**فتح القسطنطينية
بعد أن أتمَّ السلطان الغازي محمد الثاني كل الوسائل التي تُعينه على فتح القسطنطينية، زحف بجيشه البالغ 265 ألف مقاتل من المشاة والفرسان، تصاحبهم المدافع الضخمة، واتَّجهوا إلى القسطنطينية، وفي فجر يوم الثلاثاء الموافق (20 من جمادى الأولى 857هـ= 29 من مايو 1453م) نجحت قوَّات محمد الفاتح في اقتحام أسوار القسطنطينية؛ وذلك في واحدة من العمليات العسكرية النادرة في التاريخ، وقد لُقِّب السلطان محمد الثاني من وقتها بمحمد الفاتح وغلب عليه، فصار لا يُعرف إلَّا به.
ولما دخل المدينة ترجَّل عن فرسه، وسجد لله شكرًا، ثم توجَّه إلى كنيسة آيا صوفيا، وأمر بتحويلها إلى مسجدٍ، وأمر بإقامة مسجد في موضع قبر الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري، الذي كان ضمن صفوف المحاولة الأولى لفتح المدينة العريقة، وقرَّر اتخاذ القسطنطينية عاصمة لدولته، وأطلق عليها اسم إسلام بول؛ أي دار الإسلام، ثم حُرِّفت بعد ذلك واشْتُهرت بإسطنبول، وانتهج سياسة متسامحة مع سُكَّان المدينة، وكفل لهم ممارسة عباداتهم في حرية كاملة، وسمح بعودة الذين غادروا المدينة في أثناء الحصار إلى منازلهم.
السلطان محمد الفاتح واستكمال الفتوحات
بعد إتمام هذا الفتح الذي حَقَّقه محمد الثاني -وهو لا يزال شابًّا لم يتجاوز الخامسة والعشرين- اتَّجه إلى استكمال الفتوحات في بلاد البلقان، ففتح بلاد الصرب سنة (863هـ= 1459م)، وبلاد المورة باليونان عام (865هـ= 1460م)، وبلاد الأفلاق والبغدان (رومانيا) سنة (866هـ= 1462م)، وألبانيا بين عامي (867-884هـ= 1463-1479م)، وبلاد البوسنة والهرسك بين عامي (867-870هـ= 1463-1465م)، ودخل في حرب مع المجر سنة (881هـ= 1476م)، كما اتجهت أنظاره إلى آسيا الصغرى؛ ففتح طرابزون سنة (866هـ= 1461م).
وقد كان من بين أهداف محمد الفاتح أن يكون إمبراطورًا على روما، وأن يجمع فخارًا جديدًا إلى جانب فتحه القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية؛ ولكي يُحَقِّق هذا الأمل الطموح كان عليه أن يفتح إيطاليا، فأعدَّ لذلك عُدَّتَه، وجهَّز أسطولًا عظيمًا، وتمكَّن من إنزال قوَّاته وعدد كبير من مدافعه بالقرب من مدينة «أوترانت»، ونجحت تلك القوات في الاستيلاء على قلعتها، وذلك في (جمادى الأولى 885هـ= يوليو 1480م).
وعزم محمد الفاتح على أن يَتَّخذ من تلك المدينة قاعدة يزحف منها شمالًا في شبه جزيرة إيطاليا؛ حتى يصل إلى روما، لكن المنيَّة وافته في (4 من ربيع الأول 886هـ=3 من مايو 1481م).
محمد الفاتح رجل الدولة وراعي الحضارة
لم تكن ميادين الجهاد والحرب التي خاضها محمد الفاتح خلال مدَّة حكمه -التي بلغت ثلاثين عامًا- هي أبرز إنجازاته؛ حيث اتسعت الدولة العثمانية اتساعًا عظيمًا لم تشهده من قبل، وإنما كان محمد الفاتح رجل دولة من طراز رفيع، فقد استطاع بالتعاون مع الصدر الأعظم قرة مانلي محمد باشا، وكاتبه ليث زاده محمد جلبي وضع الدستور المسمَّى باسمه، وقد بقيت مبادئه الأساسية سارية المفعول في الدولة العثمانية حتى عام (1255هـ= 1839م).
واشتهر محمد الفاتح بأنه راعٍ للحضارة والأدب، وكان شاعرًا مجيدًا له ديوان شعر، وقد نشر المستشرق الألماني «ج. جاكوب» أشعاره في برلين سنة (1322هـ= 1904م)، وكان الفاتح يُدَاوم على المطالعة وقراءة الأدب والشعر، ويُصاحب العلماء والشعراء، ويصطفي بعضهم ويُوليهم مناصب الوزارة.
ومن شغفه بالشعر عهد إلى الشاعر شهدي أن يُنَظِّم ملحمة شعرية تُصَوِّر التاريخ العثماني على غرار الشاهنامة التي نظمها الفردوسي، وكان إذا سمع بعالم كبير في فنٍّ من الفنون قدَّم له يد العون والمساعدة بالمال، أو باستقدامه إلى دولته للاستفادة من علمه، مثلما فعل مع العالم الفلكي الكبير علي قوشجي السمرقندي، وكان يُرسل كلَّ عامٍ مالًا كثيرًا إلى الشاعر الهندي خواجه جيهان، والشاعر الفارسي عبد الرحمن جابي.
واستقدم محمد الفاتح رسامين من إيطاليا إلى القصر السلطاني؛ لإنجاز بعض اللوحات الفنية، وتدريب بعض العثمانيين على هذا الفنِّ.
وعلى الرغم من انشغال الفاتح بالجهاد؛ فإنه عُني بالإعمار وتشييد المباني الراقية، فعلى عهده أنشئ أكثر من ثلاثمائة مسجد؛ منها 192 مسجدًا وجامعًا في إسطنبول وحدها، بالإضافة إلى 57 مدرسة ومعهدًا، و59 حمامًا.
ومن أشهر آثاره المعمارية مسجد السلطان محمد، وجامع أبي أيوب الأنصاري، وقصر سراي طوب قبو.
لقد كان الفاتح مسلمًا ملتزمًا بأحكام الشريعة الإسلامية، تقيًّا ورعًا؛ وذلك بفضل النشأة التي نشأها وأثَّرت فيه تأثيرًا عظيمًا، أمَّا سلوكه العسكري فكان سلوكًا متحضِّرًا لم تشهده أوربا في عصورها الوسطى، ولم تعرفه شريعتها من قبلُ.
![]()
.**

**