الثورة ورجل الدولة
الكاتب: خالد حمايه
عندما انتفض الناس في تونس، ومن ثَمَّ حذا حذوَهم أهلُ مصر وليبيا واليمن وسوريا، في وجه الأنظمة المستبدة والإجرامية، وبدأوا بالاحتجاج بشكل عفوي وتمكنوا من إسقاط الطغاة بن علي ومبارك، والقذافي وعلي صالح وفي انتظار السقوط المدوي لبشار، فأطلق على كل هذه الاحتجاجات والانتفاضات في البلاد العربية الثورات العربية باسم كل بلد اندلعت فيه.
فما معنى الثورة وما المقصود منها وكيفية قيادتها وكيفية قطف ثمارها وعلاقة النصرة بها؟، وما هو مصطلح سرقة الثورة أو الالتفاف عليها أو على الثائرين أو الاندساس بينهم؟ وما معنى حرف سير الثورة أو الانقلاب على الثورة؟ وأخيرا هل الثورة بحاجة إلى رجال دولة؟
لقد جرى تعريف الثورة عقب الثورة الفرنسية بأنها عبارة عن “قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه لتغيير نظام الحكم بالقوة”. وكان هذا التعريف تعبيرا عما حدث في فرنسا، وليس هو نتيجة دراسة معمقة لأن يصبح تعريفا جامعا مانعا. وقد أخذ الشيوعيون بهذا التعريف إلا أنهم استبدلوا بعبارة النخب والطلائع المثقفة عبارة الطبقة العاملة. وقد عرفها بعضهم بأنها الخروج عن الوضع الراهن سواء إلى وضع أفضل أو أسوأ من الوضع القائم. والخروج ضد المحتل وقتاله لإخراجه من البلاد سمي أيضا ثورة، كالثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، والثورة الفيتنامية ضد الفرنسيين أولا ومن ثم ضد الأمريكيين. وكذلك الانقلابات العسكرية في بعض البلاد سميت ثورات، كثورة 23 يوليو في مصر وثورة 14 تموز في العراق. وتطلق الثورة على غير ذلك مثل الثورة العلمية في أوروبا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، وقد تلازمت مع عقيدة فصل الدين عن الحياة، حيث نُحي الدين جانبا وقُدّس العلم وجُعل هو مصدر الحقيقة، فأحدثت تغييرا شاملا في كافة مجالات ونواحي الحياة وأثرت على جميع دول العالم.
وبجانب ذلك حصلت الثورة الصناعية عندما تم اكتشاف الآلة نتيجة هذا التقدم العلمي فأحدثت انقلابا شاملا في استعمال الوسائل في العالم؛ سواء وسائل الإنتاج أو وسائل المواصلات أو المعدات العسكرية وغير العسكرية وغير ذلك من المجالات. والثورة التكنولوجية التي أرّخ البعض لبدايتها نهاية القرن التاسع عشر وتطورت في القرن العشرين حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في أيامنا هذه، فأحدثت انقلابا في العالم لم تشهده البشرية. ولذلك عرف البعض التكنولوجيا بأنها طريقة التفكير في استخدام المعارف والمعلومات والمهارات بهدف الوصول إلى نتائج لإشباع حاجات الإنسان وزيادة قدراته. ولذلك اعتبروا الأجهزة الإلكترونية الحديثة كنتائج للثورة التكنولوجية التي أحدثت انقلابا في عالم الاتصالات وتبادل المعلومات وفي مجالات الصناعة والزراعة والطب وغيرها وما زالت مستمرة لتشمل كافة نواحي الحياة.
على ضوء ذلك نفهم مصطلح الثورة في أي مجال من المجالات بأنها تلك “الحركة البشرية الانقلابية التي تُحْدِثُ تغييرا مؤثرا في حياتهم”، وإلا لا يقال لها ثورة حسبما يفهم من استخدام هذا الاصطلاح، فنرى أن هذا التعريف أدق وأشمل من غيره حتى يكون التعريف جامعا مانعا. فهي حركة بشرية انقلابية، أي تقلب النظام القائم وتأتي بنظام جديد، وهذا النظام الجديد يحدث تغييرا مؤثرا في حياة البشر. ربما يكون شاملا يشمل كافة نواحي الحياة أو يشمل قطاعات مهمة منها فيكون في كلتا الحالتين تغييرا مؤثرا. سواء أكانت هذه الثورة سياسية أم غير ذلك من أنواع الثورات. ولكننا هنا في صدد البحث في الثورات السياسية والثورات التي تقلب النظام القائم في المجتمع وتحدث تغييرا مؤثرا فيه.
وعندما يجري الحديث عن الثورة لتغيير نظام الحكم، يتبادر إلى الذهن الحركة الشعبية ضد النظام القائم. لأن ذلك ظاهرها وواقعها، وهذا ما انطبع في أذهان الناس عندما دعا لها دعاتها وعندما تم تعريفها على أنها حركة شعبية. فربما تنفجر جموع الناس فجأة دون سابق إنذار من جراء الممارسات والأعمال التعسفية من قبل النظام القائم. فهي تشتعل في مكان ما ولكنها سرعان ما تعم كافة أنحاء البلاد. ومن ثم تقوم الجهات والتيارات المختلفة لتتبناها أو لتركب موجتها أو للعمل على حرفها عن مسارها سواء أكانت تلك الجهات نُخباً مثقفة أم حركات نشأت من جديد على أثر الثورة أم أحزابا وتنظيمات كانت موجودة أصلا وهي تعمل منذ زمن لتغيير النظام. فتعمل لتجميع الناس حولها لتعبر عن مطالبهم ولتقودهم حتى تحدث تغييرات مؤثرة وأساسية في حياتهم، وربما تكون جذرية، فيطلق على هذه الحركة التي تستهدف قلب النظام السياسي الحالي وتغييره بنظام جديد ثورة. والأساس في الثورة أن تأتي بنظام أفضل من سابقه لأن الناس ما قاموا وضحوا إلا ليأتوا بنظام أفضل وإلا يكون قيامهم عبثا أو أنهم لم يهتدوا للنظام الأفضل.
والحركة الانقلابية الصحيحة هي التي تغير المجتمع بتغيير مفاهيم الناس ومشاعرهم والنظام الذي يحكمهم بفكر صحيح. وهذا لا يكون إلا بالعمل الفكري السياسي بحيث تتجاوب الأمة معه. ويجب أن يكون بالعمل السلمي ولا تستخدم فيه القوة لأنه يهدف إلى تغيير مفاهيم الناس ومشاعرهم، لأنك تريد أن تقنع الناس وتجعلهم يتبنون هذه الأفكار من ذات أنفسهم من دون إكراه. ولكن عملية المباشرة بإسقاط النظام القائم أو تغييره حسب الفكر الجديد فإن الأصل أن تتم بشكل سلمي أيضا، لأن الناس عندما يقتنعون من ذات أنفسهم بالفكر الجديد الذي سيقوم عليه النظام الجديد فإنهم سوف يقومون بتغيير النظام بأيديهم إلا إذا كان سلطان البلد ليس بأيديهم أو أن يكون الذي في الحكم يملك قوة قادرة على أن تتصدى للثورة. وبذلك يصعب إسقاطه فعندئذ تحدث المواجهة. ولذلك احتاط رسول الله للأمر في بيعة العقبة الثانية إذا ما حدثت مقاومة من البعض فسميت تلك البيعة ببيعة الدم. ولكن لم تحدث مقاومة من الآخرين فبقيت سلمية من أولها إلى آخرها. وربما لم يحدث في العالم عبر التاريخ مثل هذه الحركة الانقلابية السلمية من بدايتها إلى نهايتها حتى وصولها إلى الحكم.
نريد أن نستعرض بعض الثورات بشكل مختصر لنتوصل إلى نتائج تهمنا في هذا الموضوع ولندرك طبيعة الثورات وما يحدث فيها لأن هناك أموراً متشابهة تحدث فيها.
الثورة الإيرانية:
الثورة الإيرانية لعب فيها عاملان؛ الأول كان ممثلا في الصراع الأمريكي الإنجليزي على البلد، وأما الثاني فكان تذمر الناس من ظلم الشاه واستبداده. فعندما اشتعلت الثورة في نهاية السبعينات من القرن الماضي رأينا أنه قد دخلها كل من هب ودب من حركات يسارية وقومية وليبرالية بجانب الحركات الإسلامية، إلا أن شخصية الخميني التي اكتسبت عراقة ولمعانا وجاذبية، وهو ما يعرف بالكاريزما، والتفاف الناس حوله وعدم لمعان الشخصيات السياسية الأخرى، ولأسباب تتعلق بالصراع الدولي حيث وقفت أمريكا وراء الخميني بعدما اتفقت معه، عندما رأت فيه القدرة على قيادة الشعب لإسقاط الشاه ونظامه الموالي لبريطانيا أكثر من الشخصيات الأخرى التي لم تكن مقبولة شعبيا وغير مجمع على قيادتها، وحاول الشاه أن يسحق الثورة بالقوة إلا أن أمريكا بدأت تضغط عليه واستطاعت أن تحيّد الجيش وأجبرت الشاه على مغادرة البلاد وسلم الحكم مؤقتا لشاهبور بختيار ولكن أمريكا أجبرت شاهبور بختيار على أن يسلم الحكم للخميني بعد عودته من فرنسا.
الثورة الأمريكية:
بدأت بحركات احتجاجية منذ عام 1773 أولا ضد المستعمر الإنجليزي لفرضه الضرائب الثقيلة وما سمي بالقوانين الجائرة على سكان المستعمرات وانتهت بحركة مسلحة ابتداء من عام 1775 بعدما بدأ المستعمر يستخدم القوة لإجبار الناس على دفع الضرائب والانصياع للقوانين الإنجليزية الجائرة التي رفضها الناس، وانتهت عام 1783 بإعطاء بريطانيا الاستقلال لها. فاعتبرت ثورة على أساس أنها أحدثت انقلابا مغايرا في البلد عن سابقه أحدث تأثيرا مهماً في حياة البشر، حيث لم تكن أمريكا دولة وكانت بلاداً مستعمرة من قبل الإنجليز، فأزالت سلطانهم وأوجدت سلطانا جديدا ودولة جديدة وشكلت شعبا جديدا، وأقامت نظاما جمهوريا جديدا مغايرا للنظام الإنجليزي الملكي، فتعتبر أول جمهورية في العالم الحديث وإن استندت من ناحية فكرية إلى الفكر الرأسمالي الديمقراطي الذي يتبناه الإنجليز والغرب عامة.
الثورة الفرنسية:
الثورة الفرنسية بدأت بتحركات احتجاجية على ظلم الملك ونظامه عام 1789، وتطورت إلى حركة دموية وتم التوصل إلى حل وسط بإقامة الملكية الدستورية عام 1792 ولكن الثورة لم تتوقف فاندلعت مرة أخرى وأعدم الملك وأعلن عن إقامة النظام الجمهوري عام 1794 وشكلت حكومة إدارة مؤقتة، وعرفت بالجمهورية المتشددة التي لا تقبل أثرا للعهد السابق وأتت بنظام جديد مختلف تماما عن النظام البائد. ولكن بعد ذلك تراجع المد الثوري وعاد ما سمي بالبرجوازيين المعتدلين وسيطروا على الحكم وانقلبوا على الثورة ووضعوا ما سمي بالدستور المعتدل وتحالفوا مع الجيش، إلى أن قاموا بانقلاب بقيادة الضابط نابليون بونابرت على ما سمي بحكومة الإدارة عام 1799 وعين كأول رئيس للجمهورية التي أعلنت. وبعد 5 سنوات من ذلك وافق مجلس الشيوخ الفرنسي على تنصيب نابليون إمبراطورا. وكل ذلك حدث بعدما اشتهر نابليون بحمايته للثورة كقائد عسكري في باريس فحمى حكومة الإدارة عام 1795 ضد الثورة المضادة التي قادها الملكيون، وفي عام 1797 أصبح القائد الفعلي للبلاد، وبعد سنتين ألغى حكومة الإدارة كما أسلفنا، ولم يعد النظام الجمهوري إلى البلاد إلا بعد هزيمة نابليون عام 1815.
>>>>>>>>2