**بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة و السلام على رسول الله،وبعد،،،
الدسـتور
في ضوء ما يسمى “بالربيع العربي”
أبو الهمام الخليلي.
تصدرَ الدستورُ هذه الأيامَ كلَّ الوسائلِ الإعلاميةِ بعدَ أن أدخلَه المتنافسون إلى حلبةِ الصراع السياسي، فاكتظت البرامجُ الحواريةُ في الفضائياتِ والمنتدياتِ وشبكاتِ التواصلِ الاجتماعيِّ بمثقـفـين ومفكرين و سياسيين في جدليةٍ هي الأكبُر من نوعِها في التاريخِ بحثًا عن مخرجٍ للازمةِ التي تعيشُها شعوبُ المنطقةِ، فتجاذبوه فيما بينهم على نحويين: إصلاحيين وتغيريين، وكلٌّ يطرحُ الحلَّ من وجهةٍ مغايرةِ للآخر، فالإصلاحيون يرون أن الحلَّ يكمن في إجراءِ تعديلاتٍ على الدستورِ، مَعَ المحافظةِ على بعضِ النصوصِ كمكتسباتٍ لا يجوزُ التفريطُ بها، فيما يرى التغيريون أن هذه الدساتيرَ قد تجاوزها الشعبُ والزمنُ ولا تعبرُ عن قناعاتِ الشعوبِ فلا بد من إنتاجِ دستورٍ جديدٍ يتوافقُ و آمالَ الشعوبِ و تطلعاتِها. فهذا ينكرُ على ذاك و الكلُّ في حالةٍ من الإنكارِ والإنكارِ المضاد، بين متمسكٍ بالدستورِ ورافضٍ له .
لنلقِ نظرةً على معنى الدستورِ وما علاقتُه بالحكم،
من البَدَهِيِّ أن لكلِّ دولةٍ سلطانٌ يتولى المصالحَ العامةِ للأفرادِ ويشرفُ على تسيرِها وَفْقَ أفكارٍ هي مجموعةُ المفاهيمِ والمقاييسِ والقناعاتِ التي ارتضتْها الناسُ لها، فالدولةُ كيانٌ تنفيذيٌّ لمجموعةٍ من الأفكارِ على مجموعةٍ من الناس. وهذا التنفيذُ يحتاجُ إلى محدداتٍ تأخذُ شكلَ المنهجِ أو النظامِ لتسيرَ بحسبِه عمليةُ التنفيذِ، أُطلقَت عليها كلمةُ “قانون”، وهي كلمةٌ يونانيةٌ في الأصلِ وتعني"العصا المستقيمةَ"، وقد نُقِلت إلى العربيةِ عن الفارسيةِ بمعنى :“المنهجِ أو النظامِ الذي يُسارُ بحسبِه”، وبسببِ التعارضِ الطبيعيِّ بين مصالحِ الأفرادِ داخلَ الجماعةِ كان القانونُ ضرورةً لا بد منها، فالإنسانُ بطبيعتِه لا يستطيعُ العيشَ بمفردِه، ويَسعى دائمًا للمحافظةِ على وجودِه من خلالِ جماعةٍ يعيش بينهم، ومن الطبيعيِّ اجتماعُ الأفرادِ في جماعةٍ، و أن تنشأ بينهم علاقاتٌ دائميةٌ يحققون بها مصالحَهم، ولا يكون ذلك إلا بقانونٍ ينظمُ تلك العلاقاتِ من خلالِ دولةٍ مُنَظمةٍ بقوانينَ تحددُ لها شكلَها واختصاصاتِها.حتى تكونَ عمليةُ التنفيذِ قابلةً للفهمِ من قبلِ الأفرادِ فينساقوا وَفْق مفاهيمِها المرعيةِ، وقد اصطلحَ فقهاءُ القانون، وتحديدًا فقهاءُ القانونِ الدستوري، على تلك المجموعةِ من القوانين التي تحددُ شكلَ الدولةِ واختصاصاتِها وحقوقَ وواجبات ِكلٍّ من الحاكمِ والح كومين بالقانون الأساسي، أو القانون النظامي أو الدستور , والمعنى واحدٌ في جميعِها إلا أن كلمةَ الدستورِ قد أصبح لها الغلبةُ لشيوعِ استعمالِها.
فالدستور لغةً، هو كلمة فارسية نقلت إلى العربيةِ عن التركيةِ و هي من شقيين (دست و ور) و تعني صاحبَ القاعدةِ أو الأس.
أما اصطلاحًا فهو عبارةٌ عن مجموعةِ القواعدِ الأساسيةِ التي تبين شكلَ الدولةِ ،و نظامَ الحكمِ فيها ،والعلاقةَ بين الحاكمِ و المحكومين من حيثُ الحقوقُ و الواجبات.
ومن التعريفِ هذا نجدُ الإسلامَ يجيزُ استعمالَ هذا المصطلح، إذ المصطلحاتُ سواءٌ أكانت العربيةً منها أم أعجميةً جائزةٌ بشرطِ أن لا تخالفَ معنىً من المعاني التي قررها الاسلام، فالعبرةُ شرعاً في المعنى المقصودِ من اللفظِ لا اللفظَ في ذاتِه، وهذا ما دلت عليه الآياتُ و الأحاديثُ النبويةَ الشريفة. والدستورُ هو مصطلحٌ أعجميٌّ له معنىً مقصودٌ عند أهلِه ترجمَ إلى العربيةِ على أنه" القواعدَ الكليةَ التي تحددُ شكلَ الدولةِ واختصاصاتِها “وهذا المعنى أصيلٌ في الشريعةِ الإسلاميةِ المنبثقةِ عن العقيدةِ الإسلاميةِ والتي حددت شكلاً فريدًا للدولةِ مع تفصيلٍ دقيقٍ لاختصاصاتِها، فقد جمعت هذه القواعدُ الكليةُ كلاً من القوةِ والبساطة في التركيب والسلاسةِ والفعاليةِ في التنفيذ، وعليه لا يوجدُ ما يمنع من استخدامِه ، والدعوةِ إليه كأن نقولَ:” الدستور الإسلامي" أو “دستور دولة الخلافة”.
ونتيجةً للتفاعلاتِ السياسيةِ والفكريةِ داخلَ المجتمعاتِ، ظهرت الدولةُ الدستوريةُ بمؤسساتِها كتعبيرٍ عن إرادةِ الشعوبِ وفلسفتِها الخاصةِ عن الحياة، وقد حدد علماءُ القانونِ الدستوري من خلالِ تجاربِ الشعوبِ المختلفةِ أشكالاً متعددةً للدساتير ، وكيفياتٍ مختلفةً في إصدارِها ، وطرقِ اعتمادِها، و الفلسفاتِ التي تقوم عليها نصوصُها.
هذا من حيث المعنى والمدلولُ و موقفُ الإسلامِ منه بشكلٍ موجز.
أما كيفيةُ إصدارُها فهي مختلفةٌ باختلافِ المصدرِ التي صدرت عنه، لكنَّ مردَّها جميعَها إلى سلطةٍ أعلى من السلطةِ التشريعيةِ، تتولى هي مسؤوليةَ إصداره، “كالمجلسِ التأسيسيِّ” أو “الجمعيةِ الوطنيةِ” كما هو معمولٌ به في الدساتيرِ الوضعية. أو بوحيِ من الله تعالى لرسوله، تستنبط منه المواد الدستورية بالاجتهاد، كدستورِ دولةِ الخلافة القادمةِ بإذن الله.
والدساتيرُ الوضعيةُ التي ترى من وجهةِ التفسيرِ الماديِّ للحياةِ وتعتبرُ أن الانسانَ هو المادةُ العاقلةُ الوحيدةُ ولا عقلَ فوقَها، وقد عبر عن ذلك هيجل حين قال " لقد تجلى اللهُ في غريزةِ الإنسانِ ليقومَ من خلالِها بأعمالِه الخلاقة " أي أن اللهَ هو الإنسانُ العاقل.
وبحسب هذا يكونُ الإنسانُ هو المادةُ الوحيدةُ العاقلةُ في الوجود، و بالتالي فهو المصدرُ الطبيعيُّ للقانونِ ومهمتُه " أي عقلُ الإنسان " في الحياةِ هو إكتشافُ تلك القوانين الكامنةَ في الطبيعةِ و تحويلُها إلى تشريعاتٍ تحددُ شكلَ العلاقاتِ جميعِها .
ولهذا نجدُ أن معظمَ الدساتيرِ الوضعيةِ وقبلَ أن تصبحَ قانونًا ملزمًا للأفراد يتمُ عرضُها على الشعبِ في استفتاءٍ عامٍ بصفتِه صاحبَ السلطةِ الحقـيقةِ المنبثقةِ عن الأرادةِ العامةِ للأفراد التي تقبلُ أو ترفضُ ما تشاءُ بإرادتِها الحرة. ويكون رفضُ الفردِ أو قَبُوله مبنيٌّ على أساسِ مقدارِ ما سيتنازلُ عنه الفردُ من حقوقِه الطبيعيةِ التي منحتْه إياها الطبيعةُ في مقابلِ مقدارِ ما سيحصلُ عليه من حقوقٍ مدنيةٍ داخلَ الجماعةِ، بحسب ما استقرَّ في الفكرِ السياسيِّ الغربي.
أما عن مدى أهميتِه وتأثيرِه في مجرياتِ الأحداثِ على الساحةِ السياسيةِ، فإنه مما تقدم قد وَضُحت الغايةُ التي وضعَ من أجلِها الدستور، فعلى أساسِه تتشكلُ مؤسساتُ الدولةِ والتي بدورِها ستقومُ بالتنفيذِ الملزمِ للقانونِ على الحياةِ العامةِ فتتشكلُ العلاقاتِ جميعَها و بالتالي المجتمعَ وَفْقَ التشريعاتِ الناتجةِ عن تلك القواعدِ الكليةِ التي اعتمدتْها وثيقةُ الدستورِ وعليه فان كانت هذه القواعدُ الكليةُ غيَر مستمدةٍ من الإسلامِ كما هو في كلِّ الدساتيرِ المطبقةِ حاليًا في جميعِ بلدانِ العالمِ العربيِّ و الإسلاميِّ كانت حياةُ المسلمين العامةُ ودارُهم غيَر إسلاميةٍ ،يعانون فيها ضنكَ العيشِ وشقوتَه أما إن كانت القواعدُ الكليةُ للدستورِ مستمدةٌ فقط من الإسلامِ كما في دستورِ الدولةِ الاسلاميةِ القادمةِ بإذن الله فإن المسلمين سيأمنون على حياتِهم وأعراضِهم وسيسعدون بسعةِ دارِهم ورضى ربِهم .
إن الغربَ الاستعماريَّ ما زال مهيمناً على بلدانِنا، وهو غيرُ مهتمٍ على المدى القصيرِ أو البعيدِ بمنطقتِنا إلا من زاويةِ مبدئِه الرأسماليِّ ومصالحِه، فالغربُ ?لا سيما في ما يُسمى بالربيعِ العربي- لا يهمُه كثيراً “من يحكمُ” بقدرِ اهتمامِه “بما يحكمُ”، بمعنى، مشكلةُ الغربِ مَعَ المنطقةِ هي مشكلةُ نظامٍ و ليست مشكلةَ أشخاصٍ أو حركاتٍ، مشكلةُ نظامٍ بمعنى أنه مهتمٌ بالابقاءِ على القواعدِ التي تسيرُ عليها الدولةُ في سياساتِها جميعِها، وفي علاقاتِها الخارجيةِ ومعاهداتِها، فليس مهمٌ عندَه من يحكمُ إسلاميٌّ أم علماني، مادام ملتزمًا بقواعدِ النظامِ و معاهداتِه، أي مادامَ ملتزماً بالدستور، إذ ما معنى كلمةِ "النظام " إن لم تكن تدل على الدستورِ والمعاهداتِ التي يَقْتضي الدستورُ الالتزامَ بها؟! فالدستورُ إذاً هو حجرُ الزاويةِ في اللعبةِ الأمميةِ بيننا و بينَه.
إن المستَعْمِر يَستبقي الولاءَ السياسيَّ والثقافيَّ للبلادِ المستعمَرةِ بأساليبَ عدةٍ،كشراءِ الذممِ، والإرهابِ والتخويفِ، والاتفاقياتِ والمؤسساتِ الدوليةِ والإقليميةِ، ولكن هذه الأساليبُ لا تستطيعُ التحركَ إن وجدتْ ممانعةً من قبلِ الدستور، لذا يحشرُ المستعمِر أنفَه و خبراءَه في صياغةِ دستورِ البلاد المستعمَرة له.
ففي مصرَ،مثلاً لا حصراً، أمريكا تريدُ للجيشِ المصريِّ دوراً سياسياً و وضعاً خاصاً محصناً فى الدستورِ يشبُه إلى حدٍ ما وضعَ الجيشِ في تركيا ليكونَ حامياً لعلمانيةِ الدستورِ والدولةِ،و حامياً للاتفاقياتِ الدوليةِ الموقعة. فالمجلسُ العسكريُّ المصريُّ ذو الصبغةِ العلمانيةِ الموالِ للأمريكان يصرحُ بأن نسبةَ قليلةً فقط من نوابِ مجلسِ الشعبِ المنتخبين هي التي سوفَ تساهم في كتابةِ الدستور، بينما النسبةُ الغالبةُ الباقيةُ سوف يتمُّ تكليفُهم من قبلِ المجلسِ العسكريِّ، وأن مدنيةَ الدولةِ خطٌ أحمرٌ، وأن اتفاقيةَ كامب ديفيد لا يمكنُ إلغاؤها بحسب تصريحِ اللواءِ شاهين يومَ 27/11/2011 على قناةِ الحياة. فهذا انقلابٌ ناعمٌ على الثورة، فأمريكا في مصرَ إلى اليومِ منذ اليوم ِالأولِ للثورة، تلعبُ بالمقاومةِ المتغيرةِ للنظامِ لتكيفَه وَفْق مصالحِها، فتخلت عن مبارك و عصابتِه، وهي مستعدةٌ للتنازل عن أي رأسٍ آخر يريدُه الشعب، ما دام هذا بعيداً عن تغييرِ جوهرِ النظام، دستورِه و اتفاقياتِه.
وفي هذه المتغيراتِ والأجواءِ التي استجدت في البلادِ الاسلاميةِ على ضوءِ الربيع العربي ? كما يسمى ? برز التيارُ الاسلاميُّ في الواجهةِ من جديدٍ بل وأصبحَ الاقوى في تلك الواجهةِ إذ حققت التياراتُ الاسلامية في أغلبِ الانتخاباتِ التي تمت في البلاد الاسلاميةِ نجاحاً ساحقاً وأصبحت هي من تتولى زمامَ الامورِ في الحكومات فأين هي من الدساتيرِ الموضوعةِ وما تملك من مشاريعَ للامةِ التي انتخبتها لانها تمثلُ الاسلامَ من وجهةِ نظرِهم؟؟!!
إنه من المؤسفِ جداً أن تتحرك وتبحثَ، في أجواءِ وصول الاسلاميين إلى الحكمِ فتتعبُ ولا تجدُ للإسلاميين مجردَ مشروعٍ لدستورٍ جديد أو حتى مشروعَ تعديلِ موادٍ دستوريةٍ على أساسِ الإسلام، فلا تجد عندهم إسلاماً يحلون به مشاكلَ الناس وينهضون به بالشعوبِ فضلاً عن الأمةِ، وتكتشفُ الحقيقةَ وهي أن لا حلَّ في “الإسلام هو الحل” عند الحركاتِ التي رفعت “شعارَ الاسلام هو الحل”. وشعارَ “القرآن دستورنا” الذي رفعوه شعارٌ فضفاضٌ مبهم، ارتفع بهما الاسلاميون إلى العملِ السياسي والحكمِ و البرلمانِ وهم لا يمتلكون سوى قطعٍ متناثرةٍ من الأحكامِ التي لا يجدون طريقةً للعمل بها.
ووجدوا أنفسَهم تحتَ الهجومِ والضغطِ من التياراتِ العلمانيةِ والليبراليةِ وهي تصفُهم بأنهم مشروعٌ لقطعِ الايدي والرؤوسِ وجبايةِ الزكاةِ وتغطيةِ الرؤوسِ ولم يجدوا انفسَهم الا في موقفِ دفاعٍ وبدأو يحاولوا تحسينَ الصورةِ، تارةً بالتنازلاتِ وتارةً أخرى بالالتفافِ على الاحكامِ الشرعية . وهذا عبدُ المنعم أبو الفتوح يقول في معرِض دفاعِه:"إن شعارَ الجماعةِ «القرآنُ دستورُنا»، هو شعارٌ عاطفيٌّ وأدبيّ يعبرُ عن مرجعيةِ الجماعة، ولكنه لا يعبرُ عن منهجِها في العملِ السياسيِ الذي تحترمُ فيه القانونَ والدستورَ الوضعيَ للدولةِ، مؤكداً أن الجماعةَ تؤمنُ بحقوقِ المواطنةِ
وأن الامةَ مصدرُ السلطات". (هنا انتهى الاقتباس).
فهذه نتيجةٌ طبيعية لمن لا يملك مشروعَ نهضةٍ ولا دستوراً ولا يملك تصوراً واضحاً للعملِ السياسيِ في الاسلام وإنما يتصوره مجردَ وصولٍ للكرسيِ وبعدها تعمل العصا السحريةُ أعمالهَا .
وهذا التراجعُ في المواقفِ وعدم وضوح الرؤية لدى التيارات الاسلامية، اضفى بعضَ القوة للعلمانين في كلامهم أمام بسطاءِ الناس لان الردَّ ضعيف. فهذا المدعو “منصف المرزوقي يتحدثُ عن الاسلامين فيقول” يجب أن يكون للمرء قدر ٍكبير من الفكر السحريِّ لكي يتصور أن لـ"الإسلام هو الحل" أي دور في حلّ أزمةٍ كهذه. هل ستحمينا إقامة الحدودِ في كل مكان من جفافِ الأنهار وزحفِ الرمال؟ هل سيؤدي تغطيةُ كلِّ الرؤوس إلى انتهاءِ الاحتباسِ الحراري وتوقف نفث ثاني غاز أوكسيد الفحم في السماء؟ أليس المسلمون أضعف طرف في هذه القضية سواء تمسكوا بدينهم أكثر أم لم يتمسكوا"
أيها الإخوة،
إن الدستورَ في الاسلام يعطي التصورَ الكامل لنمطِ الحياة الذي نريد نقلَ المجتمع إليه، فهو يمثل مشروعَنا الحضاريَّ النهضوي، فلذا ينبغي فهمه بعناية وتفهيمُه الناسَ، بتبسيطٍ غيرِ مخل له وتصويرٍ للدولة التي تشأ عليه كمنظورٍ متكامل هندسي ثلاثي الأبعاد ،بالغِ الوضوح ،حتى تتبناه الأمةُ عن رضى و اختيارٍ و وعيٍ وشغف،ويعيش المشروع عيشاً حيوياً في ذهنِ الناس.
فضلاً عن أن الدستور يمثل أس البيعةِ و العقدَ المجتمعي بين الناسِ و السلطةِ، فهو بطبيعته، يفرض التزامات متبادلة حقوقاً و واجبات، على طرفي العقد ،فلا يصح أن يكون غيرَ مفهوم من الناس،لأن الناس يجب أن تفهم ما لها وما عليها، كما الدولةُ سواء بسواء.
وبما أن الأمةَ اليومَ قد نفضت عن نفسِها غبارَ الذلِّ و الخنوعِ وبدأت تتحسسُ طريق نهضتها وعزتِها بعد طول غيابٍ كان من الواجبِ بل لزاما على الثلة الواعية من أبنائها أن تأخذ بزمام المبادرةِ فيها بان تعرض لامتِها دستورًا يكون أساسَ القوانين المُفْضِيةِ إلى التغييرِ الحقيقي فترى الأمةُ أن كل قناعاتها قد تشكلت في دستورها فتنساق معه طوعا إلى طريق العزةِ ويعتقها من ربقة الدساتير الوضعية التي قد أوجدها الاستعمار و أجبرهم عليها من خلال عملائِه الحكام والسياسيين والمثقفين.
إن التركيز على ابراز الدستور كمشروعِ حياة، يؤكد دحضَ الوهم الذي يتوهمه البعض، من أن الاسلام سيقيم مجزرةً حال قيامه في الناس،سيقتل و يجلد ويرجم و يقطع !، فالتركيزُ على الدستور،سيبرز كم أن الاسلام مشروع حياة لا مشروع عقاب، وأنه يمتلك الحلَّ بالفعل،لا بالشعار،و أنه جاء ليحققَ للناس السعادة و الكفايةَ و الهناءة، وهو القادر على ذلك، فينالوا خير الدارين الدنيا والآخرة.
أبو الهمام
27/شباط/2012**