص منها، ولكنها تهجم عليه من كل الجهات فلا يجد الا أن يعترف مدفوعا بواقعيته التي يرمي من ورائها الى أن يفهم القارئ أو السامع قضيته فهما صحيحا ليصبح بالتالي إلى جانبه يعطف عليه لأنه مظلوم، عوض أن ينفر منه ويتحامل عليه لما يقوم به من أعمال، أو يتقزز من أوساخه وقذاراته، انه يشكو الهموم قائلا:
والف هموم ما تزال تعوده = عيادا كحمى الربع أو هي أثقل
اذا وردت أصدرتها ثم انها = تثوب فتأتي من تحيت ومن عل

الا تشعر بالتعاطف مع الشاعر المظلوم الذي كان ضحية جريمة لم يعلم منها شيئا، ولم يساهم فيها بشيء؟
أتدعوه الى السكوت عن الظلم، ونحن نعلم أن في ذلك ضياعا للحق الذي كان الانسان ولا يزال يبحث عنه، اندعوه الى الصبر والجلد، وهو يصرح لنا أن صبره تجاوز الحدود في مثل قوله:
فأما تريني كابنة الرمل ضاحيا = على رقة أحفى ولا أتنعل
فاني لمولى الصبر اجتاب بزه =على مثل قلب السمع والحزم أنعل
أم ندعوه إلى أخذ الثأر وذلك ما فعله رغم هذا الصبر؟ لأن نفسه العربية أعز وأكرم وأنبل من أن تتحمل الضيم والإهانة، سلاحه في ذلك: قلبه الشجاع وسيفه وقوسه:
واني كفاني فقد من ليس جازيا =بحسنى ولا من في قربه متعلل
ثلاثة أصحاب: فؤاد مشيع =وأبيض أصليت وصفراء عيطل
واننا لا نملك الا أن نتعاطف مع الشاعر في حملته على الظلم والإهانة والتقاليد البالية الهدامة، وإذا بنا لا ننفر من تلك الصفات الذميمة التي يفخر بها، بل ذلك ما ننتظره من رجل يعد العدة لمعركة الشرف، وهو يرى أن الموت أحلى من العيش في الذل والهوان .
وهكذا نجد الشنفري صورة للرجل العربي البدوي الذي علمته بيئته الإباء والعزة ونقاء النفس والقلب، وصورة للنفس للإنسانية الأبية العزيزة في كل زمان ومكان.

منقول عن مجلة : دعوة الحق - العدد 144

دراسة في لامية العرب للشنفرى
اذا كانت الأمم والشعوب تحرص على تراثها القديم، فان الحرص وحده لا يكفي، بل يجب بالاضافة الى ذلك دراسة هذا التراث واعادة تقييمه وابراز معالم الجمال الفني فيه سواء في المضمون أو في الشكل، واذا كان الخلود لا يكتب لتراث كيفما كان الا اذا كان أصيلا تتوفر فيه أسباب الخلود على مر العصور، فلا شك أن تراثنا العربي القديم يأخذ بالكثير من تلك الأسباب التي جعلته يجابه ويقف في وجه كل التحديات والثورات التجديدية، وهكذا استطاع الأدب الجاهلي مثلا أن يخلد ويصمد أمام ثورات التجديد في العصر العباسي وما صاحبها من نزوات.
واذا كنت قد تناولت هذا الموضوع بالذات عن الشنفري صاحب (لامية العرب) الذي سبق للأستاذ الكريم عثمان بن خضراء أن تناوله على صفحات هذه المجلة الغراء (( دعوة الحق)) زاد الله في عمرها وجازى الساهرين عليها خيرا، فان ما دفعتني الى ذلك مرده الى عدة أسباب، منها:
1 ـ اهتمام الأستاذ الكريم في مقاله المنشور بعدد يناير 1971 من هذه المجلة القيمة بحياة الشنفري أكثر من غيرها.
2 ـ إيماني بإعادة أبراز سر الخلود والأصالة في تراثها القديم ليكون فهمه وهضمه وتمثله منطلقا للتجديد والابتكار.
3 ـ كون النصوص خير معين على فهم الأديب ونفسيته.
4 ـ ما يلاحظ من أعراض الكثير من الشباب عن الالتفات الى هذا التراث، وتطلعه لكل جديد وخصوصا ما يأتي من الغرب وان كان يتعارض مع قيمنا ومفاهيمنا وبيئتنا، دون التزود من ثقافتنا الأصيلة بما يجعله يجابه ويقف في وجه كل دخيل.
5 ـ ما يلاحظ أيضا في تلامذة المدارس من نفور من أدبنا القديم، لأن الكيفية التي يدرسونه بها تقتصر في جل الأحيان على الشروح السطحية التي تحاول أن تحل وتشرح ما يعتبر في نظرهم ألفاظا وعبارات غربية وحشية، وتهمل جوانب الجودة والأصالة في ذلك التراث الا نادرا، وبذلك تكون الاستفادة من تلك الدراسات سلبية، وهي أيضا تشجع على البحث السطحي وترغب في الكسل.
وأملي في هذه المحاولة أن أساهم في اعادة النظر في نص شعري قديم هو قصيدة الشنفري اللامية التي قال عنها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وسلم:
(( علموا أولادكم لامية العرب فإنها تعلمهم مكارم الأخلاق)).
وهي التي مطلعها:
أقيموا بني أمي صدور مطيكم = فاني الى قوم سواكم لأميل
واذا كان بعض الباحثين يشكون في نسبتها للشنفري، فاني سأتجاوز هذه النقطة لأن القصيدة في روحها جاهلية. وقد أثبت الكثير من الباحثين أيضا أنها للشنفري أحد الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي.
و ((الشنفري)) لقب غلب على الشاعر ثابت بن أوس الازدي اليمني الذي عاش في القرن الخامس وأوائل القرن السادس الميلادي في شبه الجزيرة العربية، وسواء أطلق عليه ذلك اللقب لغلظ في شفتيه ـ وهو محتمل، فقد ورث السواد عن أمه الحبشية ـ أو لحدته، فالمهم أنه لقب له وقد ورد في أحد أبيات لاميته في معرض حديثه عن الحرب ذكر لهذا اللقب:
فان تبتئس بالشنفري أم قسطل = لما اغتبطت بالشنفري قبل أطول
ويعتبر بعض الباحثين لامية الشنفري من أقدم الشعر الجاهلي والواقع أنه ليس من المعقول أن تكون كذلك بل هي من أقدم الشعر الجاهلي الذي وصلنا.
ولكي نفهم القصيدة فهما جيدا يجب أن نلاحظ أنها لا تمثل الا فترة من حياة قائلها، وهي الفترة التي تلت ثورته على قومه الذين تربي بينهم ثم رحل عنهم كما أعلن ذلك في مطلع لاميته، والتجأ الى الصحراء ليبدأ مرحلة جديدة من حياته هي ما يعرف بالصعلكة، فاذا به وسط جماعة ممن دفعت بهم ظروفهم الى مثل ما حصل له، فاتخذهم رفاقا، وأخذ عنهم أساليب اكتساب العيش الذي يعتمد على السلب والنهب. ويذكر الرواة أن الشاعر الصعلوك (( تابط شرا)) هو أستاذ الشنفري في هذا المجال.
وهكذا أخذ الشاعر الذي لم يستطع تحمل الذل والاهانة يتحين الفرص للانتقام ممن ظلموه وجعلوه ينتقل من حياة اللين والاستقرار الى حياة البؤس والتشرد والحرمان والاجرام. واذا به يقدم لنا نفسه شاعرا أبيا كريم النفس في قوله:
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى = وفيها لمن خاف القلى متعزل
لعمرك ما في الأرض ضيق على امريء=سرى راغبا أو راهبا وهو يعقل
وفعلا فقد وجدناه ينأى عن الأذى ويتيه في أرض الله الواسعة، ولكن ظروفه القاسية اضطرته أن يبحث عن قوته واو تعرض وعرض غيره للأخطار، فيذكر بصراحة نتائج أحدى غاراته قائلا:
فأيتمت نسوانا وايتمت ولدة = وعدت كما ابدات والليل اليل
وبصراحته المعهودة وواقعيته يذكر أيضا ما زرعه في نفوس الناس من هلع وخوف في مثل قوله:
وأصبح عني بالغميصاء جالسا = فريقان: مسؤول وآخر يسأل
فقالوا: لقد هرت بليل كلابتا =فقلنا: اذنب عس أم عس فرعل
فلم تك الا نباة ثم هومـت = فقلنا: قطاة ربع أم ربع أجدل
فان يك من جن لابرح طارقا = وان يك انسا ماكها الانس تفعل
والشنفري لا يفوته أن يذكر وقت غاراته، فقد تم كل ذلك في ليلة باردة ممطرة مظلمة، جعلته يشعر بالرعدة والخوف بالاضافة الى لم الجوع يلوي أمعاءه، فغادر ملجأه مقهورا يشعر بالمرارة والنقمة والتجلد معا، كل ذلك يندفع ويبرز من كلماته اندفاعا قويا يعلن عما في نفسه بصراحة يود من ورائها نقل كل ذلك الينا:
وليلة نحس يصطلي القوس ربها =واقطعه اللاتي بها يتنيل
دعست على غطس وبغش وصحبتي = سعار وارزيز وجر وافكل
واذا كان يعبر عن جلده في الليلة المظلمة الباردة الممطرة التي يشعر فيها بألم الجوع الحاد، فانه لا يفوته أن يصف حالته وصبره في شدة الحر والظمأ حيث لم تستطع حتى الأفاعي تحمل ارتفاع الحرارة في الصحراء، ولكن شاعرنا يخرج ولا شيء يستره الا بعض الاثواب الممزقة وهو يقول:
ويوم من الشعرى، يذوب لعابه = أفاعيه في رمضائه تتململ
نصبت له وجهي ولا كن دونه = ولا ستر، الا الا تحمى المرعبل
فلماذا يصر الشاعر على أن يصف نفسه وما يقوم في مثل هذه الأوقات بالذات؟ بل ولماذا يصر على أن يصف أوساخه وقذارته بواقعية متناهية، في مثل قوله يصف شعره وما علق به من أوساخ مثل ما يعلق بشعر الحيوانات من بعرها وبولها فيجف عليها، وقد مر العام ولم يتخلله مشط ولا نقي من قمل:
وضاف اذا هبت له الريح طيرت = لبائد عن أعطافه ما ترجل
بعيد بمس الدهن والفلي عهده = له عيس عاف من الغسل محول
ولماذا يكرر الشاعر الحديث عما يلاقيه من الم الجوع في مثل قوله:
أديم مطال الجوع حتى أميته =واضرب عنه الذكر صفحا فأذهل
وأطوي على الخمص الحوايا كما انطوت = خيوطه ماري تغار وتفتل
وأغدو على القوت الزهيد كما غدا = أزل تهاداه التنائف أطحل
غدا طاويا يعارض الريح هافيا =يخوت بأذناب الشعاب ويعسل
فلما لواه الجوع من حيث أمه =دعا فأجابته نظائر نحل

معاني ألمُفرَدات
(1) بنو الأم : الأشقاء أو غيرهم ما دامت تجمعهم الأم ، واختار هذه الصِّلة لأنًها أقرب الصِّلات إلى العاطفة والمودَّة . والمطيّ : ما يُمتَطى من الحيوان، والمقصود بها، هنا، الإبل. والمقصود بإقامة صدورها: التهيؤ للرحيل. والشاعر يريد استعدادهم لرحيله هو عنهم لا لرحيلهم هم ، وربما أشار بقوله هذا إلى أنَهم لا مقام لهم بعد رحيله فمن الخير لهم أن يرحلوا .

(2) حُمَّت: قُدِّرتْ ودُبِّرت. والطِّيَّات: جمع الطِّيَّة ، وهي الحاجة، وقيل: الجهة التي يقصد إليها المسافر. وتقول العرب: مضَى فلان لطيَّته، أي لنيّته التي انتواها. الأرْحل: جمع الرحل، وهو ما يوضَع على ظهر البعير. وقوله:" واللَيل مقمِر " كناية عن تفكيره بالرحيل في هدوء ، أو أنه أمر لا يُراد إخفاؤه. ومعنى البيت: لقد قُدِّر رحيلي عنكم ، فلا مفرّ منه ، فتهيؤوا له .

(3) المَنأى : المكان البعيد. القِلى: البغض والكراهية. والمتعزِّل: المكان لمن يعتزل الناس. والبيت فيه حكمة: ومعناه أن الكريم يستطيع أن يتجنب الذلّ ، فيهاجر إلى مكان بعيد عمَّن يُنتظر منهم الذلّ ، كما أن اعتزال الناس أفضل من احتمال أذيتهم.

(4) لعمرك: قَسَم بالعمر. سرى: مشى في الليل. راغباً: صاحب رغبة. راهباً: صاحب رهبة. والبيت تأكيد للبيت السابق ، ومعناه أن الأرض واسعة سواء لصاحب الحاجات والآمال أم للخائف.

(5) دونكم: غيركم. الأهلون : جمع أهل. السِّيد: الذئب. العملَّس: القويّ السَّريع. الأرقط: الذي فيه سواد وبياض. زُهلول: خفيف. العرفاء: الضبع الطويلة العُرف. جَيْئَل: من أسماء الضبع. والمعنى أن الشاعر اختار مجتمعاً غير مجتمع أهله ، كلّه من الوحوش ، وهذا هو اختيار الصعاليك.

(6) هم الأهل أي الوحوش هم الأهل ، فقد عامل الشاعِرُ الوحوشَ معاملة العقلاء ، وهو جائز. وقوله: "هم الأهل " بتعريف المسنَد ، فيه قَصر ، وكأنَه قال: هم الأهل الحقيقيّون لا أنتم . والباء في " بما " للسببية. والجاني: المقْترف الجناية أي الذنب. جرَّ : جنى . يُخْذَل: يُتَخلّى عن نصرته. والشاعر في هذا البيت يقارن بين مجتمع أهله ومجتمع الوحوش ، فيفضل هذا على ذاك ، وذلك أن مجتمع الوحوش لا يُفْشِي الأسرار، ولا يخذل بعضه بعضاً بخلاف مجتمع أهله.

(7) وكلٌّ: أي كل وحش من الوحوش التي ذكرتها. أبيّ: يأبى الذّلَّ والظلم. باسل: شجاع بطل. الطرائد: جمع الطريدة ، وهي كل ما يُطرد فيصاد من الوحوش والطيور. أبْسَل: أشَدّ بسالَةً. والشاعر يتابع في هذا البيت مدح الوحوش فيصفها بالبسالة ، لكنه يقول إنّه أبسل منها.

(8) الجَشع: النَّهم وشدَّة الحرص . وفي هذا البيت يفتخر الشاعر بقناعته وعدم جشعه ، فهو، وإنْ كان يزاحم في صيد الطرائد ، فإنه لا يزاحم في أكلها.

(9) ذاك: كناية عن أخلاقه التي شرحها. البسطة: السعة. التفضُّل: ادّعاء الفضل على الغير ، والمعنى أنَّ الشاعر يلتزم هذه الأخلاق طلباً للفضل والرِّفعة.

(10) التعلّل: التلهِّي ، والمعنى: ليس في قربه سلوى لي ، يريد : أني فقدتُ أهلًا لا خير فيهم ، لأنهم لا يقدِّرون المعروف ، ولا يجزون عليه خيراً ، وليس في قربهم أدنى خير يُتَعلّل .

(11) المُشيَّع: الشجاع. كأنَّه في شيعة كبيرة من الناس . الإصليت: السَّيف المُجرَّد من غمده. الصفراء: القوس من شجر النَّبع. العيطل: الطويلة. والمعنى أن عزاء الشاعر عن فقد أهله ثلاثة أشياء: قلب قويّ شجاع ، وسيف أبيض صارم مسلول ، وقوس طويلة العنق .

(12) هتوف: مُصَوِّتة. الملس: جمع ملساء ، وهي التي لا عُقَد فيها. المُتون: جمع المتن ، وهو الصُّلب. والرصائع: جمع الرصيعة ، وهي ما يُرصَّع أي يُحلَّى به. نيطت: عُلِّقت. المِحْمَل: ما يُعلَّق به السيف أو القوس على الكتف. والشاعر في هذا البيت يصف القوس بأنّ لها صوتاً عند إطلاقها السهم ، وبأنَّها ملساء لا عُقد فيها تؤذي اليد ، وهي مزيَّنة ببعض ما يُحلَّى بها ، بالإضافة إلى المحمل الذي تُعلَّق به.

(13) زلّ: خرج. حنين القوس: صوت وترها. مُرزَّأة: كثيرة الرزايا (المصائب). عَجْلى: سريعة. تُرنّ: تصوِّت برنين ، تصرخ. تُعول: ترفع صوتها بالبكاء والعويل. والمعنى أن صوت هذه القوس عند انطلاق السهم منها يشبه صوت أنثى شديدة الحزن تصرخ وتولول.

(14) خميص البطن ضامره ، يستفزّني : يثيرني . الحِرْص : الشَّرَه إلى الشيء والتمسّك به .

(15) المهياف: الذي يبعد بإبله طالباً المرعى على غير علم ، فيعطش. السوام: الماشية التي ترعى. مجدَّعة: سيئة الغذاء . السُّقبان: جمع سقْب وهو ولد الناقة الذكَر. بُهَّل: جمع باهل وباهلة وهي التي لا صرار عليها (الصِّرار: ما يُصَرّ به ضرع الناقة لئلا تُرضَع ). يقول: لستُ كالراعي الأحمق الذي لا يُحسن تغذية سوامه، فيعود بها عشاءً وأولادها جائعة رغم أنها مصرورة. وجوع أولادها كناية عن جوعها هي، لأنها، من جوعها، لا لبن فيها، فيغتذي أولادها منه.

(16) الجُبّأ: الجبان. والأكهى: الكدِر الأخلاق الذي لا خير فيه ، والبليد. مُرِبّ: مقيم ، ملازم . عرِسه: امرأته. وملازمة الزوج يدلّ على الكسل والانصراف عن الكسب والتماس الرزق. وفي هذا البيت ينفي الشاعر عن نفسه الجبن ، وسوء الخلق ، والكسل ، كما ينفي أن يكون منعدم الرأي والشخصية فيعتمد على رأي زوجه ومشورتها. (17) الخرق: ذو الوحشة من الخوف أو الحياء والمراد، هنا، الخوف. والهيق: الظْليم (ذكَر النعام)، ويُعرف بشدّة نفوره وخوفه. والمُكّاء: ضرب من الطيور. والمعنى: لست مِمَّن يخاف فيقلقل فؤاده ويصبح كأنّه معلّق في طائر يعلو به وينخفض.

(18) الخالف: الذي لا خير فيه. يقال: فلان خالفة (أو خالف) أهل بيته إذا لم يكن عنده خير. والدَّاريّ والداريّة: المقيم في داره لا يبرحها. المتغزّل: المتفرّغ لمغازلة النساء. يروح: يسير في الرواح، وهو اسم للوقت من زوال الشمس إلى اللَّيل. يغدو: يسير في الغداة، وهو الوقت من الصباح إلى الظهر. والداهن: الذي يتزيَّن بدهن نفسه. يتكحّل: يضع الكحل على عينيه. والمعنى أن الشاعر ينفي عن نفسه الكسل، ومغازلة النساء، والتشبّه بهنّ في التزيّن والتكحّل. وهو يثبت لنفسه، ضمناً، الرجولة.

(19) العَلّ: الذي لا خير عنده ، والصَّغير الجسم يشبه القُراد. ألفّ: عاجز ضعيف. رعتَه: أخفْتَه. اهتاج: خاف. الأعزل: الذي لا سلاح لديه.

(20 ) المِحْيار: المتحيّر. انْتَحَتْ: قصدت واعترضَتْ. الهدى: الهداية، والمقصود هداية الطريق في الصحراء. الهوجل: الرجل الطويل الذي فيه حمق. العِسِّيف: الماشي على غير هدى. اليَهْماء: الصحراء. الهَوْجَل: الشديد المسلك المَهول. وفي البيت تقديم وتأخير. والأصل: لست بمحيار الظلام إذا انتحت يهماء هوجل هدى الهوجل العسيف. والمعنى: لا أتحيّر في الوقت الذي يتحير فيه غيري.

(21) الأمعز: المكان الصّلب الكثير الحصى. الصَّوّان: الحجارة الملس. المناسم: جمع المنسم، وهو خفّ البعير . شبّه قدميه بأخفاف الإبل. القادح: الذي تخرج النار من قدمه. مفلَّل: متكسِّر. والمعنى أنه حين يعدو تتطاير الحجارة الصغيرة من حول قدميه ، فيضرب بعضها بحجارة أخرى ، فيتطاير شرر نار وتتكسَّر.

(22) أُديم: من المداومة، وهي الاستمرار. المطال: المماطلة. أضرب عند الذِّكْر صَفْحاً: أتناساه. فأذهل: أنساه. يقول: أتناسى الجوع، فيذهب عنّي. وهذه الصورة من حياة الصَّعْلَكَة.

(23) الطَّوْل: المَنّ. امرؤ متطوِّل: منّان. والمعنى أنه يفضل أن يستفَّ تراب الأرض على أن يمدّ أحد إليه يده بفضل أو لقمة يمنّ بها عليه.

(24) الذَّأم والذَّام: العيب الذي يُذمّ به. يُلفى: يوجد. والمعنى: لولا تجنُّبي ما أذمّ به، لحصلت على ما أريده من مأكل ومشرب بطرق غير كريمة.

(25) مرَّة: صعبة أبيّة. الذَّام: العيب. وفي هذا البيت استدراك، فبعد أن ذكر الشاعر أنّه لولا اجتناب الذمّ لحصل على ما يريده من مأكل ومشرب ، قال إن نفسه لا تقبل العيب قَطّ.

(26) الخَمص: الجوع ، والخُمص: الضُّمر. الحوايا: جمع الحويَّة ، وهي الأمعاء. الخيوطة: الخيوط. ماريّ فاتل، وقيل: اسم رجل اشتُهر بصناعة الحبال وفتلها. تغَارُ: يُحكم فتلها. والمعنى. أطوي أمعائي على الجوع، فتصبح، لخلوّها من الطعام، يابسة ينطوي بعضها على بعض كأنها حبال أُتقن فتلها.

(27) أغدو: أذهب في الغداة، وهي الوقت بين شروق الشمس والظهر. القوت: الطعام. الزهيد: القليل. الأزلّ: صفة للذئب القليل اللحم. تهاداه: تتناقله وتتداوله. التنائف: الأرضون، واحدتها تنوفة، وقيل: هي المفازة في الصحراء. الأطحل: الذي في لونه كدرة. يشبه الشاعر نفسه بذئب نحيل الجسم جائع يتنقل بين الفلوات بحثاً عن الطعام.

(28) الطاوي: الجائع. يعارض الريح: يستقبلها. أي: يكون عكس اتجاهها. وهذا الوضع يساعده على شمّ رائحة الفريسة واتّباعها. الهافي: الذي يذهب يميناً وشمالاً من شدَّة الجوع، وقيل: معناه السريع. يخوت. يختطف وينقض. أذناب: أطراف. الشِّعاب: جمع الشِّعب، وهو الطريق في الجبل. يعسل: يمر مَرَّاً سَهْلاًَ. وفي هذا البيت تتمة لما في البيت السابق من وصف للذئب.

(29) لواه: دفعه، وقيل: مطله وامتنع عليه. أَمَّه: قصده. النظائر: الأشباه التي يشبه بعضها بعضاً. نُحَّل: جمع ناحِل، وهو الهزيل الضامِر. يقول: بعد أن يئس هذا الذئب من العثور على الطعام، استغاث بجماعته، فأجابته هذه، فإذا هي جائعة ضامرة كحاله.

(30 ) مُهَلَّلة: رقيقة اللحم، وهي صفة لـ" نظائر " التي في البيت السابق. شِيب: جمع أَشْيَب وشيباء. القِداح: جمع قِدْح، وهو السَّهْم قبل بريه وتركيب نصله، وهو، أيضاً ، أداة للقمار. الياسر: المقامِر. تتقلقل: تتحرك وتضطرب. وفي هذا البيت يصف الشاعر الذئاب الجائعة الباحثة عن الطعام، فإذا هي نحيلة من شدة الجوع، بيضاء شعر الوجه، مضطربة كسهام القمار.

(31) “أو” للعطف إمّا على الذئب الأزلّ في البيت الذي سبق قبل ثلاثة أبيات، وإمَّا على ، " قداح " التي في البيت السابق، وجاز عطف المعرفة على النكرة لأنه أراد بـ" الخشرم " الجنس إبهاماً، و" قداح " وإن كان نكرةً، فقد وُصف، فاقترب من المعرفة. والخشرم: رئيس النحل. حَثْحَثَ: حرك وأزعج. الدَّبْر: جماعة النَحْل. المحابيض: جمع المحبض، وهو العود مع مشتار العسل. أرداهُنَّ: أهلكهنّ. السامي: الذي يسمو لطلب العسل. المعَسَّل: طالب العسل وجامعه.

(32) المُهَرَّتة: الواسعة الأشداق. الفُوه: جمع "الأفوه " للمذكَّر، والفوهاء للمؤنث، ومعناه المفتوحة الفم. الشدوق: جمع الشّدق، وهو جانب الفم. كالحات: مكشرة في عبوس. البُسَّل: الكريهة المنظر. والشاعر في هذا البيت يعود إلى وصف الذئاب التي تجمّعت حول ذلك الذي دعاها لإنجاده بالطعام، فيصفها بأنها فاتحة أفواهها، واسعة الشدوق، كئيبة كريهة المنظر.

(33) ضجَّ: صاح. البراح: الأرض الواسعة. النوح: النساء النوائح. العلياء: المكان المرتفع. الثكَّل: جمع الثَّكْلى، وهي المرأة التي فقدت زوجها أو ولدها أو حبيباً. والمعنى أن الذئب عوى فعوتِ الذئاب من حوله، فأصبح وإيّاها كأنَّهن في مأتم تنوح فيه الثكالى فوق أرض عالية.

(34) أغْضى: كفّ عن العواء. اتَّسَى، بالتشديد: افتعل من "الأسوة "وهي الاقتداء، وكان الأصل فيه الهمزة، فأبدلت الهمزة ياء لسكونها وكسر همزة الوصل قبلها، ثُم أُبدلت الياء تاء، وأُدغمت في تاء الافتعال. ويروى بالهمزة فيهما من غير تشديد، وهو أجود من الأوّل، لأن همزة الوصل حذفت لحرف العطف، فعادت الهمزة الأصليّة إلى موضعها، كقولك: وائتمنه، والذي ائتمن . والمراميل: جمع المرمل، وهو الذي لا قوت له. والمعنى أن الذئب وجماعته وجدا حالهما متّفقين يجمعهما البؤس والجوع، فأخذ كل منهما يعزِّي الآخر ويتأسَّى به.

(35) شكا: أظهر حاله من الجوع. ارعوى: كفَّ ورجع. الشكو: الشَّكوى. وعجز هذا البيت حكمة ، ومفادها أنَّ الصبر أفضل من الشكوى إن كانت غير نافعة.

(36) فَاءَ: رجع. بادرات: مسرعات، وبادره بالشيء أسرع به إليه. النكظ: شدَّة الجوع. يكاتم: يكتم ما في نفسه. مُجْمِل. صانع للجميل. وفي هذا البيت يتابع الشاعر وصف الذئاب، فيقول إنهنَّ بعد يأسهن من الحصول على الطعام، عدن إلى مأواهنَّ ، وفي نفوسهن الحسرة والمرارة.

(37) الأسآر: جمع سؤر، وهو البقيَّة في الإناء من الشراب. القطا: نوع من الطيور مشهور بالسرعة. الكدر: جمع أكدر للمذكَّر وكدراء للمؤنَّث، والكُدرة: اللَّون ينحو إلى السواد. القَرَب: السير إلى الماء وبينك وبينه ليلة. الأحناء: جمع الحنو، وهو الجانب. تتصلصل تصوِّت. والمعنى أنِّي أريد الماء إذا سايرت القطا في طلبه، فأسبقها إليه لسرعتي، فترد بعدي، فتشرب سُؤري.

(38) هَمَمْتُ بالأمر: عزمتُ على القيام به ولم أفعله. والتاء في " هَمَّتْ " تعود إلى القطا، والمعنى: أنا وإيَّاها قصدنا الماء. ابتدرنا: سابق كلٌّ منّا الآخر. أسدلت: أرخت أجنحتها كناية عن التعب. الفارط: المتقدِّم، وفارط القوم: المتقذِّم ليصلح لهم الموضع الذي يقصدونه. يقول: ظهر التعب على القطا، وبقيت في قمَّة نشاطي، فأصبحت متقدِّماً عليها دون أن أبذل كلَّ جهدي، بل كنتُ أعدو متمهِّلاً لأنني واثق من السبق.

(39) ولَّيت: انصرفت. تكبو: تسقط. العُقْر: مقام السَّاقي من الحوض يكون فيه ماء يتساقط من الماء عند أخذه من الحوض. الذّقون: جمع الذقن، وهو منها ما تحت حلقومها. الحَوْصل: جمع الحوصلة، وهي معدة الطائر. يقول: سبقت القطا بزمن غير قصير حتى إنِّي شربت وانصرفت عن الماء قبل وصولها مجهدةً تتساقط حول الماء ملتمسةً الماء بذقونها وحواصلها.

(40) وغاها: أصواتها. حَجْرتاه: ناحيتاه، والضمير يعود على الماء. والأضاميم: جمع الإضمامة، وهي القوم ينضمّ بعضهم إلى بعض في السَّفَر. السَّفْر: المسافرون. نزَّل: جمع نازل، وهو المسافر الذي حطَّ رحله، ونزل بمكان معيَّن، وحوله جماعات من المسافرين حطَّت الرحال محدثةً صخباً كبيراً، والمعنى أن أصوات القطا حول الماء كثيرة حتى كأنَّها أَلََّفت جانبي الماء .

(41) توافين: توافدن وتجمَّعن، والضمير يعود إلى القطا. شتَّى: متفرِّقة، والمقصود متفرّقة. الأذْواد: جمع ذود، وهو ما بين الثلاثة إلى العشرة من الإبل. ومن أمثال العرب: " الذَّود إلى الذَّودِ إبل " ، وهو يُضرب في اجتماع القليل إلى القليل حتّى يؤدِّي إلى الكثير. الأصاريم: جمع الصرمة، وهي العدد من الإبل نحو الثلاثين. والمَنْهل: الماء. والمعنى أنَّ أسراب القطا حول الماء تشبه أعداداً كثيرة من الإبل تتزاحم حول الماء.

(42) العَبّ : شرب الماء من غير مصّ . الغشاش: العجلة. والركب خاصّ بركبان الإبل. أحاظة: قبيلة من اليمن، وقيل: من الأزد. المُجْفل: المنزعج، أو المسرع. والمعنى أن القطا لفرط عطشها شربت الماء غبا، ثمّ تفرقت بسرعة.

(43) آلف: أتعوَّد. الأهدأ: الشديد الثبات. تنبيه: تجفيه وترفعه. السناسن: فقار العمود الفقري. قُحَّل: جافة يابسة. يقول: ألفتُ افتراش الأرض بظهر ظاهرة عظامه، حتَّى إنَّ هذه العظام هي التي تستقبل الأرض، فيرتفع الجسم عنها، وهذا كناية عن شدَّة هزاله.

(44) أعدل: أتوسَّد ذراعاً، أي: أسوِّي تحت رأسي ذراعاً. المنحوض: الذي قد ذهب لحمه. الفصوص: مفاصل العظام. الكعاب: ما بين الأنبوبين من القصب، والمقصود به هنا شيء يُلعب به. دهاها: بسطها. مُثَّل: جمع ماثل، وهو المنتصب. والمعنى أن ذراعه خالية من اللحم لا تبدو فيها إلاَّ مفاصل صلبة كأنها من حديد.

(45) تبتئس : تلقى بؤساً من فراقه. القسطل: الغبار. وأمّ قسطل: الحرب. و"ما "، في " لما " بمعنى الذي. اغتبطت: سرَّت. والمعنى أنَّ الحرب إذا حزنت لفراق الشنفرى إيَّاها، فطالما سرَّت بإثارته لها.

(46) طريد: مطرود. الجنايات: المقصود بها غاراته في الصعلكة. تياسرن لحمه: اقتسمنه. عقيرته: نفسه. حُمَّ : نزل، ولم يؤنَّث "حُمَّ " لأنَّه لـ "أيّ " ، ولفظها مذكَّر. والمعنى أنَّه مطارد ممَّن أغار عليهم، وهؤلاء يتنافسون للقبض عليه والانتقام منه.

(47) تنام: أي الجنايات، وعبَّر بها عن مستحقِّيها. حثاثاً: سراعاً. تتغلغل: تتوغَّل وتتعمَّق. يقول: إنَّ أصحاب الجنايات في غاية اليقظة للانتقام مني ، وهم إنْ ناموا، فإنَّ عيونهم تظل يقظى تترصَّدني للإيقاع بي. وقيل: المعنى أنَّه إذا قصَّر الطالبون عنه بالأوتار لم تقصَّر الجنايات.

(48) الإلف: الاعتياد، وهنا بمعنى المعتاد. والربع في الحمّى أن تأخذ يوماً، وتدع يومين، ثمّ تجيء في اليوم الرابع. و"هي": ضمير يعود على "الهموم "، يعني الهموم أثقل عنده من حُمَّى الربع.

(49) وردت: حضرت، والضمير يعود للهموم. والورد خلاف الصَّدر. وأصدرتها: رددتها. تثوب: تعود. تُحيت: تصغير “تحت”. عَلُ: مكان عالٍ. والمعنى أنَّ الشاعر كلَّما صرف الهموم، عادت إليه من كلّ جانب، فهي، أبداً، ملازمة له.

(50) ابنة الرمل: الحية، وقيل: هي البقرة الوحشية. ضاحياً: بارزاً للحرِّ والقرّ. رقّة: يريد رقّة الحال ، وهي الفقر. وأحفى: من الحفاء وهو عدم لبس النعل. وفي هذا البيت يتخيَّل الشاعر امرأةً، كعادة الشعراء القدماء ، فيخاطبها قائلاً لها إنه فقير لا يملك ما يستر به جسده من لفح الحرّ والقرّ، ودون نعل ينتعله فيحمي رجليه.

(51) مولى الصبر: وليّه. أجتاب: أقطع. البزّ: الثياب. السِّمع: ولد الذّئب من الضْبع . أنعل: أتخذه نعلاً. يقول إنّه صبور، شجاع، حازم.

(52) أُعدِم: أفتقر. البعدة، بضمّ الباء وكسرها، اسم للبعد. المتبذِّل: المُسِفّ الذي يقترف ما يُعاب عليه. يقول إنه يفتقر حيناً ويغتني حيناً آخر، ولا ينال الغنى إلا الذي يقصر نفسه على غاية الاغتناء.

(53) الجزع: الخائف أو عديم الصبر عند وقوع المكروه. الخَلَّة: الفقر والحاجة. المتكَشِّف: الذي يكشف فقره للناس. المَرِح: شديد الفرح. المُتخَيِّل: المختال بغناه. يقول: لا الفقر يجعلني أبتئس مظهراً ضعفي، ولا الغنى يجعلني أفرح وأختال.

(54) تزدهي: تستخفّ. الأجهال: جمع الجَهْل ، والمقصود الحمق والسفاهة. سؤول: كثير السؤال، أو ملحّ فيه. الأعقاب: جمع العقب، وهو الآخر. أنمل: أنمّ، والنملة، بفتح النون وضمّها، النميمة. والمعنى أنّ الشاعر حليم لا يستخفه الجهلاء، متعفِّف عن سؤال الناس، بعيد عن النميمة وإثارة الفتن بين الناس.

(55) النَحْس: البرد. يصطلي: يستدفىء. ربّها: صاحبها. الأقطع: جمع قِطْع، وهو نصل السّهم. يتنبَّل: يتخذ منها النّبل للرمي. والمعنى: ربَّ ليلةٍ شديدة البرد يُشعل فيها صاحب القوسِ قوسَه ونصال سهامه، فيجازف بفقد أهمّ ما يحتاج إليه، ليستدفىء .

(56) دعست: دفعت بشدّة وإسراع، وقيل: معناه مشيت. أو وطئت. الغَطْش: الظلمة. البغش: المطر الخفيف. صحبتي: أصحابي. السّعار: شدّة الجوع، وأصله حرّ النار، فاستُعير لشدّة الجوع، وكأنّ الجوع يُحدث حرَّاً في جوف الإنسان. الإرزيز: البرد. والوجر: الخوف. والأفكل: الرعدة والارتعاش.

(57) أيَّمت نسواناً: جعلتُهن أيامى، أي بلا أزواج. والأيِّم: من لا زوج له من الرجال والنساء على حدٍّ سواء. الإلدة: الأولاد. وأيتمتُ إلدة: جعلتهم بلا آباء. أبدأت: بدأت. أليل: شديد الظلمة.

(58) أصبح: فعل ماض ناقص، اسمه “فريقان” ، وخبره “جالساً”. ويجوز أن يكون فعلاً تامَّاً فاعله “فريقان”، و"جالساً"، حال. والغميصاء: موضع في بادية العرب قرب مكة . والجَلْس. اسم لبلاد نجد. يقال: جلس الرجل إذا أتى الجَلْس، فهو جالس، كما يقال: أتْهَمَ، إذ أتى تهامة. يقول: كان من نتائج غارتي اللّيليّة، التي وصفها في الأبيات الثلاثة السابقة، أنه عند الصباح أخذ الذين غرت عليهم يسأل بعضهم بعضاً، وهم بنجد، عن آثار غارتي متعجّبين من شدّتها وآثارها الأليمة.

(59) هَرَّت: نبحت نباحاً ضعيفاً. عَسَّ: طاف باللَّيل، ومنه العَسَس، وهم حرَّاس الأمن في اللَّيل. الفُرعُل: ولد الضبع. يقول: إن القوم الذين أغرت عليهم يقولون: لم نسمع إلا هرير الكلاب، وكان هذا الهرير بفعل إحساسها بذئب أو بفرعل.

(0 6) النبأة: الصوت، والمقصود صوت صدر مرّةً واحدة ضعيفاً. هوَّمت: نامت ، والضمير في هذا الفعل يعود على الكلاب. القطاة: نوع من الطيور، يسكن الصحراء خاصَّةً. رِيع: خاف. وفاعله “قطاة”، ولذلك كان على الشاعر أن يقول “ريعتْ”، ولم يؤنث لوجهين: أحدهما على الشذوذ، والثاني أنَّه حمل القطاة على جنس الطائر، فكأنَّه قال: طائر ريع. والأجدل: الصَّقْر. وهمزة الاستفهام محذوفة، والتقدير: أقطاة ريعت أم ريع أجَدَلُ. وهذا البيت استدراك للبيت السابق، فقد استدرك القوم الذين أغار عليهم، فقالوا: إن هرير الكلاب لم يستمرّ، وإنَّما كان صوتاً واحداً ضعيفاً، ثم نامت الكلاب، فقالوا، عندئذ، لعل الذي أحسَّت به الكلاب قطاة أو صقر.

(61) أبرح: أتى البَرَح، وهو الشِّدَّة، وقيل: هو أفعل تفضيل من البرح، وهو الشِّدَّة والقوَّة. الطارق: القادم باللَّيل. والكاف في “كها” للتشبيه. والمعنى أن الذين أغار عليهم تعجَّبوا وتَحيَّروا، فقد تعوَّدوا أن يقوم بالغارة جماعة من الرجال لا فرد واحد، وأن يشعروا بها فيدافعوا عن أنفسهم وحريمهم، أمَّا أن تكون بهذه الصورة الخاطفة فهذا الأمر غير مألوف، ولعل الذين قاموا بها من الجنّ لا من الإنس.

وهذا البيت شاهد للنحاة على جر الكاف للضمير في “كها” شذوذاً.

(62) الشِّعرى: كوكب يطلع في فترة الحر الشَّديد، ويوم من الشِّعرى: يوم من الحرّ الشديد. واللّواب (كما في بعض الروايات): اللعاب، والمقصود به ما ينتشر في الحر كخيوط العنكبوت في الفضاء، وإنما يكون ذلك حين يكون الحز مصحوباً بالرطوبة ، الأفاعي: الحيَّات. الرمضاء: شدَّة الحرّ. تتململ: تتحرك وتضطرب. يقول: ربَّ يومٍ شديد الحرارة تضطرب فيه الأفاعي رغم اعتيادها على شدَّة الحر.

(63) نصبت له وجهي: أقمته بمواجهته. الكِنّ ؛ السِّتر. الأتحميّ : نوع من الثياب كالعباءة. المرعبل: المُمَزَّق. وهذا البيت مرتبط بسابقه، ومعناهما: ربَّ يوم شديد الحرارة تضطرب فيه الأفاعي رغم اعتيادها شدَّة الحرّ، واجهت لفح حرِّه دون أيّ ستر على وجهي، وعليّ ثوب ممزّق لا يردّ من الحرِّ شيئاً قليلاً.

(64) الضافي: السابغ المسترسِل، ويعني شَعره. اللبائد: جمع اللبيدة، وهي الشَّعر المتراكب بين كتفيه، المتلبِّد لا يُغْسَل ولا يُمشَّط. الأعطاف: جمع العَطف، وهو الجانب. ترجَّل: تسرَّح وتمشَّط. والمعنى: أنَّه لا يستر وجهه وجسمه إلا الثوب الممزَّق، وشعر رأسه، لأنه سابغ. إذا هبّت الريح لا تفرِّقه لأنّه ليس بِمسرَّح، فقد تلبَّد واتَّسخ لأنَّه في قفر ولا أدوات لديه لتسريحه والعناية به.

(65) بعيد بمسّ الدهن والفلي أي منذ زمن بعيد لم يعرف الدهن والفَلْي (الفلي: إخراح الحشرات من الشَّعر. العَبَس: ما يتعلَّق بأذناب الإبل والضّأن من الرَّوث والبول فيجف عليها، ويصبح وسخاً. عافٍ : كثير. مُحْوِل: أتى عليه حول (سنة). والأصل: محوِل من الغَسْل. والبيت بكامله وصف لشعره.

(66) الخَرْق: الأرض الواسعة تتخرَّق فيها الرياح. كظهر الترس: يعني أنَّها مستوية. قَفْر: خالية، مقفرة، ليس بها أحد. العاملتان: رجلاه. والضمير في “ظهره” يعود على الخرق. ليس يُعمل: ليس مِمَّا تعمل فيها الركاب.

(67) ألحقت أولاه بأخراه: جمعت بينهما بسيري فيه، قطعته. والضمير في “أولاه” و "أخراه " يعود على (الخرق) المذكور في البيت السابق. والمعنى: لشدَّة سرعتي لحق أوّله بآخره. موفياً: مشرفاً. القُنَّة: أعلى الجبل، مثل القلَّه. الإقعاء: أن يلصق الرجل ألْيَتَيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويتساند ظهره. أمثل: أنتصب قائماً. يقول: وربَّ أرض واسعة قطعتها مشرفاً من على قمَّة جبل، جالساً حيناً، وسائراً حيناً آخر.

(68) ترود: تذهب وتجيء الأراوي: جمع الأرويَّة، وهي أنثى التيس البريّ. الصُّحْم: جمع أصحم للمذكر، وصحماء للمؤنث، وهي السوداء الضارب لونها إلى الصفرة، وقيل: الحمراء الضارب لونها إلى السواد. العذارى: جمع العذراء، وهي البكر من الإناث. الملاء: نوع من الثياب. المُذَيَّل: الطويل الذيل.

(69) يركُدْن: يثبتن. الآصال: جمع الأصيل، وهو الوقت من العصر إلى المغرب. العُصم: جمع الأعصم، وهو الذي في ذراعيه بياض، وقيل: الذي بإحدى يديه بياض. الأدفى من الوعول: الذي طال قرنه جداً . ينتحي: يقصد. الكِيحَ: عرض الجبل وجانبه. الأعقل: الممتنع في الجبل العالي لا يُتوصَّل إليه. والمعنى أن الوعول آنستني، فهي تثبت في مكانها عند رؤبتي، وكأن الشاعر أصبح جزءاً من بيئة الوحوش، وإن كان أخطر وحوشها.

                ===============================  

المصدر : ديوان الشنفرى - جمع وتحقيق وشرح الدكتور إميل بديع يعقوب - دار الكتاب العربي بيروت ، 1996 .

لامية العرب - للشنفرى

( من الطويل )

1- أَقِيمُـوا بَنِـي أُمِّـي صُـدُورَ مَطِيِّـكُمْ = فَإنِّـي إلى قَـوْمٍ سِـوَاكُمْ لَأَمْيَـلُ

2- فَقَدْ حُمَّتِ الحَاجَاتُ وَاللَّيْـلُ مُقْمِـرٌ = وَشُـدَّتْ لِطِيّـاتٍ مَطَايَـا وَأرْحُلُ

3- وفي الأَرْضِ مَنْـأَى لِلْكَرِيـمِ عَنِ الأَذَى = وَفِيهَا لِمَنْ خَافَ القِلَـى مُتَعَـزَّلُ

4- لَعَمْرُكَ مَا بِالأَرْضِ ضِيقٌ على امْرِىءٍ = سَرَى رَاغِبَاً أَوْ رَاهِبَاً وَهْوَ يَعْقِلُ

5- وَلِي دُونَكُمْ أَهْلُـون : سِيـدٌ عَمَلَّـسٌ = وَأَرْقَطُ زُهْلُـولٌ وَعَرْفَـاءُ جَيْـأََلُ

6- هُـمُ الأَهْلُ لا مُسْتَودَعُ السِّـرِّ ذَائِـعٌ = لَدَيْهِمْ وَلاَ الجَانِي بِمَا جَرَّ يُخْـذَلُ

7- وَكُـلٌّ أَبِـيٌّ بَاسِـلٌ غَيْـرَ أنَّنِـي = إذا عَرَضَتْ أُولَى الطَرَائِـدِ أبْسَـلُ

8- وَإنْ مُـدَّتِ الأيْدِي إلى الزَّادِ لَمْ أكُـنْ = بَأَعْجَلِهِـمْ إذْ أَجْشَعُ القَوْمِ أَعْجَلُ

9- وَمَـا ذَاكَ إلّا بَسْطَـةٌ عَـنْ تَفَضُّـلٍ = عَلَيْهِـمْ وَكَانَ الأَفْضَـلَ المُتَفَضِّـلُ

10- وَإنّـي كَفَانِـي فَقْدَ مَنْ لَيْسَ جَازِيَاً = بِحُسْنَـى ولا في قُرْبِـهِ مُتَعَلَّـلُ

11- ثَـلاَثَـةُ أصْحَـابٍ : فُـؤَادٌ مُشَيَّـعٌ = وأبْيَضُ إصْلِيتٌ وَصَفْـرَاءُ عَيْطَـلُ

12- هَتُـوفٌ مِنَ المُلْـسَِ المُتُـونِ تَزِينُـها = رَصَائِعُ قد نِيطَـتْ إليها وَمِحْمَـلُ

13- إذا زَلََّ عنها السَّهْـمُ حَنَّـتْ كأنَّـها = مُـرَزَّأةٌ عَجْلَـى تُـرنُّ وَتُعْـوِلُ

14- وَأغْدو خَمِيـصَ البَطْن لا يَسْتَفِـزُّنيِ = إلى الزَادِ حِـرْصٌ أو فُـؤادٌ مُوَكَّـلُ

15- وَلَسْـتُ بِمِهْيَـافٍ يُعَشِّـي سَوَامَـه = مُجَدَّعَـةً سُقْبَانُهـا وَهْيَ بُهَّـلُ

16- ولا جُبَّـأٍِ أكْهَـى مُـرِبٍّ بعِرْسِـهِ = يُطَالِعُهـا في شَأْنِـهِ كَيْفَ يَفْعَـلُ

17- وَلاَ خَـرِقٍ هَيْـقٍ كَـأَنَّ فــؤادَهُ = يَظَـلُّ به المُكَّـاءُ يَعْلُـو وَيَسْفُـلُ

18- ولا خَالِــفٍ دارِيَّــةٍ مُتَغَــزِّلٍ = يَـرُوحُ وَيغْـدُو داهنـاً يَتَكَحَّـلُ

19- وَلَسْـتُ بِعَـلٍّ شَـرُّهُ دُونَ خَيْـرِهِ = ألَفَّ إذا ما رُعْتَـهُ اهْتَـاجَ أعْـزَلُ

20- وَلَسْـتُ بِمِحْيَارِ الظَّـلاَمِ إذا انْتَحَتْ = هُدَى الهَوْجَلِ العِسّيفِ يَهْمَاءُ هؤجَلُ

21- إذا الأمْعَـزُ الصَّـوّانُ لاقَـى مَنَاسِمِي = تَطَايَـرَ منـه قَـادِحٌ وَمُفَلَّـلُ

22- أُديـمُ مِطَـالَ الجُوعِ حتّى أُمِيتَهُ = وأضْرِبُ عَنْهُ الذِّكْرَ صَفْحاً فأُذْهَلُ

23- وَأَسْتَفُّ تُرْبَ الأرْضِ كَيْلا يُرَى لَهُ = عَلَيَّ مِنَ الطَّوْلِ امْـرُؤٌ مُتَطَوِّلُ

24- ولولا اجْتِنَابُ الذَأْمِ لم يُلْـفَ مَشْـرَبٌ = يُعَـاشُ بـه إلاّ لَـدَيَّ وَمَأْكَـلُ

25- وَلكِنّ نَفْسَـاً مُـرَّةً لا تُقِيـمُ بـي = علـى الـذامِ إلاَّ رَيْثَمـا أَتَحَـوَّلُ

26- وَأَطْوِي على الخَمْصِ الحَوَايا كَما انْطَوَتْ = خُيُوطَـةُ مـارِيٍّ تُغَـارُ وتُفْتَـلُ

27- وأَغْدُو على القُوتِ الزَهِيـدِ كما غَـدَا = أَزَلُّ تَهَـادَاهُ التنَائِـفَ أطْحَـلُ

28- غَدَا طَاوِيـاً يُعَـارِضُ الرِّيـحَ هَافِيـاً = يَخُـوتُ بأَذْنَابِ الشِّعَابِ ويُعْسِـلُ

29- فَلَما لَوَاهُ القُـوتُ مِنْ حَيْـثُ أَمَّـهُ = دَعَـا فَأجَابَتْـهُ نَظَائِـرُ نُحَّـلُ

30- مُهَلَّلَـةٌ شِيـبُ الوُجُـوهِ كأنَّـها = قِـدَاحٌ بأيـدي ياسِـرٍ تَتَقَلْقَـلُ

31- أوِ الخَشْـرَمُ المَبْعُـوثُ حَثْحَثَ دَبْـرَهُ = مَحَابِيـضُ أرْدَاهُـنَّ سَامٍ مُعَسِّلُ

32- مُهَرَّتَـةٌ فُـوهٌ كَأَنَّ شُدُوقَـها = شُقُوقُ العِصِـيِّ كَالِحَاتٌ وَبُسَّـلُ

33- فَضَـجَّ وَضَجَّـتْ بالبَـرَاحِ كأنَّـها = وإيّـاهُ نُوحٌ فَوْقَ عَلْيَـاءَ ثُكَّـلُ

34- وأغْضَى وأغْضَتْ وَاتَّسَى واتَّسَتْ بـه = مَرَامِيـلُ عَـزَّاها وعَزَّتْـهُ مُرْمِـلُ

35- شَكَا وَشَكَتْ ثُمَّ ارْعَوَى بَعْدُ وَارْعَوَتْ = وَلَلْصَبْرُ إنْ لَمْ يَنْفَعِ الشَّكْوُ أجْمَلُ

36- وَفَـاءَ وَفَـاءَتْ بَـادِراتٍ وَكُلُّـها = على نَكَـظٍ مِمَّا يُكَاتِـمُ مُجْمِـلُ

37- وَتَشْرَبُ أسْآرِي القَطَا الكُـدْرُ بَعْدَما = سَرَتْ قَرَبَـاً أحْنَاؤهـا تَتَصَلْصَـلُ

38- هَمَمْتُ وَهَمَّتْ وَابْتَدَرْنَـا وأسْدَلَـتْ = وشَمَّـرَ مِنِّي فَـارِطٌ مُتَمَهِّـلُ

39- فَوَلَّيْـتُ عَنْها وَهْيَ تَكْبُـو لِعُقْـرِهِ = يُبَاشِـرُهُ منها ذُقُـونٌ وَحَوْصَـلُ

40- كـأنَّ وَغَـاها حَجْرَتَيـْهِ وَحَوْلَـهُ = أضَامِيـمُ مِنْ سَفْـرِ القَبَائِـلِ نُـزَّلُ

41- تَوَافَيْـنَ مِنْ شَتَّـى إِلَيـْهِ فَضَمَّـهَا = كما ضَـمَّ أذْوَادَ الأصَارِيـمِ مَنْهَـلُ

42- فَغَـبَّ غِشَاشَـاً ثُمَّ مَـرَّتْ كأنّـها = مَعَ الصُّبْحِ رَكْبٌ مِنْ أُحَاظَةَ مُجْفِلُ

43- وآلَفُ وَجْـهَ الأرْضِ عِنْدَ افْتَراشِـها = بأَهْـدَأَ تُنْبِيـهِ سَنَاسِـنُ قُحَّـلُ

44- وَأعْدِلُ مَنْحُوضـاً كـأنَّ فُصُوصَـهُ = كعَابٌ دَحَاهَا لاعِـبٌ فَهْيَ مُثَّـلُ

45- فإنْ تَبْتَئِـسْ بالشَّنْفَـرَى أمُّ قَسْطَـلٍ = لَمَا اغْتَبَطَتْ بالشَّنْفَرَى قَبْلُ أطْـوَلُ

46- طَرِيـدُ جِنَايَـاتٍ تَيَاسَـرْنَ لَحْمَـهُ = عَقِيرَتُــهُ لأِيِّـها حُـمَّ أَوَّلُ

47- تَنَـامُ إذا مَا نَـامَ يَقْظَـى عُيُونُـها = حِثَاثَـاً إلى مَكْرُوهِـهِ تَتَغَلْغَـلُ

48- وإلْـفُ هُمُـومٍ مـا تَـزَالُ تَعُـودُهُ = عِيَاداً كَحُمَّـى الرِّبْـعِ أو هِيَ أثْقَلُ

49- إذا وَرَدَتْ أصْدَرْتُـها ثـمّ إنّـها = تَثُـوبُ فَتَأتي مِنْ تُحَيْتُ ومِنْ عَـلُ

50- فإمّا تَرَيْنِي كابْنَـةِ الرَّمْـلِ ضَاحِيَـاً = على رِقَّـةٍ أحْفَـى ولا أَتَنَعَّـلُ

51- فإنّي لَمَولَى الصَّبْـرِ أجتـابُ بَـزَّهُ = على مِثْلِ قَلْبِ السِّمْعِ والحَزْمَ أفْعَلُ

52- وأُعْـدِمُ أَحْيَانـاً وأَغْنَـى وإنَّمـا = يَنَـالُ الغِنَى ذو البُعْـدَةِ المُتَبَـذِّلُ

53- فلا جَـزِعٌ مِنْ خَلَّـةٍ مُتَكَشِّـفٌ = ولا مَـرِحٌ تَحْتَ الغِنَى أتَخَيَّـلُ

54- ولا تَزْدَهِي الأجْهـالُ حِلْمِي ولا أُرَى = سَؤُولاًَ بأعْقَـاب الأقَاويلِ أُنْمِـلُ

55- وَلَيْلَةِ نَحْـسٍ يَصْطَلي القَوْسَ رَبُّـها = وَأقْطُعَـهُ اللَّاتـي بِـهَا يَتَنَبَّـلُ

56- دَعَسْتُ على غَطْشٍ وَبَغْشٍ وَصُحْبَتـي = سُعَـارٌ وإرْزِيـزٌ وَوَجْـرٌ وَأفَكَلُ

57- فأيَّمْـتُ نِسْوَانَـاً وأيْتَمْـتُ إلْـدَةً = وَعُـدْتُ كما أبْدَأْتُ واللَّيْلُ ألْيَـلُ

58- وأصْبَـحَ عَنّـي بالغُمَيْصَـاءِ جَالسـاً = فَرِيقَـانِ: مَسْـؤُولٌ وَآخَرُ يَسْـألُ

59- فَقَالُـوا: لَقَدْ هَـرَّتْ بِلَيْـلٍ كِلَابُنَـا = فَقُلْنَـا: أذِئْبٌ عَسَّ أمْ عَسَّ فُرْعُـلُ

60- فَلَمْ يَـكُ إلاَّ نَبْـأةٌ ثُـمَّ هَوَّمَـتْ = فَقُلْنَا: قَطَـاةٌ رِيـعَ أمْ رِيعَ أجْـدَلُ

61- فَإِنْ يَـكُ مِنْ جِـنٍّ لأبْـرَحُ طارِقـاً = وإنْ يَكُ إنْسَـاً ما كَها الإنسُ تَفْعَلُ

62- وَيومٍ مِنَ الشِّعْـرَى يَـذُوبُ لُعَابُـهُ = أفاعِيـهِ فـي رَمْضائِـهِ تَتَمَلْمَـلُ

63- نَصَبْـتُ له وَجْهي ولا كِـنَّ دُونَـهُ = ولا سِتْـرَ إلاَّ الأتْحَمِـيُّ المُرَعْبَـل

64- وَضَافٍ إذا طَارَتْ له الرِّيحُ طَيَّـرَتْ = لبائِـدَ عن أعْطَافِـهِ ما تُرَجَّـلُ

65- بَعِيـدٌ بِمَسِّ الدُّهْـنِ والفَلْيِ عَهْـدُهُ = لـه عَبَسٌ عافٍ مِنَ الغِسْل مُحْـوِلُ

66- وَخَرْقٍ كظَهْرِ التُّـرْسِ قَفْـرٍ قَطَعْتُـهُ = بِعَامِلَتَيْـنِ ، ظَهْـرُهُ لَيْسَ يُعْمَـلُ

67- فألْحَقْـتُ أُوْلاَهُ بأُخْـرَاهُ مُوفِيَـاً = عَلَى قُنَّـةٍ أُقْعِـي مِرَارَاً وَأمْثُـلُ

68- تَرُودُ الأرَاوِي الصُّحْـمُ حَوْلي كأنّـها = عَـذَارَى عَلَيْهِـنَّ المُلاَءُ المُذَيَّـلُ

69- ويَرْكُـدْنَ بالآصَـالِ حَوْلِي كأنّنـي = مِنَ العُصْمِ أدْفى يَنْتَحي الكِيحَ أعْقَلُ

الشنفرى الازدي صاحب لامية العرب

الشنفرى هو عمرو بن مالك الأزدي، من بني الحارث بن ربيعة توفي في عام 70 قبل الهجرة ? 525م صعلوك جاهلي مشهور من قبيلة الأزد اليمنية، ويعني اسمه (غليظ الشفاه)، ويدل أن دماء حبشية كانت تجري فيه، نشأ في قبيلة فهم العدنانية بعد أن تحولت إليها أمه بعد أن قتلت الأزد والده، ويرجح أنه خص بغزواته بني سلامان بن مفرج الأزديين ثأراً لوالده وانتقاما منهم، وكان الشنفرى سريع العدو لا تدركه الخيل حتى قيل: (أعدى من الشنفري)، وكان يغير على أعدائه من بني سلامان برفقة صعلوك فتاك هو تأبط شراً من قبيلة فهم العدنانية وهو الذي علمه الصعلكة، عاش الشنفري في البراري والجبال وحيداً حتى ظفر به أعداؤه فقتلوه قبل 70 سنة من الهجرة النبوية.

قتل من بني سلامان بن مفرج تسعة وتسعين رجلا في غاراته عليهم. وأن بني سلامان أقعدت له رجالا من بني الرمد من غامد يرصدونه. فجاءهم للغارة فطلبوه، فأفلتهم، فأرسلوا عليه كلبا لهم يقال له: خبيش فقتله. وإنه مرّ برجلين من بني سلامان فأعجله فراره عنهما. فأقعدوا له أسيد بن جابر السلاماني وحازما البقمي، من البقوم من حوالة بن الهنو بن الأزد بالناصف من أبيدة ، وهو واد فرصداه، فأقبل في الليل قد نزع إحدى نعليه، وهو يضرب برجله. فقال حازم: هذا الضبع، فقال أسيد : بل هو الخبيث. فلما دنا توجس ثم رجع فمكث قليلا، ثم عاد إلى الماء ليشرب، فوثبوا عليه، فأخذوه، وربطوه وأصبحوا به في بني سلامان فربطوه إلى شجرة، فقالوا: قف أنشدنا. فقال: إنما النشيد على المسرة. فذهبت مثلا. وجاء غلام قد كان الشنفري قتل أباه، فضرب يده بالشفرة، فاضطربت، فقال: لا تبعدي إمّا هلكت شامه … فرب واد قد قطعت هامه وربّ حيّ أهلكت سوامه … ورب خرق قطعت قتامه ورب خرق فصلت عظامه … ثم قالوا: أين نقبرك؟ فقال: لا تقبروني إن قبري محرّم … عليكم ولكن أبشري أم عامر إذا احتملت رأسي وفي الرأس أكثري … وغودر عند الملتقى ثمّ سائري هنا لك لا أرجو حياة تسرني … سمير الليالي مبسلا بالجرائر وأن رجلا من بني سلامان رماه بسهم في عينه فقتله. فقال جزء بن الحارث في قتله: لعمرك للساعي أسيد بن جابر … أحق بهامتكم بني عقب الكلب وكان الشنفري حلف ليقتلن مائة من بني سلامان فقتل تسعة وتسعين فبقي عليه تمام نذره، فمرّ رجل من بني سلامان بجمجمته فضربها فعقرت رجله فمات، فتم نذره بالرجل بعد موته ).

وفاته

نص بن حبيب

نص محمد بن حبيب (245هـ): قال محمد بن حبيب وهو من قدماء علماء النسب في كتابة (أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام وأسماء من قتل من الشعراء) عند ذكر مقتل الشنفرى الأزدي الذي قتل سنة 70 قبل الهجرة النبوية أي سنة 525 ميلادي ( الشّنفرى الأزدي: وأنه قتل من بني سلامان بن مفرج تسعة وتسعين رجلا في غاراته عليهم. وأن بني سلامان أقعدت له رجالا من بني الرمد من غامد يرصدونه. فجاءهم للغارة فطلبوه، فأفلتهم، فأرسلوا عليه كلبا لهم يقال له: خبيش فقتله. وإنه مرّ برجلين من بني سلامان فأعجله فراره عنهما. فأقعدوا له أسيد بن جابر السلاماني وحازما البقمي، من البقوم من حوالة بن الهنو بن الأزد بالناصف من أبيدة ، وهو واد فرصداه، فأقبل في الليل قد نزع إحدى نعليه، وهو يضرب برجله. فقال حازم: هذا الضبع، فقال أسيد : بل هو الخبيث. فلما دنا توجس ثم رجع فمكث قليلا، ثم عاد إلى الماء ليشرب، فوثبوا عليه، فأخذوه، وربطوه وأصبحوا به في بني سلامان فربطوه إلى شجرة، فقالوا: قف أنشدنا. فقال: إنما النشيد على المسرة. فذهبت مثلا. وجاء غلام قد كان الشنفرى قتل أباه، فضرب يده بالشفرة، فاضطربت، فقال:

لا تبعدي إمّا هلكت شامه= فرب واد قد قطعت هامه

وربّ حيّ أهلكت سوامه= ورب خرق قطعت قتامه

ثم قالوا: أين نقبرك؟ فقال:

لا تقبروني إن قبري محرّم= عليكم ولكن أبشري أم عامر

إذا احتملت رأسي وفي الرأس أكثري= وغودر عند الملتقى ثمّ سائري

هنا لك لا أرجو حياة تسرني= سمير الليالي مبسلا بالجرائر

وأن رجلا من بني سلامان رماه بسهم في عينه فقتله. فقال جزء بن الحارث في قتله:

لعمرك للساعي أسيد بن جابر= أحق بهامتكم بني عقب الكلب

وكان الشنفرى حلف ليقتلن مائة من بني سلامان فقتل تسعة وتسعين فبقي عليه تمام نذره، فمرّ رجل من بني سلامان بجمجمته فضربها فعقرت رجله فمات، فتم نذره بالرجل بعد موته ).

نص الأصفهاني

نص أبي الفرج الأصفهاني (356هـ): روى الأصفهاني بسنده عن أبي هشام محمد بن هشام النميري في خبر مقتل الشنفرى المار ذكره قال ثم قعد له بعد ذلك أسيد بن جابر السلاماني وحازم البقمي بالناصف من أبيده ومع أسيد ابن أخيه فمر عليهم الشنفرى فأبصر السواد بالليل فرماه وكان لايرى سواداً إلا رماه كائنا ما كان فشك وزاع ابن أخي أسيد إلى عضدة، فلم يتكلم فقال الشنفرى إن كنت شيئاً فقد أصبتك وأن لم تكن شيئاً فقد امنتك وكان حازم باطحاً يعنى منبطحاً - بالطريق يرصده فنادى أسيد ياحازم أصلت يعنى أسلل سيفك ? فقال الشنفرى لكل أصلت فأصلت الشنفرى فقطع أصبعين من أصابع حازم الخنصر والبنصر وضبطه حازم حتى لحقه أسيد وابن أخيه نجده فأخذ اسيد بسلاح الشنفرى وقد صرع الشنفرى حازماً وابن أخي أسيد فضبطاه وهما تحته وأخذ أسيد رجل ابن أخيه فقال أسيد رجل منه هذه ؟ فقال الشنفرى رجلي فقال ابن أخي أسيد بل هي رجلي ياعم فأسروا الشنفرى وأدوه إلى أهلهم).

كتاب المفصل:

ورد في كتاب “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام” (1/6007) ما نصه:

الشنفرى الأزدي و يروى في قتله، انه قتل من “بني سلامان بن مفرج” تسعة وتسعين رجلاً، فأقعدت له رجالاً يرصدونه، فلما دنا من ماء ليشرب، قبض عليه رجلان من “بني البقوم” من الأزد، فقبضا عليه، وأصبحا به في “بني سلامان”. فربطوه إلى شجرة، فقالوا: قف أنشدنا، فقال مقولته المشهورة التي أصبحت مثلا: الإنشاد على حين المسرة الشنفرى الأزدي

قالوا حين أرادوا قتله - أين نقبرك فقال:

لاتقبروني! إن قبري محرم= عليكم ولكن أبشري أم عامر

إذا حتملت رأسي وفي الرأس أكثري= وغودر عند الملتقى ثم سائري

هنالك لا أرجو حياةً تسرني= سجيس الليالي مبسلاً بالجرائر

منقول

الشنفرى الازدي صاحب لامية العرب

**قصة وقصيدة

{الشنفرى…شاعر الحرب و القفار}

جودة عالية ج1**