**الخليل…المدينة المغدورة( 4 )
معتصم حمادة
تعديات المستوطنين اليومية
سار بنا رفاقنا في أزقة المدينة القديمة للخليل. وتوقفنا عند مدخل السوق التجاري الكبير الذي بات من «حصة» الإسرائيليين. مخازن كلها مغلقة. وقد تحول السوق إلى ساحة للأشباح، لا حياة فيه ولا حركة. سألنا هل ما زالت هذه المخازن الضخمة ملكا لأصحابها، رغم أنها باتت تابعة لسلطات الاحتلال. أجابونا نعم «إذن من أين يعتاش أصحاب هذه المحلات، وهي مغلقة منذ أكثر من عشر سنوات؟. لم نتلق جوابا. سؤال آخر. هل تقوم السلطة الفلسطينية بالتعويض للتجار عن إغلاق محلاتهم بموجب اتفاق الخليل. الجواب: كلا هي لا تقدم لهم أية مساعدة. إذن ما الذي يضمن لنا أن لا يقوم بعض هؤلاء، وقد خسر كل شيء ببيع هذه المخازن والمحال التجارية لشركات أو أشخاص إسرائيليين. هل هناك رقابة على حركة البيع والشراء، هل هناك ضمانة أن تبقى هذه المحال المغلقة، ملكا لأصحابها. ثم لماذا يعمد العدو إلى إغلاقها، ولا يسمح لأصحابها بأن يزاولوا أعمالهم. الجواب الذي توصلنا إليه هو أن سلطات الاحتلال تتعمد تعطيل مصالح هؤلاء التجار، حتى يضطروا إلى بيع محالهم ومتاجرهم فيشتريها تجار أو شركات من إسرائيل، وهكذا يستولي الإسرائيليون على المدينة القديمة للخليل، بقوة القانون، ليدعوا بعدها أن هذه المدينة هي يهودية، والدليل أن مالكيها هم من اليهود.
ساروا بنا في السوق التجاري الآخر، المغلق والذي ما زال ملكا لأصحابه. دكاكين صغيرة ذات مداخل منخفضة. مواد تموينية متنوعة. خاصة وأن الشهر هو رمضان، حيث تزدهر تجارة المواد الغذائية في كل العالم الإسلامي.
السوق مسقوف بسقف من البلاستيك القوي، الذي لا يحجب نور الشمس، لكنه يمنع سقوط أي شيء فوق رأس التجار وزبائنهم. نظرنا حيث أشاروا إلينا، فلاحظنا أن السوق تعلوه مساكن ذات نوافذ عملاقة مسيجة بقضبان من الحديد، وفقا للطراز القديم. شاهدنا مثل هذا البناء في مدرسة عائشة أم المؤمنين في مدينة صيدا القديمة، وعشرات المنازل في مدينة دمشق القديمة. وكذلك في منطقة الاحباس، أي الدار البيضاء القديمة، وهذا يؤشر إلى أننا أمام طراز عربي في البناء. لكن الجديد، في الخليل أن سكان هذه البيوت التي تعلو السوق، هم من اليهود، احتلوا المنطقة بيتا بيتا، وبالقوة، وبحماية من الجيش الإسرائيلي . هؤلاء السكان يناصبون التجار في الأسفل العداء، فيرشقونهم بالقاذورات والقمامة وكل ما من شأنه أن يلوث البيئة ويثير الاشمئزاز. لذلك اضطر التجار إلى بناء هذا السقف من البلاستيك الشفاف، والذي تحول إلى مقالب للقمامة، فوق رؤس المارة، هذا العداء المستحكم، وهذا الحقد، وهذا السلوك الحيواني ذكرنا بزملائنا أصحاب الدعوة لدولة واحدة، كهدف مباشر، «يتعايش» فيها الفلسطينيون واليهود.
قطع الطريق علينا شاب يبيع التحف التذكارية، كحمالات مفاتيح عليها صدر عن الخليل، واقترح علينا، حين فشل في أقناعنا بشراء بعض ما يحمل، أن نزور «سيده» (جده) الحاج أبو سامي الذي زاحمهُ المستوطنون على بيته داخل الخليل القديمة، ثم طردوه منه، وهو اليوم يقيم في غرفة صغيرة ولا يتوقف عن التحرك للعودة إلى بيته المغتصب، رغم تقدمه في السن، وما لحق به من أضرار جسدية على يد المستوطنين وهم يطردونه من داره.
خرجنا من الحي القديم إلى دوار ابن رشد، توقفنا أمام بناء جرى ترميمه حديثا، واحتلت واجهته نقوش كان أبرزها الشمعدان السداسي المعروف، شرحوا لنا فقالوا هنا كانت مدرسة أسامة ابن منقذ، وقد احتلها المستوطنون وحولوها إلى مدرسة دينية.
عند وداعنا للخليل، أحسسنا بخيبة أمل عميقة، ولم نصدق أننا زرنا مدينة فلسطينية. لقد حول الإسرائيليون قلبها إلى مستوطنة يهودية، الفارق بين وضعه الآن، ووضعه سابقا، أنه كان في السابق نابضا بالحياة بينما هو اليوم يستعير صمت الصحراء وسكونها ومواتها.
… وللبحث بقية**
الخليل **