**هؤلاء ? أهل العصور الوسطى ? هم مَن أوصلوا لي ولك شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، كما أوصلوا أحكام المواريث وغيرها، فإما أن تأخذ بكل ما أوصلوه أو تتركه كلّه، ألم يوصلوا لك الإسلام ديناً كما أنزله الله؟ فأيّ عقل هذا الذي ينتقي بغوغائية جاعلاً نفسه حَكَماَ على العلماء وعلى " نصوص القرآن " كما قرّرت أنت؟
تقول أيها الكاتب:
(لا أتفق مع الخطأ الشائع “لا اجتهاد في موضع النص”. أنا أقول “لا اجتهاد إلا مع النص”. أما إذا غاب النص فكل شيء مباح ومسموح.)
أولاً: تعتبر أن الاجتهاد في موضع النص يصحّ
وأظنك بحاجة أن تدرك معنى:
" معرض النص" أو " ورود النص "
وهو: ثبوت دلالته القطعية.
وعبارة قطعية الثبوت والدلالة أصلا لا يدخل في بحث الفقه ولا الاجتهاد، لأن الفقه: الفهم، والاستنباط ومثل هذه الأدلة التي لا تحتاج إلى فهم، ولا إلى استنباط فليست من الفقه، ومثلها ما علم من الدين بالضرورة أيضا لا يدخل في بحث الفقه.
قال ابن أمير الحجاج في التقرير والتحبير: ( ثُمَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ )، وَهُوَ كَوْنُ الْفِقْهِ الظَّنَّ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْأَعْمَالِ الْمَذْكُورَةِ وَكَذَا عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الْفِقْهِ هُوَ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ الْمَظْنُونَةَ لِلْأَعْمَالِ الْمَذْكُورَةِ ( يَخْرُجُ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ الدِّينِيَّةِ) أَيْ يَخْرُجُ مِنْ الْفِقْهِ مَا صَارَ مِنْ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ الْمَعْرُوفِ انْتِسَابُهَا إلَى دِينِ الْإِسْلَامِ بِحَيْثُ صَارَ التَّصْدِيقُ بِهِ كَالتَّصْدِيقِ الْبَدِيهِيِّ فِي الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ حَتَّى اشْتَرَكَ فِي مَعْرِفَةِ كَوْنِهِ مِنْ الدِّينِ الْعَوَامُّ الْقَاصِرُونَ كَوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ، وَوَجْهُ الْخُرُوجِ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْعِنَادَ بَيْنَ الظَّنِّ وَالْعِلْمِ مَفْهُومًا قَائِمٌ وَكَذَا يَخْرُجُ هَذَا مِنْ الْفِقْهِ عِنْدَ مَنْ جَعَلَهُ عَلَمًا، وَاشْتَرَطَ فِي كَوْنِهِ مُتَعَلَّقًا بِالْأَحْكَامِ وَالْأَعْمَالِ الْمُشَارِ إلَيْهِمَا أَنْ يَكُونَ عَنْ اسْتِدْلَالٍ قِيلَ: وَالنُّكْتَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْفِقْهَ لَمَّا كَانَ لُغَةً: إدْرَاكُ الْأَشْيَاءِ الْخَفِيَّةِ حَتَّى يُقَالُ فَقِهْت كَلَامَك وَلَا يُقَالُ فَقِهْت السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ.
فتصبح الجملة: لا اجتهاد في المقطوع به
إذن فالنصّ ليس المقصود به اللفظ أو الجملة التي تعطي معنى معينا لا اجتهاد عنده، بل لها مفهوم معين عند الأصوليين الأصل فهمه والتعامل معه.
فأنت ? أيها الكاتب ? أطلقت كلمة النص وأسقطت عليه ما شئت من أفهام سقيمة دون وعي ولا بيان …والأهمّ من ذلك: دون تأصيل شرعي، فأنت من جهة تبتعد عن أحكام الله في مسائل، ومن جهة أخرى تعمل على جلب مصطلحات شرعية لتوهم القارئ الكريم بأنك تتكلم في دين الله عن علم وكلامك ? على الحقيقة ? يدلّل على خلاف ذلك تماماً.
وثالثة الأثافي أنك تقول بعدها:
(". أما إذا غاب النص فكل شيء مباح ومسموح )
فماذا تقصد بقولك: " كلّ شيء" ؟ بهذه الإطلاقة الغريبة العجيبة؟
وماذا تقصد بقولك: " كلّ شيء مباح " ؟
ألا تعلم أن " المباح " قسم من أقسام الأحكام الشرعية؟
وهو لا يُقال به إلا بما " ثبت بالدليل الشرعي " أن الشرع أباحه؟
فهات دليلك على ما قلته هنا.
ثمّ لاحظ كيف تناقض نفسك وأنت في الحالتين على خطأ:
(فلا أهتم بالنص إذا تعارض مع ما وراء النص)
مرّة تقول بالاجتهاد مع وجود النصّ
ثمّ تنسف ما قلت نسفاً في جملة تلتها حين لا تعتبرُ النصّ إن تعارض مع ما وراء النصّ!!
فما هو هذا الذي تسميه " ما وراء النص" ويكون مقدّساً عندك أكثر من النصّ بحيث
ترفض النصّ إن خالفه؟!!
فليلاحظ الأخ القاريء أن المسألة عند الكاتب ليست النصّ القرآني وما يرشد إليه من أحكام، بل المسألة الأهم عنده: ما وافق فهمه وحقّق شهوته!!
لا أريد أن أرهق عقل الكاتب فوق ما هو فيه من اضطراب في فهم الأحكام والنصوص وإسقاطاتها الشرعية سواء في مسائل الفقه أو الأصول، لكن أنا أرى أن القاعدة ليست قاعدة في أصول الفقه، ومحاولة تفسيرها أصوليا توجد إشكاليات مع قواعد أخرى في الأصول، لأن أصول الفقه تقر بالحاجة إلى الاجتهاد في النصوص وهذا هو أساس الاجتهاد لأن الاجتهاد لا يكون مما ينتجه العقل. لذلك لا بد من النظر إلى هذه القاعدة من زاوية أخرى، ولا يصحّ استخدامها في غير مواضعها وضوابطها " الشرعية المعتبرة "
يقول الكاتب:
(لا يقول أحد من الفقهاء، ممن أعلم، أن الإسلام لا يساوي بين الرجل والمرأة في مسألة الميراث. هم يقولون أن هنالك مساواة )
طبعاً سيأتي القول بأن الكاتب لا يُفرّق بين إطلاقتين شرعيتين وردتا في بحث الميرات والوصية وهما: العدلُ والمساواة…
فالخلط عنده فيهما واضحُ بيّن.
وقبل بيانهما أسأله:
معنى كلامك في الفقرة هذه أن العلماء ? ممن تعلم ? يقولون بالمساواة بين الرجل والمرأة في الميراث.
لاحظ أنك تقول " في المساواة " أي أن للذكر مثل ما للأنثى في الميراث.
طبعاً كلامك خطأ محض ولا يستند لشرع ولا لدليل، فهات دليلك واسرد لنا أسماء العلماء وما قالوه في " المساواة " كما تزعم.
وأرجوا أن لا تخلط بين " الميراث " و " الوصية " في مسألة العدل أو المساواة والفرق بينهما عظيم.
أمّا المساواة بالنسبة للذكر والأنثى في مسألة الميراث فتعني:
أنّ الشرع ساوى بينهما في أصل مسألة الإرث من حيث هو إرث، فللذكر حقّ فيه كما لها حقّ فيه، أي أنّ المساواة كانت لناحية أن التشريع أعطاها وأعطاه
أمّ العدل في هذا الحقّ المشروع فيكون على قاعدة العدل، والعدلُ يكون بأسمى وأعظم معانيه كما شّره الله لهما: للذكر مثل حظ الأنثيين.
فتأمّل ولا تخلط بين المعنيين.
قد يأتينا الكاتب الحقوقيّ بقول لأحد العلماء في مسألة أن المساواة واجبة بين الذكر والأنثى في الميراث، لكن، وحتى يدرك القاريء الكريم هذه النقطة التي أشرت إليها أقول احتراماً لعقله ووعيه:
قال بعض العلماء: إن التعديل يكون بالتسوية، أي أن يعطي الأنثى كما يعطي الذكر، واحتجوا بظاهر عموم حديث النعمان ـ رضي الله عنه ـ: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» ، و«أولاد» صالحة للذكر والأنثى، وبقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟»، فظاهره أنهم يعطون بالسوية ليكون البر بالسوية، ولكن لا دلالة في ذلك…
.**
