التفكير الإرتدادى

** التفكير الإرتدادى

الكاتب: د. ياسر صابر

التفكير الإرتدادى هو منهجية فى التفكير، تتأثر بالواقع حين إتخاذ القرار، سواء كان هذا القرار هو البحث عن حل لمشكلة، أو إدراك لواقع المشكلة نفسها. ويطغى هذا النوع من التفكير على الذين يتأثرون بالواقع، فيتخذونه مصدراً لأفكارهم بدل أن يكون الواقع هو مادة التفكير التى يُبحث لها عن إجابات من خارج الواقع نفسه. ومن أجل فهم هذا النوع من التفكير سوف نعطى عليه أمثلة عدة لتوضيحه.

أوروبا من الظلام إلى الظلام

لقد رزحت أوروبا عقوداً طويلة من تاريخها تحت ظلام الإقطاع وهيمنة الكنيسة، ووقف الدين حائلاً بين العلماء والنهضة، حتى أن هناك من علماء أوروبا من حكمت عليهم الكنيسة بالحرق، فى عملية متعمدة لتعطيل العقل عن أن يفكر. فأنشغل المفكرون والفلاسفة فى إيجاد طريقاً للنهضة، والخروج من هذا الظلام الدامس الذى خيم على أوروبا فى عصورها الوسطى، فوقع إدراكهم على أن الدين مشكلة كبيرة عندهم، بل هو العائق أمام تقدمهم ونهضتهم، وإن كان هذا الإدراك صحيحاً، فإن الحل لايمكن أن يخرج من هذا الواقع، أى بترك الدين، بل يكون بالإرتفاع عن الواقع نفسه ثم فى التفكير فى النهضة وأسبابها ثم محاولة فهم واقع الإنسان، ثم البحث فيما ينهضه. إلا أن إتباعهم للتفكير الإرتدادى جعلهم يؤسسون للنهضة بترك الدين، ولو أنهم بحثواً بحثاً صحيحاً لأدركوا أن المشكلة ليست فى الدين بل فى دينهم هم، ولو أمعنوا النظر لوجدوا أن نور الإسلام كان يُشع فى هذا الوقت على أوروبا نفسها، ولو أنهم إتبعوا الطريقة العقلية الصحيحة لأدركوا أن سبب تخلفهم ليس فى وجود الدين، بل فى إتباعهم لدين محرف، ولو كان الدين سبباً للتخلف لما نهض المسلمون به.

إذاً المنهجية الخاطئة فى التفكير هى التى تؤدى إلى الفشل فى إدراك واقع المشكلة، وبالتالى يؤدى ذلك إلى خطأ فى العلاج، فالفكر العلمانى الذى فصل الدين عن الدولة فى أوروبا قد أخرج الغرب من ظلام العصور الوسطى إلى ظلام الرأسمالية، فنقلها من ظلام إلى ظلام أخر، حتى لو تزين الظلام الأخير ببعض مظاهر المدنية التى مهما تعددت فلن تُغنى عن الحق شيئاً، ولن تجعل نهضة الغرب نهضة صحيحة، فهى نهضة خاطئة منذ نشأتها، وهاهى مدنيتهم لم ولن تنفعهم فى وقف أزماتهم الطاحنة على جميع الأصعدة.

إن النظر بتفحص إلى كل تفاصيل الفكر الغربى ترينا بما لايدع مجالاً للشك أنه فكر إرتدادى خرج كردة فعل على الواقع ولم يكن نتيجة بحث مستنير فى الكون والإنسان والحياة، فمثلاً الديمقراطية كنظام حكم قد إستحسنها الغرب بصرف النظر عن قدرتها على الحكم أم لا، ونرى الغرب قد تأثر بسيطرة رجال الإقطاع فكانت ردة فعله على ذلك قوله بحرية التملك، دون التفكر فى صحة هذه الفكرة عما إذا كانت تضمن توزيع عادل للثروة بين الناس أم لا، وقد تأثروا بنظرة الكنيسة للمرأة، التى كانت تعتبرها الكنيسة شيطاناً ولم تعطها من الحقوق شيئاً، فنادى أصحاب الفكر الإرتدادى بمساواة المرأة بالرجل بغض النظر عما إذا كانت هذه الفكرة صحيحة أم لا.

هذه بعض الأمثلة من الفكر الإرتدادى تبين أن الحضارة الغربية قائمة أساساً على هذا النوع سواء فى عقيدتها أم فى أنظمة حياتها. لذلك لايمكن لهذه الحضارة أن تصل إلى الحق فى أى جزئية من جزئياتها لأن الأساس الذى قامت عليه فى تناقض مع الحق دائماً.

إن الإرتفاع عن الواقع لايمكن أن يتم إلا بوجود فكر أساسى من خارج الواقع نفسه، وهذا هو ماقدمه الإسلام، حيث تفرد بأنه أتى وحياً من الله، فهو مرتفع بطبيعته عن الواقع، لذلك من جعل الإسلام أساس تفكيره، لايمكن أن يتأثر بالواقع مطلقاً ولايمكن أن يكون تفكيره ردة فعل على الواقع، لأن الأفكار التى أتى بها الإسلام تُجبر حاملها على أن يُخضع الواقع للفكر الذى أتى به الوحى وليس العكس.

ولأن الإسلام قد نزل وحياً من السماء، لذلك كانت عقيدته هى الحق المطلق، ولم تتأثر بأى واقع قبل الإسلام على عكس عقيدة فصل الدين عن الدولة، ومن العقيدة الإسلامية إنبثقت كل أنظمة الحياة، والتى تظهر بجلاء الإرتفاع عن الواقع فى معالجات الإسلام للمشاكل، فالأساس الذى يقوم عليه الفقه الإسلامى هو دراسة المشكلة وتحقيق مناطها، ثم الذهاب إلى مانزل به الوحى والإتيان بالعلاج للمشكلة.

لقد أتى الإسلام بمنهجية واضحة فى التفكير، تحول دون الإنزلاق فى وحل التفكير الإرتدادى، لذلك يسير المسلم فى الحياة على هدى ونور، ومهما واجهته من مشاكل، فالطريق عنده واضح والحلول جاهزة فى كتاب الله وسنة رسوله "ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ "البقرة 257

لذلك عصمت العقيدة الإسلامية المسلمين من ذلل التفكير الإرتدادى، ووضعتهم على أرض ثابتة لايمكن أن تميل بهم عن الحق إن بقوا واقفين عليها. ولهذا فأثر العقيدة الإسلامية يظهر فى كل سلوكهم فيقف المسلم أمام أى مشكلة، عالماً، يعرف الطريق الصحيح للتعامل معها ولاتستعصى عليه أى أمور مهما ظهرت صعوبتها لأن المنهج واضح فى الفهم وفى الحل.

وبالرغم من أن التفكير الإرتدادى هو صناعة غربية بامتياز، وخرجت من بين ضلوع العلمانية، إلا أن هناك من المسلمين أفراداً وجماعات من غلب عليهم هذا النوع من التفكير بسبب غياب الفهم المبدئى للإسلام وغياب تأثير العقيدة الإسلامية على سلوكهم، وبالتالى غابت عنهم المنهجية الصحيحة فى التعامل مع الواقع، ووقعوا فى ذلل التفكير الإرتدادى والأمثلة على ذلك كثيرة سوف نتعرض لها فى موضوع قادم إن شاء الله.**