**- وقال الشيرازي: “التقليد في أصول الديانات لا يجوز. وقال بعض الناس يجوز ذلك وحكي ذلك عن عبد الله بن الحسن العنبري”(4).
-
وقال الرازي: “مسألة: لا يجوز التقليد في أصول الدين لا للمجتهد ولا للعوام وقال كثير من الفقهاء بجوازه”(5).
-
وقال اللقاني في جوهرته:
إذ كلّ من قلّد في التوحيد *** إيمانه لم يخل من ترديد
ففيه بعض القوم يحكي الخُلْفا *** وبعضهم حقّق فيه الكشفا
فقال: إن يجزم بقول الغير *** كفى وإلاّ لم يزل في الضير
- وقال البيجوري في شرح الجوهرة: “وحاصل الخلاف فيه أقوال ستة، الأول: عدم الاكتفاء بالتقليد بمعنى عدم صحة التقليد فيكون المقلد كافرا، وعليه السنوسي في الكبرى. الثاني: الاكتفاء بالتقليد مع العصيان مطلقا أي سواء كان فيه أهلية للنظر أم لا. الثالث: الاكتفاء به مع العصيان إن كان فيه أهلية للنظر وإلا فلا عصيان. الرابع: أن من قلد القرآن والسنة القطعية صح إيمانه لإتباعه القطعي، ومن قلد غير ذلك لم يصح إيمانه لعدم أمن الخطأ على غير المعصوم. الخامس: الاكتفاء به من غير عصيان مطلقا؛ لأن النظر شرط كمال فمن كان فيه أهلية النظر ولم ينظر فقد ترك الأولى. السادس: أن إيمان المقلد صحيح ويحرم عليه النظر، وهو محمول على المخلوط بالفلسفة”(6).
- الرأي الراجح في المسألة
إنّ المتتبع للخطاب القرآني يجد أن الله سبحانه وتعالى قد طلب من عباده أن يؤمنوا به، كما يجد أيضا أنه سبحانه قد طلب من عباده أن يتفكروا في مخلوقاته وعظيم قدرته ونعى على قوم إتباعهم الآباء وتقليدهم.
فقوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (136)} (النساء)، وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (170) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (171)} (النساء)، وقوله: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)} (آل عمران).
وقوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)} (الأعراف)، كلّ هذا يدلّ على أنّ الله سبحانه وتعالى قد طلب من عباده الإيمان أي التصديق الجازم، فإن تحقّق هذا التصديق الجازم والإيمان بما يجب الإيمان به، فقد تحقّق الطلب وعدّ الإنسان مؤمنا بلا ريب؛ فالله قد طلب من عبده الإيمان فاستجاب لطلبه وآمن، لذلك يقال عنه إنه مؤمن بغضّ النظر عن كيفية التوصل إلى هذا الإيمان وتحصيله، أي هل قلّد فيه أم أعمل الفكر أم غير ذلك.
إلا أنّه قد وردت آيات أخرى تحثّ على التفكر والتعقّل وتنهى عن التقليد وتذمّه، منها قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (170)} (البقرة)، وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (104)} (المائدة)، وقوله: {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)} (الغاشية). لذلك فإن الإنسان مثلما طلب منه الإيمان، طلب منه التفكر واجتناب التقليد، فإن آمن تقليدا ودون تفكر، فإيمانه صحيح؛ لأنّه حقّق الطلب، إلا أنّه آثم لأنّه لم يعمل بالمطلب الثاني وهو التفكر وعدم التقليد. ويكفي المؤمن هنا تفكر مرّة حتى يخرج من الإثم ويجتنب التقليد.
ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام، أننا لا نريد بالتفكر هنا الخوض في علم الكلام والغوص في المنطق، فإن ذلك ليس من التفكر المطلوب وإن قال به بعضهم، وكل ما نريده من قولنا التفكر هو ما درج عليه الناس بطبعهم وسجيتهم من استعمال عقلهم وإن اختلفت مستويات فهمهم وتدبرهم وحجاجهم. وقد غلا بعض الناس في هذا حتى ظنّ أن المفكر من أتقن علم الكلام وعلم الفلسفة وضبط المنطق، وهو أمر غير مقصود للشارع من طلبه التفكّر، ولا يكلّف الناس إلا بما قدروا عليه واستطاعوه.
ولا يفوتنا في هذا المقام التذكير بمسألة خطيرة ألا وهي واجب الخاصة. فالواجب على الخاصة ممن يظنّ أن إيمانهم مبني على تدبّر وتفكر وبراهين أن لا يفتشوا في قلوب العامة وعقولهم، هل آمنوا تقليدا أم تفكّرا، بل عليهم أن يدلّوهم إلى الطريق القويم بتعليمهم وحثّهم على إعمال النظر وتقريب الأدلة لهم وتبسيط البراهين حتى تعقلها عقولهم. فما أمرنا بالتفتيش في عقول الناس وقلوبهم، وما أمرنا بأن نفتن الناس عن دينهم بتصعيب المسائل وتعقيدها، بل أمرنا أن نبيّن لهم الحقّ بكيفية سهلة، فنخاطبهم بما يفهمون، ونأخذ بيدهم لتثبيت هذا الحقّ في قلوبهم وعقولهم. والله أعلم.
(1) ينظر (في سبيل العقيدة الإسلامية)، للشيخ عبد اللطيف السلطاني، ص21-22.
(2) ينظر (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني)، ج 21 ص94.
(3) ينظر (فتح الباري)، ج 13 ص351-353.
(4) ينظر (التبصرة)، ج1 ص401.
(5) ينظر (المحصول)، ج6 ص125.
(6) ينظر (شرح جوهرة التوحيد)، ص34-35.**