التفسير بالمأثور

**السادس وهو الفصل: أن التفسير كان أول ما اشتغل به علماء الإسلام قبل الاشتغال بتدوين بقية العلوم، وفيه كثرت مناظراتهم. وكان يحصل من مزاولته والدربة فيه لصاحبه ملكة يدرك بها أساليب القرآن ودقائق نظمه، فكان بذلك مفيدا علوما كلية لها مزيد اختصاص بالقرآن المجيد، فمن أجل ذلك سمي علما.

ويظهر أن هذا العلم إن أخذ من حيث إنه بيان وتفسير لمراد الله من كلامه كان معدودا من أصول العلوم الشرعية وهي التي ذكرها الغزالي في الضرب الأول من العلوم الشرعية المحمودة من كتاب الإحياء، لأنه عد أولها الكتاب والسنة، ولا شك أنه لا يعنى بعلم الكتاب حفظ ألفاظه بل فهم معانيها وبذلك صح أن يعد رأس العلوم الإسلامية كما وصفه البيضاوي بذلك، وإن أخذ من حيث ما فيه من بيان مكي ومدني، وناسخ ومنسوخ، ومن قواعد الاستنباط التي تذكر أيضا في علم أصول الفقه من عموم وخصوص وغيرهما كان معدودا في متممات العلوم الشرعية المذكورة في الضرب الرابع من كلام الغزالي، وبذلك الاعتبار عد فيها إذ قال “الضرب الرابع المتممات وذلك في علم القرآن ينقسم إلى ما يتعلق باللفظ، كعلم القراءات، وإلى ما يتعلق بالمعنى كالتفسير فإن اعتماده أيضا على النقل، وإلى ما يتعلق بأحكامه كالناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، وكيفية استعمال البعض منه مع البعض وهو العلم الذي يسمى أصول الفقه” وهو بهذا الاعتبار لا يكون رئيس العلوم الشرعية.

والتفسير أول العلوم الإسلامية ظهورا، إذ قد ظهر الخوض فيه في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، إذ كان بعض أصحابه قد سأل عن بعض معاني القرآن كما سأله عمر رضي الله عنه عن الكلالة، ثم اشتهر فيه بعد من الصحابة علي وابن عباس وهما أكثر الصحابة قولا في التفسير، وزيد بن ثابت وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم، وكثر الخوض فيه، حين دخل في الإسلام من لم يكن عربي السجية، فلزم التصدي لبيان معاني القرآن لهم، وشاع عن التابعين وأشهرهم في ذلك مجاهد وابن جبير، وهو أيضا أشرف العلوم الإسلامية ورأسها على التحقيق.

وأما تصنيفه فأول من صنف فيه عبد الملك بن جريج المكي (المولود سنة 80هـ والمتوفى سنة 149هـ) صنف كتابه في تفسير آيات كثيرة وجمع فيه آثارا وغيرها وأكثر روايته عن أصحاب ابن عباس مثل عطاء ومجاهد، وصنفت تفاسير ونسبت روايتها إلى ابن عباس، لكن أهل الأثر تكلموا فيها وهي تفسير محمد بن السائب الكلبي (المتوفي سنة 146هـ) عن أبي صالح عن ابن عباس، وقد رُمي أبو صالح بالكذب حتى لقب بكلمة “دروغدت” بالفارسية بمعنى الكذاب وهي أوهى الروايات فإذا انضم إليها رواية محمد بن مروان السُّدِّى عن الكلبي فهي سلسلة الكذب، أرادوا بذلك أنها ضد ما لقبوه بسلسلة الذهب، وهي مالك عن نافع عن ابن عمر. وقد قيل إن الكلبي كان من أصحاب عبد الله بن سبأ اليهودي الأصل، الذي أسلم وطعن في الخلفاء الثلاثة وغلا في حب علي بن أبي طالب، وقال: إن عليا لم يمت وأنه يرجع إلى الدنيا وقد قيل إنه ادعى إلهية علي.

وهنالك رواية مقاتل ورواية الضحاك، ورواية علي بن أبي طلحة الهاشمي كلها عن ابن عباس، وأصحها رواية علي بن أبي طلحة، وهي التي اعتمدها البخاري في كتاب التفسير من صحيحه فيما يصدر به من تفسير المفردات على طريقة التعليق، وقد خرّج في الإتقان، جميع ما ذكره البخاري من تفسير المفردات، عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس مرتبة على سور القرآن. والحاصل أن الرواية عن ابن عباس، قد اتخذها الوضّاعون والمدلسون ملجأ لتصحيح ما يروونه كدأب الناس في نسبة كل أمر مجهول من الأخبار والنوادر، لأشهر الناس في ذلك المقصد.

وهنالك روايات تسند لعلي رضي الله عنه، أكثرها من الموضوعات، إلا ما روي بسند صحيح، مثل ما في صحيح البخاري ونحوه، لأن لعلي أفهاما في القرآن كما ورد في صحيح البخاري، عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي هل عندكم شيء من الوحي ليس في كتاب الله? فقال «لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن» ثم تلاحق العلماء في تفسير القرآن وسلك كل فريق مسلكا يأوي إليه وذوقا يعتمد عليه.

فمنهم من سلك مسلك نقل ما يؤثر عن السلف، وأول من صنف في هذا المعنى، مالك ابن أنس، وكذلك الداودي تلميذ السيوطي في طبقات المفسرين، وذكره عياض في المدارك إجمالا. وأشهر أهل هذه الطريقة فيما هو بأيدي الناس محمد بن جرير الطبري.

ومنهم من سلك مسلك النظر كأبي إسحاق الزجاج وأبي علي الفارسي، وشغف كثير بنقل القصص عن الإسرائيليات، فكثرت في كتبهم الموضوعات، إلى أن جاء في عصر واحد عالمان جليلان أحدهما بالمشرق، وهو العلامة أبو القاسم محمود الزمخشري، صاحب الكشاف، والآخر بالمغرب بالأندلس وهو الشيخ عبد الحق بن عطية، فألف تفسيره المسمى ب “المحرر الوجيز”. كلاهما يغوص على معاني الآيات، ويأتي بشواهدها من كلام العرب ويذكر كلام المفسرين إلا أن منحي البلاغة والعربية بالزمخشري أخص، ومنحي الشريعة على ابن عطية أغلب، وكلاهما عضادتا الباب، ومرجع من بعدهما من أولي الألباب.

وقد جرت عادة المفسرين بالخوض في بيان معنى التأويل، وهل هو مساو للتفسير أو أخص منه أو مباين. وجماع القول في ذلك أن من العلماء من جعلهما متساويين، وإلى ذلك ذهب ثعلب وابن الأعرابي وأبو عبيدة، وهو ظاهر كلام الراغب، ومنهم من جعل التفسير للمعنى الظاهر والتأويل للمتشابه، ومنهم من قال: التأويل صرف اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر محتمل لدليل فيكون هنا بالمعنى الأصولي، فإذا فسر قوله تعالى {يخرج الحي من الميت} بإخراج الطير من البيضة، فهو التفسير، أو بإخراج المسلم من الكافر فهو التأويل، وهنالك أقوال أخر لا عبرة بها، وهذه كلها اصطلاحات لا مشاحة فيها إلا أن اللغة والآثار تشهد للقول الأول، لأن التأويل مصدر أوله إذا أرجعه إلى الغاية المقصودة، والغاية المقصودة من اللفظ هو معناه وما أراده منه المتكلم به من المعاني، فساوى التفسير، على أنه لا يطلق إلا على ما فيه تفصيل معنى خفي معقول. قال الأعشى:

على أنها كانت تأول حبهـا = تأول ربعي السقاب فأصحبا

أي تبيين تفسير حبها أنه كان صغيرا في قلبه، فلم يزل يشب حتى صار كبيرا كهذا السقب، أي ولد الناقة، الذي هو من السقاب الربيعية لم يزل يشب حتى كبر وصار له ولد يصحبه قاله أبو عبيدة، وقد قال الله تعالى {هل ينظرون إلا تأويله} أي ينتظرون إلا بيانه الذي هو المراد منه، وقال صلى الله عليه وسلم في دعائه لابن عباس “اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل”، أي فهم معاني القرآن، وفي حديث عائشة رضي الله عنها “كان صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي. يتأول القرآن” أي يعمل بقوله تعالى {فسبح بحمد ربك واستغفره} فلذلك جمع في دعائه التسبيح والحمد وذكر لفظ الرب وطلب المغفرة فقولها “يتأول”، صريح في أنه فسر الآية بالظاهر منها ولم يحملها على ما تشير إليه من انتهاء مدة الرسالة وقرب انتقاله صلى الله عليه وسلم، الذي فهمه منها عمر وابن عباس رضي الله عنهما.

(نقلا عن التحرير والتنوير، م1 ج1 ص 10-17، دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس 1997م)**

**مقدمة

في التفسير والتأويل وكون التفسير علما

بقلم سماحة الأستاذ الإمام الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (رحمه الله)

التفسير مصدر فسّر بتشديد السين الذي هو مضاعف فسر بالتخفيف (من بابي نصر وضرب) الذي مصدره الفسر، وكلاهما فعل متعد فالتضعيف ليس للتعدية.

والفسر الإبانة والكشف لمدلول كلام أو لفظ بكلام آخر هو أوضح لمعنى المفسّر عند السامع، ثم قيل المصدران والفعلان متساويان في المعنى، وقيل يختص المضاعف بإبانة المعقولات، قاله الراغب وصاحب البصائر، وكأن وجهه أن بيان المعقولان يكلف الذي يبينه كثرة القول، كقول أوس بن حجر:

الألمعي الذي يظن بك الظ ن كأن قد رأى وقد سمعا

فكان تمام البيت تفسيرا لمعنى الألمعي، وكذلك الحدود المنطقية المفسرة للمواهي والأجناس، لاسيما الأجناس العالمية الملقبة بالمقولات فناسب أن يخص هذا البيان بصيغة المضاعفة، بناء على أن فعّل المضاعف إذا لم يكن للتعدية كان المقصود منه الدلالة على التكثير من المصدر، قال في الشافية “وفعل للتكثير غالبا” وقد يكون التكثير في ذلك مجازيا واعتباريا بأن ينزل كدّ الفكر في تحصيل المعاني الدقيقة، ثم في اختيار أضبط الأقوال لإبانتها منزلة العمل الكثير كتفسير صُحار العَبْدي وقد سأله معاوية عن البلاغة فقال: “أن تقول فلا تخطئ، وتجيب فلا تبطئ” ثم قال لسائله أقلني “لا تخطئ ولا تبطئ”.

ويشهد لهذا قوله تعالى {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا}.

فأما إذا كان فعل المضاعف للتعدية فإن إفادته التكثير مختلف فيها، والتحقيق أن المتكلم قد يعدل عن تعدية الفعل بالهمزة إلى تعديته بالتضعيف لقصد الدلالة على التكثير لأن المضاعف قد عرف بتلك الدلالة في حالة كونه فعلا لازما فقارنته تلك الدلالة عند استعماله للتعدية مقارنة تبعية. ولذلك قال العلامة الزمخشري في خطبة الكشاف “الحمد لله الذي أنزل القرآن كلاما مؤلفا منظما، ونزله على حسب المصالح منجما” فقال المحققون من شراحه، جمع بين أنزل ونزل لما في نزل من الدلالة على التكثير، الذي يناسب ما أراده العلامة من التدريج والتنجيم. وأنا أرى أن استفادة معنى التكثير في حال استعمال التضعيف للتعدية أمر من مستتبعات الكلام حاصل من قرينة عدول المتكلم البليغ عن المهموز. الذي هو خفيف إلى المضعف الذي هو ثقيل، فذلك العدول قرينة على المراد وكذلك الجمع بينهما في مثل كلام الكشاف قرينة على إرادة التكثير.

وعزا شهاب الدين القرافي في أول “أنواء البروق” إلى بعض مشايخه أن العرب فرقوا بين فرق بالتخفيف، وفرّق بالتشديد، فجعلوا الأول للمعاني والثاني للأجسام بناء على أن كثرة الحروف تقتضي زيادة المعنى أو قوته، والمعاني لطيفة يناسبها المخفف، والأجسام كثيفة يناسبها التشديد، واستشكله هو بعدم اطراده، وهو ليس من التحرير بالمحل اللائق، بل هو أشبه باللطائف منه بالحقائق، إذ لم يراع العرب في هذا الاستعمال معقولا ولا محسوسا وإنما راعوا الكثرة الحقيقية أو المجازية كما قررنا، ودل عليه استعمال القرآن، ألا ترى أن الاستعمالين ثابتان في الموضع الواحد، كقوله تعالى {وقرآنا فرقناه} قرىء بالتشديد والتخفيف، وقال تعالى حكاية لقول المؤمنين {لا نفرّق بين أحد من رسله} وقال لبيد:

فمضى وقدّمها وكانت عادة منه إذا هي عرّدت إقدامها

فجاء بفعل قدّم وبمصدر أقدم، وقال سيبويه “إن فعّل وأفعل يتعاقبان” على أن التفرقة عند مثبتها، تفرقة في معنى الفعل لا في حالة مفعوله بالأجسام.

والتفسير في الاصطلاح نقول:

هو اسم للعلم الباحث عن بيان معاني ألفاظ القرآن وما يستفاد منها باختصار أو توسع.

والمناسبة بين المعنى الأصلي والمعنى المنقول إليه لا يحتاج إلى تطويل.

وموضوع التفسير: ألفاظ القرآن من حيث البحث عن معانيه، وما يستنبط منه وبهذه الحيثية خالف علم القراءات لأن تمايز العلوم - كما يقولون - بتمايز الموضوعات، وحيثيات الموضوعات.

هذا وفي عد التفسير علما تسامح؛ إذ العلم إذا أطلق، إما أن يراد به نفس الإدراك، نحو قول أهل المنطق، العلم إما تصور وإما تصديق، وإما أن يراد به الملكة المسماة بالعقل وإما أن يراد به التصديق الجازم وهو مقابل الجهل (وهذا غير مراد في عد العلوم) وإما أن يراد بالعلم المسائل المعلومات وهي مطلوبات خبرية يبرهن عليها في ذلك العلم وهي قضايا كلية، ومباحث هذا العلم ليست بقضايا يبرهن عليها فما هي بكلية، بل هي تصورات جزئية غالبا لأنه تفسير ألفاظ أو استنباط معان. فأما تفسير الألفاظ فهو من قبيل التعريف اللفظي وأما الاستنباط فمن دلالة الالتزام وليس ذلك من القضية.

فإذا قلنا إن يوم الدين في قوله تعالى {ملك يوم الدين} هو يوم الجزاء، وإذا قلنا إن قوله تعالى {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} مع قوله {وفصاله في عامين} يؤخذ منه أن أقل الحمل ستة أشهر عند من قال ذلك، لم يكن شيء من ذلك قضية، بل الأول تعريف لفظي، والثاني من دلالة الالتزام ولكنهم عدوا تفسير ألفاظ القرآن علما مستقلا أراهم فعلوا ذلك لواحد من وجوه ستة:

الأول: أن مباحثه لكونها تؤدي إلى استنباط علوم كثيرة وقواعد كلية، نزلت منزلة القواعد الكلية لأنها مبدأ لها، ومنشأ، تنزيلا للشيء منزلة ما هو شديد الشبه به بقاعدة ما قارب الشيء يعطي حكمه، ولا شك أن ما تستخرج منه القواعد الكلية والعلوم أجدر بأن يعد علما من عد فروعه علما، وهم قد عدوا تدوين الشعر علما لما فى حفظه من استخراج نكت بلاغية وقواعد لغوية.

والثاني أن نقول: إن اشتراط كون مسائل العلم قضايا كلية يبرهن عليها في العلم خاص بالعلوم المعقولة، لأن هذا اشتراط ذكره الحكماء في تقسيم العلوم، أما العلوم الشرعية والأدبية فلا يشترط فيها ذلك، بل يكفي أن تكون مباحثها مفيدة كمالا علميا لمزاولها، والتفسير أعلاها في ذلك، كيف وهو بيان مراد الله تعالى من كلامه، وهم قد عدوا البديع علما والعروض علما وما هي إلا تعاريف لألقاب اصطلاحية.

والثالث أن نقول: التعاريف اللفظية تصديقات على رأي بعض المحققين فهي تؤول إلى قضايا، وتفرع المعاني الجمّة عنها نزّلها منزلة الكلية، والاحتجاج عليها بشعر العرب وغيره يقوم مقام البرهان على المسألة، وهذا الوجه يشترك مع الوجه الأول في تنزيل مباحث التفسير منزلة المسائل، إلا أن وجه التنزيل في الأول راجع إلى ما يتفرع عنها، وهنا راجع إلى ذاتها مع أن التنزيل في الوجه الأول في جميع الشروط الثلاثة وهنا في شرطين، لأن كونها قضايا إنما يجيء على مذهب بعض المنطقيين.

الرابع أن نقول: إن علم التفسير لا يخلو من قواعد كلية في أثنائه مثل تقرير قواعد النسخ عند تفسير {ما ننسخ من آية} وتقرير قواعد التأويل عند تقرير {وما يعلم تأويله} وقواعد المحكم عند تقرير {منه آيات محكمات}، فسمي مجموع ذلك وما معه علما تغليبا، وقد اعتنى العلماء بإحصاء كليات تتعلق بالقرآن، وجمعها ابن فارس، وذكرها عنه في الإتقان وعنى بها أبو البقاء الكفوي في كلياته، فلا بدع أن تزاد تلك في وجوه شبه مسائل التفسير بالقواعد الكلية.

الخامس: أن حق التفسير أن يشتمل على بيان أصول التشريع وكلياته فكان بذلك حقيقا بأن يسمى علما ولكن المفسرين ابتدأوا بتقصي معاني القرآن فطفحت عليهم وحسرت دون كثرتها قواهم، فانصرفوا عن الاشتغال بانتزاع كليات التشريع إلا في مواضع قليلة.**

**ومن الظاهر أن هذين العنصرين، وإن وجدا في بعض كلام ابن عباس، لا يصح اعتبارهما من التفسير بالمأثور؛ لأن مرجعهما إلى الفهم وإلى المعرفة العامة مما يجوز أن يكون محل خلاف مقبول من طرف من يفهم فهما غير الفهم الذي ارتضاه ابن عباس اعتماداً على شاهد غير الذي اعتمد عليه، أو جنوحا إلى تخريج للتركيب على غير ما خرجه عليه، أو يكون محل خلاف معتبر أيضا من طرف من عنده معرفة أمر من التواريخ أو أخبار الكتب السماوية القديمة يختلف عما عند ابن عباس، ويمكن توسيع المفاد القرآني به على خلاف ما رأى ابن عباس في توسيع المفاد القرآني بما لديه من المعرفة، ومن هنالك بدأ التفسير بالمأثور يختلف بلون آخر من التفسير يقبل اختلاف الأفهام، واختلاف التقادير، واختلاف الاجتهاد في استنباط المعنى تبعا لاختلاف ما يرجع إليه الاستنباط من فهم لغوي أو معرفة تاريخية لم تؤثر في السنة النبوية.

وكما كان التفسير بالمأثور يرد هذا المورد الممزوج بغير المأثور عند ابن عباس، كان يرد كذلك عند غيره من الصحابة المختصين بالتفسير، وقد تفرقوا بين المدينة والكوفة والبصرة والشام، فاستقر كل واحد أو جماعة منهم في واحد من هذه المراكز كما استقر ابن عباس في مكة.

ولكن المنقول من ذلك عن ابن عباس كان أوسع دائرة، وأتم رواجا، بسبب ما امتاز به ابن عباس من الاعتبارات التي أسلفناها.

وقد تكون بين يدي ابن عباس في مكة وتخرج عليه رجال من التابعين اختصوا برواية التفسير عن ابن عباس، كان نظر علماء الحديث إليهم، كنظرهم إلى غيرهم من المحدثين ورواة الأخبار، مختلف التقدير.

فكما وجد في أصحاب ابن عباس رجال مشهورون بالصدق والثقة والإتقان، يعتمد المحدثون إلى أخبارهم، ويسندون عنهم، مثل مجاهد، وعكرمة، وطاووس، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، وهم الذين خرج عنهم الإمام البخاري ما وجد في صحيحه من التفسير مسندا إلى ابن عباس، فقد وجد في أصحاب ابن عباس أيضا من كان منهم رجال الحديث على أشد الحذر، وأثبتوا أن في كل ما رووا نظرا، مثل الضحاك، وعطية بن سعيد، والسدي الذي يروي عنه محمد بن السائب الكلبي وقد ضرب بهما المثل في ضعف الحديث، حتى إنهم قالوا: إن أوثق سلاسل الإسناد هي: مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر وتسمى “سلسلة الذهب”، وأن أوهى السلاسل هي: الكلبي عن السدي عن ابن عباس وتسمى “سلسلة الخزف”.

وليس المراد بذلك، كما هو واضح، أن الضعف من ابن عباس، ولكنه من الراوي عنه المفتري عليه وكما ثبت هذا التقدير المختلف لأصحاب ابن عباس، ثبت لأصحاب غيره من الصحابة المشهورين بالرواية عنهم: من الحجازيين والعراقيين والشاميين، ونظرا إلى اشتهار ابن عباس في التفسير شهرته التي وصفنا، فإن الوضاعين والمنتحلين والمجازفين فتنوا بالكذب عنه، وإسناد الأكاذيب إليه، وحاشاه، وذلك شأن الانتحال في إرجاع كل منتحل إلى المشتهر في الباب الذي وقع الانتحال فيه، وبذلك أصبح السقيم فيما ينسب إلى ابن عباس غالبا على الصحيح، حتى ذكر علماء الحديث، نقلا عن الإمام الشافعي، أنه لم يثبت على ابن عباس في التفسير إلا نحو مائة حديث.

وبذلك ينبغي الاعتماد على أن تلك الكتب المشهورة ـ وقد طبع بعضها ـ المشتملة على تفسير كثير مسند إلى ابن عباس هي مصادر غير موثوق بها للتفسير عند العلماء، وأن التفسير الموثوق بنسبته إلى ابن عباس هو ما مرّ بغرابيل النقد فانتهى إلى الكتب الموثوق بها مثل صحيحي البخاري ومسلم وبقية الصحاح.

ونظرا إلى هذا الاختلاط الذي طرأ على التفسير بالمأثور في ما ورد عن ابن عباس وما ورد عن غيره، فإن علماء الحديث في أواخر القرن الأول لم يزالوا يتابعون هذه الأحاديث التي يقذف بها بين العوام كما قال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه. وذلك ببيان الصحيح من السقيم، والتنبيه على الراوي الموثوق به والراوي المقدوح فيه، فصارت تلك الأحاديث الرائجة بطريق النقل الشفهي في النصف الثاني من القرن الأول متبعة بتعاليق نقدية تتصل بها، هي التي علق بها عليها رجال النقد من أئمة الحديث.

فلما استهل القرن الثاني وبدأت العلوم الإسلامية في دور التدوين انبرى أحد الأئمة الثقاة من رجال الحديث، وهو عبد الملك بن جريج، المتوفى في سنة 149هـ إلى جمع تلك الأخبار في كتاب، فكان أول من ألف في التفسير، وهو على ثقته المشهود بها عند ابن سعد ومن بعده من علماء الرجال، لم يتحر آثار تلك النقود، ولكنه أورد الأقوال في تفسير القرآن على علاتها، فعقب كل خبر بما قيل فيه من تجريح أو تعديل، فدخل علم التفسير بذلك إلى حيّز التدوين الكتابي، على ما كان عليه من اختلاط بين الصحيح والسقيم على قابلية كل منهما التمييز عن الآخر، بما سبق من النقود منذ القرن الأول، فاحتاج هذا الوضع إلى دراسة نقدية لتلك النصوص وتخريج جديد لها بأسانيدها مع الإلمام بالنواحي الثلاث التي أصبحت أخبار التفسير راجعة إليها: وهي الأثرية، واللغوية، والعلمية، بحيث أصبح لكل ناحية من تلك النواحي الثلاث أثر في نقد الناحية الأخرى وتعديل ميلها، وتلك هي الخطة التي انتهجتها كتب التفسير ابتداءً من النصف الثاني من القرن الثاني.

منقول من كتاب (التفسير ورجاله) للشيخ محمد الفاضل بن عاشور.**

**التفسير بالمأثور

بقلم فضيلة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور (رحمه الله تعالى)

توفرت الدواعي على تطلب الأخبار الراجعة إلى التفسير المأثور في العصر النبوي، وزادت توفرا في عصر الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. وكان ذلك أولا مندرجا ضمن الأخبار التي يتناقلها الصحابة بعضهم لبعض؛ على ما وردت به الوصايا الكريمة من قوله صلى الله عليه وسلم: “ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب”. وقوله: “احفظوه وأخبروه من ورائكم”. وقوله: “نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما وعاها”.

فلما جاء العصر الثاني خضعت النقول المتعلقة بالأخبار التفسيرية للناموس العام للأحاديث والأخبار النبوية من احتمال الاختلاف والخلط، والمجازفة والوضع، أو الثبات، والإتقان، والتحري، والتصحيح، فشملته قواعد النقد التي وضعت للأخبار بصفة عامة، وترتبت في منازل المحدثين، وتعين المتهمون بالوضع والموسومون بالضعف، وتمحصت الأحاديث بتأييد بعضها ببعض، ورد بعضها لبعض، وطرحت الأحاديث الضعيفة والروايات المنكرة للصحيح المشهور الذي نقله الثقات المعروفون بالصدق والأمانة.

وتحت ذلك التيار الباهر من أنوار النقد والتمحيص، برزت الوجوه النضرة النيرة التي تحققت فيها الدعوة النبوية؛ وجوه الممتازين بإتقان الرواية وضبط الأخبار، وتصحيح الأحاديث، فأصبحوا مرجوعا إليهم في طلب المعارف التفسيرية مشارا إليهم بذلك، يتواصى بهم الطالبون وتضرب إليهم أكباد الإبل في طلب العلم.

فكما عرف رجال بصدق الحديث وإتقانه في عامة السنن والسير، وعرف رجال بالاجتهاد والفقه، فرجع إلى هؤلاء وهؤلاء فيما تميزوا بإتقانه من أمر الأثر أو من أمر النظر، فقد امتاز رجال آخرون بأنهم أثبات الأخبار، وحجج الآثار في تلك الشعبة المستقلة من الحديث، الممتازة بغاياتها المرتبطة بفهم القرآن، وهي شعبة الأخبار التفسيرية أو التفسير بالمأثور في ما يرجع إلى فرعي أسباب النزول ومبهمات القرآن.

قد تولى حافظ الإسلام العظيم جلال الدين السيوطي حصر الممتازين في عصر الصحابة بدقة المعرفة في تفسير القرآن، كما تولى حصر الممتازين بالاجتهاد للرجوع إليهم في الفتوى فذكر في كتاب (الإتقان): أن أعلم الصحابة بالتفسير، وأتمهم امتيازا من البقية بطول الباع في الإعراب عن معاني القرآن، بصورة مسلم لهم فيها من بقية معاصريهم من الصحابة إنما هم الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم، ثم عبد الله بن مسعود، والزبير بن العوام، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله ابن عباس رضي الله عنهم. وقد كان لسبق وفاة التسعة الأولين من هؤلاء العشرة، وقلة اختلاطهم بالناشئة الغالبة في عصر التابعين، ما رفع منزلة آخر العشرة وأصغرهم، وأبرز مقامه في جيل لم يجد الناس فيه مفزعا للحديث في التفسير أتم اضطلاعا به منه، ونعني به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس؛ فإنه لم يبق عند منتصف القرن الأول من الهجرة من بين الصحابة وغيرهم إلا مذعن لابن عباس، مسلم له مقدرته الموفقة، وموهبته العجيبة وعلمه الواسع في تفسير القرآن.

وقد اتصل تفسير القرآن عند ابن عباس، بعناصر زائدة على العنصرين اللذين قدمناهما في الحديث الماضي: وهما عنصر أسباب النزول، وعنصر مبهم القرآن.

فكان ابن عباس يضيف إليهما عنصرا لغويا في فهم معنى المفرد، أو فهم سر التركيب، ويتخذ مادة لذلك من الشعر الجاهلي. فكان كثيرا ما يقول عندما يسأل عن معنى من تراكيب القرآن فيقرره: أما سمعتم الشاعر يقول كذا، وينشد البيت كما أثبت ذلك ابن سعد في (الطبقات)، ونقل عنه الطبري أنه قال: “إذا تعاجم شيء من القرآن فانظروا في الشعر فإن الشعر عربي”، وكثيرا ما كان يفسر الكلمات ببيان أنها معرّبة عن لغة أخرى، ويرجع بها إلى اللغة التي عربت منها، فيبين معناها فيها، وقد وردت أقوال كثيرة عنه في ذلك في صحيح البخاري.

وعنصر آخر أضافه ابن عباس على ما نقل عنه في المصادر المعتمدة إلى تفسير القرآن، هو عنصر الأخبار التي لم تجئ في حديث النبي صلى الله عليه وسلم مما يرجع إلى بيان مبهمات القرآن، وذلك ما كان يرجع فيه إلى مصادر المعرفة المتوفرة لديهم يومئذ من التاريخ العام وأخبار الأمم، لاسيما الأمتين الكتابيتين: اليهود والنصارى.

________________**