دائرة التكفير ضيقة ودائرة الإسلام واسعة
نور الدين العلي**
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
وبعد،،،
التكفير يتعلق بالإيمان ولا يتعلق بالأفعال، والقاعدة أن من دخل الإسلام بالقطع لا يخرج منه إلا بالقطع، ولذلك فإن مسألة تكفير المسلم ليست أمرا سهلا.
والدخول في الإسلام هو الاعتقاد بأركان الإيمان فيه، ولذلك لا يخرج من دخل الإسلام منه إلا بوجود الخلل في هذه الأركان عنده، أي تسرب الشك أو الإنكار إلى أي منها، فمن أنكر وجود الله أخرج نفسه من ملة الإسلام، ولم تعد مسألة تكفيره مسألة ذات شأن إلا فيما يترتب على خروجه من الإسلام من أحكام شرعية كأحكام الردة، والتطليق والتوارث والدفن وغيرها من الأحكام.
إن مسألة التكفير ليست مسألة هينة، قال رسول الله عليه وآله أفضل الصلاة والسلام فيما رواه البخاري: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تخفروا الله في ذمته) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) رواه أحمد ومالك وغيرهما وهو حديث صحيح.
فالتكفير ليس أمرا هينا، ولذا فإن المسلم لا يكفر إلا بما لا تأويل فيه ولا مجال للشك فيه، فلا يكفر المسلم إلا إذا قال قولا لا يؤول إلا على سبيل الكفر، أو فعل فعلا لا يؤول إلا على سبيل الكفر، فإن قال: القرآن ليس من الله، أو قال لا يوجد إله، أو أن سيدنا محمدا عليه وآله أفضل الصلاة والسلام شخصية أسطورية، ولا وجود للجنة والنار، أو أن الإسلام دين فاسد وكذا وكذا أفضل منه، فإن كل هذه الأقوال أقوال كفر، وجملة لا يؤول إلا على سبيل الكفر أي لا مجال لفهم ما قاله إلا كفرا لا خلاف فيه، فلو قال: أشك ببعض آيات القرآن الكريم ثم سئل فقال: أشك في آية (ثلاثة أيام متتابعات) أو قال أنكر بعض ما قاله الرسول عليه وآله أفضل الصلاة والسلام، وفهم منه عندما سئل أنه ينكر أحاديث آحادا، أو قال: أنا عبد الرسول باعتبار تشرفه أن يكون عبدا بمعنى مولى للرسول عليه وآله أفضل الصلاة والسلام، أو استغاث بالرسول بسبب فهم خاطئ لقوله تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) أو فسر المقام المحمود في الآية بناء على حديث غير صحيح بأن يجلس الرسول بجانب ربه على العرش، أو قال بخلق القرآن، أو غير ذلك من إنكار بعض ما جاء في بعض الآيات ليس من باب إنكار الآيات وإنما من باب التأويل، أو غير ذلك مما فيه شبهة ويحول تأويله دون تكفير قائله، فإنه لا يكفر على ذلك كله، فلا بد إذن من القطع في حصول الكفر.
وكذلك الأفعال التي تنم عن الاعتقاد فقط، فمن استهزأ بالقرآن الكريم بأن وضعه (حاشا كتاب الله) في النجاسات مستهزءا بالقرآن أو بال عليه، أو بصق في ناحية القبلة مستهزءا فإنه يكفر، ولكنه إن قال وضعت المصحف في القذارات لأني لم أعرف أنه مصحف أو لأني أردت أن أخفيه من الكفار، أو كان أعمى وبال على المصحف أو بصق في ناحية القبلة ليس على سبيل الاستهزاء ولكن على سبيل الجهل أو عدم معرفة الجهة، كل ذلك لا يكفر فاعله ما دام يسع القاضي أو الحاكم أن يصرف الفعل إلى غير التكفير، ولا تأثير لذلك على عقوبة الفاعل أو نهره أو تعزيره.
والذي يحل إشكال القطع والتأويل هو الاستتابة والاستفهام، فهي توضح القصد من الكلام والفعل وسنبين لاحقا الفرق بين استتابة المرتد واستفهام المتأول.
ولذلك فإن دائرة التكفير ضيقة، ودائرة الإسلام واسعة، وإليك البيان:
قد يقول قائل: من كفر بالقطع أو بما يفهم منه الكفر بالفعل أو القول، ثم استتيب فإنه يعلم ابتداء بأنه سيطبق عليه حكم المرتد، ولذلك سيرجع عن كفره ويتوب، فما الفائدة إذن من هذا كله؟
ونقول: إن الإسلام جاء للناس كافة، وكل أحكامه الجماعية شرعت لتحقيق هذا القصد، فالدولة الإسلامية فوق كونها تدعو الناس إلى الإسلام فإنها تطبق أحكام الشرع وتلفت نظر الناس إليها ليدخلوا في دائرة الإسلام، ولذلك فمن أراد الدخول في الإسلام لا يقال له: ارجع. بل إن للفقهاء تفصيلا بصحة إسلام من أسلم ليتزوج مسلمة عشقها واشترطت عليه الإسلام ليتزوجها، وذلك لأن الإسلام دين الله تعالى، وليس من وضع البشر، والله عندما شرع هذا الدين فإنه يعلم جل وعلا أن هذا الدين هو الموافق للبشر الذين خلقهم جل وعلا ويعلم حقيقة خلق كل واحد منهم، ولذلك فإن مجرد الدخول في الإسلام يعني أن ينخرط الزائر الجديد بالمسلمين يجالسهم يتناسب معهم، يتعامل معهم، تطبق عليه الأحكام كما تطبق عليهم فيعرف دينه ويتمسك به.
ومن ناحية أخرى، لماذا قبل الإسلام من غير المسلمين أن يعيشوا في دار الإسلام ويدفعوا الجزية؟ أما كان الأولى أن يخيرهم بين الإسلام أو الموت، فتكون دولة الإسلام صافية من غير أبناء الإسلام، فتخف المؤامرات، وتنتهي الاختراقات؟ والجواب: لا، لأن الذي شرع هذا الدين هو الخالق جل وعلا وليس نحن، والذي شرع هذا الدين قال لنا: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) فهو خلقهم ليرحمهم لا ليعذبهم، ليهديهم لا ليضلهم، خلقهم ليعيشوا في منهجه الذي أنزله لهم متنعمين بعدله، ثم ليلتقيهم في الآخرة ليدخلهم جنته وهو غني عنهم سبحانه وتعالى.
وهنا يتبين لنا كيف أن دائرة الإسلام واسعة، الدخول فيه سهل وميسور، والتعويل يكون على العيش في أحكامه التي تنور العقل وتهذب النفس وتجعل من الزائر الجديد شخصية متميزة.
أما دائرة التكفير فمطلوب تضييقها، لأنه مطلوب دين الله تعالى، ولذلك شدد الإسلام في أحكام التكفير أيما تشدد، بل وصل الحال إلى اعتبار من شهد الشهادتين خوفا من القتل مسلما، وفي ذلك حادثة أشهر من أن تذكر، كما أن التشدد في التكفير يضمن صحة الارتداد إذا حصل.
وهنا يأتي موضوع الاستتابة، والاستتابة هي طلب التوبة من الآخر أي طلب الرجوع إلى ما كان عليه، وهي قرينة على ما أسلفناه، ورغم أن المرتد مستحق للقتل لكفره أولا ولعلمه ثانيا بأن جزاء كفره القتل فتكون الاستتابة بالنسبة إليه لا قيمة لها، إلا أنه يستتاب من أجل أن يرجع فإن رجع كان بها وإن لم يقبل لم يكن في قتله ندم.
وقد يقال بأن لبعض الفقهاء رأيا في الاستتابة، فمنهم من يراها مستحبة، ومنهم من لا يراها في حالة الزنديق والساحر، وأقول: نعم، لبعض الفقهاء رأي في ذلك، وما قدمناه يرد على موضوع الاستحباب، أما الزنديق والساحر فكل منهما قد ظهر عليه بما لا يقبل مجالا للشك استحلالهم للكفر والخروج عن الإسلام، وكل منهما زاد على ارتداده أعمال كفر تراكمت على بعضها لفترة معينة، ذلك أن المرتد قد يرتد في لحظات معدودة، ولكن الزنديق ارتد وظل على ارتداده، فعاش فترة من الزمن يظهر الإسلام ويبطن الكفر مع معرفة الغير به (وهذا هو الفرق بينه وبين المنافق) ثم عدم التدين بدين أو القول بالدهر ومشاعة الأموال والحرم أو غير ذلك.
أما الساحر فإنه ارتد أولا ثم مر في مراحل سحرية يقوم بها، كل واحدة منها فيها من الكفر ما تهد له الجبال، فهو لا يصل إلى مرتبة السحر إلا بعد أن يكفر ويكفر ويكفر، وليس أي كفر، سب لله تعالى بأقذر الشتائم (جل ربنا وتعالى) والتغوط على كتاب الله لأيام وليالي، وغير ذلك من الأعمال المستمرة في سلسلة من الحلقات الكفرية القذرة التي تقشعر لها الأبدان وتشمئز لها نفوس البهائم فكيف بالبشر، وعلى سبيل المثال قامت امرأة في أيامنا هذه بالذهاب إلى ساحر ليعقد لها سحرا يذل فيه زوجها لها، فطلب منها أن تضع كتاب الله تعالى (حاشا كتاب الله) في المرحاض (حاشاكم) كل يوم وتجلس عليه وتبول لعدة أيام ثم تقوم بأعمال أخرى لا تقل فظاعة عن هذا الفعل، المهم أنها قامت بما أمرها به، وتحقق لها مطلوبها ثم أهانت زوجها وانتقمت منه ثم تطلقت، وبعد مدة عادت إلى دينها وأرادت التوبة فاتصلت على الهواء بأحد العلماء، وقصت عليه قصتها، ثم قالت: ذهبت إلى الحج، واعتمرت عدة مرات، وأقرأ القرآن دوما، وأريد أن يتوب الله علي. فصعق الشيخ على مرأى ومسمع من المشاهدين لتلك القناة ولم يعرف ماذا يقول، وبعد برهة قال لها: أنت كافرة، كفرت بالله وخرجت من دين الإسلام، ماذا أفعل لك، ولا أظن أن لك توبة. ولا يهمنا هنا رأي الشيخ فقد يكون خطأ أو صوابا، ولكن سردت لكم هذه القصة لأبين لكم حال من يذهب إلى الساحر لتتصوروا حال الساحر نفسه. ولذلك يمكننا أن نفهم رأي بعض الفقهاء في عدم استتابة الزنديق والساحر.
وهكذا نلاحظ كيف تضيق دائرة التكفير وتتسع دائرة الإسلام، أرجو أن يكون شرحي واضحا.
ومن نافلة القول أن تضييق دائرة التكفير يستدعي وضع معايير ثابتة في مسألة التكفير، أي ما يعرف به المسلم من الكافر، وقد بينا بعض ما يتعلق بالتأويل، ومن المناسب هنا أن نذكر أن ما اختلف في كونه يخرج من الملة لا يكون مكفرا، فمن يقول بأن المستجير بالرسول عليه وآله الصلاة والسلام مشركا أو كافرا، لا تكون مقالته ثابتا في التكفير، ذلك لأنها مسألة مختلف عليها، وكذلك من يقول أن من قال بخلق القرآن فقد كفر، لا يجعل قوله ثابتا كذلك، للاختلاف فيه، فلا تكفير إلا بما قام القطع على أنه يخرج من الملة ولا شيء غيره.
بقيت مسألة وهي أن استفهام التأويل يأتي ابتداء من وجود قرائن توجبه، وهذه القرائن منها ما يتعلق بالمؤول، ومنها ما يتعلق بمسوغ التكفير، أما ما يتعلق بالمؤول فحاله، فقد يكون جاهلا ظاهر جهله، أو أعرابيا جاء من البدو ولما يدرس أحكام الإسلام، أو عالما معروفا بصلاحه، أو غير ذلك من الأحوال التي تتعلق بالشخص المشكوك في ارتداده تستدعي سؤاله والاستفهام منه.
أما ما يتعلق بمسوغ التكفير فهو لفظ الكفر أو فعله وهذا قد قدمنا فيه الكفاية إن شاء الله تعالى، فإن كان القول يفهم منه غير الكفر أو كان كفرا قيل تحت إكراه أو على سبيل النقل أو التمثيل أو الاستهزاء بالكفار أو غير ذلك فإنه يستفهم من قائله لمعرفة ما عناه من قوله. وكذلك الفعل الذي يمكن ألا يؤول على سبيل الكفر وقد قدمنا له أمثلة كثيرة.
بقيت مسألة أراها هامة جدا وهي أن الفعل في حالة المرتد أو المتأول هو الفعل الذي ينم عن الاعتقاد وليس أي فعل، ذلك لأن التكفير ابتداء وانتهاء هو مسألة إيمانية لا علاقة لها بالأعمال. ولذلك لا مجال لاعتبار أي فعل من المعاصي كفرا أو يؤول إلى الكفر، وأرجو ملاحظة هذا بشكل خاص، فالحكم بغير ما أنزل الله تعالى مثلا معصية وليس كفرا، وهو من أكبر المعاصي لما يترتب عليه من تعطيل الشرع، وتضييع الحقوق، وتفويت الفرصة على الناس مسلمين أو غير مسلمين أن يحيوا في ظل أحكام الإسلام حياة متميزة تنقل المسلمين إلى سعادة الآخرة، وتهيئ غير المسلمين ليدخلوا الإسلام من خلال عيشهم في المجتمع الإسلامي، وتطبيق أحكام الإسلام عليهم ليلحقوا بإخوانهم. فهو لا ينم عن اعتقاد.
وقد يقال لماذا نقول إذن أن من اعتقد بعدم صلاحية الإسلام يكفر أو اعتقد بأن غير الإسلام من مناهج البشر أفضل من الإسلام يكفر؟ وأقول: إن هذا ينطبق على أية معصية، فمن زنى فإن الأصل في معصيته هذه أنها مجرد معصية ويبقى الأصل فيه أنه مسلم، مع احتمال أنه يزني لأنه يعتبر أن تحريم الزنا شيء وهمي، أو أنه يعتقد أن الله جل وعلا (حاشا ربنا) أخطأ بتحريم الزنا أو غير ذلك، ولكن هذا كله لا يستدعي الاستتابة لأنه ظن في غير محله، ما لم يظهر من فاعله ما يدل على كفره.
وكذلك الحكم بغير ما أنزل الله، فقد يعتقد الحاكم أن الإسلام دين فاسد، أو أن الله (حاشا ربنا) لم يحسن تشريع الأحكام للناس، أو أن المنهج الفلاني أفضل من الإسلام، فإن هذا كله لا يعرف من مجرد الحكم بغير ما أنزل الله تعالى بل لا بد من وجود ما يدل عليه ليعتبر كفرا.
فالحاكم المسلم الذي يحكم بغير الإسلام يظل مسلما، مهما ظلم أو فسد، فإن هذا لا يخرجه من ملة الإسلام ما لم يكفر.
وأخيرا، فإن موضوع الاستتابة فيما لو نتج عنه الرجوع عن الكفر فإنه يترتب على فترة الاستتابة أحكام شرعية لسنا بصدد التفصيل فيها، وذلك مثل أن تطلق زوجته منه، وأن لا يرث وأن يغتسل وغير ذلك مما اختلف فيه الفقهاء.
أسأل الله تعالى أن أكون قد وفقت في توضيح معنى (دائرة التكفير ضيقة ودائرة الإسلام واسعة) لا حرمني الله من مشاركاتكم التي تسد العجز وتكمل النقص.